(١٠٣) بايزيد خَان بن مُرَاد بن أورخان ابْن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَمَا إليها
ولد سنة ٧٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَجلسَ على التخت سنة ٧٩٢ وَفتح كثيرًا من بِلَاد النَّصَارَى وقلاعهم وَاسْتولى على من كَانَ بالروم من مُلُوك الطوائف وَخرج عَلَيْهِ تيمورلنك إلى بِلَاده وَكَانَ قد لقِيه بِجَيْش الروم وَفِيهِمْ طَائِفَة من التتار فخدع تيمور من كَانَ مَعَ صَاحب التَّرْجَمَة من التتار فمالوا اليه فقاتل هُوَ وَمن مَعَه قتالًا شَدِيدا وَكَانَ شجاعًا فَمَا زَالَ
[ ١ / ١٦٠ ]
يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى كَاد يصل إلى تيمور فرموا عَلَيْهِ بساطًا وأمسكوه وحبسوه فَمَاتَ كمدًا في الْأسر سنة ٨٠٥ خمس وثمان مائَة
(١٠٤) بايزيد خَان بن مُحَمَّد بن مُرَاد بن مُحَمَّد بن بايزيد
الْمَذْكُور قبله ولد سنة ٨٥٥ خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَجلسَ على التخت بعد وَالِده سنة ٨٨٦ وعظمت سلطنته وافتتح عدَّة قلاع لِلنَّصَارَى وَخرج عَلَيْهِ أَخُوهُ جم فَانْهَزَمَ من صَاحب التَّرْجَمَة لما وَقع المصاف وفرّ إلى بِلَاد النَّصَارَى فَأرْسل إليه حلاقًا مَعَه سم فَمَا زَالَ يتَقرَّب إلى جم حَتَّى اتَّصل بِهِ وَحلق لَهُ بسكين مَسْمُومَة وهرب فسرى السم وَمَات وَكَانَ السُّلْطَان بايزيد سُلْطَانا مُجَاهدًا مثاغرا مرابطًا محبًا لأهل الْعلم محسنًا إليهم وَمَات سنة ٩١٨ ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة وفي أَيَّامه ظهر شاه اسمعيل الآتي ذكره وَكَانَ الْحَرْب بَينه وَبَين السُّلْطَان سليم ابْن صَاحب الترجمة كَمَا سيأتي تَحْقِيقه بعد أَن غلب سليم على السلطنة وَأَخذهَا من وَالِده كَمَا سيأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(١٠٥) برسباي الدقماقي الظّاهري البرقوقي الْملك الْأَشْرَف
اشْتَرَاهُ برقوق ثمَّ أعْتقهُ وَاسْتمرّ في خدمَة ابْنه النَّاصِر ثمَّ صَار مَعَ الْمُؤَيد بعد قتل النَّاصِر وَحضر مَعَه إلى مصر فولاه نِيَابَة طرابلس ثمَّ غضب عَلَيْهِ فاعتقله فَلَمَّا دخل ططر الشَّام بعد الْمُؤَيد استصحبه إلى الْقَاهِرَة وَقَررهُ دوادارًا كَبِيرا فَلَمَّا اسْتَقر ابْنه الصَّالح مُحَمَّد كَانَ نَائِبا عَنهُ في التَّكَلُّم مُدَّة أشهر إلى أَن أجمع الرأي على خلعه وسلطنة صَاحب التَّرْجَمَة وَذَلِكَ في ثامن ربيع الآخر سنة ٨٢٥ وأذعن الْأُمَرَاء والنواب لذَلِك وساس الْملك ونالته السَّعَادَة ودانت لَهُ الْبِلَاد وأهلها وَفتحت فِي أَيَّامه
[ ١ / ١٦١ ]
