قال أبو الحسن ابن سعيد: هو من البيت المشهور بإشبيلية، ولم يزل منهم على توالي الأعصار وتصرّف الليل والنهار أعلام علم ودين، وأرباب توقيع وتمكين، إلى أن نشأ أبو الوليد هذا، فرفع في طريق الأدب منارهم، وواقد في علم العلوم نارهم، وتقلّبت به الحال ما بين قاض ووزير وكاتب ومشير.
قال: وكنت يومًا أساير إبراهيم بن سهل، وإذا بأبي الوليد قد أقبل في موكب يغصّ به الرحب، والعين تمجّه أكثر ما يمجّه القلب، إذ كانت طلعته غير مقبولة، وراحته عن المكارم مغلولة، فنظر ابن سهل على صورته صورة لا على شفته، فقال: ما يشهد له
_________________
(١) = ٤٥)، طبقات الشافعيين: (٥٨٩ - ٥٩٠)، طبقات الإسنوي: (٢/ ٤٠٩)، مرآة الجنان: (٣/ ٢٥٩)، كشف الظنون: (١/ ٥٨)، شذرات الذهب: (٤/ ٩٩).
(٢) انظر ترجمته في: اختصار القدح المعلى: (١٤٠ - ١٤٢)، نفح الطيب: (٣/ ٣١٥ - ٣١٦) وفيه: يعرف بالأعلم.
[ ١ / ٢٢٦ ]
بالإبداع في صفته: شعر
وزيرنا يا ويلنا أفلح … فقلت فهل ترانا معه نفلح
فقال يقرأ راجيه على فيه لا … فقلت فحاجة المسكين لا تنجح
فبلغ ذلك والدي، فاغتاظ منّي وأحضرني، وقال: أما أبعدَ الفلاح عن مثلك، ما كفى أنك أدخلت نفسك بالسمة بهجو الأعيان، حتى رضيت أن تكون زاملة يهودي، اشتركت معه في الصفة، وانفرد بالمعنى، فخجلت وأقسمت أن لا أعود.
وبلغت القصّة الوزير أبا الوليد، وكان قبلها أمر لي بإحسان، فسعى في قطعه، فنظم والدي قوله: شعر، منها
أبنيّ لا تهج الرّجال تهجهم … ومتى غفلت فمكرهم لا يغفل
واحذره مثل النار إن واقعته … فلقد أذاقك غرسه لو تعقل
ثم حثّني على أن أعتذر له بقصيدة، فنظمت قصيدة، ورُمتُ إنشادها، فأبى الوزير، وقال لي: مرحبًا بالشاعر، ثم قطّب وجهه، فقلت له: يا سيّدي اسمع القصيدة وقل بعد ذلك ما بدا لك، فاستحيى حتى أنشدته القصيدة، حتّى بلغت إلى قولي:
من كان في منصبكم لم يكن … يفعل ما يطعن في المنصب
أإن أساء القول لم تحسنوا … في الفعل والحلم لدى المغضِب
هذا بهذا ما الذي سدتم … به وفقتم كل ذي مطلب
كنّا نروم العفو لكنّكم … أنتم به أولى من المذنب
فارتاح غاية الارتياح، وأكذب من قال أنه لم يبق من تهزُّه الأمداح، ثم غرم لي
[ ١ / ٢٢٧ ]
ذلك الإحسان الذي كان أمر لي به وقطعه، وأعطاني عوضه من عنده، وسعى لوالدي في الجزيرة الخضراء، وأظهر الوفاء بعهده، ثم إنه سُلِّط عليه من لم يكفه الله شرّه ممن أحسن إليه.
وله نظم، منه ما كتب به إلى ابن هود، قوله:
فكن واثقا بي فإني امرؤ … أميز الخبيث من الطيّب
فإني علمتك عن خبرة … فمهما وصفتك لم أرقب
لئن كنت في الأرض ذا رتبة … فإنك أعلا من الكواكب
قال: وتوفي في سنة اثنتين وثلاثين وست مئة (^١)، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.