كان شاعرًا فاضلًا وجيهًا مُبجَّلًا، مدح الأعيان والأكابر، وحدّث بشيء من شعره.
_________________
(١) في تاريخ دمشق: فإذا محضت له الوفاء تأولا.
(٢) تاريخ دمشق: (٦/ ٣٣ - ٣٤).
(٣) انظر ترجمته في: مسالك الأبصار: (١٩/ ٣٣٣ - ٣٤١)، أعيان العصر: (١/ ٤٠٢ - ٤٠٥)، الوافي بالوفيات: (٨/ ١٣٩ - ١٤١)، السلوك: (٢/ ٤٢٧)، المنهل الصافي: (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، الدرر الكامنة: (١/ ٣٨٤ - ٣٨٧).
[ ١ / ٢٠٥ ]
كتب عنه الفضلاء، سمع منه أشياخنا وأصحابنا، وممن سمع منه: أبو عبد الله محمد بن أحمد الشهير بابن القمّاح، وشيخنا أبو حيّان.
وأخبرني جماعة من أصحابنا ومنهم أبو عبد الله محمد بن القاسح الإخميمي: أنه رأى قاضي القضاة أبا الفتح محمد بن علي القشيري يجلّه، ويجلسه إلى جانبه فوق نواب الحكم.
وأنشدني الشيخ أبو حيّان، أنشدني ابن باتكين لنفسه، يمدح الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء الدين، بقصيدة أولها هذه الأبيات، قوله: شعر
يا جفن مقلته سكرت فعربد … كيف اشتهيت على فؤاد مكمد
ورميت عن قوس الفتور فأصبحت … غرضًا لأسهمك القلوب فسدّد
لم تغمض الجفن الكحيل تغاضيًا … إلا لتقتلنا بسيف مُغْمد
من لم يبت بعذاب قلبك حبه … متنعما لا فاز منك بموعد
للصبّ أسوة خال خدك إنه … متنعم في جمره المتوقّد
أهوى قوام الغصن يعطفه الصّبا … فعلَ الصَّبا بقوامك المتأود
طربًا وأصبو للغدير مجعّدًا … بيد النسيم حكى صحيفة مبرد
إذ أشبهاك تأرجًا وتموجًا … بين الروادف والقضيب الأملد
لاموا على ظمئي إليك وما دروا … في ماء خدّك ما حلاوة موردي
طورًا أحيّا بالأقاح وثاره … في الخدّ بالريحان والورد النّدي
وجه كما سفر الصباح وحوله … حسنًا بقايا جنح ليل أسود
[ ١ / ٢٠٦ ]
وكأنما خاف العيون فألبست … وجناته زردًا نحافة معتد
أنّى يخاف من استجار محبه … بمحمد بن علي بن محمد
وله شعر كثير، ومقاطع حسنة.
وكان في نفس قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز منه شيء، فإن قاضي القضاة لما ولي القضاء أسقط خلائق، وكان يكتب كتب عبد الوهاب بغير زيادة، فنظم ابن باتكين أبياتًا منها: شعر
لا تعجبوا من كثرة إسقاطه … فإنه أسقط حتى أباه
فصار قاضي القضاة يكتب بعد ذلك: فلان بن فلان، وصار في نفسه منه، وخاف المحيي منه، فأمَّنَه القاضي.
وكان يهوى شابًا يسمّى بعمر ويعرف بالألف، وكان قاضي القضاة يميل إلى ذلك الشاب، وصار يرسل خلفه فلا يجده، ويسأل عن ذلك فيقال: هو عند ابن باتكين.
فحكى لي الشيخ أبو حيان قال: حكى لي ابن باتكين أن السنجاري أرسل خلفه، وقال له محيي الدين: العدالة حرفة شريفة، وبلغني أنه يلازمك شاب يقال له: الباء والجيم، قال: فقلت: مولانا، هذا الشاب يقال له الألف، ووالله الذي لا إله إلا هو هذا الشاب ما يهواني، وأنا أعشقه وأجري خلفه من مكان إلى مكان، وأتبعه من موضع إلى موضع، قال: فضحك القاضي وانفصلت منه على جميل، وصار ذلك الشابّ إذا جاءني أقول له: رح إلى القاضي.
وله حكايات ظريفة، وعلت سنه.
وأخبرني ابن القاسح الإخميمي، أنه توجّه إليه لما انقطع، فوجده بحارة الديلم وقد
[ ١ / ٢٠٧ ]
بليَ، وعلى يديه ورجليه لفائف، فقال لي: أنا أشتهي الموت، فإن الذباب إذا قعد على جسمي آذاني.
ولد بحارة الديلم من القاهرة، ليلة الاثنين عاشر جمادى الأولى، سنة أربع عشرة وست مئة.
وتوفي بها في حدود عشر وسبع مئة.