بِلَاد كَثِيرَة من غير قتال وَاسْتمرّ إلى أن مَاتَ في عصر يَوْم السبت ثَالِث عشر ذي الْحجَّة سنة ٨٤١ إحدى وَأَرْبَعين وثمان مائَة وعهد إلى ابْنه الْعَزِيز بالسلطنة وَأَن يكون الأتابك جقمق نظام المملكة وَكثر تزاحم النَّاس عَلَيْهِ وَكَانَت أَيَّامه هُدُوا وسكونا وَلكنه كَانَ مَوْصُوفا بالشح وَالْبخل والطمع مَعَ الْجُبْن والخور وَكَثْرَة التلون وَسُرْعَة الْحَرَكَة والتقلب فِي الأمور وَشَمل بِلَاد مصر وَالشَّام الخراب وَقلت الأموال بهَا وافتقر النَّاس وسائت سيرة الْحُكَّام والولاة مَعَ بُلُوغ آماله ونيل أغراضه وقهر أعاديه وقتلهم بيد غَيره وَله مآثر في أَرض مصر عَظِيمَة مِنْهَا الْمدرسَة المنسوبة إليه ومدحه بعض الْعلمَاء بتوسيعه على الطّلبَة فَوق مَا كَانَ يَفْعَله من قبله فَقَالَ السَّبَب إن من تقدم من الْفُقَهَاء لم يَكُونُوا يوافقون الْمُلُوك على أغراضهم فَلم يسمحوا لَهُم بِكَثِير أَمر وَأما فُقَهَاء زَمَاننَا فهم لأجل كَونهم في قبضتنا وطوع أمرنَا نسمح لَهُم بِهَذَا النزر الْيَسِير قَالَ السخاوي وَهَذَا كَانَ إِذْ ذَاك وإلا فالآن مَعَ موافقتهم لَهُم في إشاراتهم فضلًا عَن عباراتهم لَا يعطونهم شَيْئا بل يتلفتون لما بِأَيْدِيهِم ويحسدونهم على الْيَسِير انْتهى
(١٠٦) برقوق الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد الجركسي
واسْمه الطنبغا وَلكنه سمي بذلك الِاسْم لنتوء فِي عَيْنَيْهِ كَأَنَّهُمَا البرقوق كَانَ مَمْلُوكا لرجل يُقَال لَهُ الخواجة عُثْمَان ثمَّ ملكه الْأَشْرَف شعْبَان فَلَمَّا قتل ترقى إلى أَن صَار أَمِير أَرْبَعِينَ ثمَّ مَا زَالَ يترقى حَتَّى قبض على بعض الْأُمَرَاء الْكِبَار وَتَوَلَّى التَّدْبِير للدولة مَكَانَهُ ثمَّ حصل التنافس بَينه وَبَين أَمِير يُقَال لَهُ بركه وَوَقع بَينهمَا حَرْب وَكَانَ الغلب لبرقوق فَقبض على
[ ١ / ١٦٢ ]
بركه وسجنه ثمَّ مَا زَالَ يعْمل فِي توليه للسلطنة اسْتِقْلَالا وخلع مخدومه الصَّالح حاجي إلى أَن اسْتَقل في رَمَضَان سنة ٧٨٤ فَجَلَسَ على التخت ولقب بِالظَّاهِرِ وَبَايَعَهُ الْخَلِيفَة والقضاة والأمراء فَمن دونهم وخلعوا الصَّالح بن الْأَشْرَف وأدخلوه إلى دور أَهله بالقلعة فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بِمدَّة خرج جمَاعَة من الْأُمَرَاء على برقوق فبرز إليهم فتسلل من مَعَه وخذلوه فتغيب حِينَئِذٍ واختفى في دَار بِقرب الْمدرسَة الشيخونية ظَاهر الْقَاهِرَة ثمَّ إن الْأُمَرَاء أعادوا الصَّالح إلى المملكة ولقب بالمنصور وَصَارَ يلبغا الناصري أتابكًا لَهُ وَأَرَادَ منطاش قتل برقوق فَلم يُوَافقهُ الناصري بل شيّعه إلى الكرك وسجنه بهَا ثمَّ بعد ذَلِك ثار منطاش على الناصري فحاربه إلى أَن قبض عَلَيْهِ وسجنه بالإسكندرية واستقل منطاش بِالتَّدْبِيرِ وَكَانَ أهوج فَلم يَنْتَظِم لَهُ أَمر وانتقضت عَلَيْهِ الْأَطْرَاف فَجمع العساكر وَخرج إلى جِهَة الشَّام فاتفق خُرُوج برقوق من الكرك وانضم إليه جمع قَلِيل فَالْتَقوا بمنطاش فانكسر إِلَى جِهَة الشَّام فاستولى الظَّاهِر برقوق على جَمِيع الأثقال وَفِيهِمْ الْخَلِيفَة والقضاة وأتباعهم فساقهم إلى الْقَاهِرَة واستقرت قدمه في الْملك وَأعَاد الصَّالح بن الأشرف إلى مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ كل ذَلِك فِي أَوَائِل سنة ٧٩٢ ثمَّ جمع العساكر وَتوجه إلى الشَّام لمحاربة منطاش فحصرها وهرع إليه الأمراء وتعصب الشاميون لمنطاش فَمَا أَفَادَ بل انهزم منطاش بعد أَن دَامَت الْحَرْب بَينهمَا مُدَّة وثبث برقوق في الْملك إلى أَن مَاتَ سنة ٨٠١ إحدى وثمان مائَة وعهد بالسلطنة لوَلَده فرج وَله يَوْمئِذٍ تسع سِنِين واستحلف القاضي الشافعي فَحلف لَهُ وَكَذَلِكَ الْخَلِيفَة وَجَمِيع الأمراء وَكَانَت مُدَّة اسْتِقْلَال برقوق
[ ١ / ١٦٣ ]
بالمملكة من غير مشارك تسع عشرَة سنة وَمن آثاره الْمدرسَة الَّتِى عمرها بَين القصرين وَكَانَ شجاعًا ذكيًا خَبِيرا بالأمور حازمًا مهابًا فإن تيمورلنك لم يقدر على التَّقَدُّم على مصر فِي سلطنته لما بلغه عَنهُ من الحزم والعزم والشدة وَالْقُوَّة وَلما بلغه موت برقوق أعْطى من بشره مبلغًا من المَال كثيرا وَحصل مَعَه الطمع فِي أَخذ مصر فَدفع الله عَنْهَا كَمَا سيأتي بَيَان ذَلِك في تَرْجَمته إن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ برقوق أول من أَخذ الْبَذْل على الولايات حَتَّى وَظِيفَة الْقَضَاء وَسَائِر الْوَظَائِف الدِّينِيَّة وَهُوَ أول مُلُوك الجراكسة في مصر
(١٠٧) أَبُو بكر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر بن لَعَلَّه ذُؤَيْب شرف الْمَعْرُوف تنكر بِابْن قاضي شهبة الدمشقي الشافعي
ولد سنة ٧٧٩ تسع وَسبعين وَسَبْعمائة وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة كالسراج البلقيني وطبقته وَله مصنفات مِنْهَا الذيل على تَارِيخ ابْن حجر وطبقات الشَّافِعِيَّة وَشرح الْمِنْهَاج إلى الْخلْع في أَربع مجلدات وَشرح التَّنْبِيه وَله التَّارِيخ الْكَبِير من سنة ٢٠٠ إلى ٧٩٢ وَله ذيل على تَارِيخ الذهبي في ثَمَان مجلدات وَمَات عَاشر ذي الْقعدَة سنة ٨٥١ إحدى وَخمسين وثمان مائَة
(١٠٨) أَبُو بكر بن على بن عبد الله التقي الحموي الإزراري الْمَعْرُوف بِابْن حجَّة
قَالَ السّخاوي بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة ولد تَقْرِيبًا سنة ٧٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بحماه وَنَشَأ بهَا وَأخذ فنونًا من الْعلم ومعاني الأدب وارتحل إلى الشَّام ومصر ومدح الأكابر ثمَّ عَاد إلى بِلَاده وَدخل الْقَاهِرَة فِي الايام
[ ١ / ١٦٤ ]
