(١٢٠) حاجي بن الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاون
اسْتَقر في السلطنة بعد أَخِيه الْمَنْصُور علي بن الأشرف وَهُوَ ابْن زِيَادَة على عشر سِنِين ولقب بالصالح ثمَّ عزل بعد سنة وَنصف بأتابكه الظَّاهِر برقوق الْمُتَقَدّم ذكره فِي شهر رَمَضَان سنة ٧٨٤ وَأمره بالاقامة
[ ١ / ١٨٦ ]
فى دَاره قلعة الْجَبَل جَريا على عَادَة بني الْمُلُوك فاستمر إلى أَن خلع برقوق وسجن بقلعة الكرك فاعيد ثَانِيًا الى السلطنة ولقب بالمنصور فَأَقَامَ دوره تِسْعَة أشهر وَعَاد برقوق إلى السلطنة وخلعه فِي صفر سنة ٧٩٢ وَاسْتمرّ الْمَنْصُور ملازمًا لداره إلى أَن مَاتَ فِي تسع عشرَة شَوَّال سنة ٨١٤ أَربع عشرَة وثمان مائَة بعد أَن تعطلت حَرَكَة يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ مُنْذُ سِنِين وَدفن بتربة جدته قَالَ العيني كَانَ شَدِيد الْبَأْس على جواريه لسوء خلقه لغَلَبَة السَّوْدَاء عَلَيْهِ وَكَانَ مشتغلًا باللهو وَالسكر وَقد جَاوز الأربعين من عمره
(١٢١) حاجي بن مُحَمَّد بن قلاون الْملك المظفر سيف الدَّين بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور
ولد سنة ٧٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فَلَمَّا كَانَ في آخر سلطنة أَخِيه الْكَامِل شعْبَان قبض عَلَيْهِ وسجنه هُوَ وَأَخُوهُ حُسَيْن وَالِد الأشرف شعْبَان وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الاولى سنة ٧٤٧ فاتفق أَن دولته زَالَت بِقِيَام الْأُمَرَاء عَلَيْهِ فى يَوْم الِاثْنَيْنِ أول جُمَادَى الْآخِرَة من تِلْكَ السنة فَأمْسك وسجن حَيْثُ كَانَ حاجي وَنقل حاجي إلى تخت السلطنة فمدوا لَهُ السماط الَّذِي أعد للكامل وأدخلو للكامل السماط الَّذِي أعد لحاجي وأحيط بِمَال الْكَامِل وخواصه وصودروا وَاتفقَ رخص الأسعار أول ماولى المظفر ففرح النَّاس بِهِ لكنه أقبل على اللَّهْو والشغف بِالنسَاء حَتَّى وصلت قيمَة حظيته الْمُسَمَّاة إنفاق مائَة ألف دِينَار وَصَارَ يحضر الأوباش يَلْعَبُونَ بالمصارعة بَين يَدَيْهِ وَكَانَ جُلُوسه على التخت فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٤٧ فبقى سنة وَأَرْبَعَة أشهر وخلع فى ثانى عشر شهر رَمَضَان
[ ١ / ١٨٧ ]
سنة ٧٤٨ وكاقد قتل جمَاعَة من أكَابِر الْأُمَرَاء فنفرت عَنهُ الْقُلُوب واستوحش مِنْهُ بَقِيَّة الأمراء وَكَانَ كثير اللعب بالحمام فلامه على ذَلِك بعض أكَابِر أمرائه فَقَالَ لَهُ اذْبَحْهَا فذبح الْأَمِير مِنْهَا طيرين فطار عقل السُّلْطَان وَقَالَ لخواصه إذا دخل إِلَى فبضعوه بِالسُّيُوفِ فَبَلغهُ ذَلِك فَأخذ حذره مِنْهُ ثمَّ اجْتمع الْأُمَرَاء إِلَى قبَّة النَّصْر فَبلغ ذَلِك المظفر فَخرج فى من بقي مَعَه فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ حمل عَلَيْهِ أميران طعنه أَحدهمَا وضربه الآخر فقتلاه ثمَّ قرروا أَخَاهُ النَّاصِر حسن في السلطنة
(١٢٢) حَامِد بن حسن شَاكر الصنعاني
نَشأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كالسيّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الأحفش وَالسَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وَالسَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشامي وَغَيرهم وأكبّ على علم الحَدِيث غَايَة الإكباب حَتَّى فاق فِيهِ وشارك في سَائِر الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وانتفع بِهِ النَّاس في الْوَعْظ وَكَانَ لَهُ في الْجَامِع حَلقَة كَبِيرَة يحْضرُون عَلَيْهِ لسَمَاع وعظه ولوعظه وَقع فِي الْقُلُوب لما هُوَ عَلَيْهِ من الزّهْد والتقشف وَعدم الِاشْتِغَال بالدنيا وَقد أخبرني جمَاعَة مِمَّن أَخذ عَنهُ أَنه كَانَ فَقِيرا قانعًا يلبس الثِّيَاب الخشنة ويباشر شِرَاء حاجاته بِنَفسِهِ ويتواضع في جَمِيع أُمُوره وَكتبه مضبوطة غَايَة الضَّبْط وَلَا يضْبط إِلَّا عَن بَصِيرَة حَتَّى صَارَت مرجعًا بعد مَوته وَله مؤلفات دَالَّة على سَعَة حفظه للْحَدِيث واتقانه لهَذَا الْعلم رَأَيْت مِنْهَا الا نموذج اللَّطِيف في حَدِيث امْر معَاذ بِالتَّخْفِيفِ وَله شرح لعدة الحص الْحصين لَيْسَ على نمط الشُّرُوح بل يكْتب أَحَادِيث وَلَا يشْتَغل بالْكلَام على أَحَادِيث الْعدة لاتخريجا وَلَا تَفْسِيرا وقفت عَلَيْهِ بعد شرحي
[ ١ / ١٨٨ ]
للعدة وَجمع حَاشِيَة على ضوء النَّهَار للعلاّمة الْجلَال وَصَارَ تَارَة يرجح مَا فِي ضوء النَّهَار وَتارَة يرجح مافي حَاشِيَته منحة الْغفار للعلاّمة السَّيِّد مُحَمَّد الْأَمِير وَلكنه لَيْسَ بمتقن لعلم الأصول وَسَائِر الْعُلُوم الَّتِى يحْتَاج اليها من حرر الْمسَائِل وأما بِالنِّسْبَةِ إلى مَا يرجع إلى متون الأحاديث وَالْكَلَام على أسانيدها فَهُوَ قَلِيل النظير وَقد أَكثر من التعقبات في تِلْكَ الْحَاشِيَة لما فِي حَاشِيَة الْأَمِير وَله رسائل ومسائل مَاتَ ﵀ فَجْأَة فِي بضع وَسبعين بعد الْمِائَة والألف وَسمعت من يرْوى عَن السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير أَنه قَالَ لمابلغه أَن صَاحب التَّرْجَمَة بِجمع حَاشِيَة على الْكَشَّاف إن على الْكَشَّاف حَاشِيَة السعد وحاشية صَاحب التَّرْجَمَة ينبغي أَن يُقَال لَهَا حَاشِيَة الشقب والشقب فِي لِسَان أهل الْيمن عبارَة عَن مُقَابل السعد وَهُوَ النحس وَكَانَ السَّيِّد الْمَذْكُور يتحامل عَلَيْهِ لما بلغه أَنه يتعقّب حَاشِيَته الْمُتَقَدّم ذكرهَا روى لي ذَلِك من عرف الرجلَيْن رحمهمَا الله تَعَالَى وإيانا
(١٢٣) الْحسن بن أَحْمد بن صَلَاح اليوسفي الجمالى اليمانى الْمَعْرُوف بالحيمى
أحد أَعْيَان دولة الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه بن الْقَاسِم وأخيه الإمام المتَوَكل على الله وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الأدباء وَكَانَ يقوم بالامور الْعَظِيمَة الْمُتَعَلّقَة بالدولة ثمَّ يشْتَغل بِالْعلمِ درسًا وتدريسًا وَكَانَ يوجهه الإمام المتَوَكل على الله في الْمُهِمَّات لفصاحته ورجاحة عقله وَقُوَّة تَدْبيره فَمن جملَة مَا بَعثه إِلَيْهِ من الْمُهِمَّات إرساله إِلَى حَضرمَوْت لما وَقع الِاخْتِلَاف بَين السلاطين آل كثير فَقَامَ بِالْأَمر أتمّ قيام وصلحت الْأُمُور بحميد رَأْيه وَجَمِيل عنايته
[ ١ / ١٨٩ ]
وَوَجهه أَيْضا إِلَى سُلْطَان الْحَبَشَة لما وصلت اليه مِنْهُ كتب تَتَضَمَّن وغوبه في الإسلام وَيطْلب وُصُول جمَاعَة من آل الإمام إليه ليسلم على أَيْديهم فَتوجه في نَحْو خمسين رجلا وَركب من بندر المخاثم توجّه من هُنَالك ولاقى مشاقًا عَظِيمَة وَاسْتمرّ في الطَّرِيق سفرًا وإقامة نَحْو تِسْعَة أشهر فوصل إِلَى سُلْطَان الْحَبَشَة في يَوْم عيد لِلنَّصَارَى فَدخل على السُّلْطَان لابسًا شعار الإسلام من الثِّيَاب الْبيض وَكَانَ السُّلْطَان غير مربد لما أظهره في كتبه من الرغوب في الإسلام بل مُعظم قَصده المراسلة كَمَا يَفْعَله الْمُلُوك وَأَنه يُرِيد إصْلَاح الطَّرِيق فَلَمَّا اسْتَقر صَاحب التَّرْجَمَة في مَدِينَة السُّلْطَان أَضَافَهُ وَأكْرم أَصْحَابه وَأَرَادَ أَن يخلع عَلَيْهِ خلعة حَرِير خَالص وسوارين من الذَّهَب فَقَالَ لَهُ هَذَا لَا يحل في شريعتنا وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة في تِلْكَ الْبِلَاد صولة عَظِيمَة حَتَّى كَانَ أَصْحَابه يبطشون بالنصارى إِذا تعرضوا لَهُم ويضربونهم وشاع عِنْد الْحَبَشَة أَن الْعَرَب الَّذين هم أَصْحَاب المترجم لَهُ يَأْكُلُون النَّاس فزادت مهابتهم فِي صُدُورهمْ وَكَانَ أعظم معِين لَهُم على ذَلِك البنادق فإنه لَا يعرفهَا أهل الْحَبَشَة إِذْ ذَاك ولولاهى مَا قدرُوا على مُرُور الطَّرِيق فإنهم كَانُوا ينصبون عَلَيْهِم كالجراد فيرمونهم بالبنادق فيقتلون مِنْهُم وينهزمون ويفزعون لأصواتها وتأثيرها ثمَّ لما أيس صَاحب التَّرْجَمَة من إسلام السُّلْطَان طَالبه بالإذن لَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى ديار الْإِسْلَام فتثاقل عَنهُ ثمَّ بعد حِين أذن لَهُ وَكَانَ لايصحى من شرب الْخمر فعين لَهُ وقتًا يصل اليه للوداغ وَترك شرب الْخمر في ذَلِك الْيَوْم وَجمع وزراءه وأمراءه وأعيان دولته فَأمر صَاحب التَّرْجَمَة أَصْحَابه أَن يرموا بالبنادق عِنْد وصولهم إلى بَاب السُّلْطَان كَمَا يَفْعَله أهل الْيمن ويسمون ذَلِك تعشيرة
