كان أديبًا بارعًا فاضلًا.
مدح وأجاد، وتصرّف في الأدب كما أراد، وبلغ منه غاية المراد.
ذكره الشيخ الفاضل الأديب أبو الحسن ابن عرّام الأسواني (^٢)، وأورد من شعره هذه القصيدة، مدح بها متوّج ابن الكنوز أمير أسوان، وقال أولها: قوله شعر
هل المجد إلا ما اقتنته الصوارم … أو الجد إلا ما بنته المكارم
أو العزّ إلا ما أشادت مناره … وقائعُ يبقى ذكرها وملاحم
أو الفخر إلا ما المتوّج لابسٌ … حلاه وراقٍ في علاه وراقمُ
إذا أخلفت سحبٌ فغيث مساجم … وإن سجرت حرب فليث ضُبَارم (^٣)
يد وكفت فينا ندى وكفت ردى … فلا الحرب مخشي ولا الخطب قادم
إذا ما خبا فالوغد جذلانُ ناعمٌ … وإما احتبى فالدّهر خشيان واجم
ويغضي بفضل والحلوم سفيهة … ويقضي بفصل والرّماح تخاصم
خلائق لو أن الخلائق ثقّلت … محاسنها ما كان للنّاس دائم
_________________
(١) انظر ترجمته في: الطالع السعيد: (١٣٠ - ١٣١) وزاد في نسبه: البولاقي.
(٢) هو أبو الحسن علي بن أحمد بن عرَّام الأُسْواني الرَّبعي، الأديب الشاعر، له تصانيف في كل فن، توفي في حدود ٥٨٠ هـ، وترجمه المؤلف برقم (٢٧١). الطالع السعيد: (٣٧١ - ٣٨١).
(٣) الضُبَارم، بالضم: الأسد الوثيق، والجريء على الأعداء، وتطلق على الشجاع من الرجال. لسان العرب: (١٢/ ٣٥٢) ضبرم.
[ ١ / ١٦٣ ]
عناء طويل دون ما هو طالب … ومرمىً بعيد فوق ما هو رائم
أخال اغترارًا أن عزمك نائم … لقد خانه واهٍ من الظلم واهم
لنادت به الأيام لو كان سامعًا … تيقظ قليلا إنما أنت نائم
وأي قرار أو فرار لخائف … عقاب حمام فوقه منك حائم
سرى يستبيح القوم في عقر دارهم … وليس لعاص أمرك اليوم عاصم
بطرف يفوت الطرف عدوًا كأنما … قوائمه يوم الطّراد قوادم
ولو أنهم لاذوا بصفح متوج … عفا عنهم رحب الفخار وراحم
وكم وفدوا واسترفدوا قبل هديه … كريمًا له في العزّ تعزى الأكارم
تعدّ له في كلّ يوم مآثر … وتحصى لهم في كلّ يوم مآثم
لقد توّجت معنى المعالي بسيّد … فبادٍ له محموده وقوادم
فلله منه أوحدٌ من أفاضلٍ … همُ حيث لا يهمى الغمام غمائم
نمتهم ذرى قيس لخير عصابة … حنيفية هم للمعالي معالم
إذا سمحت بالكأس أيد شحيحة … غدا للصلاة أو صيام يلازم
وإن نادموا أهل الفساد فما له … هناك سوى أهل الصلاح منادم
يقرب مسكينًا ويعمر مسجدًا … وتغمر أهل العلم منه مراحم
وإن تليت آيات ذكرٍ رأيته … ومدمعه من خشية الله ساجم
تذممت من مدحي علاك بحرمة … ومثلك من ترعى لديه المحارم
[ ١ / ١٦٤ ]
وأرسلتها غرّاء يطرب شدوها … فيصغي إلى إيرادها المتصامم
تضمّن من خير الكلام شواردًا … تناسبها أوصافه وتلائم
تهز معانيها من المجد عطفه … كما اهتزّ غصن بالأراكة ناعم
هذه قصيدة متمكنة المباني، حسنة المعاني، تغني عن المثالث والمثاني، تعرب عن غزارة أدب ناظمها في المشرق والمغرب، وتستحق أن تودع في المرقص والمطرب، ويطرب بها المشرّق والمغرّب.
كان ناظمها في المئة الخامسة، قليل المماثل، معدودًا في الأفاضل والأماثل.