قد تقدّم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَلَده الْحسن ولد لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثاني عشر شهر صفر سنة ٩٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة
ثمَّ اشْتغل بِطَلَب الْعلم على شُيُوخ ذَلِك الْعَصْر فبرع فِي الْفُنُون الشَّرْعِيَّة ومشايخه مَشْهُورُونَ مذكورون وأعيانهم قد اشْتَمَل على تراجمهم هَذَا الْكتاب وَله مصنفات
[ ٢ / ٤٧ ]
جليلة نبيلة مِنْهَا في الحَدِيث كتاب الِاعْتِصَام جمع فِيهِ بَين كتب أَئِمَّة الْآل وَكتب الْمُحدثين من الْأُمَّهَات وَغَيرهَا وَرجح فى كل مسئلة مَا يَقْتَضِيهِ وَلكنهَا اخترمته الْمنية قبل تَمَامه فَإِنَّهُ لم يبلغ إِلَّا إِلَى كتاب الصيام وَكَانَ ذَلِك الْمِقْدَار في مُجَلد ضخم وَمِنْهَا فِي أصُول الدَّين الأساس في مُجَلد وَقد شَرحه جمَاعَة وَاعْتَرضهُ الكردي صَاحب الْحَرَمَيْنِ بِكِتَاب سَمَّاهُ النبراس وَأجَاب عَلَيْهِ العبدي بِكِتَاب سَمَّاهُ الاحتراس كَمَا تقدم في تَرْجَمته وَكَذَلِكَ أجَاب عَلَيْهِ السَّيِّد زيد بن مُحَمَّد بِكِتَاب وَلم يكمل حَسْبَمَا تقدم في تَرْجَمته وَله كتاب الإرشاد في كراريس ذكر فِيهِ فصولًا مفيدة نفيسة جَيِّدَة وَله رسائل ومسائل مَشْهُورَة مَعْرُوفَة وَلما فاق في الْعُلُوم وحقق منطوقها وَالْمَفْهُوم وَكَانَت الْيمن إِذْ ذَاك تشتعل من الدولة التركية اشتعالا لما جبلوا عَلَيْهِ من الْجور وَالْفساد الذي لَا تحتمله طباع أهل هَذِه الْبِلَاد دَعَا هَذَا الإِمَام النَّاس إِلَى مبايعته وَكَانَ ذَلِك في شهر محرم سنة ١٠٠٦ سِتّ وَألف في جبل قارة بِالْقَافِ وَالرَّاء الْمُهْملَة فَلَمَّا ظَهرت دَعوته اشْتَدَّ طلب الأتراك لَهُ في كل مَكَان فَصَارَ يتنقل من مَكَان إِلَى مَكَان وَالْحَاصِل أَنَّهَا جرت لَهُ خطوب وحروب وكروب قد اشْتَمَل عَلَيْهَا كتاب سيرته وَكَانَ تَارَة ينتصر فَيفتح بعض الْبِلَاد اليمنية وَتارَة تتكاثر عَلَيْهِ جيوش الأتراك
[ ٢ / ٤٨ ]
فيخرجونه عَنْهَا فَيذْهب هُوَ وَجَمَاعَة من خلص أَصْحَابه الَّذين يَأْخُذُونَ عَنهُ الْعلم إِلَى فلاة من الأرض بِحَيْثُ تَنْقَطِع أخبارهم عَن النَّاس وَلَا يَدْرُونَ أَيْن هم فتمضي أَيَّام على ذَلِك فَلَا يشْعر الأتراك إلا وَهُوَ فِي الْبِلَاد اليمنية قد استولى على مَوَاضِع وَمَا زَالَ هَكَذَا مَعَ إقدام وشجاعة وصبر لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره حَتَّى أنه كَانَ في بعض الْأَوْقَات قد لَا يجد هُوَ وَمن مَعَه مَا يَأْكُلُون عِنْد اختفائهم فَيَأْكُلُونَ من نَبَات الأَرْض وَقد يكابد من الشدائد مَا يظن كل اُحْدُ أَنه لَا يعود بعد ذَلِك إِلَى مناجزرة الأتراك فبينماهم على يأس من رُجُوعه إذ هُوَ قد وثب على بعض الأقطار وَكَانَ آخر الْأَمر أَنه وَقع الصُّلْح بَينه وَبَين الأتراك على أَن تثبت يَده على مَا قد استولى عَلَيْهِ من الْبِلَاد وَهُوَ غَالب الْجبَال وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك حَتَّى مَاتَ ﵀ فَأخْرج الأتراك من