[ ١ / ١٩٠ ]
فَلَمَّا سمع السُّلْطَان أصوات البنادق هرب من أيوانه وهرب الوزراء وَسَائِر أَصْحَاب السُّلْطَان فَدخل صَاحب التَّرْجَمَة الدَّار ثمَّ بعد ذَلِك عَاد السُّلْطَان إلى مَكَانَهُ وَأخذ في أهبة تَوْجِيهه إلى بِلَاد الإسلام وَكَانَ جملَة بَقَائِهِ لَدَيْهِ ثَلَاث سِنِين وَرجع إلى حَضْرَة الإمام سالمًا وَهَذِه الرحلة مُشْتَمِلَة على عجائب وغرئب قد جمعهَا صَاحب التَّرْجَمَة في كراريس هي بأيدي النَّاس وَمن شعره أَيَّام إقامته بِالْحَبَشَةِ هَذِه الأبيات
(على كلّ سعي في الصلاح ثَوَاب وكلّ اجْتِهَاد فِي الرشاد صَوَاب)
(وَلَيْسَ على الإنسان إدراك غَايَة وَدون مداها للعيون حجاب)
(وَلَو علم الساعون غَايَة أَمرهم لما كَانَ شخص بالشرور يصاب)
(فَقل لأمير الْمُؤمنِينَ لقد دَعَا وَحقّ لَهُ بعد الدُّعَاء يُجَاب)
(وَلَكِن دَعَا قومًا يظنون أَنهم رموا غَرضا في دينهم فَأَصَابُوا)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة جَيِّدَة وَله أشعار أَيَّام إقامته هُنَالك وشعره جيد مَاتَ في شهر ذي الْحجَّة سنة ١٠٧٠ سبعين وَألف
(١٢٤) السَّيِّد الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن علي بن صَلَاح بن أَحْمد بن الهادي بن الْجلَال
ابْن صَلَاح بن مُحَمَّد بن الْحسن بن المهدي بن علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى النَّاصِر بن الْحسن بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْمُخْتَار لدين الله الْقَاسِم بن النَّاصِر ابْن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن ابراهيم بن اسمعيل بن ابراهيم
[ ١ / ١٩١ ]
ابْن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب ﵃ الْمَعْرُوف بالجلال الْعَلامَة الْكَبِير ولد فِي شهر رَجَب سنة ١٠١٤ أَربع عشرَة وألف بِهِجْرَة رغافة بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا مُعْجمَة وَبعد الألف فَاء قَرْيَة مَا بَين الْحجاز وصعده ونشأبها ثمَّ رَحل إلى صعدة وَأخذ عَن علمائها ثمَّ رَحل إلى شهارة وَأخذ عَن أَهلهَا ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء وَأخذ عَن أكَابِر علمائها وَمَا حواليها من الْجِهَات وَمن جملَة مشايخه القاضي عبد الرَّحْمَن الحيمي والعلاّمة الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد والعلاّمة مُحَمَّد عز الدَّين الْمُفْتى وَسَائِر أَعْيَان الْقرن الحادي عشر وبرع في جَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وصنف التصانيف الجليلة فَمِنْهَا ضوء النَّهَار جعله شرحًا للأزهار للإمام المهدي وحرر اجتهاداته على مُقْتَضى الدَّلِيل وَلم يعبأ بِمن يُوَافقهُ من الْعلمَاء أَو خِلَافه وَهُوَ شرح لم تشرح الأزهار بِمثلِهِ بل لَا نَظِير لَهُ فِي الْكتب الْمُدَوَّنَة فِي الْفِقْه وَفِيه مَا هُوَ مَقْبُول وَمَا هُوَ غير مَقْبُول وَهَذَا شَأْن الْبشر وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا الْمَعْصُوم وَمَا أَظن سَبَب كَثْرَة الْوَهم فِي ذَلِك الْكتاب إِلَّا أَن هَذَا السَّيِّد كالبحر الزخار وذهنه كشعلة نَار فيبادر إلى تَحْرِيم مَا يظْهر لَهُ واثقًا بِكَثْرَة علمه وسعة دائرته وَقُوَّة ذهنه وَلَا أَقُول كَمَا قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة صرح بن الْحُسَيْن الاخفش فِي وَصفه لبَعض مصنفات صَاحب التَّرْجَمَة إنه عِظَام لالحم عَلَيْهَا بل أَقُول هُوَ بَحر عجاج متلاطم الامواج وَله فى أصُول الدَّين شرح الْفُصُول وَشرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى وفى الْمنطق شرح التَّهْذِيب وَفِي أصُول الدَّين عِصَام المتورعين وَغير ذَلِك من المؤلفات في غَالب الْفُنُون وَله حَاشِيَة كمّل بهَا حَاشِيَة السعد على الْكَشَّاف وحاشية على شرح القلائد
[ ١ / ١٩٢ ]
ومجموعات مفيدة ورسائل عديدة وَله القصيدة الَّتِى سَمَّاهَا فيض الشعاع أَولهَا
(الدَّين دين مُحَمَّد وصحابه ياهائما بقياسه وَكتابه)
وَشَرحهَا شرحًا نفيسًا فِيهِ فَوَائِد جمة ولي كثير من المناقشات في ترجيحاته الَّتِى يحررها في مؤلفاته وَلَكِن مَعَ اعترافي بعظيم قدره وَطول بَاعه وتبريزه فِي جَمِيع أَنْوَاع المعارف وَكَانَ لَهُ مَعَ أبناء دهره قلاقل وزلازل كَمَا جرت بِهِ عَادَة أهل الْقطر الْيُمْنَى من وضع جَانب أكَابِر عُلَمَائهمْ المؤثرين لنصوص الْأَدِلَّة على أَقْوَال الرِّجَال وَقد كَانَ الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم الْمُتَقَدّم ذكره يجلّه غَايَة الإجلال وَلَا يعرف أهل الْفضل إِلَّا أَهله واستوطن الجراف وَمَات فِيهِ وقبره هُنَالك وَكَانَ مَوته لَيْلَة الأحد لثمان بَقينَ من ربيع الآخر سنة ١٠٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وألف وَكَانَ جيد النظم وَمَا أحسن قَوْله فِي القصيدة الَّتِى تقدمت الإشارة إليها مُخَاطبا لرَسُول الله ﷺ
(وَقل ابْنك الْحسن الْجلَال مباين من قد غلا فِي الدَّين من تلعابه)
(لَا عَاجِزا عَن مثل أَقْوَال الورى أَو هائبًا من علمهمْ لصعابه)
(فالمشكلات شَوَاهِد لي أنني أشرقت كل مُحَقّق بلعابه)
(لَوْلَا محبَّة قدوتي بِمُحَمد زاحمت رسطاليس في أبوابه)
وَمِنْه
(وشادن يغرق أهل الْهوى فِي حسنه فابك على وارده)
(مذ لَاحَ في الخد أَخُو أمّه عَايَنت تَصْحِيف أخي وَالِده)
وَله مضمنًا مَعَ حسن التَّصَرُّف
[ ١ / ١٩٣ ]
(رفعت عمامتي فرأت برأسي شيبًا اشتعلا)
(فَعَادَت بعد تنكرني فَقلت لَهَا أَنا ابْن جلا)
(١٢٥) السَّيِّد الْحسن بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة ١٠٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الأمير وَغَيره وفَاق في غَالب الْعُلُوم وصنّف تصانيف مِنْهَا منظومة الْهَدْي النَّبَوِيّ لِابْنِ الْقيم ثمَّ شرحها شرحًا نفيسًا وَمِنْهَا رسائل نفيسة فى عُلُوم عدَّة وَكَانَ أحد الرؤسا مَعَ أَخِيه السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسحق الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ اعتقله الإمام الْمَنْصُور الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَكَانَ قد اعتقله الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم ابْن حُسَيْن وَله أشعار فائقة مِنْهَا وَهُوَ بالسجن
(وعدت أَسِير الوجد ظَبْيَة حاجر بالطيف يطْرق في الظلام محاجري)
وهي أَبْيَات جَيِّدَة وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(ياصاحبى مالنسيم نجدي قد عطّرت سوحي بعرف الند)
مدح بهَا شَيْخه الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن اسمعيل الأمير وَله شعر كثير سَائِر مَجْمُوع عِنْد أَهله وكل أهل هَذَا الْبَيْت الشريف عُلَمَاء شعراء لَا يَخْلُو عَن ذَلِك إلا النَّادِر وَصَاحب التَّرْجَمَة من أكابرهم وأفاضلهم الجامعين بَين الْعلم والأدب والرياسة وَمَكَارِم الأخلاق وَجَمِيع صِفَات الْكَمَال وَمَات في سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وألف
