وكان فقيهًا مالكيًا، عالمًا بالمعقولات، والنحو، والأدب، والطبّ، ناظمًا ناثرًا. تولَّى القضاء، وكتب لبعض الأمراء بإفريقية.
وسمع الحديث من أبي الربيع ابن سالم، وأبي عمرو النُّفْري، وأبي عبد الله ابن نوح الغافقي، وأبي الخطاب ابن واجب، وأخذ أصول الفقه والطبّ والنحو عن ابن خطاب، وقرأ على الأستاذ أبي علي الشلوبين النحو.
_________________
(١) زيادة من نسخة برنستون: (١٧/ أ - ب). وكتب على حاشيتها في نهاية القصيدة: وهذه القصيدة تلتذ بإنشادها الأسماع، وتنقطع عن الإتيان بمثلها، فينبغي للأريب أن يستكثر منها، وللأديب أن لا يخلي مجموعه عنها.
(٢) زيادة من نسخة برنستون: (١٤/ ب).
(٣) انظر ترجمته في: تحفة القادم: (٢٠٩ - ٢١٥)، عنوان الدراية: (٢٩٨ - ٣٠٢)، الذيل والتكملة: (١/ ١٥٠ - ١٨٠)، الإحاطة في أخبار غرناطة: (١/ ٦٢ - ٦٦)، الوافي بالوفيات: (٧/ ٨٩ - ٩٠)، الديباج المذهب: (١/ ١٧٩ - ١٨١)، فهرسة المنتوري: (٣٥٩)، بغية الوعاة: (١/ ٣١٩)، الروض المعطار: (٣٤٩)، نفح الطيب: (١/ ٣٠٥ - ٣٢٦)، الاستقصا: (٣/ ١٢)، إيضاح المكنون: (٣/ ٣٢٣، ٣٢٦)، هدية العارفين: (١/ ٩٦)، الإعلام للمراكشي: (٢/ ١٤٩ - ١٧٨)، الأعلام: (١/ ١٥٩)، معجم المؤلفين: (١/ ٢٩٩)، دولة الإسلام في الأندلس: (٤/ ٧٠٠ - ٧٠٢)، وقد بسط أخباره الدكتور محمد بنشريفة في كتاب سمّاه: أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي: حياته وآثاره، طبع في الرباط سنة ١٩٦٦ م.
[ ١ / ١٥٨ ]
وحدّث، سمع منه الحافظ أبو عبد الله الأبار، وبالغ في مدحه والثناء عليه (^١).
وذكره أبو الحسن ابن سعيد، فقال: شيخ كُتّاب زماننا، وإمام أدباء أواننا، مع ما لَهُ من اليقين في علوم الشرائع، وما سار له نظمًا ونثرًا من اللطائف والبدائع.
قال: ومدح صاحب بلنسية فلم تُخرج له جائزة، وحضر حجَّام، وكانت صنعته للإحسان جائزة، فنظم أبو المطرف قوله: شعر
أرى من جاء بالموسى مواسى … وراحة من أراح المجد صفرا
فأنجح سعي ذا إذ قصّ شَعرًا … وأخفق سعي ذا إذ قصّ شِعرا
وله:
وقالوا أتلهو والشباب قد انقضى … وعمرك قد ولّى ولم يبق طائل
فقلت أصيل العمر ما قد بلغته … وأطيب أوقات الزمان الأصائل
وقال الأبار: أهدى أبو المطرف لشخص وردًا، وكتب معه: شعر
خذها إليك أبا عبد الإله فقد … جاءتك مثل خدود زانها الخَفَر
أتتك تحكي سجايا منك قد عذبت … لكن تغيّر هذي دونها الغيرُ
إن شِمتَ منها بروق الغيث لامعة … فسوف آتيك من ماء لها المطرُ (^٢)
وله رسائل بديعة بليغة، كتب إليه الأبّار حين أُخِذت بلنسية في سنة ست وثلاثين وست مئة، فذكر له حال بلنسية.
_________________
(١) انظر تحفة القادم: (٢٠٩).
(٢) تحفة القادم: (٢١٢).
