_________________
(١) انظر ترجمته في: ذيل مرآة الزمان: (٤/ ٢٠٦ - ٢١٠)، نهاية الأرب: (٣١/ ٨٢ - ٨٣)، تاريخ =
[ ١ / ١٨٢ ]
كان فاضلًا في فنون، وتولّى القضاء بالإسكندرية، وكان فصيحًا مفوهًا.
سمع الحديث ببلده من جماعة من أصحاب السِّلَفي.
وحدّث، سمع منه جماعة من الفضلاء، ومنهم الشيخ العلامة جلال الدين، وولده، وشيخنا أبو الفتح محمد بن أحمد القُوصي ابن الدَّشْنَاوي.
وصنّف تصانيف، منها "تفسير كتاب الله العزيز"، في مجلّدات، ومنها كتابه المسمّى بـ "الانتصاف من صاحب الكشاف" (^١)، ومنها كتاب "المقتفى" (^٢)، وله خطب وترسّلٌ.
وكان قد قرأ الفقه والأصولين على ابن الأبياري، والنحو على المُحيي المازوني.
وناب في الحكم أولا عن ابن أبي الفرج، ثم صار أصلًا، وعُمل عليه، وصودِرَ هو وأخوه، ثم عاد إلى القضاء.
ثم خطر له أن يُصنّف في الردّ على الغزالي في الإحياء، فحكى ابن أخيه القاضي عزّ
_________________
(١) = الإسلام: (٥١/ ١٣٦ - ١٣٨)، العبر: (٣/ ٣٥٢)، عيون التواريخ: (٢١/ ٣٤٨)، فوات الوفيات: (١/ ١٤٩ - ١٥٠)، الوافي بالوفيات: (٨/ ٨٤ - ٨٦)، الديباج المذهب: (١/ ٢١٣ - ٢١٥)، السلوك: (٢/ ٣٨)، المقفى الكبير: (١/ ٦٥٣ - ٦٥٤)، عقد الجمان: (١٩٥)، النجوم الزاهرة: (٧/ ٣٦١ - ٣٦٤)، روضة الإعلام: (٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤)، حسن المحاضرة: (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، بغية الوعاة: (١/ ٣٨٤)، شذرات الذهب: (٧/ ٦٦٦)، طبقات المفسرين للأدنه وي: (٢٥٢ - ٢٥٣)، ديوان الإسلام: (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، هدية العارفين: (١/ ٩٩)، إيضاح المكنون: (٣/ ١٦٦)، معجم المطبوعات: (١/ ٢٥٨)، الأعلام: (١/ ١٢٠)، معجم المؤلفين: (٢/ ١٦١ - ١٦٢)، طبقات النسابين: (١٣١)، تاريخ التراث العربي: (١/ ٢٤٩).
(٢) الكتاب حاشية على تفسير الزمخشري، طبع قديمًا في القاهرة سنة (١٣٠٨ هـ/ ١٨٩٠ م)، وسنة (١٣٨٥ هـ/ ١٩٦٦ هـ).
(٣) اسمه "المقتفى في شرف المصطفى"، منه نسخة بمركز جمعة الماجد بدبي تحت رقم (٤٢٦٥)، في ٥٦ ورقة، نسخت قبل سنة ٦٦٩ هـ.
[ ١ / ١٨٣ ]
القضاة عبد الواحد أن أم الفقيه خاصمته، وقالت له: فرغت من مضاربة الأحياء وجئت تضارب الأموات، اتركه، فتَركه.
ومباحثه ليس فيها تحقيق، رأيت له فتوى مطولة في درج كامل، وقد سئل عن السّماع والألحان بالشبابة والدفّ، فأطال ولم يلمّ بالجواب.
وفي "المقتفى" من الفوائد الذي ذكرها في حديث الإسراء، في قول جبريل ﵇: لمّا دقّ الباب، فقيل له: من معك؟ فقال: محمد (^١)، قال الفقيه: يؤخذ منه ما يفعل في بلدنا في العرس، من غلق الباب حتى يدقّ العروس ويفتح له، وأمثال ذلك في التفسير.
وقال لي شيخنا أبو حيان: قال الرّضي الشّاطبي: فاضلان في بلادهما ما يستويان حتّى يقيما بالقاهرة: ابن دقيق العيد، وابن المنير، فأما ابن دقيق العيد، فحضر ولقي العلماء، وابن المنير لم يحضر إلا مجتازًا.
وحكى لي الشيخ أيضًا: أنهم حضروا في درس بالمدرسة المجاورة لضريح الشافعي، وحضر ابن رزين، والأصبهاني، وابن عبد الرحيم، وابن المنير، فبحث ابن المنير وابن عبد الرحيم، وطال عياطهما، فقال رزين للأصبهاني: افصل بين الجماعة، فقال: ما المدّعى؟ فقال ابن المنير: كذا، فقال: ممنوع، فقال: الجواب كذا، فاعترض عليه، فقال: الجواب الثاني، فقال: حتى ينتهي الأول، فوقف ابن المنير.
وسُئِل الشيخ تقي الدين القشيري عنه، فقال: من نمط أخي السّراج، وكان يقول عن أخيه: أنه ما يقف في البحث على حدٍّ.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح: (١/ ١٣٥ - ١٣٦/ ح ٣٤٢) كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، من حديث أبي ذر، ومسلم في الصحيح: (١/ ١٤٥ - ١٤٦/ ح ١٦٢) كتاب الصلاة، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات، من حديث أنس.