١٢٦ - حسن بن أَحْمد بن يُوسُف الرباعي الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثَّانِي عشر وَقَرَأَ على جمَاعَة من شُيُوخ
[ ١ / ١٩٤ ]
الْعَصْر كالسيد الْعَلامَة الْحسن بن يحيى الكبسي والقاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد السودي وَغَيرهمَا واستفاد فى جَمِيع الْعُلُوم الآلية وفي علم السنة المطهّرة وَله فهم صَادِق وَإِدْرَاك قوي وتصور صَحِيح وإنصاف وَعمل بِمَا تَقْتَضِيه الأدلة وَله قِرَاءَة على فى علم الْمعَانى وَالْبَيَان وفي علم التَّفْسِير وفي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن وفي مؤلفاتي وَهُوَ الْآن من أَعْيَان أهل الْعرْفَان ومحاس حَملَة الْعلم بِمَدِينَة صنعاء وَقد تقدمت تَرْجَمَة وَالِده
١٢٧ - الْحسن بن اسمعيل بن الْحسن بن مُحَمَّد المغربي
نِسْبَة إلى مغارب صنعاء ثمَّ الصنعاني حفيد شَارِح بُلُوغ المرام الآتي ذكره هُوَ شيخ شُيُوخ الْعَصْر ولد بعد سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء كسلفه وَقَرَأَ على جمَاعَة من أعيان عُلَمَاء صنعاء مِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال والعلامة محسن بن اسمعيل الشامي وَغير وَاحِد في عدَّة فنون كالنحو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وانتفع بِهِ الطّلبَة في جَمِيع هَذِه الْفُنُون وَأخذ عَنهُ أَعْيَان الْعلمَاء وتخرجوا بِهِ وصاروا مبرزين فى حيوته وَكَانَ ﵀ زاهدًا ورعًا عفيفًا متواضعًا متقشفًا لَا يعد نَفسه فِي الْعلمَاء وَلَا يرى لَهُ حَقًا على تلامذته فضلًا عَن غَيرهم وَلَا يتصنّع في ملبوس بل يقْتَصر على عِمَامَة صَغِيرَة وقميص وَسَرَاويل وثوب يَضَعهُ على جَنْبَيْهِ وَتارَة يَجْعَل إزارًا مَكَان الثَّوْب
[ ١ / ١٩٥ ]
وَيقْضى حَاجته من الأسواق بِنَفسِهِ ويباشر دقيقها وجليلها وَيحمل على ظَهره مَا يحْتَاج الى الْحمل مِنْهَا ويقود دَابَّته ويسقيها بِنَفسِهِ وَلَا يتصدر لما يتصدر لَهُ من هُوَ مَعْدُود من صغَار تلامذته من تَحْرِير الْفَتَاوَى ومماراة أهل الْعلم بل جلّ مَقْصُوده الِاشْتِغَال بِخَاصَّة نَفسه وَنشر الْعلم بإلقائه إلى أَهله وَالْقِيَام بِمَا لَا بُد مِنْهُ من المعيشة يكْتَفى بِمَا يحصل لَهُ من مستغلاته الَّتِى ورثهَا عَن سلفه الصَّالح مَعَ حقارتها وخطب للْقَضَاء في أَيَّام شبابه فَلم يساعد بل صمم على الِامْتِنَاع بعد أن رغبّه شَيْخه أَحْمد بن صَالح الْمُتَقَدّم ذكره وَالْحَاصِل أَنه من الْعلمَاء الَّذين اذا رَأَيْتهمْ ذكرت الله ﷿ وكل شؤونه جَارِيَة على نمط السلف الصَّالح وَكَانَ إذا سَأَلَهُ سَائل أَحَالهُ في الْجَواب على أحد تلامذته واذا أشكل عَلَيْهِ شئ في الدَّرْس اَوْ فِيمَا يتَعَلَّق بِالْعَمَلِ سَأَلَ عَنهُ غير مبال سَوَاء كَانَ الْمَسْئُول عَنهُ خفِيا أَو جليًا لأنه جبل على التَّوَاضُع وَمَعَ هَذَا ففي تلامذته القاعدين بَين يَدَيْهِ نَحْو عشرَة مجتهدين وَالْبَعْض مِنْهُم يصنّف في أَنْوَاع الْعُلُوم إذ ذَاك وَهُوَ لَا يزْدَاد الا تواضعا قَرَأت عَلَيْهِ ﵀ في المطوّل وحواشيه والعضد وحواشيه من أَولهمَا إلى آخرهما والكشاف وَبَعض حَوَاشِيه من أَوله إلى آخِره إلا فوتًا يَسِيرا وَبَعض الرسَالَة الشمسية وَشَرحهَا للقطب وحاشيتها للشريف وَبَعض تَنْقِيح الأنظار في عُلُوم الحَدِيث وقطعة من صَحِيح مُسلم وقطعة من شَرحه للنووي وَجَمِيع سنَن أَبى دَاوُد ومختصر المنذري عَلَيْهَا وَبَعض شرح ابْن رسْلَان والخطابي لَهَا وَشرح بُلُوغ المرام لجده إِلَّا قَلِيلا من أَوَائِله وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل لَا يزْدَاد إِلَّا تواضعا وتصاغرا وتحقيرا لنَفسِهِ وَهَكَذَا فليصنع من أَرَادَ الْوُصُول إِلَى ثَمَرَة الْعلم وَالْبُلُوغ إِلَى فَائِدَته
[ ١ / ١٩٦ ]
الأخروية وَكَانَ ﵀ يقبل علي إقبالًا زَائِدا ويعينني على الطلب بكتبه وَهُوَ من جملَة من أرشدني إِلَى شرح الْمُنْتَقى وشرعت في حَيَاته بل شرحت أَكْثَره وأتممته بعد مَوته وَكَانَ كثيرًا مَا يتحدث في غيبتي أَنه يخْشَى عليّ من عوارض الْعلم الْمُوجبَة للاشتغال عَنهُ فَمَا أصدق حدسه وأوقع فراسته فَأنى ابْتليت بِالْقضَاءِ بعد مَوته بِدُونِ سنة وانتقلت روحه الطاهرة إِلَى جوَار الله فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث وَعشْرين ذي الْحجَّة سنة ١٢٠٨ ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَألف ورثيته بقصيدة أَولهَا
(كَذَا فَلْيَكُن رزء الْعلَا والعوالم وَمن مثل ذَا ينهدّ ركن المعالم)
وريثته أَيْضا بِأَبْيَات أُخْرَى أَولهَا
(جفن المعارف من فراقك سافح والعذب مِنْهَا بعد بعْدك مالح)
١٢٧ - السَّيِّد الْحسن بن الْحُسَيْن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الصنعاني المولد والوفاة وَالدَّار الْعَلامَة المبرّز في عدَّة فنون لَا سِيمَا علم الْمَعْقُول فَهُوَ فِيهِ فريد عصره وَله تصانيف في الْمنطق جعله حَاشِيَة على شرح الْعَلامَة الْجلَال في التَّهْذِيب وتلامذته جمَاعَة نبلاء كَانُوا يقصدونه للْقِرَاءَة عَلَيْهِ إِلَى منزله وَله أشعار حسان مِنْهَا القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
لجمال ذاتك في الْوُجُود تطلعي ولنيل وصلك في الْحَيَاة تطمعي)
(ولوجهك الزاهي بِحسن جماله حجّي وتطوافي بِذَاكَ المربع) وَله يَد في علم التصوف قَوِيَّة وَكَذَلِكَ فى علم الأسماء وَقد أثنى عَلَيْهِ صَاحب نسمَة السحر وَذكر لَهُ مؤلفات وَقَالَ أنه كتب لَهُ بخطه أَنه ولد بضوران سنة ١٠٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَذكر لَهُ شعرًا كتبه إليه مطلعه
[ ١ / ١٩٧ ]
(ترنم حادى الشوق فَهُوَ مزمزم فرعيًا لحاد بالهوى يترنّم)
وَذكر مَا يدل على أَن صَاحب التَّرْجَمَة وقف على نسمَة السحر وقرضها وَقد بلغ عمره ثَمَانِينَ سنة وَلم يذكر وَفَاته
١٢٨ - السَّيِّد الْحسن بن زيد بن الْحُسَيْن الشامي
قَرَأَ بِصَنْعَاء على أَعْيَان علمائها كالسيد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وطبقته وبرع في علم الحَدِيث وشارك فِي غَيره من الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وَنشر الْعلم وأتعب نَفسه في الإرشاد إلى الْحق من الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَأَقْبل عَلَيْهِ الْخَاص وَالْعَام وَأخذُوا عَنهُ وتخلقوا بأخلاقه وَمَشوا على طَرِيقَته وَكَانَ لَا يمل من ذَلِك فِي جَمِيع الأوقات فظهرت بركته وَعم النَّفْع بِهِ فإنه سكن في صنعاء فَصَارَ لَهُ اتِّبَاع لَا يعْملُونَ إلا بالأدلة ثمَّ سكن في هِجْرَة سناع فَصَارَ أَهلهَا جَمِيعًا مشتغلين بِالطَّاعَةِ مواظبين على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَكَذَلِكَ سكن في ذهبان وَصَارَ أَهله كَذَلِك وَله في حسن التَّعْلِيم طَريقَة لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَعند وزيره أَحْمد بن علي النهمي فنفع بِهِ جمَاعَة من المحاويج وَصَارَ يبْذل جاهه لَهُم فيجلب إليهم خيرًا كثيرًا وَلَا يَأْخُذ لنَفسِهِ شَيْئا مَعَ كَونه فَقِيرا وَكَانَ هَذَا دأبه طول حَيَاته وَلَا مطمع لَهُ في مُوَاصلَة أَرْبَاب الدولة الا ذَلِك وَله فى الزّهْد والتقشف وَكَثْرَة الْعِبَادَة وظائف لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره مَعَ قِيَامه بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر والترسلات في ذَلِك على الإمام فَمن دونه والإرشاد إلى الرِّفْق بالرعية وَلَقَد كَانَ خيرًا كُله وَلم أعرفهُ وَلكنه