المؤيدية فَعظم أمره وَتَوَلَّى كِتَابَة الإنشاء ثمَّ توقف أمره فَعَاد إلى بِلَاده فَأَقَامَ بهَا ملازمًا للْعلم وَالْأَدب إلى أَن مَاتَ وَله يَد طولى في النظم والنثر مَعَ زهو وإعجاب وَقد يأتي في نظمه بِمَا هُوَ حسن وَبِمَا هُوَ في غَايَة الركة والتكلف وَمَعَ ذَلِك فيفضله على ماهو من أشعار غَيره في السَّمَاء وَهُوَ في الأرض كَمَا يفعل ذَلِك في شرح بديعته الْمَشْهُورَة بأيدي النَّاس وَهُوَ من أحسن تصانيفه وَمِنْهَا بُلُوغ المرام من سيرة ابْن هِشَام وَالرَّوْض الْأنف والأعلام وأمان الْخَائِفِينَ من أمة سيد الْمُرْسلين وبلوغ المُرَاد من الْحَيَوَان والنبات والجماد في مجلدين وبروق الغبث على الْغَيْث الذى انسجم وكشف اللثام عَن وَجه التورية والاستخدام وقهوة الإنشاء في مجلدين جمع فِيهِ مَا أنشأه عَن الْمُلُوك وتأهل الْغَرِيب فِي أَربع مجلدات وَغير ذَلِك من المصنفات وشعره كثير وبسبب عجبه وتيهه هجاه كثير من معاصريه بمقاطيع مقذعة وَزَاد في التحامل عَلَيْهِ النواجي الآتي ذكره إِن شَاءَ الله حَتَّى صنّف كتابًا سَمَّاهُ الْحجَّة في سرقات ابْن حجَّة رَأَيْته فِي مُجَلد لطيف تكلف فِيهِ غَايَة التَّكَلُّف وشعره مَشْهُور قد ذكر مِنْهُ في شرح بديعته كثيرًا وَذكر أَيْضا فِيهِ بَعْضًا من نثره وَهُوَ أحسن من نظمه وَمَات فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شعْبَان سنة ٨٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة
[ ١ / ١٦٥ ]
(١٠٩) أَبُو بكر بن علي الْحداد الزبيدي الحنفي
قَرَأَ على وَالِده وعَلى على بن نوح وعَلى علي بن عمر العلوي وبرع في أَنْوَاع من الْعلم واشتهر ذكره وطار صيته وصنّف مصنّفات في فقه الْحَنَفِيَّة مِنْهَا شرحان لمختصر القدوري صَغِير وكبير وَجمع تَفْسِيرا حسنًا هُوَ الْآن مَشْهُور عِنْد النَّاس يسمونه تَفْسِير الْحداد وَله مصنفات كَثِيرَة تبلغ عشْرين مجلدًا وَمَات سنة ٨٠٠ ثَمَان مائَة بِمَدِينَة زبيد وَله زهد وورع وعفة وَعبادَة
(١١٠) السَّيِّد أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن بن حريز
بمهملتين وَآخره زاي العلوي الحسيني الحصني ثمَّ الدمشقي الشافعي الْمَعْرُوف بالتقي الحصني ولد سنة ٧٥٢ اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أهل عصره وبرع وقصده الطّلبَة وصنّف التصانيف كشرح التَّنْبِيه في خمس مجلدات وَشرح الْمِنْهَاج وَشرح صَحِيح مُسلم في ثَلَاث مجلدات وَشرح أَرْبَعِينَ النَّوَوِيّ فِي مُجَلد وَشرح مُخْتَصر أبي شُجَاع فِي مُجَلد وَشرح الْأَسْمَاء الْحسنى في مُجَلد وتلخيص مهمات الأسنوي في مجلدين وقواعد الْفِقْه فِي مجلدين وَله في التصوف مصنفات وَمَات لَيْلَة الْأَرْبَعَاء منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٢٩ تسع وَعشْرين وثمان مائَة