جَمِيع الأقطار اليمنية أَوْلَاده وصفت لَهُم الديار اليمنية وَلم يبْق لَهُم فِيهَا مُنَازع وَصَارَت الدولة القاسمية في الديار اليمنية ثَابِتَة الأساس إِلَى عصرنا هَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَلِهَذَا الإِمَام كرامات قد اشْتَمَلت عَلَيْهَا المطولات وجهادات لَا يَتَّسِع لَهَا إلا مجلدات وإقدامات يحجم عَنْهَا الْأَبْطَال وَله في إنكار الْمُنْكَرَات قبل دَعوته يَد طولى
فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ صَاحب نسمَة السحر قَالَ أخبرني شَيْخي الزَّاهِد الصُّوفِي الْحسن بن الْحُسَيْن حفيد صَاحب التَّرْجَمَة أنّ صوفيًا بِصَنْعَاء كَانَ شَدِيد الخلاعة وَكَانَ يَأْكُل الْحَشِيش أكل الْحمار ويستبيح الْمُحرمَات عَامَّة فكمن لَهُ الإِمَام الْقَاسِم فِي بعض الْأَزِقَّة كمون الأفعوان حَتَّى إِذا مر ضربه بعمود فَأخْرج دماغه من بَين الآذان ثمَّ خرج من الْمَدِينَة خايفًا يترقب انْتهى
وَكَانَ لَهُ قُوَّة عَظِيمَة وَهُوَ ربعَة معتدل الْقَامَة إِلَى السمن أقرب
وَاسع الْجَبْهَة عَظِيم
[ ٢ / ٤٩ ]
الْعنين أشم الْأنف طَوِيل اللِّحْيَة عظيمها عبل الذراعين أشعرهما فصيح الْعبارَة سريع الاستحضار للأدلة كثير الْحلم يصبر على المكاره ويتحمل العظائم وَلَا تفزعه القعاقع وَلَا تحركه إلا هول العظايم كَانَ يقدم على الجيوش الَّتِى هي أُلُوف مؤلفة وَهُوَ في نفر يسير وَلِهَذَا كَانَت لَهُ الْعَاقِبَة وقهر الْأَعْدَاء وأزال ملك الدولة الْعَظِيمَة ومهد لعقبة هَذِه الدولة الجليلة الَّتِى صَارَت من غرر الدهور ومحاسن العصور وَفِيهِمْ من هُوَ من أَئِمَّة الْعلم المصنفين وَمن أَئِمَّة الْجِهَاد المثاغرين وَمن الشُّعَرَاء المجيدين وَمن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن الفرسان المعتبرين وَمن الشجعان الفائقين
وَقد اشْتَمَل هَذَا الْكتاب على تراجم جمَاعَة من أعيانهم هم طراز هَذِه التراجم وتاجها وَله نظم في المواعظ والعلوم والزجر والتهديد فَمن ذَلِك
(يَاذَا المريد لنَفسِهِ تثبيتًا ولدينه عِنْد الْإِلَه ثبوتا)
(أسلك طَريقَة آل أَحْمد واسألن سفن النجا إن يسْأَلُوا ياقوتا)
(لَا تعدلن بآل أَحْمد غَيرهم وَهل الْحَصَى يشاكل الياقوتا)
وَله قصيدة يرد بهَا على السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الإِمَام شرف الدَّين مَشْهُورَة وَله إِلَى السَّيِّد عبد الله بن علي المؤيدي وَقت أن دَعَا إِلَى نَفسه ورام معارضته
(إن كنت تبغي هدم دين مُحَمَّد فَأَنا المريد أقيمه بداعايم)
(أَو كنت تخبط في غيابه بَاطِل فَأَنا المزيل ظلامها بعزائم)
(لَوْلَا اشتغالي بالحروب وَأَهْلهَا لوجدت نَفسك لقْمَة للاقم)
وَكَانَ وَفَاته لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثانى عشر من ربيع الأول سنة ١٠٢٩ تسع وَعشْرين وَألف بشهارة بعلة البرسام وَتَوَلَّى بعده الْخلَافَة وَلَده الإِمَام
[ ٢ / ٥٠ ]
الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم وسيأتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى