سمع الحديث من جماعة من أصحاب السِّلفي، منهم العلامة ابن بنت الجُمَّيْزيّ (^٣)، وسمع من الحافظ عبد العظيم المنذري، والعلامة أبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي الفضل المرسي، وغيرهم.
كان أديبًا شاعرًا، اشتغل بالفقه على مذهب الشافعي، ودرس بالمدرسة المعروفة بمصر بزَيْن التجار، وصحب علم الدين سنجر الشجاعي (^٤)، وصارت له وجاهة ورئاسة، تتردّد إليه العلماء والأعيان.
_________________
(١) هو شمس الدين محمد بن عثمان بن أبي الحسن الدمشقي الحنفي ابن الحريري قاضي القضاة، توفي سنة ٧٢٨ هـ. العبر: (٤/ ٨٤).
(٢) انظر ترجمته في: تاريخ الإسلام: (٥٢/ ٢٤٠)، العبر: (٤/ ١٢٢)، تاريخ حوادث الزمان: (١/ ٣١٥ - ٣١٦)، طبقات الشافعية الكبرى: (٨/ ٥ - ٦)، عيون التواريخ: (٢٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، المقفى الكبير: (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، عقد الجمان: (٣٠١).
(٣) هو بهاء الدين أبو الحسن علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم المصري الشافعي اللخمي، المعروف بابن بنت الجُمَّيْزي، توفي سنة ٦٤٩ هـ. ذيل التقييد: (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٤) هو الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الشجاعي المنصوري، وزير الديار المصرية، ووالي نيابة دمشق، قتل سنة ٦٩٣ هـ. النجوم الزاهرة: (٨/ ٥١).
[ ١ / ٨٥ ]
ولما درّس بمصر تعصَّب عليه جماعة، ونفوا عنه الأهلية، فقال: معي أجائز، فقالوا: أنت حاضر نتكلم معك، ففوَّض الأمر إلى قاضي القضاة أبي عبد الله ابن جماعة، وعقد مجلس، وكتب له قاضي القضاة ثلاثين مسألة تفصيلية، والعلم إذا لم يكن ملكة لصاحبه، ظفر معاديه بمعايبه، فظهر عجزه، واختفى عزُّه، وصُرف عن تدريس مذهب ابن إدريس، ونفر عنه الأنيس، وكان ممن قام عليه وجاهره: نور الدين علي الونائي، وكان يمرُّ بالقرافة كثيرًا، فعلَّم العلم عليه الوالي، فضربه ضربًا مؤلمًا.
وللعَلَم شعر حدّث بشيء منه، روى عنه جماعة من الفضلاء شيئًا منه.
أنشدني الشيخان العالمان شيخنا أثير الدين أبو حيّان، وشمس الدين محمد بن علم الدين المذكور، قالا: أنشدنا لنفسه قوله:
رفقًا بها فشوقها قد ساقها … يا حبّذا الوادي الذي قد شاقها
حجازها جنَّبها شامها … وفي هوى نجدٍ جفت عراقها
لمّا بدت من طيبة أعلامها … حنَّت ومدَّت طربًا أعناقها
يا أهل نجدٍ مهجتي في حبّكم … أسيرةٌ لا أبتغي طلاقها
مالي أرى صبري عليكم خانني … وأدمعي قد نقضت ميثاقها
حشاشتي لديغة الهجر وما … أحسب غير وصلكم دِرْيَاقَهَا
أحبابنا لا تسألوا عن مهجةٍ … أيقنتُ مُذْ فارقتكم فراقها
يا لوعةً حملتُها لو عرضت … يومًا على رضوى لما أطاقها
لو تفهم الوِرقُ حنيني نحوكم … حنَّت معي ومزَّقت أطواقها
ولو يذوق عاذلي صبابتي … صبا معي لكنه ما ذاقها
[ ١ / ٨٦ ]
أقسمت ما أعجبت قلبي غيركم … ومقلتي سواكم ما راقها
وأنشدني الشيخ أبو حيّان أيضًا، قال: أنشدني علم الدين المذكور لنفسه ﵀، قوله:
أنت أوزعتني ثناءً وشكرًا … حيث أوزعتني عطاءًا وبرا
فتحوَّلت من أياديك سحبًا … وتنوّلت من عطائك بحرا
فمن السحب صار حظيَ روضًا … ومن البحر صار لفظي درًّا
وأنشدني ابنه شمس الدين الذكور قال: أنشدني والدي ﵀ لنفسه، قوله:
إذا ما قصدت جناب الحبيب … مشوقًا لتقبيل آثاره
وكابدت في السّير أهوالَه … ومارست أصعب أخطاره
نسيت المواضي من المؤلمات … عند وصولي إلى داره
ولد في شهر رمضان سنة ثلاثين وست مئة، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين منها، في ما أخبرني به ابنه الشيخ شمس الدين، ﵁.