[ ١ / ١٩٨ ]
أَخْبرنِي باخباره كل من يعرفهُ وَمَا زَالَ مستمرًا على ذَلِك حَتَّى مَاتَ في سنة ١١٩٦ سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا
١٢٩ - الْحسن بن علي بن جَابر الهبل اليمانى الشَّاعِر المفلق
الْفَائِق المكثر الْمجِيد ولد سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَله شعر يكَاد يسيل رقة ولطافة وجودة وسبك حسن معاني وغالبه الْجَوْدَة وَله ديوَان شعر مَوْجُود بايدى النَّاس وَمِنْه
(أَتَرَى يسلو الْهوى وَله عِنْد سكان الْحمى وَله)
(مغرم في قلبه حزن فصل الهجران مجمله)
(عظمت أسقامه فغدا لَا يرَاهُ من تَأمله)
(لَو رأى من ظل يعذله وَجه من في الْحبّ أنحله)
(قَالَ أما فِيك لَا حرج إن قضى وجدًا يحِق لَهُ)
وَله
(ياقليل الْحِفْظ للذمم أيّ شرع حلّ فِيهِ دمى)
(هَل لمن أتلفت مهجته ياشقيق الرّوح من حكم)
وَله
(لاذقت حرّ صبابتي وكفيت مَا ألْقى بهَا)
(فَالنَّار من أسمائها وَالْمَوْت من ألقابها)
وَله القصيدة الطنانة الَّتِى مطْلعهَا
(لَو كَانَ يعلم أَنَّهَا الأحداق يَوْم النقا مَا خاطر المشتاق)
(جهل الْهوى حَتَّى غَدا في أسره وَالْحب مَا لأ سيره اطلاق)
وَكلهَا غرر لَوْلَا مَا كدرها بِهِ من ثلب الاعراض المصونة أَعْرَاض
[ ١ / ١٩٩ ]
خير الْقُرُون وَلما ارْتَفَعت دَرَجَته عِنْد الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن وَكَانَ كالوزير لَهُ قبل الْخلَافَة وتصدى للقعود في دستها توفي في شهر صفر سنة ١٠٧٩ تسع وَسبعين وَألف فَيكون عمره احدى وَثَلَاثِينَ سنة وَلَو طَال عمر هَذَا الشَّاب الظريف وَلم يشب صافى شعره بذلك المشرب السخيف لَكَانَ أشعر شعراء الْيمن بعد الْألف على الاطلاق وَأَصله من قَرْيَة بنى الهبل وهي هِجْرَة من هجر خولان وَمحله ومحلي وَاحِد لَيْسَ بَينهمَا مَسَافَة بل بَينهمَا من الْقرب بِحَيْثُ يسمع كل وَاحِد مِمَّن فيهمَا كَلَام الآخر وَقد بَالغ صَاحب نسمَة السحر في حَقه فَقَالَ إنه لم يُوجد بِالْيمن اشعر مِنْهُ من أول الإسلام وَهَذَا مَعْلُوم الْبطلَان فَالصَّوَاب مَا قلته سَابِقًا
١٣٠ - الْحسن بن علي بن الْحسن بن علي بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن صَالح بن مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن أَحْمد بن حَنش
وَبَقِيَّة نسبه مَعْرُوفَة فَلهُ سلف صَالح فيهم الْعلمَاء والقضاة والصلحاء وبيتهم مَشْهُور فى الديار اليمنية ولد بشهاره في سنة ١١٥٣ ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة وَألف ورحل من وَطنه لطلب الْعلم إِلَى مَدِينَة صنعاء فَأخذ عَن جمَاعَة من أعيانها كالسيد الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن اسماعيل الْأَمِير فِي الحَدِيث
[ ١ / ٢٠٠ ]
والقاضى الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن قَرَأَ عَلَيْهِ فى مغنى اللبيب ورسالة الْوَضع للهروى وَغَيرهمَا وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسحاق بن يُوسُف بن المتَوَكل قَرَأَ عَلَيْهِ في المعالجة والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال في الْعَرَبيَّة والقاضى حسن ابْن مُحَمَّد المغربي في شرح بُلُوغ المرام وَشَيخنَا الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن عَامر وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي غَايَة السؤل وَشَرحهَا وسيرة الشامي وَشَيخنَا الْعَلامَة الْأَكْبَر السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد قرأ عَلَيْهِ فِي جَامع الْأُصُول لِابْنِ الأثير وَغَيره وَولده الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر قَرَأَ عَلَيْهِ في الْغَايَة وَشَرحهَا وفي صَحِيح البُخَارِيّ وَقَرَأَ القراآت السَّبع على شيخها المتفرد بمعرفتها الْفَقِيه علي اليدومي وَأول من اتَّصل بِهِ عِنْد وُصُوله إلى صنعاء الْفَقِيه إسماعيل بن مُحَمَّد حَنش وَقَرَأَ عَلَيْهِ وأعانه على الطلب وَولى في أَوَائِل عمره أعمالًا من وقف وَغَيره ثمَّ أمره مَوْلَانَا الإمام المهدي أَن يتَّصل بولده مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله ليقْرَأ عَلَيْهِ فاتصل بِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ ولازمه مُدَّة ثمَّ لما مَاتَ الإمام الْمهْدي وبويع مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه أناط بِصَاحِب التَّرْجَمَة أعمالًا وصيره أحد وزرائه المقربين عِنْده وَجعل بنظره بعض الْبِلَاد اليمنية وَبَالغ في تَعْظِيمه لكَونه شَيْخه في الْعلم وَلم يعامله مُعَاملَة سَائِر الوزراء وَإِذا نَاب الدولة أَمر يتَعَلَّق بالأمور الشَّرْعِيَّة كَانَ التعويل عَلَيْهِ فى الْغَالِب وغالب مَا يتَحَصَّل لَهُ يُنْفِقهُ على الْعلمَاء ويواسي بِهِ الْفُضَلَاء والفقراء على وَجه لايحب أَن يطلع عَلَيْهِ أحد وَمَا زَالَ هَذَا دأبه وديدنه من أول وزارته إِلَى حَال تَحْرِير
[ ١ / ٢٠١ ]
هَذَا نَحْو ثَلَاث وَعشْرين سنة وَهُوَ لَا يزْدَاد إلا خيّرًا وإنفاقًا على من يسْتَحق ذَلِك وَهُوَ فى هَذِه الْخصْلَة مُنْقَطع القرين عديم النظير لَا سِيمَا في هَذَا الْعَصْر فإنه قد يعْطى بعض المحاويج الَّذين لَا يتصلون بِهِ عَطاء يُجَاوز الْوَصْف في الْكَثْرَة ويشتري الْبيُوت ويهبها لمن لَا بَيت لَهُ ويعين من أَرَادَ أَن يشترى بَيْتا اذا كَانَ مُسْتَحقّا لَا كثر الثّمن أوكله وَقد صنع هَذَا المصنع مَعَ أنَاس كثيرين وَهُوَ يكره ظُهُور ذَلِك واطلاع النَّاس عَلَيْهِ وَذَلِكَ دَلِيل الخلوص وأنى لَا كثر التَّعَجُّب من كَثْرَة صدقاته الَّتِى مِنْهَا مَا يبلغ الْمِائَة القرش وفوقها ودونها بل أخبرني بعض الْعلمَاء أَنه اطلع على مَا وهبه لبَعض الْعلمَاء وَكَانَت جملَته ألف قِرْش دفْعَة وَاحِدَة وأخبرني آخر أَنه بلغ إعطاؤه لعالم آخر اثنتي عشرَة مائَة قِرْش دفْعَة وَاحِدَة وناهيك بِهَذَا فإن عَطاء الْمُلُوك في عصرنا يتقاصر عَنهُ ويزداد التَّعَجُّب من استمراره على ذَلِك كَيفَ قدر على الْقيام بِهِ مَعَ أَن غَيره مِمَّن بنظره أَعمال أَكثر من أَعماله ومدخولات أوفر من مدخزلاته قد لَا يقوم مَا يتَحَصَّل لَهُ بِمَا يستغرقه لخاصة نَفسه وَأَهله فضلًا عَن غير ذَلِك ثمَّ أذكر قَول الله تَعَالَى وَمَا أنفقتم من شئ فَهُوَ يخلفه وَقَول النبى ﵌ أنْفق ينْفق عَلَيْك فَأعْلم عِنْد ذَلِك السَّبَب وَمَعَ هَذَا فَهُوَ فِي عَيْش فائق مترفه فِي ملبوسه ومأكوله ومسكنه ومركبه وَجَمِيع أَحْوَاله على حد يقصر عَنهُ أَمْثَاله قد جمع الله لَهُ من نعم الدُّنْيَا مَالا يُدْرِكهُ غَيره وَأَعْطَاهُ من الكمالات مَالا يُوجد مجتمعًا فِي سواهُ فإنه مَعَ إحكامه لما يتَعَلَّق بِهِ من الْأَعْمَال الدولية مَعْدُود من الْعلمَاء مَذْكُور فِي الفرسان مَشْهُور بِحسن الرماية جيد الْخط قوي النثر حسن الْأَخْلَاق وَكَانَ بشوشًا متواضعًا سيوسًا جليًا وقورًا سَاكِنا عفيفا مواظبا
[ ١ / ٢٠٢ ]
على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة كثير الأذكار محبًا للْفُقَرَاء وَلَا سِيمَا إذا كَانُوا من أهل بَيت النُّبُوَّة رَاغِبًا في الْخَيْر كافًا لنَفسِهِ عَن الشَّرّ مُعظما للشَّرْع مجالسه مُشْتَمِلَة على المباحثات العلمية والمفاكهات الأدبية مقربًا لأهل الْفضل مُبْعدًا لأهل البطالة حسن المحاضرة قوي المباحثة جيد الْفَهم حسن الادراك ينشط اذا سُئِلَ عَن مسئلة علمية ويبحث ويستخرج بدقيق ذهنه فرائد بديعة يعرف النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والقراآت وَالتَّفْسِير وَيعْمل بِجَمِيعِ هَذِه الْفُنُون وَله كَمَال الِاشْتِغَال والعناية بِعلم الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْعَمَل بِمَا تَقْتَضِيه الأدلة وَلَا يبالي بِمَا عدا ذَلِك ولديه من الْكتب النفيسة مَالا يُوجد عِنْد غَيره وبيني وَبَينه من خَالص الوداد مَالا أقدر على التَّعْبِير عَن بعضه وَمَا أعده إِلَّا بِمَنْزِلَة الْوَالِد وَهُوَ ينزلني منزلَة الْوَلَد ويجلّني إجلال الْوَالِد وَقد اتفقت الألسن على الثَّنَاء عَلَيْهِ وَنشر محاسنه مَعَ أَن النَّاس لَا يرضون عَن المتعلقين بأعمال الدولة وَلَكِن رَأَوْا فِيهِ من المحاسن مَالا يُمكن جَحده وَالْحَاصِل أَنه للدولة جمال وَلأَهل الْعلم جلال وللفقراء ذخيرة أفضال طَالَتْ أَيَّامه ومدت أعوامه وَفِي سنة إحدى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف حصل لَهُ نِسْيَان وَكَثْرَة سَهْو فباشر مَا بنظره من الأعمال بعض قرَابَته فَلم يحسن الْمُبَاشرَة وَمَا زَالَ ذَلِك الْعَارِض يتزايد وفي سنة ثَلَاث وَعشْرين رجح رفع يَده عَن الْأَعْمَال الَّتِى كَانَ يُبَاشِرهَا ثمَّ أحاطت الدُّيُون بغالب مَا يملكهُ بِسَبَب مُبَاشرَة ذَلِك الْقَرِيب ثمَّ توفي إِلَى رَحْمَة الله يَوْم السبت خَامِس عشر شهر شعْبَان سنة ١٢٢٥ خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف بِصَنْعَاء وقبر بمقبرتها
[ ١ / ٢٠٣ ]
١٣١ - الإمام الْحسن بن علي بن دَاوُد المؤيدي
رَأَيْت سيرته فِي مُجَلد وَصفه مؤلفها بالتبحر فِي عُلُوم عديدة كالنحو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والأصول وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث وَرَأَيْت لَهُ رسائل تدل على بلاغته وَقُوَّة تصرفه دَعَا إِلَى نَفسه سنة ٩٨٤ في نصف شهر رَمَضَان مِنْهَا فاجتمعت إِلَيْهِ الزيدية وَأَجَابُوا دَعوته وَبَايَعُوهُ في بِلَاد صعدة وَخرج مِنْهَا بِجَيْش إِلَى الأهنوم واشتعلت الأرض نَارا بقيامه على الأتراك وَدخل في طَاعَته بعض أَوْلَاد الإمام شرف الدَّين وَأسر عبد الله بن المطهر وأودعه السجْن ثمَّ توجه بجند وَاسع لأخذ بِلَاد هَمدَان فَفتح أكثرها وَخرج الأتراك من صنعاء وأميرهم سِنَان فَمَا زَالَت الْحَرْب بَينهمَا سجالًا وفي سنة ٩٩٣ افْتتح سِنَان بِلَاد الأهنوم وانحصر الإمام الْحسن في مَحل يُقَال لَهُ الصاب ودعا الى السّلم فاجاب وَخرج الى يدسنان فِي نصف شهر رَمَضَان مِنْهَا وَهَذَا من غرائب الزَّمَان كَون قِيَامه في نصف شهر رَمَضَان وأسره في نصف شهر رَمَضَان ثمَّ دخل بِهِ سِنَان إلى صنعاء فوصل بِهِ الى الباشا حسن فسجنه وَقد كَانَ أسر أَوْلَاد المطهر بن شرف الدَّين الأربعة لطف وعَلى يحيى وَحفظ الله وغوث الدَّين وسجنهم مَعَ الإمام وفي شهر شَوَّال من هَذِه السنة أرسل الباشا بهم جَمِيعًا إلى الروم وَكَانَ آخر الْعَهْد بهم وَقد روي أَنه مَاتَ الإمام الْحسن في الروم مَحْبُوسًا في شهر شَوَّال سنة ١٠٢٤ أَربع وَعشْرين وَألف سنة وَالله أعلم وَله أَخْبَار حسان استوفى مؤلف سيرته فَمن رام الِاطِّلَاع عَلَيْهَا فليقف على السِّيرَة الْمَذْكُورَة ليعرف مِقْدَار هَذَا الإمام وسعة دائرته في المعارف العلمية
[ ١ / ٢٠٤ ]
١٣٢ - الْحسن بن عمر بن الْحسن بن حبيب بن عمر بن شُرَيْح بن عمر المقلب بدر الدَّين الدمشقي الحلبي
ولد سنة ٧١٠ عشر وَسَبْعمائة بِشَهْر شعْبَان مِنْهَا وَنَشَأ مغرمًا بِعلم الْأَدَب وَأخذ عَن جمَاعَة من الأدباء مِنْهُم ابْن نَبَاته وَله مؤلف في الأدب سَمَّاهُ نسيم الصِّبَا يشْتَمل على نفائس وَاسْتعْمل مفاصل شِفَاء القاضي عِيَاض فسبكها سجعّا وألف درة الأسلاك فِي دولة الأتراك سجع كُله يدل على مزِيد اطِّلَاعه وفصاحته وَسمع الحَدِيث على جمَاعَة من أَعْيَان عُلَمَاء عصره قَالَ ابْن حجر وَكَانَ فَاضلا كيسًا صَحِيح النَّقْل حدث عَنهُ جمَاعَة وَكَانَ يُوقع عَن الْقُضَاة وَانْقطع فِي آخر مدَّته بِمَنْزِلَة وَله تذكرة النبيه في أَيَّام الْمَنْصُور وبنيه سجعًا وباشر نِيَابَة الْقَضَاء ونيابة كِتَابَة السِّرّ مَاتَ في شهر ربيع الآخر سنة ٧٧٩ تسع وَسبعين وَسَبْعمائة وَمن شعره
(ألحاظه شهِدت بأني ظَالِم وَأَتَتْ بِخَط عذاره تذكارا)
(يَا حَاكم الْحبّ اتئد فى قصتى فالخط زورو الشُّهُود سكارى)
١٣٣ - السَّيِّد الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن على بن الرشيد بن أَحْمد بن الأمير الْحُسَيْن بن علي بن يحيى
بن مُحَمَّد بن يُوسُف الأصغر الملقب الأشل ابْن الْقَاسِم ابْن الإمام الداعي يُوسُف الأكبر ابْن الإمام الْمَنْصُور يحيى ابْن الإمام النَّاصِر احْمَد بن الإمام الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إبراهيم بن اسمعيل بن إبراهيم بن الْحسن ابْن الْحسن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ علي بن أَبى طَالب سَلام الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم وَرَحمته وَبَرَكَاته ولد بعد صلوة الْعشَاء من لَيْلَة الِاثْنَيْنِ غرَّة شهر شعْبَان سنة ٩٩٦ سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على جمَاعَة
[ ١ / ٢٠٥ ]
من الشُّيُوخ وَأدْركَ حِصَّة نافعة من المعارف وَفرغ نَفسه للْجِهَاد مَعَ وَالِده فَنَهَضَ بِمَا لاينهض بِهِ غَيره ونال من الاتراك مالم ينله أحد وأوقع بهم وقعات مُتعَدِّدَة حَتَّى استأصلهم وأخرجهم من الديار اليمنية بعد أَن حَارب جمَاعَة من كبرائهم كحيدر باشا وقانصوه باشا وَأخذ جَمِيع مَا بِأَيْدِيهِم من مدن الْيمن ووقعاته وملاحمه لَا يَتَّسِع لَهَا هَذَا الْمُخْتَصر وَقد سرد جَمِيع ذَلِك الجرموزي في سيرته وهي كتاب حافل وَلم يكن لأحد من الْعِنَايَة التَّامَّة بمجاهدة الأتراك مَا كَانَ لَهُ ﵀ وَأسر فِي أَيَّام وَالِده وَحبس بِصَنْعَاء وبقي أَيَّامًا طائلة ثمَّ خرج خُفْيَة وهيأ الله لَهُ أَسبَاب ذَلِك فَلم يشْعر بِهِ أحد وَفِيه من الشجَاعَة والإقدام في المعارك مَا يبهر الْعُقُول فإنه وَحده يقوم مقَام الْجَيْش الْكثير وَقد أحَاط بِهِ في قاع صنعاء أَيَّام محاصرته لَهَا جمَاعَة من فرسَان الأتراك الْمَشْهُورين وهم عدد وَاسع يزِيد خيلهم على الألف فضلًا عَن سَائِر الْجَيْش وَلم يكن عِنْده إذ ذَاك إلا أَخُوهُ الْعَلامَة الْحُسَيْن الآتي ذكره وَنَفر يسير فدار الْقِتَال عَلَيْهِ وعَلى أَخِيه ومازال يصاولهم طَعنا وَضَربا ويجدل شجعانهم حَتَّى خرج من بَينهم سالما هُوَ وَمن مَعَه من النَّفر الْيَسِير وَكم أعدد من إقدامات هَذَا السَّيِّد الَّذِي تقصر الأقلام عَن حصر بعض مناقبه وَهُوَ نَظِير المطهّر ابْن شرف الدَّين أَو أرفع دَرَجَة مِنْهُ في الشجَاعَة والرياسة وَحسن التَّدْبِير وَقد بلغت جيوشه فِي بعض المواطن نَحْو ثَمَانِينَ الْفَا وَله في الْكَرم يَد طولى قَالَ السَّيِّد عَامر بن مُحَمَّد عبد الله بن عَامر الشَّهِيد في بغية المريد أنه أعطى الشريف طَاهِر الادريسى خَمْسَة وَعشْرين ألف قِرْش من النَّقْد وَمن الْجَوَاهِر والنفائس مَا يخرج عَن الْفِكر انْتهى ثمَّ بعد أَن أجلى الأتراك
[ ١ / ٢٠٦ ]
من أَرض الْيمن جَمِيعهَا اختط حصن الدامغ في حُدُود سنة ١٠٤٠ فعمره عمَارَة بليغة وأجرى فِيهِ الأنهار وغرس فِي جوانبه الأشجار وشيّد الديار حَتَّى صَار مَدِينَة كَبِيرَة وَاسْتقر فِيهِ حَتَّى توفاه الله في وَقت الْمغرب من لَيْلَة الْأَحَد ثَالِث شَوَّال سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وألف في خلَافَة أخيه الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم ورثاه شعراء عصره بمراثي جَيِّدَة مِنْهَا قَول بَعضهم
