(١١٢) تنكر نَائِب الشَّام
جلب إلى مصر وَهُوَ صَغِير فَاشْتَرَاهُ الْأَشْرَف ثمَّ صَار إلى النَّاصِر فَجعله أَمِير عشرَة قبل أَن يعْزل نَفسه ويفر إلى الكرك ثمَّ كَانَ فى صحبته بالكرك يترسل بَينه وَبَين الأفرم وَكَانَ الأقرم إِذْ ذَاك نَائِب الشَّام ففي بِبَعْض الْأَوْقَات اتهمه الأفرم بَان مَعَه كتبًا إلى أُمَرَاء الشَّام ففتشه وَعرض عَلَيْهِ الْعقُوبَة فَرجع إلى النَّاصِر وشكى عَلَيْهِ مالاقاه من الإهانة فَقَالَ لَهُ إِن عدت إلى الْملك فأنت نَائِب الشَّام عوضه فَلَمَّا عَاد إلى الْملك جهزه لنيابة الشَّام في ربيع الآخر سنة ٧١٢ وَأرْسل مَعَه من ييعرفه بِمَا يحْتَاج إليه فباشر ذَلِك وَتمكن وسلك سَبِيل الْحُرْمَة والناموس الْبَالِغ وَفتح الله على
[ ١ / ١٦٩ ]
يَدَيْهِ ملطية فى سنة ٧١٥ وَذَلِكَ أَنه اسْتَأْذن السُّلْطَان في ذَلِك فَأذن لَهُ فأظهر أَنه يُرِيد التَّوَجُّه إلى مَحل آخر فَخرج وَخرجت العساكر مَعَه وَهُوَ في دست السلطنة بالعصايب والكوسات وَمَعَهُ الْقُضَاة فَلَمَّا وصل إلى حلب جرد عسكرًا إلى مطلية ثمَّ توجّه في أَثَره فنازلها إلى أَن فتحهَا ورحل بأسرى وَغَنَائِم وَمَال كثير فَعظم شَأْنه وهابه الأمراء والنواب قَالَ الصفدي سَار السِّيرَة الْحَسَنَة العادلة بِحَيْثُ لم يكن لَهُ همة في مأكل وَلَا مشرب وَلَا ملبس وَلَا منكح بل فِي الفكرة فى تَأْمِين الرعايا فأمنت السبل فِي أَيَّامه ورخصت الأسعار وَلم يكن أحد في ولَايَته يتَمَكَّن من ظلم أحد وَلَو كَانَ كَافِرًا ثمَّ إن النَّاصِر بَالغ فِي تَعْظِيمه وَتقدم أمره إلى جَمِيع النواب بالبلاد الشامية أَن يكاتبوا تنكر بِجَمِيعِ مَا كَانُوا يكاتبون بِهِ السُّلْطَان وَزَاد في الترقي حَتَّى كَانَ النَّاصِر لَا يفعل شَيْئا إلا بعد مشاورته وَلم يكْتب هُوَ الى السُّلْطَان فى شئ فَيردهُ فِيهِ إلا نَادرا وَلم يتَّفق في طول ولَايَته أَنه ولي أَمِيرا وَلَا نَائِبا وَلَا قَاضِيا وَلَا وزيرًا وَلَا كَاتبا إلى غير ذَلِك من جليل الْوَظَائِف وحقيرها برشوة وَلَا طلب مُكَافَأَة بل رُبمَا كَانَ يدْفع إليه المَال الجزيل لأجل ذَلِك فَيردهُ ويمقت صَاحبه وَكَانَ يتَرَدَّد إلى الْقَاهِرَة بإذن السُّلْطَان فيبالغ في إكرامه واحترامه حَتَّى قَالَ النشو مرة أن الَّذِي خص تنكر فِي سنة ٧٣٣ خَاصَّة مبلغ ألف ألف وَخمسين ألف خَارِجا عَن الْخَيل والسروج وَكَانَ قد سمع الحَدِيث من عِيسَى الْمطعم وأبي بكر بن أَحْمد بن عبد الدايم وَابْن الشّحْنَة وَغَيرهم وَلما حج قَرَأَ عَلَيْهِ بعض الْمُحدثين بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة ثلاثيات البخاري وَمن مُبَالغَة السُّلْطَان فِي تَعْظِيمه أَنه روى عَنهُ الأمير سيف الدَّين أَنه قَالَ لَهُ مرة لي مُدَّة طَوِيلَة