١١١ - بيبرس العثماني الجاشنكير الْملك المظفر
كَانَ من مماليك الْمَنْصُور قلاون وترقى إلى أَن جعله أَمِير طبلخانة وَكَانَ أشقر اللَّوْن مستدير اللِّحْيَة مَوْصُوفا بِالْعقلِ التَّام وَالْفِقْه وَهُوَ من جملَة الأمراء الَّذين تعصبوا للناصر حَتَّى أقاموه في السلطنة وَبعد استقراره
[ ١ / ١٦٦ ]
صَار صَاحب التَّرْجَمَة من أكَابِر أمرائه وَولى الأستاذ دارية لَهُ ثمَّ قَامَ بنصرة النَّاصِر مرة أُخْرَى وَأَعَادَهُ إلى السلطنة وَصَارَ مُدبرا للملكة هُوَ وسلار فَكَانَ هَذَا الاستاذ دَار وسلار نَائِب السلطنة وَعظم قدره ثمَّ خرج لِلْحَجِّ بعد سنة ٧٠١ وَصَحبه كثير من الأمراء وَحج بِالنَّاسِ فَصنعَ من الْمَعْرُوف شَيْئا كثيرًا وَمن محاسنه أَنه قلع المسمار الَّذِي كَانَ في وسط الْكَعْبَة وَكَانَ الْعَوام يسمونه سرة الدُّنْيَا وينبطح الْوَاحِد مِنْهُم على وَجهه وَيَضَع سرته مكشوفة عَلَيْهِ ويعتقد أَن من فعل ذَلِك عتق من النَّار وَكَانَ بِدعَة شنيعة وَكَذَلِكَ أَزَال الْحلقَة الَّتِى يسمونها العروة الوثقى وَهُوَ الَّذِي كَانَ السَّبَب في الْقيام على النَّصَارَى وَالْيَهُود حَتَّى منعُوا من ركُوب الْخَيل والملابس الفاخرة وَاسْتقر الْحَال على أَن النصراني يلبس الْعِمَامَة الزَّرْقَاء واليهودي يلبس الْعِمَامَة الصَّفْرَاء فِي جَمِيع الديار المصرية والشامية وَلَا يركب أحد مِنْهُم فرسًا وَلَا يتظاهر بملبوس فاخر وَلَا يضاهى الْمُسلمين فى شئ من ذَلِك وصمم في ذَلِك بعد أَن بذلوا أَمْوَالًا كَثِيرَة فَامْتنعَ وضاق بهم الأمر جدًا حَتَّى أسلم كثير مِنْهُم وهدمت في هَذِه الكائنة عدَّة كنايس وأبطل عيد الشَّهِيد وَهُوَ موسم من مواسم النَّصَارَى كَانَ يخرجُون إلى النيل فيلقون فِيهِ أصبعًا لبَعض من سلف مِنْهُم يَزْعمُونَ أَن النيل لَا يزِيد إلا إن وضع الأصبع فِيهِ وَكَانَ يحصل فِي ذَلِك الْعِيد من الْفُجُور وَالْفِسْق والمجاهرة بالمعاصي أَمر عَظِيم وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد غلب هُوَ وسلاّر على سلطنة النَّاصِر وَلم يبْق بِيَدِهِ إلا الِاسْم وَكَانَ يُبَالغ فِي التأدب مَعَ رَفِيقه سلار فَلَمَّا حجروا على النَّاصِر التَّصَرُّف فِي المملكة وَصَارَ مَعَهُمَا صُورَة بِلَا حَقِيقَة أظهر أَنه يُرِيد الْحَج ثمَّ خرج وَعدل من
[ ١ / ١٦٧ ]