(أدرى الذي ينعى إلينا من نعى لَو كَانَ يدري مَا أشاد وأسمعا)
(أتراه يدري أنه ينعي إِلَى كل الأنام الدَّين وَالدُّنْيَا مَعًا)
(وحياتهم ومعاشهم ورياشهم ونعيمهم هَذِه الْخِصَال الأربعا)
وَكَانَ مَوته فِي مَدِينَة الْحصين الَّتِي عمرها تَحت حصنه الْمُتَقَدّم وَله نظم فَمِنْهُ مَا قَالَه في أَيَّام اعتقاله يرغب وَالِده فِي الصُّلْح بأبيات أَولهَا
(مولاي أن الصُّلْح أعذب موردا فاسلك لَهُ جددًا سويًا أجردا)
وهي أَبْيَات مَشْهُورَة
وَكَانَ يلازم في أَسْفَاره وجهاداته الْقِرَاءَة على الشُّيُوخ والمطالعة لكتب الْعلم ولازم في آخر أَيَّامه السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى فَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الاصول وَغَيرهَا وَقد جمع إلى شجاعته الباهرة الْكَرم الفائض حَتَّى كَانَ يعْطى عَطاء من لَا يخَاف الْفقر وَالْحَاصِل أنه من أعظم سلاطين الْجِهَاد وأساطين مصَالح الْعباد
١٣٤ - حسن بن مُحَمَّد بن قلاون الصالحي الْملك النَّاصِر بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور
ولد سنة ٧٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وسبعمائة وسمي أَولا قمارى فَلَمَّا جلس على التخت قَالَ للنائب يَا أبي مَا اسْمِي قمارى اسْمِي حسن فَقَالَ على خيرة الله وَاسْتقر اسْمه
[ ١ / ٢٠٧ ]
حسنًا وَولى السلطنة بعد أَخِيه المظفر سنة ٧٤٨ وَقبض على حَاشِيَة أَخِيه وصودروا لتخليص الأموال فَوجدَ لديهم من الْجَوَاهِر مَا قِيمَته مائَة الف دِينَار فَمَا كَانَ يَوْم السبت رَابِع عشر شَوَّال سنة ٧٥١ قَالَ النَّاصِر لأهل المملكة إن كنت سُلْطَانا فاقبضوا هَذَا فأمسك وَأرْسل إلى الإسكندرية ثمَّ مَا زَالَ يقبض الأمراء وَاحِدًا بعد وَاحِد فنفروا مِنْهُ وركبوا عَلَيْهِ في سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٥٢ وخلعوه وقرروا أَخَاهُ الصَّالح وأعيد النَّاصِر فِي شَوَّال سنة ٧٥٥ واستبد بالمملكة وَصفا لَهُ الْوَقْت وَلم يُشَارِكهُ أحد في التَّدْبِير فَبَالغ فِي أَسبَاب الطمع واستحوذ على إهلاك بَيت المَال وَأكْثر من سفك الدِّمَاء وَشرع في عمَارَة الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بالرميلة وَلَيْسَ لَهَا نَظِير بالديار المصرية وَمَات وَلم تكمل ثمَّ عزم على قتل بعض أكَابِر أمرائه فاستعد لَهُ وتقاتلا فَكَانَت الدائرة على النَّاصِر فَانْهَزَمَ ثمَّ أمسك وَقتل في تَاسِع جُمَادَى الأولى سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ ذكيًا مفرطًا وَله بعض اشْتِغَال بِالْعلمِ
١٣٥ - الْحسن بن مُحَمَّد شاه الفنّاري الْمَعْرُوف بالشلبي صَاحب حَاشِيَة المطوّل
قَرَأَ على عُلَمَاء الروم ثمَّ ارتحل إلى مصر لقِرَاءَة مغني اللبيب على رجل مغربي وَكَانَ علي الفنّاري قاضي السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عَم صَاحب التَّرْجَمَة فَقَالَ لَهُ اسْتَأْذن السُّلْطَان في عزمي على مصر لقِرَاءَة مغني اللبيب على شيخ مغربي هُنَالك لَيْسَ لَهُ نَظِير في معرفَة هَذَا الْكتاب فَاسْتَأْذن الْمَذْكُور السُّلْطَان فَقَالَ لَعَلَّه قد اخْتَلَّ دماغه وَكَانَ منحرفًا عَنهُ بِسَبَب أَنه صنّف حَاشِيَة التَّلْوِيح باسم ابْن السُّلْطَان وَهُوَ بايزيد بن مُحَمَّد فَرَحل الى
[ ١ / ٢٠٨ ]
مصر وَقَرَأَ الْكتاب الْمَذْكُور قِرَاءَة متقنة وَكتب لَهُ المغربي فِي ظهر كِتَابه إجازة ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاد الروم وَأرْسل كتاب مغني اللبيب إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فَلَمَّا نظر فِيهِ زَالَ عَنهُ مَا كَانَ فَأعْطَاهُ مدرسة يدرس بهَا ثمَّ في دولة السُّلْطَان بايزيد عيّن لَهُ كل يَوْم ثَمَانِينَ درهمًا وَله مصنفات مِنْهَا حَاشِيَة المطوّل الْمُتَقَدّم ذكرهَا وهي حَاشِيَة مفيدة وَمِنْهَا حَاشِيَة على شرح المواقف للشريف وحاشية على التَّلْوِيح وَكلهَا مقبولة وَسمع في مصر صَحِيح البخارى على بعض تلاميذة الْحَافِظ ابْن حجر وَمَات فِي دولة السُّلْطَان بايزيد خَان وَكَانَ جُلُوسه على تخت السلطنة سنة ٨٨٦
١٣٦ - الْحسن بن قَاسم الْمُجَاهِد القاضي الْعَلامَة الذكى
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٩٠ تسعين وماية وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير ومسكنه هُوَ وَأَهله في مَدِينَة ذي جبلة انتقلوا إليها من مَدِينَة ذمار وَهُوَ عَارِف بالفقه والفرائض والنحو والاصول وَله مُشَاركَة في علم الحَدِيث وَفهم جيد وذهنه صَحِيح قَرَأَ علي عِنْد وصولي مَدِينَة جبلة مَعَ مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله في الحَدِيث والأصول ولازمني مُدَّة إقامتي في تِلْكَ الْمَدِينَة من جملَة من لازمني من أَهلهَا للْقِرَاءَة وَقد أجزت لَهُ أَن يروي عَنى مروياتي وَهُوَ أهل لذَلِك لرغوبه إلى الْعلم وإكبابه عَلَيْهِ وَقد كتب بعض مؤلفاتي كالدرر والدراري والفوائد الْمَجْمُوعَة فِي الأحاديث الْمَوْضُوعَة وحاشية شِفَاء الأوام والسيل الجرار وَغير ذَلِك وَله سماعات علي عِنْد قدومه إلى صنعاء وَقد قدم مَرَّات وَصَارَ قَاضِيا فِي مَوَاضِع ورسخت مَعْرفَته وَعمل بِالدَّلِيلِ
[ ١ / ٢٠٩ ]
١٣٧ - الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن سَابق الدَّين بن علي بن أَحْمد بن أسعد بن أَبى السُّعُود بن يعِيش الْمَعْرُوف بالنحوي
الصنعاني الزيدي عَالم الزيدية فِي زَمَانه وَشَيخ شيوخهم وناشر علومهم كَانَ يحضر حَلقَة تدريسه زهاء ثَمَانِينَ عَالما وَله تَحْقِيق وإتقان لاسيما لعلم الْفِقْه يفوق الرصف وَله مصنّفات مِنْهَا في الْفِقْه كتاب التَّذْكِرَة الفاخرة أودعهُ من الْمسَائِل مَالا يُحِيط بِهِ الْحصْر مَعَ إيجاز وَحسن تَعْبِير وَهُوَ كَانَ مدرس الزيدية وعمدتهم حَتَّى اخْتَصَرَهُ الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى وجرّد مِنْهُ الأزهار فَمَال الطّلبَة من حِينَئِذٍ إلى هَذَا الْمُخْتَصر وَله تَفْسِير وَله تَعْلِيق على اللمع وَاخْتصرَ الِانْتِصَار للإمام يحيى في مُجَلد وَكَانَ زاهدًا ورعًا متقشفًا متواضعًا وَولى قَضَاء صنعاء وانتفع النَّاس بِهِ وَكَانَ يَأْكُل من عمل يَده وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل إلى أن مَاتَ فى سنة ٧٩١ احدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وقبر فِي عدني صنعاء قريب من بَاب الْيمن وقبره مَشْهُور مزور
١٣٨ - السَّيِّد الْحسن بن مطهر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد
ابْن الداعي الْمُنْتَصر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم بن الإمام يُوسُف الدَّاعِي ابْن يحيى الْمَنْصُور بن احْمَد النَّاصِر بن يحيى الهادى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب رضى لله عَنْهُم الْحسنى الْيُمْنَى الجرموزي ولد بعتمة سنة ١٠٤٤ أَربع وأربعين وَألف وَقَرَأَ على القاضي عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي والقاضى مُحَمَّد بن إبراهيم السحولي والقاضي علي الطَّبَرِيّ وَغَيرهم من عُلَمَاء
[ ١ / ٢١٠ ]
صنعاء وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والمنطق وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَله مؤلفات مِنْهَا شرح نهج البلاغة ونظم الكافل وَله شعر حسن فَمِنْهُ في تَشْبِيه الزنبق
