حرف الْغَيْن الْمُعْجَمَة
غازان بن آرغون بن أبغابن هلا كو بن تولى بن جنكز خَان
السُّلْطَان معز الدَّين سُلْطَان التتار كَانَ جُلُوسه على تخت الْملك سنة ٦٩٣ وَحسن لَهُ نايبه نوروز الْإِسْلَام فَأسلم في سنة ٦٩٤ ونثر الذَّهَب وَالْفِضَّة واللؤلؤ على رُؤْس النَّاس وَفَشَا الْإِسْلَام فِي التتار وَكَانَ ملك خُرَاسَان بأسرها وَالْعراق وَفَارِس وَالروم وأذربيجان والجزيرة وَكَانَ يتَكَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ وَيفهم أَكثر اللِّسَان العربي وَلما ملك أَخذ نَفسه بطرِيق جده الْأَعْلَى جنكزخان الطاغية الذي أهلك الْعباد والبلاد وَصرف همته إِلَى توفير الْعَسْكَر وسد الثغور وَعمارَة الْبِلَاد والكف عَن سفك الدِّمَاء وَلما أسلم قيل لَهُ إِن دين الْإِسْلَام يحرم نِكَاح نسَاء الْآبَاء وَقد كَانَ استضاف نسَاء أَبِيه إِلَى نِسَائِهِ وَكَانَ أحبهنَّ إِلَيْهِ خاتون وهي أكبر نسَاء أَبِيه فهم أَن يرْتَد عَن الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ بعض خواصه إِن أَبَاك كَانَ كَافِرًا وَلم تكن خاتون مَعَه في عقد صَحِيح إِنَّمَا كَانَ مسافحًا بهَا فاعقد أَنْت عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تحل لَك فَفعل
[ ٢ / ٢ ]
وَلَوْلَا ذَلِك لارتد عَن الْإِسْلَام وَاسْتحْسن ذَلِك من الذي أفتاه بِهِ لهَذِهِ الْمصلحَة بل هُوَ حسن وَلَو كَانَ تَحْتَهُ ألف امْرَأَة على سفاح فَإِن مثل هَذَا السُّلْطَان المتولي على أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام في إِسْلَامه من الْمصلحَة مَا يسوغ مَا هُوَ أكبر من ذَلِك حَيْثُ يُؤدى التحريج عَلَيْهِ والمشي مَعَه على أَمر الْحق إِلَى ردته فرحم الله ذَلِك الْمُفْتى وَكَانَ وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَمن قبله من الْمُلُوك يعدون أنفسهم نوابًا لملك السراى فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ قدم غازان في الْملك تسمى بالخان وَقطع مَا كَانَ يحملهُ إِلَيْهِم من إتاوة وأفرد نَفسه بِالذكر وَالْخطْبَة وَضرب السِّكَّة باسمه وطرد نائبهم من بِلَاد الروم وَقَالَ أَنا أخذت الْبِلَاد بسيفي لَا بغيري وَكَانَ إِذا غضب خرج إِلَى الفضاء وَيَقُول إِن الْغَضَب إِذا خزنته زَاد فَإِن كَانَ جائعًا أكل أَو بعيد عهد بِالْجِمَاعِ جَامع وَيَقُول آفَة الْعقل الْغَضَب وَلَا يصلح للْملك من يتعاطى مَا يضر عقله وَأول مَا وَقع لَهُ الْقِتَال مَعَ نوروز بن أرغون الذي كَانَ حسن لَهُ الْإِسْلَام فَإِن نوروز خرج عَلَيْهِ فحاربه ثمَّ لجاء نوروز إِلَى قلعة خُرَاسَان ثمَّ إِن غازان قتل الأكراد الَّذين قَامُوا مَعَ نوروز وَكَانَ جملَة من قتل مِنْهُم في المعركة خمسين ألفًا وَأسر مِنْهُم أسرًا كثيرًا حَتَّى بيع الصبي الْجَمِيل الْمُرَاهق وَمن هُوَ أكبر مِنْهُ باثني عشر درهمًا ثمَّ إِن غازان طرق الْبِلَاد الشامية في سنة ٦٩٩ وَكَانَت ملحمة عَظِيمَة ظفر فِيهَا غازان وَدخل دمشق وخطب لَهُ بهَا واستمرت لَهُ الْخطْبَة أَيَّامًا وَحصل في تِلْكَ الْأَيَّام لأهل الشَّام من الْقَتْل وَسبي الْحَرِيم والذرية والتعذيب مَالا يُوصف بِسَبَب ماصودروا بِهِ من الْأَمْوَال وَهلك خلائق من الْعَذَاب والجوع ثمَّ رَجَعَ ثمَّ عَاد مرة أُخْرَى سنة ٧٠٠ فأوقع بِبِلَاد حلب ثمَّ أرسل بعض أمرائه بالعساكر
[ ٢ / ٣ ]
إِلَى مصر فَوَقَعت على عسكرة كسرة عَظِيمَة وَقتل مِنْهُم من لَا يُحْصى وَكَانَ ذَلِك في سنة ٧٠٣ وَلما بلغ ذَلِك غازان حصل لَهُ غم شَدِيد كَانَ سَبَب مَوته كَمَا قَالَ ابْن حجر فَمَاتَ في شهر شَوَّال سنة ٧٠٣ ثَلَاث وَسَبْعمائة
قَالَ الذهبي كَانَ شَابًّا عَاقِلا شجاعًا مهيبًا مليح الشكل مَاتَ وَلم يتكهل واشتهر أَنه سم في منديل يمسح بِهِ بعد الْجِمَاع فتعلل وَهلك انْتهى
وَقد امتحن أهل الشَّام بِهَذَا على رَأس الْقرن السَّابِع كَمَا امتحنوا هم وغالب بِلَاد الإسلام بجده الْأَعْلَى على رَأس الْقرن السَّادِس وكما امتحنوا بتيمورلنك على رَأس الْقرن الثَّامِن وَكلهمْ من التتار وَالْحكم لله الْقَادِر الْمُخْتَار