كان شاعرًا مجيدًا، وفيه عروبية ومكرمة، وكان كثير الهجو، وبسببه حصل له التعب.
_________________
(١) انظر ترجمته في: أعيان العصر: (١/ ٢٥٤ - ٢٥٦)، الوافي بالوفيات: (٧/ ٢٤ - ٢٥)، فوات الوفيات: (١/ ٨٢ - ٨٣)، الدرر الكامنة: (١/ ١٨٨ - ١٩٢)، السلوك: (٢/ ٤٤٤)، النجوم الزاهرة: (٩/ ٢٤٩)، شذرات الذهب: (٨/ ٤٣٢).
[ ١ / ١٠٢ ]
وحدّث بشيء من شعره، سمع منه الفضلاء: شيخنا أثير الدين أبو حيّان، والشيخ فتح الدين ابن سيّد الناس، وجماعة.
وكان متنقلًا في البلاد، قاصدًا غير طرق الرّشاد، والله لا يحب الفساد.
أنشدني الشيخ أبو حيّان، أنشدني الشارمساحي لنفسه بثغر دمياط قصيدة يمدح فيها، منها قوله، شعر:
محجّبةٌ بين الترائب والحشا … فدمعي لها طلقٌ وقلبي بها رهن
وحال الهوى ما ليس يدرك كنهه … وهل هو وهمٌ يعتري القلب أو وهن
ومسلكه بالطرف سهلٌ وإنما … له منهج أعيا القلوب به حَزن
لديه الأماني بالمنايا مشوبةٌ … وفيه الرجا واليأس والخوف والأمن
وكم مهلك فيه يقين لعاشق … ومطلبه من دونه في الورى ضنُّ
به عرف المعروف والجود والسخا … وفيه إذا ظن الحيا يصدق الظن
به ثغر دمياط تبسم فرحة … وإن كان في محل بسكانه حُزن
ومن عجب أن يوجد المحل فيهم … وفيهم جوادٌ دون أندائه المزن
أيا حرمًا للأنس فيه معرِّسٌ … مقامٌ له المسعى وللملتجي ركن
تطوف به الآمال في طلب الصفا … فزمزمه عذب وجناته عدن
مشتّت شمل المال جودًا ابن لنا … أبينكما قد كان في ما مضى ضغن
وكفُّك بحرٌ والمكارم موجه … وقد لجَّجت فيه لآمالنا سفن
قال الشيخ: وأنشدني أيضًا لنفسه بشارمساح من أبيات شعر:
[ ١ / ١٠٣ ]
تخشى الظِبى والظُبا من فتك ناظره … وإن تثنَّى فلا تسأل عن الأسل
لا واخذ الله عينيه فقد نشطت … إلى تلافي وفيها غاية الكسل
ترمى القلوب فما تدري أقام بها … هاروت أم ذاك رامٍ من بني ثعل (^١)
هذا الغزال الذي راقت محاسنه … فلا عجيب عليه رقة الغزل
لما تواليت من وجدٍ ومن شغفٍ … تحقّق الناس أني مغرم بعلي
وأنشدنا أيضًا لنفسه في فتح عكّا، قوله شعر:
لا تعجبوا للمناجيق التي رشقت … عكّا بنارٍ وهدّتها بأحجار
بل أعجبوا بلسان النار قائلة … هذي منازل أهل النار في النار
قال: وأنشدنا لنفسه يهجو، قوله شعر:
رأيت الشهاب وقد ظل في … قفا الفتح من طرب نازلا
وما برح البحر من دأبه … طوال المدى يلطم السّاحلا
وله القصيدة العدلانية المشهورة، وشُكِي بسببها إلى أمير موسى بن الصّالح، فأحضره، وأنشد القصيدة بحضرة المهجوّ، فضربه، وشاعت بذلك الإنشاد، واشتهرت بذلك الضرب في البلاد.
وله القصيدة السّينية التي أولها:
ترى يسمع السلطان شكوى المدارس … وأوقافها ما بين عافٍ ودارس
_________________
(١) يشير إلى بيت امرئ القيس المشهور: رُبَّ رَامٍ من بني ثعل … مخرج كفّيه من ستره. انظر ديوانه: (١٠٠).
[ ١ / ١٠٤ ]
وليس فيها جيّد إلا أولها، وقيل: إنه شاركه فيها جماعة، وحاصلها قحة وفجور وبهتان وزور، دلّاه الشيطان على نظمها بغرور، فصارت حالته بعدها مذمومة، ولحوم العلماء مسمومة.
وطُلِب، فهجَّ بهجوه إلى منفلوط، ولو طالت إقامته لحصل له ما يشبه عذاب قوم لوط، ولكن عاجلته بها المنية، وانقطعت منه الأمنية في حدود العشرين وسبع مئة.