من جزيرة شقر، من عمل بلنسية.
كان كاتبًا أديبًا شاعرًا.
كتب لوُلاة بني عبد المؤمن، ثم استكتبه ابن هود حين تغلَّب على الأندلس، وربّما استوزره في بعض الأحيان.
قال ابن سعيد: وكان والدي يكثر مجالسته، وكان كثير التهور كثير الطَّيش، ذاهبًا بنفسه كل مذهب.
قال: وكنت أجالسه كثيرًا، سمعته مرة وهو في محفل يقول: يقيمون القيامة بحبيب
_________________
(١) في المصادر: تاسع عشر.
(٢) انظر ترجمته في تحفة القادم: (٢٢٢ - ٢٢٣)، الإحاطة: (١/ ١٠٤ - ١٠٨)، البيان المغرب: (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، اختصار القدح المعلى: (١١٤)، نفح الطيب: (٣/ ٣٠٧ - ٣١٠، ٤٨٨)، و(٤/ ١٥٤ - ١٥٥)، تاريخ آداب العرب: (٣/ ١٩٥)، الأعلام: (١/ ١٤٠).
[ ١ / ٩٩ ]
والمتنبّي والبحتري، وفي عصركم من يهتدي إلى ما لا اهتدوا إليه، فقال له شخص فيه قحةٌ وإقدام: يا أبا جعفر ما أظنك تعني إلا نفسك، فقال: نعم، فقال: فأرنا برهان ذلك، فقال: ولم لا وأنا الذي أقول ما لم يتنبَّه له متقدِّم ولا يهتدي لمثله متأخر، ثم أنشد شعر:
يا هل ترى أظرف من يومنا … قلَّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانه … مرقصة كل قضيب وريق
والشمس لا تشرب خمر النّدى … في الأرض إلا بكؤوس الرحيق
قال: فلم ينصفوه في الاستحسان، وردّوه في الغيظ إلى أضيق مكان، فقلت له: يا سيّدي هذا هو السّحر الحلال، فبالله إلا ما زدتني من هذا النّمط، فأنشد وقال قوله: شعر
أدِرْهَا فالسَّماء بدت عروسًا … مضمّخةً الملابس بالغوالي
وخدُّ الرَّوض حمرته أصيل … وجفن النَّهر كُحِّل بالظلال
وجيد الرَّوض يشرق في لآلٍ … تضيءُ بهنّ أكناف الليالي
فقلت له: زد وعد، فعاد والارتياح قد ملك عطفه، والتيه قد رفع أنفه، وأنشد: شعر
لله نهرٌ عندما زرته … عاين طرفي منه سحرًا حلال
إذ أصبح الطّل به ليلة … وجال في الغصن شبيه الخيال
فقلت: زدنا، فأنشد وقال: شعر
ولمّا ماج بحر اللَّيل بيني … وبينكم وقد جدَّدت ذكرا
[ ١ / ١٠٠ ]
أراد لقاكمُ إنسان عيني … فمدَّ له المنام عليه جسرا
فقلت: إيه، فأنشد وقال: شعر
ولما أن رأى إنسان عيني … بصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسرًا … كما مدَّ الظلام على الضياء
فقلت: أعد، فأعاد، وقال: حسبك لئلا تكثر عليك المعاني فما تقوم بحقِّها، وأنشد وقال: شعر
هات المدام إذا رأيت شبيهها … في الأفق يا فردًا بغير شبيه
فالصبح قد ذبح الظلام بنصله … فغدت تخاصمه الحمائم فيه
قال: وكان قد تهتك في علج لابن هود، ولكثرة انهزام ابن هود ربّما انهزم مع العلج، وفيه يقول: شعر
ألفتُ الحرب حتّى علمتني … مُقارعة الحوادث والخطوب
ولم أر عالمًا وأبيك حربًا … بغير لواحظ الرشأ الرّبيب
فها أنا بين تلك وبين هذي … مصابٌ من عدوٍّ أو حبيب
ولما هرب بالعلج إلى سبتة، أحسن إليه القائم بها أبو العبّاس السبتي، فلم يقنع بذلك الإحسان، وصار يأتي بما يوغر صدره، فقال أبو العباس يومًا في مجلسه: أنا رميت مرّة بقوس فبلغ السّهم كذا، وذكر أمدًا بعيدًا، فقال ابن طلحة لشخص بجانبه: لو كان قوس قزح ما بلغ كذا، فشعر به أبو العبّاس، فأسرّها في نفسه، ثم بلغ أنه هجاه بقوله، شعر:
[ ١ / ١٠١ ]
سمعنا بالموفق فارتحلنا … وشافعنا له حسب وعلم
ورمت يدًا أقَبّلها وأخرى … أعيش بنيلها أبدًا وأسمو
فأنشدنا لسان الحال فيه … يدٌ شلا وأمرٌ لا يتم
فزاد أبو العبّاس في حنقه، وصار مترصّدًا له الغوائل، فحُفِظَت عنه أبيات قالها وهو على حالة استهتار في رمضان، وهي قوله، شعر:
يقول أخو الفضول وقد رأى بي … على الإيمان يغلبنا المجون
أتنتهكون شهر الصّوم هلّا … حماهُ منكم عقل ودين
فقلت اصحب سوانا نحن قومٌ … زنادقةٌ مذاهبنا فنون
نُدين بكل دين غير دين الرّ … عاع فما به أبدًا ندين
بحيِّ على الصبوح الدّهر ندعوا … وإبليس يقول لنا آمين
فيا شهر الصيّام إليك عنّا … إليك ففيك أكفر ما نكون
فأرسل أبو العبّاس من هجم عليه وهو على هذه الحالة، وأظهر أنه يرضي العامة بقتلِه، فقتَلَه، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وست مئة، والله أعلم بحاله.