(انْظُر إِلَى الزنبق الأنيق وَقد أبدع في شكله وفي نمطه)
(كَمثل قنديل فضَّة غرست شموع تبر تضئ فِي وَسطه)
وَله أشعار رائقة واتصل بالمتوكل على الله اسماعيل وتنقل فى الولايات فولى حرازتم بندر المخاومدحه أَعْيَان الشُّعَرَاء فِي زَمَنه كالشيخ إبراهيم الْهِنْدِيّ وَغَيره من شعراء الْيمن وَجَمَاعَة من شعراء الْبَحْرين وعمان وعظمت رياسته وطار صيته ونال من الْعِزّ مالم يكن لَهُ في حِسَاب وَمَات يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الآخرة سنة ١١٠٠ إحدى عشر ماية بِصَنْعَاء بعد أَن تَغَيَّرت لَهُ الأحوال
١٣٩ - السَّيِّد الْحسن بن يحيى بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم الحمزي الكبسي ثمَّ الصنعاني
ولد بصفر سنة ١١٦٧ سبع وَسِتِّينَ وماية ألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ فِيهَا على جمَاعَة من الْعلمَاء وأكثر انتفاعه على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي فإنه لَازمه في جَمِيع الْفُنُون فَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وبرع في جَمِيع هَذِه الْفُنُون وَصَارَ من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر الْمشَار إليهم بالتحقيق والإتقان وَهُوَ جيد التَّحْرِير حسن المباحثة وَله رسائل في مسَائِل مُتَفَرِّقَة متقنة غَايَة الإتقان وَقد رافقني في قِرَاءَة الْكَشَّاف على شَيخنَا الْمُتَقَدّم فَكَانَ يسْتَخْرج بفاضل ذهنه فَوَائِد نفيسة وَبعد موت شَيخنَا اسْتَقر المترجم لَهُ بِهِجْرَة
[ ١ / ٢١١ ]
الكبس وَعَكَفَ عَلَيْهِ طلبة الْعلم هُنَالك وَمَا زَالَ يرشدهم إلى المعارف العلمية ويدرس في كثير من الْفُنُون وَله شعر حسن ونثر جيد فَمِنْهُ مَا كتبه إلى من هُنَالك نظماّ ونثرًا وَهَذَا لَفظه
(سَلام من الله السَّلَام وَرَحْمَة عَلَيْك إمام الْعلم وَالدّين وَالْهدى)
(يفوحان كالمسك الذكى بسوحكم دواما كَمَا دَامَت معاليك سرمدا)
(فياراكبا بلغ سلامي ليشتفي فؤادي بِهِ إن مَا بلغت مُحَمَّدًا) من ضرب سرادقات مجده على هام الْكَوَاكِب وَسبح فلك فخره فِي بحار أَعلَى الْمَرَاتِب وحازت جِيَاد مساعيه قصبات الْفَضَائِل فِي غَايَة المناقب وتفردت أفكاره باستخراج دقائق الْعُلُوم بنظره الثاقب وَنشر أَعْلَام الْحق فِي قناة الِاجْتِهَاد فِي رَأْيه الصائب الْعَلامَة على الإطلاق في جَمِيع مسارح الْمذَاهب عُمْدَة الْخَاصَّة والعامة بالِاتِّفَاقِ فَالْكل رَاغِب وراهب
(الْعِزّ مَوْلَانَا الْكَرِيم مُحَمَّد شيخ الشُّيُوخ وفيصل الْحُكَّام)
(هش إذا نزل الْوُفُود بِبَابِهِ سهل الْحجاب مؤدب الخدّام)
(وَإِذا رَأَيْت شقيقه وَصديقه لم تدر أَيهمَا أَخُو الأرحام)
(أبقاه ربي للعلوم ونشرها يحيى موَات شرائع الإسلام)
وَبعد هَذَا نثر طَوِيل فأجبت بمالفظه
السدة الَّتِى ضربت خيامها على هام السماك والعقوة الَّتِى تتضاءل عِنْد تعاظمها أَعْنَاق الأملاك والحسنة الَّتِى صَارَت لمحاس الدَّهْر غرَّة والمكرمة الكائنة في ذَات المكارم طرة
(أعني بِهِ الْحسن بن يحيى من غَدا فَرد الزَّمَان وحبره المتبحرا)
(السَّابِق الأعلام فَهُوَ مقدم يَوْم الرِّهَان وَغَيره فِيهِ ورا)
[ ١ / ٢١٢ ]
لَا برح زِينَة للزمان ومنقبة يفتخر بهَا نوع الإنسان وَخَصه الله بجزيل سَلَامه وَجَمِيل إكرامه وجليل انعامه وَالله الْمَسْئُول أَن يُقيم بِهِ سوق الْمجد على سَاق ويجعله بفضائله وفواضله مَاشِيا فَوق الأعناق وَبعد هَذَا نثر طَوِيل والمترجم لَهُ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل مشتغل بنشر الْعلم وأعمال الْخَيْر قد قنع من عيشه بالكفاف من غلات أَمْوَال يسيرَة ورثهَا عَن وَالِده وَكَثِيرًا مَا يَقع بيني وَبَينه مباحثات علمية وتحريرات لما يَدُور مِنْهَا وَلما مَاتَ أَخُوهُ الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى قَامَ هَذَا مقَامه في الْقَضَاء بالجهات الخولانية وَمَا يتَّصل بهَا وعظّمه مَوْلَانَا الإمام بِمَا يَلِيق بجلاله وَقدره بعد أَن عَرفته حفظ الله بَان الْمَذْكُور بِالْمحل العالي في الْعلم وَالْعَمَل وَأَخُوهُ الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى ستأتي تَرْجَمته إن شَاءَ الله
١٤٠ - الْحسن بن يحيى سيلان السفياني ثمَّ الصعدي
أحد الْعلمَاء الْمَشَاهِير أَخذ الْعلم عَن القاضي صديق بن رسام وَالسَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد حورية وبرع فِي عدَّة فنون وَله مؤلفات مِنْهَا حَاشِيَة على شرح غَايَة السؤل للحسين بن الْقَاسِم وَله حَاشِيَة على شرح الْآيَات للنجري وحاشية على القلائد وحاشية على حَاشِيَة الشلبي على المطول اقْتصر فِيهَا على إيضاح مَا أشكل من عِبَارَات الشلبي وَلم يزل مدرسًا بصعدة ونواحيها حَتَّى مَاتَ في شهر الْقعدَة سنة ١١١٠ عشر وَمِائَة وَألف
[ ١ / ٢١٣ ]
١٤١ - الْحُسَيْن بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن صَالح بن مُحَمَّد السياغي الحيمي ثمَّ الصنعاني
ولد سنة ١١٨٠ ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ على أَعْيَان علمائها وَهُوَ رفيقي في بعض مسموعاتى على شيوخي ورافقني فِي قِرَاءَة الخبيصي والرضي شرحيّ الكافية وَشرح السعد الْمُخْتَصر على التَّلْخِيص وحاشية الشَّيْخ لطف الله وَشرح اليزدي على التَّهْذِيب وَشرح الشافية للطف الله على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني ﵀ ورافقني أَيْضا في قِرَاءَة سنَن أَبى دَاوُد والعضد وحواشيه والمطول وحواشيه والكشاف وحواشيه على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي وَحضر مَعنا قَلِيلا على شَيخنَا السَّيِّد الإمام عبد الْقَادِر بن أَحْمد في قِرَاءَة الحَدِيث وَقِرَاءَة الْفِقْه كشرح الأزهار وَالْبَيَان على وَالِده وَقَرَأَ مَجْمُوع الإمام زيد بن علي على القاضي الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي وعَلى آخَرين وبرع في هَذِه المعارف كلهَا وفَاق وَصَارَ من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين في عدَّة فنون وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ الْحسن الْفَائِق وَله إكباب على الْعلم واشتغال بِهِ عَمَّا سواهُ مَعَ ذهن قوي وَفهم صَحِيح وادراك جيد وسمت حسن ورصانة وعقل ومتانة دين وغالب انتفاعه على الشَّيْخَيْنِ الأولين وَقد قَرَأَ عَلَيْهِمَا غير مَا تقدم ذكره كالصحيحين وَشرح الْعُمْدَة ووفقت على حَاشِيَة لَهُ نفيسة على شرح الْجلَال لِآدَابِ الْبَحْث وَرَأَيْت لَهُ حلًا للغز السَّيِّد الْعَلامَة اسحق بن يُوسُف الْمُتَقَدّم ذكره جعله شرحًا لأبيات
[ ١ / ٢١٤ ]
اللغز وأجاد فِيهِ كل الإجادة وَهُوَ الْآن يشْرَح مَجْمُوع الامام زيد بن على شرحًا حافلًا وبيني وَبَينه مكاتبات ومشاعرات ومباحثات في عدَّة مسَائِل وَله نظم جيد ونثر حسن واذا حرر بحثا فى مسئلة أتقنه غَايَة الإتقان وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل في الِاشْتِغَال بالمعارف العلمية درسًا وتدريسًا ثمَّ مَاتَ ﵀ شهر جُمَادَى الأولى سنة ١٢٢١ إحدى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وألف وقبر بمقبرة صنعاء ووالده من عُلَمَاء الْفِقْه
[ ١ / ٢١٥ ]
المبرزين فِيهِ وَهُوَ أحد الْحُكَّام بِصَنْعَاء الْآن وَتوفى في رَمَضَان سنة ١٢٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وجد صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ من المتقنين فى علم الْفِقْه والفرائض أَخذ عَن أكَابِر عُلَمَاء عصره وَأخذ عَنهُ الأكابر وَتَوَلَّى الْقَضَاء مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى مَاتَ في شهر شَوَّال سنة ١١٦٤
