نسبه إلى جدّه لأمه، نبغ في الشعر، ونظم النظم البديع، ومدح الأعيان والأكابر.
وحدث بشيء من شعره، سمعت منه قصيدة مدح بها شيخنا قاضي القضاة أبا عبد الله ابن جماعة.
ومدح شيخنا أبا حيان بقصيدة اتّهمه فيها، فحلف أنها له، فامتحنه أن ينظم على وزن القصيدة التي أولها: قوله شعر
إليك إمام العصر جُبت المفاوزا … وخلّفت خلفي صبية وعجائزا
واقترح عليه أن تكون في الشطرنج، وأن يجعل قطعها جيشين، فغاب بعض يوم، وأتاه بقصيدة أولها، وهي قوله: قوله شعر
أعصر الدنايا لن ترى لي حاجزًا … إذا أنت بارزت العلى أن أبارزا
_________________
(١) انظر ترجمته في: أعيان العصر: (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، الدرر الكامنة: (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).
[ ١ / ١٤١ ]
أما في النهى بيني وبينك حاكم … يُريك لقدري من لداتيَ مايزا
سترت بأخمالي نباهة منطقي … فسوف ترى إن رُحت بالجد فائزا
وهل عجز الضرغام عن ثأراته … فأعجز به لو كان ما كنت عاجزا
أتشهد لي بالفضل خرس حوائز … من العيّ ما أضحت من الفضل حائزا
مسندة خشب سواهن مفصح … إذا سائل لم ألق فيهن رامزا
تصفّ لجيش الروم قابل مثله … من الزنج لونًا فيهما لا عزائزا
بأرض إذا ما الجيش خيّم خيّمت … وإن خاب خابت لا تواني المفاوزا
ترى الحملات العشم فيها وضاربا … وفي غير قلب غير اسمي راكزا
وكرّا وفرّا ما اشتهيت وداعيا … نزال ومرءًا مستجيبا مبارزا
ولم أر فيها من نجيع وقتلها … كثير وما أبصرت فيها جنائزا
ولا قسطلًا حتى كأن سنابكًا … بها لابست صلدًا عن الترب ناشزا
وما قبلها شاهدت أخرس شاهدا … لنطق ولا فلًّا هدانا مناجزا
يشق ميادين البلاغة حاكما … بهن علينا أو يشيم الهزاهزا
ألا إنها الأيام حرب ذوي النّهى … الكرام شيوخا مثلنا وعجائزا
تغطي على فضلي بها الويل إنما … تحجِّب منه ساطع النور بارزا
إذا قلت أصغى العالمون وأوجبت … نهاي من الإصغاء ما كان جائزا
وما أنا مسبوقا مقالا منفّحًا … وإن كنتُه عصرًا مضى وحوائزا
[ ١ / ١٤٢ ]
وسل بي أبا حيّان يخبرك أنني … عدمت المساوي بل عدمت المناهزا
أقمت بها البرهان يا أفضل الورى … ودونك بعد المشبهات الوحائزا
فشهد له الشيخ بالنظم البليغ، ونظم على مثلها جماعة من شعراء العصر، وامتدحوا الشيخ، وأنشدني بعض أصحابنا عن ابن السّوسي المذكور قوله:
جمالك في سرّي الخفيّ الذي تدري … كما خفت الكأس الروية بالخمر
وبين ضلوعي من صدودك جمرة … يؤجّجها دمع أحرّ من الجمر
ولو شئت لم أطوِ الضلوع على لظى … ولو شئت لم أكمد لطيٍّ ولا نشر
وأنت الذي أجريت دمعي فما ونى … وأنت الذي لو قلت لا تجر لم يجر
أعن واجب ألا تجود بموعد … لمن جاد بالبيض السّواكب والحمر
وإن تذهب الدنيا وما نلت نائلا … يسرّ به قلبي سوى النظر الشزر
هنيئا لعينيك المنام وحبّذا … سهادي في ليل بهيم بلا بدر
ولا حبّذا الرّاح التي ليست التي … لها حببٌ في كأس ثغرك كالدرِّ
شغلت فؤادي واشتغلت أهكذا … تكون فعال الحرّ في عبده الحرّ
عشقت الجفا حتى تمنيت أنه … يذيقك هجرًا يستتيبك عن هجري
بِزُعمَى أن يقضى عليك بقتلتي … فتخرج من أجري وتدخل في وزري
وله قال: شعر
لام العذول على هواك وأكثرا … فأدار ذكرك في الملامة مسكرا
[ ١ / ١٤٣ ]
أعيا على العذال قلبٌ والِهٌ … يهواك طوَّل عاذل أو قصّرا
سحرته مقلتك السحور فصار لو … عرف النصيحة في الملام لأنكرا
وعمرت ساحته بحسن باهر … مذ كان فهو بغير حسنك ما درى
ولما تولّى صاحبنا شرف الدين محمد بن محمود الإخميمي المعروف بابن القاسح (^١)، القضاء بإخميم، توجّه جمعٌ كثير من أهلها وحضروا إلى القاهرة، وتبرّموا من ولايته عليهم، فصُرِفَ عنهم، ورجع قبل وصوله إلى إخميم، فنظم فخر الدين: شعر
يا بني القاسح اصبروا … كان ما كان وانقضى
زال من قبل كونه … ومضى قبل أن مضى
من رأى بارقًا خبا … قبل أن قيل أو مضا
أهل إخميم فاسجدوا … سجدة الشكر والرضا
صرف الله عنكم … ما كرهتم من القضا
واستمر على طريقة الأدباء من اللطافة والظرافة، حتى صحب بعض الصّوفية، فأخرجه عن الطريق المرضية، وادّعى أنه حصلت له حكمة الإشراق، ونسبه جماعة من أصحابنا إلى القرامطة، وسوء الأخلاق، والمرء بقرينه والله أعلم بيقينه.
واستمر على هذا الحال المعلوم إلى أن جاءه الأجل المحتوم، فتوفي في سلخ جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
_________________
(١) هو شرف الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن يوسف الإخميمي الشافعي، المعروف بابن القاسح، وقيل: القاصح، توفي سنة ٧٣٨ هـ. الوفيات: (١/ ٢١٣ - ٢١٤).
[ ١ / ١٤٤ ]
ومولده في صفر سنة ثلاث وسبعين وست مئة، ﵁ بفضله وجوده.