سمع الحديث على الحافظ الدِّمْيَاطِي، وغيره، وأخذ الفقه عن الظهير التزمنتي، والضياء جعفر ابن الشيخ عبد الرحيم القِنَّائي (^٣)، وغيرهما.
وبرع في الفقه، وانتهت رئاسة مذهب الشافعي إليه في عصره، وكان ذكيًّا، حسن الشكل، جميل الصورة، فصيحًا، مُفوَّهًا، كثير الإحسان إلى طلبة العلم بماله وجاهه، مساعدًا لهم بما تصل قدرته إليه.
_________________
(١) هو حسام الدين عيسى بن سنجر بن بهرام الإربلي، المعروف بالحاجري (ت ٦٣٢ هـ)، طبع ديوانه قديمًا بمصر في المطبعة الشرفية سنة ١٣٠٥ هـ، بتصحيح: حماد الفيومي العجماوي. انظر ديوانه: (٦٢).
(٢) انظر ترجمته في: نهاية الأرب: (٣٢/ ١٣٠ - ١٣١)، مرآة الجنان: (٤/ ٢٤٩)، العبر: (٤/ ٢٥)، أعيان العصر: (١/ ٣٢٤ - ٣٢٦)، الوافي بالوفيات: (٧/ ٢٥٧)، طبقات الشافعية للسبكي: (٩/ ٢٤ - ٢٧)، البداية والنهاية: (١٤/ ٦٠)، طبقات الشافعيين: (٩٤٨)، السلوك: (٢/ ٤٦١)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (٢/ ٢١١ - ٢١٣)، الدرر الكامنة: (١/ ٣٣٦ - ٣٣٩)، المنهل الصافي: (٢/ ٨٢ - ٨٣)، النجوم الزاهرة: (٩/ ٢١٣)، نزهة المجالس: (٢/ ٤٧٣)، حسن المحاضرة: (١٠٤)، كشف الظنون: (١/ ٤٩١، ٨٨٦)، شذرات الذهب: (٦/ ٢٢ - ٢٣)، ديوان الإسلام للغزي: (٤٥)، حاشية الجمل على شرح المنهج: (١/ ٦٢)، البدر الطالع: (١/ ١١٥ - ١١٧)، إيضاح المكنون: (٣/ ١٥٨، ٥٤٩)، و(٤/ ٤٩٩)، هدية العارفين: (١/ ١٠٣)، الأعلام: (١/ ٢٢٢)، معجم المؤلفين: (٢/ ١٣٥).
(٣) القِنَّائي: بكسر القاف وتشديد النون المفتوحة، وفي آخرها الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، نسبة إلى قرية قِنَا بصعيد مصر على مقربة من قوص. الأماكن للحازمي: (١٠٢)، نهاية الأرب: (٩/ ١٢٩).
[ ١ / ١٦٨ ]
حكى لي القاضي أبو الطّاهر السّفطي، قال: كانت لي حاجة عند قاضي القضاة، وكنت أريد منه تولية العقود، فذكرت ذلك للفقيه، فتوجّه معي إلى القاهرة، وحضرنا درس قاضي القضاة، وبحث فيه، فصار الفقيه يبحث معي، ويقول لي: يا سيدنا زين الدين ترفّق بالملوك، ثم عرَّف قاضي القضاة بي، وتحدَّثَ معه في حاجتي، فحصلت.
قال: ولما ولي القضاء الشيخ تقي الدين القشيري، لم تكن له بي معرفة، فولّى العقود رفقتي في الحانوت، وقال عني: لا أعرفه، فعرّفه حالي، وقال له: ما يذكر سيدنا لما درّس المملوك بالمعزّية، وشرّف سيدنا المملوك بالحضور، وأورد سيدنا السؤال الفلاني، وأجاب فقيه بكذا، فاستحسن سيدنا جوابه، هو هذا، ففوض الشيخ إليه أن يولّني، فولّاني.