[ ١ / ١٧٠ ]
أطلب من النَّاس شَيْئا لَا يفهمونه مني وَهُوَ أَنى لَا أقضي لأحد حَاجَة إلا على لِسَان تنكر ودعا لَهُ بطول الْعُمر قَالَ فنقلت ذَلِك إلى تنكر فَقَالَ بل أَمُوت أَنا فِي حَيَاة السُّلْطَان قَالَ فبلغت السُّلْطَان ذَلِك فَقَالَ لَا قل لَهُ أَنْت إذا عِشْت بعدي نفعتني في أولادي وأهلي وَأَنت إذا مت قبلى ايش أعمل أنامع أولادك أَكثر مِمَّا عملت مَعَهم في حياتك ولتنكر مآثر في دمشق مَسَاجِد ومدارس ورباطات وَحج في سنة ٧٢١ وَيُقَال أنه قدم الْقَاهِرَة بعد حجة فَأمر السُّلْطَان الْأُمَرَاء يهادونه وَكَانَت جملَة مَا قدم اليه ثَمَانِينَ ألف دِينَار وَكَانَ النَّاس فِي ولَايَته آمِنين على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وحريمهم وَأَوْلَادهمْ وَكَانَ يتَوَجَّه في كل سنة إلى الصَّيْد ويصيد أَيَّامًا وَكَانَ مثابرًا على الْحق وَنصر الشَّرْع إلا أَنه كَانَ كثير التخيل سريع الْغَضَب شَدِيد الحدة وَلَا يقدر أحد على مُرَاجعَته مهابة لَهُ وَإِذا بَطش بَطش بطشة الجبارين وَإِذا غضب على اُحْدُ لَا يزَال ذَلِك المغضوب عَلَيْهِ فِي انعكاس وخمول إلى أَن يَمُوت غَالِبا وَكَانَ يَقُول أي لَذَّة لحَاكم إذا كَانَت رعاياه يدعونَ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ يَخْلُو ليلة من قيام وَدُعَاء وَكَانَ يعظم أهل الْعلم وإذا كَانَ عِنْده أحد مِنْهُم لم يسند ظَهره بل يقبل إليه بِوَجْهِهِ ويؤنسه بالْقَوْل وَالْفِعْل وَكَانَ سليم الْبَاطِن لَيْسَ عِنْده دهاء وَلَا مكر وَلَا يصبر على الْأَذَى لَا يداري أحدًا من الأمراء وَقدم إلى مصر في سنة ٧٣٨ فَخرج السُّلْطَان لملاقاته فَلَمَّا رَآهُ ترجل لَهُ فترجل جَمِيع من مَعَه من الامراء فَألْقى تنكر نَفسه من فَوق الْفرس إلى الأرض وأسرع وَهُوَ يقبل الأرض حَتَّى انكب على قدمي السُّلْطَان فقبلهما فأمسك رَأسه بِيَدِهِ وَأمره بالركوب وَقدم فِي سنة ٧٣٩ فَكَانَت قيمَة تقادمه للسُّلْطَان والامراء
[ ١ / ١٧١ ]
مائتي ألف دِينَار وَعشْرين ألف دِينَار وَبَالغ السُّلْطَان فِي إكرامه حَتَّى أخرج لَهُ نِسَاءَهُ فقبلن يَده وَله محَاسِن مِنْهَا أَنه نظر فِي أوقاف الْمدَارِس والجوامع والمساجد والخوانق والزوايا والربط فَمنع أن يصرف لَاحَدَّ جامكية حَتَّى يلم شعثها فعمرت كلهَا في زَمَانه أحسن عمَارَة وَأمر بكسح الأوساخ الَّتِى فِي مقاسم الْمِيَاه الَّتِى تتخلل الدور وَفتح منافذها وَكَانَت انسدت فَكَانَ الوباء يحصل بِدِمَشْق كثيرًا بِسَبَب العفونات فَلَمَّا صلح ذَلِك زَالَ مَا كَانَ يعتادهم كل سنة من كَثْرَة الأمراض فَكثر الدُّعَاء لَهُ وأجرى الْعين إلى بَيت الْمُقَدّس بعد