[ ١ / ١٥٩ ]
فكتب إليه أبو المطرف: طارحتني حديث أمر خف، وقطين خف، فيا لله لأتراب درجوا، ولأصحاب عن الأوطان خرجوا، قُصّت الأجنحة، وقيل طيروا، وإنما هو القتل أو الأسر، أو تسيَّروا، فافترقوا أيدي سبا، وانتثروا على الوهاد والرُّكى، ففي كل جانب عويل وزفرة، وبكل صدر غليل وحسرة، وبكل عين عبرة لا ترقى من أجلها عبرة، داءٌ خامر بلادنا حين أتاها، وما زال بها حتى سجّى على موتاها، وشجى شوقها الأطول كهلها وفتاها، فكانت تلك الحطمة ظلّ الشؤبوب، وباكورة البلاء المصبوب، أثكلتنا إخواننا أثكالا بغيِّهم، ولله أحوذيهم وألمعيهم، ذاك أبو ربيعنا وشيخ جميعنا، سعد بشهادة يومه، ولم ير ما يوده في أهله وقومه، وبعد ذلك أخذ من الألم بالمخنق، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرّونق، وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان، وأخرج من جسدها روح الإيمان، فبرح الخفاء، وقيل وكفت على آثار من ذهب العفاء، وانعطفت النوائب مفردة ومركنة، كما انعطفت ألفا، فأودت الخفّة والحصافة، وذهب الجسر والرصافة، ومزّقت الحلّة والشملة، وأوحشت الحرة والرملة، ونزلت بالجارة وقعة الحرّة، وحصلت الكنيسة من جاذرها وظبائها على طول الحسرة، فأين الخمائل ونظرتها، والجداول وخضرتها، والأندية وأرجها، والأودية ومنعرجها، والنواسم وهبوب مبتلها، والأصائل وسحوب معتلها، دارٌ ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها، وأزهار ترى من أدمع الطلّ في أعينها، ترددها وحميرتها، ثم زحفت كنيسة الكفر بزرقها وشقرها، حتى أحاطت بجزيرة شقرها، فآه لمسقط الرأس هوى نجمه، ولفادح الخطب سرى كلمه، وبالجنة أجرى الله النهر تحتها، وروضة أجاد أبو إسحاق نعتها، وإنما كانت دارًا على أوصاف محاسنها أكب، وفيها أتته منيَّته كما أحب، ولم تعدم بعده محبين تشبيبهم إليها ساقوه ودمعهم عليها أراقوه (^١).
_________________
(١) انظر الرسالة في الروض المعطار: (٩٨)، ونفح الطيب: (٤/ ٤٩٢ - ٤٩٣).
[ ١ / ١٦٠ ]
وله رسالة أخرى في المعنى، منها قوله: ثم ردف الخطب الثاني بقاصمة المتون، وقاضية المنون، ومضرمة (^١) نار الشجون، ومدرية ماء الشؤون، وهو الحادث في بلنسية درّة النحر، وحاضرة البرّ والبحر، ومطمح أمل السيارة، ومطرح شعاع البهجة والنّضارة، أودى الكفر بإيمانها، وأبطل الناقوس صوت أذانها، ودهاها الخطب الذي أنسى الخطوب وأذاب القلوب، وعلّم سهم الأحزان أن يصيب، ودمع الأجفان أن يصوب، فيا ثكل الإسلام وشجو الصلاة والصيام، يوم الثلاثاء وما يوم الثلاثاء، يا ويح الداهية الدّهياء، ويا حيرة الأقدام عن موقف العزاء، أين الصبر وفؤادي أنسيه لم يبق لقوسه على الرمي سيه.
وقال:
هيهات يعود ما مضى من أنسيه … من بعد مصابٍ حل في بلنسيه
يا طول هذه الحسرة، ألا جابر لهذه الكسرة، أكل أوقاتنا ساعة العسرة، أخي أين أيامنا الخوالي، وليالينا على التوالي، ولاية عيش نعم بها الوالي، ومسندات أنس يعدّها الرواة من العوالي، بعدًا لك يا يوم الثلاثاء من صفر، ما ذنبك بشيء عندنا مغتفر، أشمّت بالإسلام حزب من كفر، من أين لنا المفرّ كلّا لا مفر، كل رزء في هذا الرزء يندرج، وقد اشتدت الأزمة قل لي متى تنفرج، كيف انتفاعنا بالضحى والأصائل، إذا لم يعد ذلك النّسيم الأرج، ليس لنا إلا الرضى والتسليم، بما قضاه الخلّاق العليم (^٢).
شعر:
ما بال دمعك لا يني مدراره … أم مال قلبك لا يقرّ قراره
_________________
(١) في الأصل: ومظلمة.
(٢) انظر الرسالة في الروض المعطار: (٩٨ - ٩٩).
[ ١ / ١٦١ ]
يا لوعة بين الضلوع لظاعن … سارت ركائبه وشطّت داره
أم للشباب تقاذفت أوطانه … بعد الدنو وأخلقت أوطاره
أم للزمان أتى بخطب فادح … من مثل حادثة خلت أعصاره
بحرٌ من الأحزان عبّ عبابه … وارتجّ ما بين الحشا زخّاره
في كل قلب منه وجد عنده … أسف طويل ليس تخبو ناره
أو ما بلنسية فمأوى كافر … حفّت به في عقرها كفّاره
زرع من المكروه حلّ حصاده … عند الغدّو غداة لجّ حصاره
ما كان ذاك المصر إلا جنّة … للحسن تجري تحته أنهاره
طابت بطيب نهاره آصاله … وتعطّرت بنسيمه أسحاره
أما السّرار فقد عداه وهل سوى … قمر السماء يزول عنه سراره
ودجا به ليل الخطوب فصبحه … أعيا على أبصاره أسفاره
وهي طويلة، وله أشياء مبدعة.
وكان الشيخ ركن الدين ابن القوبع، يرى أن خطّ ابن عميرة وضبطه حجّة، لتمام معرفته باللغة والأدب.
ولد في شهر رمضان سنة اثنتين [وثمانين] وخمس مئة (^١).
وتوفي سنة ستّ وخمسين (^٢)، وليته بلغ تسعًا وتسعين ليشفع بأختها فتتبعها في نعتها.
_________________
(١) في الأصل: اثنتين وخمس مئة، والتصحيح من المصادر.
(٢) يعني: ستًا وخمسين وست مئة، وقيل غير ذلك.
[ ١ / ١٦٢ ]