وحكاياته في ذلك كثيرة، وكان أولا فقيرًا مضيّقًا عليه، فباشر في الجهات الديوانية بستكلوم، فأخبرني الشيخ تقي الدين المقرئ الشهير بالصائغ، أني لمته، فذكر لي ضرورته، فقلت له: احضر درس قاضي القضاة في غد، ودرسه في المكان الفلاني، فحضر، وبحث، وأورد نظائر، فأعجَب القاضي، وقال له: الزم الدّرس، فلزمه مدة، ثم ولّاه القضاء بالواحات، فتأثل منها مالًا، ثم ولي أمانة الحكم بمصر مدة، ثم وقع بينه وبين جماعة شيء، فشهدوا عليه أنه نزل فِسْقِية المدرسة عُرْيانًا، وأسقطه نائب الحكم الفقيه العلم السَّمهودي، وتعصّب له جماعة من الأعيان، وقال قاضي القضاة إذ ذاك: إنه لم يأذن لنائبه في الإسقاط، وتلفق الحال.
وكان بعض أصحابنا يقول: إنه كثير النقل عن غير قويٍّ في البحث.
قال لي القاضي سراج الدين الأرمنتي: كنت أقول له في الدّرس: كن معنا معنى.
وقال لي شيخنا أثير الدين أبو حيان: سمعت الوجيه البهنسي يقول له في الدّرس: يا هذا كم تهذي.
[ ١ / ١٦٩ ]
وقال لي القاضي أبو الطاهر قاضي قوص: بحث مرة في درس الشيخ ضياء الدين القنائي، ففوّق له بكفيه، وقال له: رجعت لك عن إجازتي لك، وكان قد أجازه بالفتوى.
ولكن حضرت أنا عنده أيامًا، ورأيت مباحثه حسنة، وله في "شرح الوسيط" مباحث جليلة، وأشياء دقيقة.
وقال لي صاحبنا الشيخ عماد الدين الدِّمْيَاطِي: سمعه السّيف البغدادي مرّة يبحث، فقال: هذا هو الخلاف.
وصنّف تصانيف منها: "شرح التنبيه"، وأجاد فيه، وهو أحسن شروحه في ظنّي، وسمّاه "الكفاية" (^١)، وشرح بعده الوسيط شرحًا كبيرًا، سمّاه "المطلب" (^٢)، مشتملًا على نقول كثيرة، ووجوه، وأقوال، وطرق، ونصوص للشافعي، وتخريجات له، واعتراضات، فشهد بغزارة موادّه، وسعة علمه، وقوة فهمه، ولم يكمله، وكتاب لطيف سمّاه "النفائس في هدّ الكنائس" (^٣)، صنّفه لواقعةٍ وقعت.
ودرّس بالمدرسة المعزّية، والمدرسة الطّيبرسية بمصر، ثم ترك الطيبرسية للشيخ نجم الدين البالسي بِرًّا له، وناب في الحكم بمصر مدّة.
قال لي بعض أصحابنا: سمعت أبا العبّاس أحمد بن السّديد الإسنائي، يقول للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: يا سيّدنا، ما بال ابن الرفعة صرفه سيدنا عن نيابة مصر؟
_________________
(١) كتاب كفاية النبيه في شرح التنبيه، حُقّق في ١٨ رسالة علمية لنيل درجة الماجستير بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وطبع في دار الكتب العلمية ببيروت سنة ٢٠٠٩ م، بتحقيق: مجدي محمد باسلوم.
(٢) اسمه: المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي، وحقّق في رسائل علمية لنيل درجة الماجستير بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة ١٤١٩ - ١٤٢٠ هـ.
(٣) منه نسخة مخطوطة بمكتبة شستربيتي رقم (٦/ ٤٦٦٤)، ونسخة بالمكتبة الأزهرية رقم (٣٣٧٩٧٤).
[ ١ / ١٧٠ ]
فقال: ما صرفته، هو عزل نفسه، فقال: فلم لا يعيده سيدنا؟ فقال: هو جرى على الإثبات، واستمرّ على العزل إلى أن مات.
وتولّى الحسبة بمصر إلى حين وفاته، وكان مُحبًّا للعلم ملازمًا للاشتغال، رأيته وبه وجع المفاصل، وهو يَفرَق من الثوب يلمس جسمه، وبين يديه كتاب ينظر فيه، وهو مكبوب على وجهه يطالع، وكان كثير الصدقة، وقف وقفًا على درس بالجامع العتيق بمصر، ومضى على جميل.
وكانت وفاته بمصر، ليلة الجمعة ثامن عشر رجب سنة عشر وسبع مئة.