[ ١ / ١٨٤ ]
وحكى الفقيه الصنهاجي، أنه حضر مرة عند الشيخ تقي الدين بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة، فسأل الشيخ الفقيه ابن المنير: ما الحجّة في كون عمل أهل المدينة حُجَّة؟ فقال: أو يتّجه غير هذا؟ وتكلم كلامًا طويلا، فلم يتكلم الشيخ معه، فلما خرج سئل الشيخ عن ترك الكلام معه، فقال: رأيت رجلًا لا يُنْتَصف منه إلا بالإساءة عليه.
وكان تيّاهًا متعاظمًا، وفيه يقول الشاعر الغزولي: شعر
أقول لخلٍّ قد غدا متكبّرا … عليَّ ترفّق إنني منك أكبر
فإن كنت في شكّ فعندي دليله … لأني غزولي وأنت منيّر
وخاطبه مرة بنون التعظيم، فقال فيه أيضًا: شعر
يعشق نون التعظيم حتى … لو قيل قدت قال قدنا
وتركت البيت الثاني.
وللفقيه نظم، أنشدني القاضي عبد العال بن عبد الوهاب ابن عبد الكريم السّعدي، قاضي دَرْشابة (^١) بها، أنشدني الفقيه لنفسه، ما كتب به إلى قاضي القضاة سليمان الحنفي المنعوت بالصّدر، يشفع في شخص بخاري فقيه استشفع بالفقيه، فكتب إليه بقوله هذه الأبيات: شعر
فقيه جاء من أقصى بخارى … يؤمّل عندنا حسن الجوار
فنرعاه لحُسن الظن فينا … ونكرمه لإكرام البخاري
أحلناه على صدر البرايا … وقطب الوقت ذي السحب الغزار
_________________
(١) درشابة: إحدى قرى مركز الرحمنية التابع لمحافظة البحيرة بمصر.
[ ١ / ١٨٥ ]
سليمان الزمان بلا مجاز … ونعمان الأوان بلا مماري
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني الفقيه لنفسه: ما كتب به إلى ابن باخل، وإلى الثغر يستشفع عنده:
يستشفعون إليك بي ظنًّا … بما أحسنت قدما
فالآن حقق ما يقال … فليس كل الظن إثمًا
وقال صاحب "نسيم البَان": كتب القاضي ناصر الدين ابن المنير للوزير الفائزي، يسأله رفع التّصقيع (^١) عن أهل الثغر، فقال ﵁: شعر
إذا اعتل الزمان فمنك ترجو … بنو الأيام عافية الشفاء
وإن ينزل بساحتهم قضاء … فأنت اللطف في ذاك القضاء
قال: وقال يهجو ابن أبي الفرج، لمّا نازعه في الحكم: شعر
قل لمن يبتغي المناصب بالجهل … تنحّ عنها لمن هو أعلمْ
إن تكن في ربيع ولّيت يومًا … فعليك القضاء أمسى محرّم
وأنشدني بعض أصحابنا له، رحمة الله عليه: شعر
بمهجتي هيفاء ريفية … لا تعرف الذنب من الذنب
تقول والدّمع على خدّها … منهمل كاللؤلؤ الرّطب
_________________
(١) التصقيع: ضريبة تُجبى من الأملاك، فرضها الوزير الأسعد شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزي. انظر السلوك: (١/ ٤٧٧، ٥٠٩).
[ ١ / ١٨٦ ]
ضاعت ذُبيلَاتي فقلت اقصري … هذي ذبيلاتك في قلبي
وقال يرثي أبا عمرو ابن الحاجب: شعر
ألا أيها المختال في مَطْرف العمر … هلمّ إلى قبر الفقيه أبي عمر
ترى العلم والآداب والفضل والتّقى … ونيل المنى والعز غُيّبن في قبر
نعم وتيقن أن لا بدّ يرجع مرّة … إلى صدف الأجداث مكنونة الدرّ
وبالجملة، فكان من حسنات الزّمان، ومن فضلاء ذلك الأوان.
ومدحه العلاء بن الحاجب، أجازت لي وجيهيّة بنت علي الصّعيدي، قالت: أنبأنا ابن الحاجب، يمدح الفقيه ناصر الدين ابن المنير، ﵁، يقول: شعر
لقد سئمت حياتي البحث لولا … مباحث ساكن الإسكندريه
كأحمد سبط أحمد حين يأتي … بكل غريبة كالعبقريه
تذكرني مباحثه صحابًا … وإخوانا صحبتهم سريه
زمانًا كان لا يباري فينا (^١) … مدرّسنا وتحسدنا البريه
مضوا فكأنهم إما نيام … وإما صبحهم أضحى عشيه
وكان ابن باخلٍ (^٢) في نفسه منه، فقيل: إنه دسّ عليه سمًّا، فمات به في يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
_________________
(١) لعل شطر البيت هو: زمانًا كان فينا لا يبارى.
(٢) هو الأمير شمس الدين أبو محمد محمد بن باخل بن عبد الله الهكّاري، متولي ثغر الإسكندرية، كان صارما عادلا ميالا إلى الأدب، توفي سنة ٦٨٣ هـ. تاريخ الإسلام: (٥١/ ١٥٩ - ١٦٠).
[ ١ / ١٨٧ ]
ومولده ثالث ذي القعدة سنة عشرين منها.