قال الحافظ أبو القاسم ابن عَسَاكِر عنه: أنه خُتم به ديوان الشعر بدمشق، وكان مكثرًا مجيدًا محسنًا، جالسته عند جدّي القاضي أبي الفضل، وتفاوضا في معان كثيرة، ولم أحفظ منها شيئًا، لقلة اهتمامي في ذلك الوقت، وقد أجاز لي جميع ما قاله من النظم والنثر سنة سبع وخمس مئة.
وأنشدني أخي أبو الحسين هبة الله الحافظ، وكتبه لي بخطه، قال: أنشدني أبو عبد الله
_________________
(١) في الأصل: الثعلبي، والتصحيح من المصادر.
(٢) انظر ترجمته في: تاريخ دمشق: (٥/ ٤١٩ - ٤٢٠)، معجم السفر: (٤٦ - ٤٧)، وفيات الأعيان: (١/ ١٤٥ - ١٤٧)، مختصر تاريخ دمشق: (٣/ ٢٧٦)، ذيل مرآة الزمان: (٢/ ١٠ - ١٢)، المختصر في أخبار البشر: (٢/ ٢٣٧)، تاريخ الإسلام: (٤٨/ ٣٣٣)، و(١١/ ٢٦٨ - ٢٧١) بشار، سير أعلام النبلاء: (١٩/ ٤٧٦ - ٤٨٢)، العبر: (٤/ ٣٩ - ٤٠)، الوافي بالوفيات: (٨/ ٤٥ - ٤٧)، مرآة الجنان: (٣/ ٧٩)، البداية والنهاية: (١٢/ ١٩٣ - ١٩٤)، الفلاكة والمفلوكون: (١٠٩)، شذرات الذهب: (٦/ ٨٧ - ٨٩)، هدية العارفين: (١/ ٨٢)، الأعلام: (١/ ٢١٤)، معجم المؤلفين: (٢/ ١٣٦).
[ ١ / ١٦٥ ]
ابن الخياط لنفسه قوله: شعر
لم يبق عندي ما يباع بحبّة … وكفاك شاهد منظري عن مخبري
إلا بقية ماء وجه صنتها … عن أن تباع وأين أين المشتري
وقوله أيضًا: شعر
ويعتادني ذكراك في كلّ حالة … فتسبقني حتى تهيج وسواسي
وأشتاقكم واليأس بين جوانحي … وأبرح شوقًا ما أقام مع الياس
ولولا النّوى ما كان بالعيش وصمة … ولولا القلى ما كان بالحب من باس
وقوله أيضًا، ﵁: شعر
ليت الذي قلبي به مغرم … يعلم من وجدي كما أعلم
لعلّه إن لم يصل رغبة … يرق للمكروب أو يرحم
أذلني حبكُمُ في الهوى … فما حمتني ذلّتي منكم
ومذهبٍ ما زال مستقبحًا … في الحرب أن يُقتل مستسلم
قال: وحدثنا أبو عبد الله محمد بن الملحي، وكتبه لي بخطه، قال: حدثنا السابق أبو اليمن محمد بن الخضر المعرّي، قال: اجتمعت بابن الخيّاط بطرابلس، وكنّا نجلس في دكّان نصراني عطّار يكنى أبا الفضل، وكان ذكيًّا محبًّا للأدب، فخرجنا يومًا إلى ظاهر البلد، واخترنا موضعًا جلسنا فيه على غدير، فقال ابن الخيّاط للسابق: اعمل أبياتًا في ما نحن فيه عاجلًا، ثم أنشد ابن الخيّاط بديهًا: شعر
أو ما ترى قلق الغدير كأنه … يبدو لعينك منه حليُ مناطق
[ ١ / ١٦٦ ]
مترقرقًا لعب الشعاع بمائه … فارتج يخفق مثل قلب العاشق
فإذا نظرت إليه راعك لمعه … وعللت طرفك من سراب صادق
ولم يفتح على السّابق بلفظة، فقال العطّار: قد نظمت أنا بيتًا، وأنشد قوله: شعر
قد كنت آملُ أن تجيء مصلّيًا … حتّى رأيتك سابقًا للسابق
وكان ابن الخيّاط يحفظ جميع شعره، والسابق لا يحفظ منه شيئًا، ولابن الخياط "ديوان" (^١) من الشعر مملوء من المعاني المبدوعة، ومنه قصيدته التي أولها، قوله:
خذا من صبا نجد أمانًا لقلبه … فقد كاد ريّاها يطير بلبّه
وإياكما ذاك النّسيم فإنه … متى هبّ كان الموت أيسرَ خطبه
خليليّ لو أحببتما لعلمتما … مكان الهوى من مغرم القلب صبّه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى … يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرامًا على يأس الهوى ورجائه … وشوقا على بعد المزار وقربه
وفي الرّكب مطويّ الضلوع على جوى … متى يدعه داعي الغرام يُلَبِّه
إذا خطرت من جانب الغور نفحة … تضمن منها داؤه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض … وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنّة … حذارًا وخوفًا أن يكون لحبّه (^٢)
_________________
(١) طبع بتحقيق خليل مردم سنة ١٣٧٧ هـ/ ١٩٥٨ م في دمشق، برواية تلميذه أبي عبد الله القيسراني.
(٢) انظر ديوان ابن الخياط: (١٧٠ - ١٧١)، وقد أنشدها يمدح الأمير مجد الدين عضب الدولة أبق بن عبد الرزاق عند وروده إلى دمشق سنة ٤٨٧ هـ.
[ ١ / ١٦٧ ]
وهي قصيدة أطال فيها وتطوّل، وحاز الآخر بها فضل الأول.
وقد خمّسها الحسام الحاجري (^١) تخميسًا لا بأس به.
سُئل ابن الخيّاط عن مولده؟ فقال: سنة خمسين وأربع مئة.
وتوفي في حادي عشر رمضان، سنة سبع عشرة وخمس مئة، ﵀.