أَن كَانَ المَاء بهَا قَلِيلا وَأَقَامُوا في عَملهَا سنة وَأكْثر من فكاك الأسرى وَأعظم ربح التُّجَّار الَّذين يجلبونهم وَجمع الْكلاب فألقاها في الخَنْدَق واستراح النَّاس من أذاها وَلما انْتهى حَظه وَبلغ الْغَايَة في هَذِه الدُّنْيَا أشهر فِي النَّاس أَنه عزم على التَّوَجُّه إلى بِلَاد التتار حَتَّى بلغ ذَلِك السُّلْطَان وَتغَير عَلَيْهِ وتنكر لتنكر وجهز العساكر لإمساكه مَعَ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَلَيْسَ عِنْده خبر فَلَمَّا بلغه الْخَبَر بوصول الْجند والأمراء لإمساكه بهت لذَلِك وَقَالَ مَا الْعَمَل قَالُوا تستسلم فاستسلم وجهز سَيْفه إلى السُّلْطَان وَذَلِكَ فِي ذي الْحجَّة سنة ٧٤٠ وتأسف أهل دمشق عَلَيْهِ ثمَّ بعد الْقَبْض عَلَيْهِ أحيط بموجوده وَوجد لَهُ مَا يُجَاوز الْوَصْف فَمن الذَّهَب الْعين ثَلَاث مائَة وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار وَمن الدَّرَاهِم ألف ألف دِرْهَم وَخمْس مائَة ألف دِرْهَم وَأما الْجَوَاهِر والحوايص والأقمشة والخيول وَنَحْو ذَلِك فشئ كثير جدًا ثمَّ لما دخل الْقَاهِرَة أَمر السُّلْطَان جَمِيع المماليك والأمراء أَن يقعدوا لَهُ بالطرقات من حد بَاب القلعة وَأَن لَا يقوم لَهُ أحد وفي بعض الْأَوْقَات
[ ١ / ١٧٢ ]
قَالَ لَهُ السُّلْطَان انْظُر من يكون وصيك فَقَالَ لَهُ خدمتك ونصحتك فَلم تتْرك لي صديقًا وَأمر بتجهيزه إلى الإسكندرية فَلم يزل في الاعتقال دون شهر ثمَّ مَاتَ في أَوَائِل سنة ٧٤١ إحدى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة قَالَ الذهبي في أَوَاخِر كِتَابه سير النبلاء كَانَ ذَا سطوة وهيبة وزعامة وإقدام على الدِّمَاء وَله نفس سبعية وَفِيه عتو وحرص مَعَ ديانَة فِي الْجُمْلَة وَكَانَ فِيهِ حِدة وَقلة رأفة وَكَانَ لَا يفكر فى عَاقِبَة وَلَا رأي لَهُ وَلَا دهاء إلى آخر كَلَامه وَتعقبه الْحَافِظ صَلَاح الدَّين الغلائي فَقَالَ لقد بَالغ المُصَنّف وَتجَاوز الْحَد فِي تَرْجَمَة تنكر وأين مثله وَأعْرض عَن محاسنه الطافحة من الْعدْل وقمع الظلمَة وكف الْأَذَى عَن النَّاس ومحبة إِيصَال الْحق إلى مُسْتَحقّه وتولية الوظايف أَهلهَا وحسبك أَن المُصَنّف يعْنى الذهبي كَانَ فَقِيرا فَلَمَّا خلت دَار الحَدِيث الأشرفية وتربة أم الصَّالح ولى تنكر المزي والذهبي بِغَيْر سُؤال مِنْهُمَا وَلَا ببذل لأنه أعلم بحالهما واستحقاقهما ثمَّ ولي الذهبي دَار الحَدِيث الظَّاهِرِيَّة ثمَّ النفيسية ثمَّ دَار الحَدِيث التنكرية ثمَّ قَالَ الغلائي ذَنْب تنكرانه كَانَ يحط كثيرًا على ابْن تَيْمِية وفي هَذِه الإشارة كِفَايَة انْتهى وَهُوَ يُشِير بِهَذَا إلى أَن الذهبي تحيز إِلَى الْحَنَابِلَة