الطَّرِيق إلى الكرك وَأرْسل إلى الأمراء بِمصْر بأنه قد ترك الْملك فاضطرب الأمراء عِنْد ذَلِك وَتَشَاوَرُوا فِي من يسْتَقرّ في السلطنة مَكَانَهُ فَحسن سلار لبيبرس أَن يتسلطن فَأَجَابَهُ إلى ذَلِك بعد تمنع كَبِير وَأَفْتَاهُ جمَاعَة من الْعلمَاء بِجَوَاز ذَلِك فتسلطن وتلقب بالمظفر وَكتب عَهده عَن الْخَلِيفَة وَركب بالعمامة المدورة والتقليد على رَأس الْوَزير وناب عَنهُ سلاّر على عَادَته وأطاعه أهل الشَّام وَذَلِكَ كُله فِي شهر شَوَّال سنة ٧٠٨ وَيُقَال أن التشاريف الَّتِى أَعْطَاهَا الْأُمَرَاء وَغَيرهم كَانَت ألف تشريف وَمِائَتَيْنِ وأبطل ضَمَان الْخمر من طرابلس وَكَانَ ذَلِك من حَسَنَاته فَلَمَّا كَانَ وسط سنة ٧٠٩ خامر عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وتوجهوا إلى النَّاصِر فَأَخَذُوهُ من الكرك فتوجهوا مَعَه إلى دمشق وَسَارُوا في عَسْكَر كثير فَلَمَّا تحقق حَرَكَة النَّاصِر جرد إليه عسكرًا كثيرًا فخامروا وانهزموا ثمَّ لم يُرْسل أحدًا إلا خامر عَلَيْهِ حَتَّى صهره وزج ابْنَته وفي غُضُون ذَلِك زين بعض الْفُقَهَاء لبيبرس أَن يجدد لَهُ الْخَلِيفَة عهدًا بالسلطنة فَفعل وَقَرَأَ ذَلِك وَأرْسل بنسخة إِلَى الْأُمَرَاء الخارجين عَلَيْهِ وَكَانَ أَوله (إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) فَلَمَّا قرئَ على كَبِيرهمْ قَالَ ولسليمان الريح وَأمر بِقِرَاءَة هَذَا الْعَهْد على المنابر يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا سَمعه الْعَامَّة صاحوا فَمنهمْ من يَقُول نصر الله النَّاصِر وَمِنْهُم من يَقُول يَا نَاصِر يَا مَنْصُور وَاتفقَ أَنه نصب أَمِيرا في شهر رَمَضَان ومروا بِهِ من وسط الْقَاهِرَة عَلَيْهِ الزِّينَة فَكَانَ الْعَامَّة يَقُولُونَ يافرحة لاتتم وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك ثمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ جمَاعَة مِمَّن تَأَخّر مَعَه أَن يشْهد عَلَيْهِ بالنزول عَن السلطنة وَيتَوَجَّهُ إلى أطفيح ويكاتب النَّاصِر ويستعطفه من هُنَالك وينتظر جَوَابه فَفعل وَخرج عَلَيْهِم
[ ١ / ١٦٨ ]
الْقَوْم فسبّوه وشتموه ورجموه بِالْحِجَارَةِ فَفرق فيهم دَرَاهِم فَلم يرجِعوا فسل مماليكه عَلَيْهِم السيوف فَرَجَعُوا عَنهُ فَأَقَامَ بأطفيح يَوْمًا ثمَّ رَحل طَالبا للصعيد فوصل إلى إخميم فَقدم عَلَيْهِم الْأمان من النَّاصِر وَأَنه أقطعه صيهون فَقبل ذل وَرجع مُتَوَجها إلى غَزَّة فَلَمَّا وصل غَزَّة وجد هُنَاكَ نَائِب الشَّام وَغَيره فقبضوا عَلَيْهِ وسيّروه إلى مصر فَتَلقاهُمْ قَاصد النَّاصِر فقيده وأركبه بغلًا حَتَّى قدم بِهِ إلى القلعة في ذي الْقعدَة فَلَمَّا حضر بَين يَدَيْهِ عاتبه وَعدد عَلَيْهِ ذنوبًا فَيُقَال أنه خنق بِحَضْرَتِهِ بِوتْر حَتَّى مَاتَ وَقيل سقَاهُ سما وَكَانَ مَوْصُوفا بِالْخَيرِ والأمانة وَالتَّعَفُّف وَكَانَ قَتله فِي شهر الْقعدَة سنة ٧٠٩ وَقد كَانَ تعكست عَلَيْهِ الْأُمُور وكل مادبره عَاد عَلَيْهِ بالخذلان