(١١٣) تيمورلنك بن طرغاي السُّلْطَان الْأَعْظَم الطاغية الْكُبْرَى
الْأَعْرَج وَهُوَ اللّنك في لغتهم كَانَ ابْتِدَاء ملكه أَنَّهَا لما انقرضت دولة بنى جنكزخان وتلاشت في جَمِيع النواحي ظهر هَذَا بتركستان وسمرقند وتغلب على ملكهم مَحْمُود بعد أَن كَانَ أتابكه وَتزَوج أمه فاستبد عَلَيْهِ وَكَانَ فى عصره أَمِير بحارى يعرف بِحسن من أكَابِر الْمغل وآخر بخوارزم يعرف بالحاج حسن الصوفي وَهُوَ من كبار التتر فنبذ إليهم
[ ١ / ١٧٣ ]
تيمور بالعهد وزحف إلى بُخَارى فملكها من يَد الْأَمِير حسن ثمَّ زحف إلى خوارزم وتحرش بهَا وَهلك الْحَاج حسن فِي خلال ذَلِك وَولى أَخُوهُ يُوسُف فملكها تيمور من يَده وخربها في حِصَار طَوِيل ثمَّ كلف بعمارتها وتشييد ماخرب مِنْهَا وانتظم لَهُ ملك مَا ورا النَّهر وَنزل إلى بُخَارى ثمَّ انْتقل إلى سَمَرْقَنْد ثمَّ زحف إلى خُرَاسَان وَطَالَ تحرشه بهَا وحروبه لصَاحِبهَا شاه ولي إلى أَن ملكهَا عَلَيْهِ سنة ٧٨٤ وَنَجَا شاه ولي إلى تبريز وَبهَا أَحْمد بن أويس صَاحب الْعرَاق وأذربيجان إلى أَن زحف عَلَيْهِم تيمور سنة ٧٨٨ فَهَلَك شاه ولي في حروبه عَلَيْهَا وملكها تيمور ثمَّ زحف إلى أصبهان فأطاعوه طَاعَة ممرضة وخالفه فِي قومه كَبِير من أهل نسبة يعرف بقمر الدَّين فكرّ رَاجعا وحاربه إلى أَن محى أثره واشتغل بسُلْطَان الْمغل وزاحم طقتمش مرَارًا حَتَّى أوهن أمره ثمَّ رَجَعَ إلى أصبهان سنة ٧٩٤ ثمَّ زحف إلى بَغْدَاد سنة ٧٩٥ ففرّ مِنْهَا أَحْمد بن أويس المتغلب عَلَيْهَا بعد بني هولاكو وَاسْتولى عَلَيْهَا تيمور ونهبها وبلغه حَرَكَة طقتمش في جَمِيع الْمغل فأحجم وَتَأَخر إلى قلاع الأكراد وأطراف بِلَاد الروم وأناخ على قراباغ وَرجع طقتمش ثمَّ سَار إليه تيمور أول سنة ٧٩٩ وغلبه على ملكه وَأخرجه من سَائِر أَعماله فلحق ببلغار وَرجع سَائِلًا الْمغل الَّذين كَانُوا مَعَه إلى تيمور فأضحت أُمَم الْمغل والتتر كلهَا في جملَته وصاروا تَحت لوائه وَالْملك لله فَلَمَّا بلغه موت الظَّاهِر برقوق فَرح وَأعْطى من بشره بذلك خَمْسَة عشرَة ألف دِينَار وتهيأ للمسير إلى بِلَاد الشَّام فجَاء إلى بَغْدَاد فَأَخذهَا ثَانِيًا فإنها كَانَت استرجعت نَائِبه ثمَّ قصد سيواس في آخر سنة ٨٠٢ فحاصرها مُدَّة
[ ١ / ١٧٤ ]
وَلم يَأْخُذهَا ثمَّ إلى عين تَابَ فأجفل أهل الْقرى بَين يَدَيْهِ وَأهل الْبِلَاد الحلبية وَاجْتمعَ عَسَاكِر المماليك الشامية بحلب وَوصل تيمور مرج دابق وجهز رَسُولا إلى حلب فَأمر سدون نَائِب حلب بقتْله ثمَّ نزل في يَوْم الْخَمِيس تَاسِع ربيع الأول سنة ٨٠٣ على حلب ونازلها وحاصرها فَخرج النواب بالعسكر إلى ظَاهرهَا من جِهَة الشمَال وتقاتلوا يَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت حادي عشر الشَّهْر ركب تيمور فِي جمع وحشدوا الفيلة تقاد بَين يَدَيْهِ وهى فى مَا قيل ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ وَكَانَ مَعَه جمع لَا يُحْصِيه إلا الله من ترك وتركمان وعجم وأكراد وتتار وزحف على حلب فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ من بَين أَيْديهم وَجعلُوا يلقون أنفسهم من الأسوار والخنادق والتتار في أَثَرهم يَقْتُلُونَهُمْ ويأسرونهم إلى أَن دخلُوا حلب عنْوَة بِالسَّيْفِ فلجأت النِّسَاء والأطفال إلى الْجَوَامِع والمساجد فَلم يفد ذَلِك شَيْئا وَاسْتمرّ الْقَتْل والأسر فِي أهل حلب فَقتلُوا الرِّجَال وَسبوا النِّسَاء والأطفال وَقتل خلق كثير من الْأَطْفَال تَحت حوافر الْخَيل وعَلى الطرقات وأحرقوا الْمَدِينَة ثمَّ في يَوْم الثُّلَاثَاء تسلّم قلعتها بالأمان وَصعد إليها فِي الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ وَجلسَ فِي أَبْوَابهَا وَطلب الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء للسلام عَلَيْهِ فامتثلوا أمره وجاؤا إليه لَيْلَة الْخَمِيس فَلم يكرمهم وَجعل يتعنتهم بالسؤال وَكَانَ اخر ماسألهم عَنهُ أن قَالَ مَا تَقولُونَ في مُعَاوِيَة وَيزِيد هَل يجوز لعنهما أم لَا وَعَن قتال علي وَمُعَاوِيَة فَأَجَابَهُ القاضي علم الدَّين القفصي المالكي بَان عليًا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمُعَاوِيَة اجْتهد فأحطأ فَلهُ أجر فتغيظ من ذَلِك ثمَّ أجَاب الشرف أَبُو البركات الأنصاري الشافعي بَان مُعَاوِيَة لَا يجوز لَعنه لِأَنَّهُ صحابي فَقَالَ تيمور مَا حد الصحابي فَأجَاب
[ ١ / ١٧٥ ]
القاضي شرف الدَّين أَنه كل من رأى النبي ﵌ فَقَالَ تيمور فاليهود وَالنَّصَارَى رَأَوْا النبي ﵌ فَأجَاب بَان ذَلِك بِشَرْط كَون الرائي مُسلما وَأجَاب القاضي شرف الدَّين الْمَذْكُور أَنه رأى فِي حَاشِيَة على بعض الْكتب أَنه يجوز لعن يزِيد فتغيظ لذَلِك وَلَا عتب عَلَيْهِ إذا تغيّظ فالتعويل فِي مثل هَذَا الْموقف الْعَظِيم في مناظرة هَذَا الطاغية الْكَبِير فِي ذَلِك الامر الَّذِي مَا زَالَت الْمُرَاجَعَة بِهِ بَين أهل الْعلم فِي قديم الزَّمَان وَحَدِيثه على حَاشِيَة وجدهَا على بعض الْكتب مِمَّا يُوجب الغيظ سَوَاء كَانَ محقًا أَو مُبْطلًا وَقد سألهم في هَذَا الْموقف أَو فى موقف اخر بمسئلة عَجِيبَة فَقَالَ مَا مضمونه أنه قد قتل منا ومنكم من قتل فَمن في الْجنَّة وَمن في النَّار هَل قَتْلَانَا أَو قَتْلَاكُمْ فَقَالَ بعض الْعلمَاء الْحَاضِرين وَهُوَ ابْن الشّحْنَة كَمَا سيأتي إِن شَاءَ الله هَذَا سُؤال قد سُئِلَ عَنهُ رَسُول الله فاستنكر تيمور ذَلِك وَقَالَ كَيفَ قلت قَالَ ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن قَائِلا قَالَ لرَسُول الله ﵌ يَا رَسُول الله الرجل يُقَاتل حمية وَقَاتل شجاعة وَيُقَاتل ليرى مَوْضِعه فَقَالَ من قَاتل لتَكون كلمة الله هي الْعليا فَهُوَ في الْجنَّة أَو كَمَا قَالَ فَلَمَّا سمع تيمور هَذَا الْجَواب أعجبه وأطربه وَللَّه در هَذَا الْمُجيب فَلَقَد وَفقه الله في هَذَا الْجَواب وَهَكَذَا فلتكن جوابات الْعلمَاء لَا كَمَا قَالَه القاضي شرف الدَّين أنه رأى فِي حَاشِيَة ثمَّ إن تيمور توجه إلى قاعة السُّلْطَان الكائنة بقلعة حلب وَأمر بِطَلَب دَرَاهِم مِمَّن بالقلعة من الحلبيين فَكتب أَسمَاء النَّاس وَقبض عَلَيْهِم وعوقبوا بانواع من الغذاب بِحَيْثُ لم يسلم من الْعقُوبَة إلا الْقَلِيل ونهبوا القلعة وَأخذُوا من الأموال والأقمشة
[ ١ / ١٧٦ ]
مَا أذهل التتار وَلم يظفروا فِي مملكة بِمثلِهِ ثمَّ رَحل يَوْم السبت مستهل ربيع الآخر إلى جِهَة دمشق وَترك بحلب طَائِفَة من التتار بالقلعة وبالمدينة فوصل إلى دمشق وَقد كَانَ وصل اليها النَّاصِر فرج بعساكر الديار المصرية لدفع التتار وَحصل بَينهم قتال أيامًا ثمَّ إنه وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْعَسْكَر المصري وداخلهم الفشل فانكسروا وولوا رَاجِعين إلى جِهَة مصر واقتفى التتار آثارهم يسلبون من قدرُوا عَلَيْهِ أَو لحقوه وَرجع السُّلْطَان إلى مصر فَأخذ تيمور دمشق وَفعل بِأَهْلِهَا أعظم من فعله بحلب فقصد من بالقلعة أَن يمتنعوا مِنْهُ فَأمر بالأخشاب وَالتُّرَاب وَالْحِجَارَة وَبنى برجين قبالة القلعة فأذعنوا حِينَئِذٍ ونزلوا فتسلمها وَنهب الْمَدِينَة وخربها خرابًا فَاحِشا لم يسمع بِمثلِهِ وَلم يصل التتار أَيَّام هولاكو إلى قريب مِمَّا فعل بهَا التتار أَيَّام تيمور وَاسْتمرّ بِدِمَشْق إلى شعْبَان ثمَّ رَجَعَ إلى نَاحيَة حلب قَاصِدا بِلَاده وَلما وصل الى بِلَاده اسْتَقر إلى السنة الثَّانِيَة ثمَّ قصد بِلَاد الروم فَجمع سلطانها بايزيد عسكره وَتقدم كل من الْفَرِيقَيْنِ إلى الآخر فحصلت مَقْتَله عَظِيمَة انْكَسَرَ فِيهَا صَاحب الروم وَأسر وتفرق شَمل عسكره فَأخذ تيمور مايلى أَطْرَاف الشَّام من بِلَادهمْ وأخذ برصا وهي كرسي مملكة الروم ثمَّ رَجَعَ إلى بِلَاده وَمَعَهُ أَبُو يزِيد صَاحب الروم معتقلًا فتوفي في اعتقاله من تِلْكَ السنة ثمَّ دخل تيمور بِلَاد الْهِنْد ونازل مملكة الْمُسلمين حَتَّى غلب عَلَيْهَا وَالْحَاصِل أَنه دوّخ الممالك وَاسْتولى على غَالب الْبِلَاد الإسلامية بل والعجم وَجَمِيع ماوراء النَّهر وَالشَّام وَالْعراق وَالروم والهند ومابين هَذِه الممالك وَمن أحب الِاطِّلَاع على ماوقع لَهُ من الْمَلَاحِم وَكَيف صنع بالبلاد والعباد فَعَلَيهِ بِالْكتاب والمؤلف فِي سيرته وَهُوَ مُجَلد لطيف
[ ١ / ١٧٧ ]
وَقد قدمنَا الإشارة إليه عِنْد تَرْجَمَة مُؤَلفه ابْن عرب شاه وَقد وصف فِيهِ من عجائب تيمور وغرائبه مَا ينبهر لَهُ كل من وقف عَلَيْهِ وَيعرف مِقْدَار هَذَا الْملك الَّذِي لم يَأْتِ قبله وَلَا بعده مثله فان جنكزخان ملك التتار وإن كَانَ قد أهلك من الْعباد والبلاد زِيَادَة على مَا أهلك هَذَا الا ان ذَاك لم يُبَاشر مابا شَره هَذَا وَلَا بعضه وَلَا كَانَ جَمِيع مافعله في حَيَاته بل الْغَالِب بعد مَوته في سلطنة أَوْلَاده وأحفاده وَأما هَذَا الطاغية فَهُوَ الْمُبَاشر لكل فتوحاته الْمُدبر لجَمِيع معاركه وَلَقَد كَانَ من أَعَاجِيب الزَّمن في حركاته وسكناته وَكَانَ شَيخا طَويلا مهولًا طَوِيل اللِّحْيَة حسن الْوَجْه أعرج شَدِيد العرج سلبت رجله أَوَائِل أمره وَمَعَ ذَلِك يصلى من قيام مهابًا بطلًا شجاعًا جبارًا ظلومًا سفاكًا للدماء مقدامًا على ذَلِك أفنى فِي مُدَّة سلطنته من الْأُمَم مَالا يحصيهم الا الله وَخرب بلدانا كَثِيرَة تفوت الْحصْر وَكَانَ جهير الصَّوْت يسْلك الْجد مَعَ الْقَرِيب والبعيد وَلَا يحب المزاح وَيُحب الشطرنج وَله فِيهِ يَد طولى ومهارة زَائِدَة وَزَاد فِيهِ جملًا وبغلًا وَجعل رقعته عشرَة في أحد عشر بِحَيْثُ لم يكن يلاعبه فِيهِ إلا أَفْرَاد وَيقرب الْعلمَاء والصلحاء والشجعان والأشراف وينزلهم مَنَازِلهمْ وَلَكِن من خَالف أمره أدنى مُخَالفَة استباح دَمه فَكَانَت هيبته لَا تدانى بِهَذَا السَّبَب وَمَا أخرب الْبِلَاد إلا بذلك فإنه كَانَ من أطاعه من أول وهلة أَمن وَمن خَالفه أدنى مُخَالفَة هلك وَله فكر صائب ومكايد في الْحَرْب عَجِيبَة وفراسة قلّ أَن تخطأ وَمَعْرِفَة بالتواريخ لإدمانه على سماعهَا وَعدم خلو مَجْلِسه عَن قِرَاءَة شئ مِنْهَا سفرًا وحضرًا وَكَانَ مغرى بِمن لَهُ معرفَة بصناعة مَا إِذا كَانَ حاذقًا فِيهَا مَعَ كَونه أميالا يحسن الْكِتَابَة وَلَا الْقِرَاءَة وَله حذق باللغة
[ ١ / ١٧٨ ]
الفارسية والتركية والمغلية ويعتمد قَوَاعِد جنكزخان ويجعلها أصلًا وَلذَلِك أفنى الْعَالم مَعَ تظهره بالإسلام وشعائره وَكَانَ لَهُ جواسيس في جَمِيع الْبِلَاد الَّتِى ملكهَا والتي لم يملكهَا فَكَانُوا ينهون إليه الْحَوَادِث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بِجَمِيعِ مَا يروم فَلَا يتَوَجَّه إِلَى جِهَة إلا وَهُوَ على بَصِيرَة من أَهلهَا وَبلغ من دهائه أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ قصد جِهَة جمع أكَابِر الدولة وَتَشَاوَرُوا إلى أَن يَقع الرأي على التَّوَجُّه في الْوَقْت الفلاني إِلَى الْجِهَة الْفُلَانِيَّة فيكاتب جواسيس تِلْكَ الْجِهَات أَهلهَا فَيَأْخُذُونَ الحذر ويأمن غَيرهم فإذا ضرب النفير وَأَصْبحُوا سائرين ذَات الشمَال عرّج بهم ذَات الْيَمين فيدهم الْجِهَة الَّتِى يُرِيد وَأَهْلهَا غافلون مَاتَ وَهُوَ مُتَوَجّه لأخذ بِلَاد الخطا بِسَبَب ثلوج تنزلت مَعَ شدَّة برد وَكَانَ لَا يُسَافر فِي أَيَّام الشتَاء فَلَمَّا أَرَادَ الله هَلَاكه قوي عزمه على هَذَا السفر وَكَانَ مَوته يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر شهر شعْبَان سنة ٨٠٧ سبع وثمان مائَة وَلم يكن مَعَه من بنيه وأحفاده سوى حفيده خَلِيل بن ميران شاه بن تيمور فاتفق رَأْيهمْ على اسْتِقْرَار خَلِيل الْمَذْكُور فِي السلطنة مَعَ كَون أَبِيه وَعَمه موجودين وبذل لَهُم أَمْوَالًا عَظِيمَة وَرجع إِلَى بِلَاده سَمَرْقَنْد فإنها كَانَت كرسي مملكة تيمور فَلَمَّا قرب مِنْهَا تَلقاهُ من بهَا وَعَلَيْهِم ثِيَاب الْحداد وهم يَبْكُونَ وجثة تيمور في تَابُوت أبنوس وَجَمِيع الْمُلُوك والأمراء مشَاة مكشوفة رُؤْسهمْ وَعَلَيْهِم ثِيَاب الْحداد حَتَّى دفنوه وَأَقَامُوا عَلَيْهِ العزاء أَيَّامًا قَالَ السخاوي وَلَعَلَّه قَارب الثَّمَانِينَ فإنه قَالَ للقاضي شرف الدَّين الأنصاري وَغَيره كم سنكم فَقَالَ لَهُ الشرف سني الْآن سبع وَخَمْسُونَ سنة وَأجَاب غَيره بِنَحْوِ ذَلِك فَقَالَ أَنا أصلح أَن أكون والدكم وَكَانَت لَهُ همة عَظِيمَة
[ ١ / ١٧٩ ]
لم يبلغ إلى سَموهَا همة ملك من الْمُلُوك من جَمِيع الطوائف فإنه مازال يفتح الْبِلَاد ويقهر الْمُلُوك ويستولي على الأقاليم مُنْذُ قِيَامه فِي بِلَاده واستيلائه على مملكة أرضه إلى أَن مَاتَ وناهيك أَنه مَاتَ في الْغَزْو وَلم يصده عَن ذَلِك كَثْرَة مَا قد صَار بِيَدِهِ من الممالك وَلَا كَفاهُ مَا قد استولى عَلَيْهِ من الأراضي الَّتِى كَانَت قَائِمَة بعدة مُلُوك هم تَحت ركابه وَمن جملَة خدمه وَللَّه الْأَمر وَهُوَ الْملك حَقًا وَكَانَ مغرى بغزو الْمُسلمين دون الْكفَّار وصنع كَذَلِك في بِلَاد الروم والهند وأنشأ بِظَاهِر سَمَرْقَنْد عدَّة بساتين وقصور عَجِيبَة فَكَانَت من أعظم النزه وَبنى عدَّة قصبات سَمَّاهَا بأسماء الْبِلَاد الْكِبَار كحمص ودمشق وبغداد وشيراز وَكَانَ يجمع الْعلمَاء ويأمرهم بالمناظرة في مقَامه ويسائلهم ويتعنتهم وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ من الغرائب البارزة إلى الْعَالم الدَّالَّة على الْقُدْرَة الالاهية وَأَنه يُسَلط من يَشَاء على من يَشَاء وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد عِنْد مَوته مير شاهان وشاه رخ وَمن الزَّوْجَات ثَلَاث وَمن السرارى شئ كثير وترجمته تحْتَمل كراريس فَمن رام الِاطِّلَاع على أَحْوَاله فَليرْجع الى كتاب سيرته الَّذِي قدمنَا الإشارة إليه