١٤٢ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن أَحْمد بن صَلَاح بن أَحْمد بن الْحُسَيْن ابْن علي الْمَعْرُوف بزبارة
نِسْبَة إلى مَوضِع كَمَا تقدم في تَرْجَمَة حفيده أَحْمد بن يُوسُف ولد تَاسِع عشر شهر رَمَضَان سنة ١٠٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وألف وَأخذ عَن الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وأخيه الْحسن بن مُحَمَّد والعلاّمة علي بن يحيى
[ ١ / ٢١٦ ]
البرطي وَعَن الْعَلامَة السَّيِّد زيد بن مُحَمَّد وَسَائِر أَعْيَان ذَلِك الزَّمَان وبرع فى جَمِيع المعارف وَله عناية كَامِلَة بأسانيد مسموعاته وَغَيرهَا وَكَانَ لَهُ بالسيّد يُوسُف بن المتَوَكل اتِّصَال ومحبة ومعاضدة وولاه الإمام المتَوَكل الْقَاسِم بن الْحُسَيْن الْقَضَاء بضوران وَكَانَ يتخوف قبل ذَلِك من المهدي صَاحب الْمَوَاهِب بِسَبَب صحبته ليوسف بن المتَوَكل اسمعيل وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء وَأَنا أروي عَن شَيخنَا الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد عَن يُوسُف ابْن صَاحب التَّرْجَمَة عَنهُ وَتوفى فِي سنة ١١٤١ وَقيل سنة ١١٣٥ وَقيل سنة ١١٣٦
[ ١ / ٢١٧ ]
١٤٣ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن علي الحسيني العلوي الشافعي الْمَعْرُوف بالأهدل
ولد تَقْرِيبًا سنة ٧٧٩ تسع وَسبعين وَسَبْعمائة قَرَأَ على الزيلعى وعَلى الازرق والرضى الطبرى وَمُحَمّد الموزعي وَابْن الرداد والناشري وبرع في
[ ١ / ٢١٨ ]
عدَّة عُلُوم وصنّف حَاشِيَة على البخاري انتقاها من شرح الْكرْمَانِي مَعَ زِيَادَة سَمَّاهَا مِفْتَاح القارى لجامع البخارى واللمعة المقنعة فى ذكر الْفرق المبتدعة والرسائل المرضية في نصر مَذْهَب الأشعرية وَبَيَان فَسَاد مَذْهَب الحشوية وَشرح الأسماء الْحسنى ومؤلف في مروق ابْن العربى وَابْن الفارض واتباعهما وتحفة الزَّمن في تَارِيخ سَادَات الْيمن وَله مصنفات غير هَذِه وَهُوَ شيخ عصره بِلَا مدافع دارت عَلَيْهِ الْفتيا ورحل إليه النَّاس للتدريس وَاسْتقر بِأَبْيَات حُسَيْن واشتهر ذكره وطار صيته وَمَات بهَا في صبح يَوْم الْخَمِيس تَاسِع شهر محرم سنة ٨٥٥ خمس وَخمسين وثمان مائَة وَدفن بهَا وَهُوَ من مشاهير عُلَمَاء الْيمن المبرزين في علمي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول
[ ١ / ٢١٩ ]
١٤٤ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي
ولد سنة ١١٤٧ سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء الْعَصْر المبرزين قَرَأَ على عُلَمَاء صنعاء وَالرَّوْضَة وترافق هُوَ وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن ابْن إسماعيل المغربي وَقَرَأَ كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر وَاسْتقر بالروضة الَّتِى هي من أعظم نزه مَدِينَة صنعاء وَنشر الْعلم هُنَالك واستفاد عَلَيْهِ جمَاعَة من الطّلبَة ثمَّ ارتحل إلى كوكبان بسؤال أميرها لَهُ السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَكَانَ ارتحاله بعد رحْلَة شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد من كوكبان فَاحْتَاجَ أَهله الى من يقوم مقَام شَيخنَا هُنَالك فاستدعوا صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ من المبرزين في عُلُوم الِاجْتِهَاد وَله رسائل ومسائل وَقد كتب إِلَى بمسائل مشكلة أجبْت عَلَيْهَا بجوابات هي في محموع رسائلى وَهُوَ الان مُقيم بكوكبان وَلَعَلَّه قد جَاوز السِّتين وَهُوَ متين الدّيانَة كثير الْعِبَادَة قَلِيل الِاشْتِغَال بمالا يُعينهُ على طَريقَة السلف الصَّالح ثمَّ رَحل عَن كوكبان لأمور جرت بَينه وَبَين صَاحبهَا وَاسْتقر في الرَّوْضَة إمامًا لجامعها وولاه إمام الْعَصْر الْقَضَاء في الرَّوْضَة وَلم يقبل إِلَّا بعد أن كثرت عَلَيْهِ في ذَلِك وأشرت على مَوْلَانَا الإمام بِعَدَمِ قبُول عذره وفي أَوَاخِر شهر شَوَّال سنة ١٢٢٢ أظهر الْمَذْكُور هُوَ وَجَمَاعَة من الكباسيه وَآل أَبى طَالب الْخُرُوج عَن طَاعَة الدولة وَخرج إليهم أَحْمد بن عبد الله بن الإمام الْمهْدي الْعَبَّاس بن الْمَنْصُور وانضم إِلَيْهِم جَمِيع أهل الرَّوْضَة طَوْعًا وَكرها وَوصل إِلَيْهِم بعض الْقَبَائِل وردوا أَمر الدولة وطردوا الْعَامِل وراموا خلع الْخَلِيفَة مَوْلَانَا الاماما الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَكَتَبُوا إلى جَمِيع الأقطار اليمنية وَكَاد صَاحب التَّرْجَمَة أن يَدْعُو إلى نَفسه وَعرض عَلَيْهِم
[ ١ / ٢٢٠ ]
الإجابة إلى كل مَا يطلبونه وَخرج شَيخنَا القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي من الحضرة الإمامية وَمَعَهُ مكاتيب فِي كل مَا طلبوه من الْعدْل والأمان لَهُم وَكَانَت تِلْكَ المكاتيب بخطي فَمَا رجعُوا بل صمموا على ماعزموا عَلَيْهِ فَخرج إليهم بالجيش سيف الْخلَافَة سيدي أَحْمد بن الإمام وناجزهم وتحصّنوا في بعض سور الرَّوْضَة ثمَّ أحَاط بهم الْجَيْش وَأسر صَاحب التَّرْجَمَة وَجَمَاعَة من الكباسية ووصلوا بهم إلى تَحت طَاقَة الْخَلِيفَة وبالغت في الشَّفَاعَة لَهُم من الْقَتْل بعد أن كَانَ قد وَقع الْعَزْم عَلَيْهِ وَقمت بِالْحجَّةِ الشَّرْعِيَّة الْمُقْتَضِيَة لحقن دِمَائِهِمْ فأودعوا السجْن وَصَاحب التَّرْجَمَة وَقع التَّغْرِير عَلَيْهِ وَالْخداع لَهُ من بعض شياطين الإنس وَقد كَانَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِم في أول يَوْم من شهر الْحجَّة من هَذِه السنة وَمَات ﵀ مسجونا بعدان بقي فِي السجْن نَحْو عَاميْنِ أَو ثَلَاثَة
١٤٥ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن عبد الْقَادِر بن النَّاصِر بن عبد الرب بن علي ابْن شمس الدَّين بن الإمام شرف الدَّين الكوكباني
الشَّاعِر الْمَشْهُور الْمجِيد المكثر الْمُبْدع الْفَائِق فِي الْأَدَب ترْجم لَهُ جمَاعَة من الأدباء كالقاضي يُوسُف بن علي بن هادي فِي طوق الصادح ويوسف بن يحيى فى نسمَة السحر والحيمي في طيب السمر وَهُوَ ذُو رياسة وكياسة وَمَكَارِم وفضائل وفواضل وَلما دَعَا المهدي مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْمَوَاهِب فرّ مِنْهُ صَاحب التَّرْجَمَة إلى مَكَّة لأمور لَا يَتَّسِع الْمقَام لشرحها وَمن نظمه الْفَائِق قَوْله من قصيدة
[ ١ / ٢٢١ ]
(مَا أعجب الْحبّ يشتاق العميد إلى ظبي الصريم وَقد أرداه بالحدق)
(ياوردى الخد دع إنكار قتل فَتى مَا قط أبقت لَهُ عَيْنَاك من رَمق)
(في خدّك الشَّفق القاني بدا وعَلى قتل الْحُسَيْن دَلِيل حمرَة الشَّفق)
وَأعَاد هَذَا الْمَعْنى في قصيدة أُخْرَى فَقَالَ
(فى خدك الشَّفق القانى وَفِيه على قتل الْحُسَيْن كَمَا قَالُوا أَمَارَات)
وَمن محَاسِن قصائده القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(خفف على ذِي لوعة وشجون واحفظ فُؤَادك من عُيُون الْعين)
وَمن لطائفة هَذَانِ البيتان قالهما لما قتل السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ابْن الْقَاسِم الملقب بِحجر ﵀ وَفِيهِمَا تضمين مطرب
(وددت مصرع مَوْلَانَا الصفي وَلَا ال رُجُوع فى سلك قوم بعد مَا كسروا)
(وصرت أنْشد من كرب وَمن أَسف مَا أطيب الْعَيْش لَو أَن الْفَتى حجر)
وَمن قصائده الطنانة القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(لفؤادي في الْهوى كد وكدح ولطرفي بالدما سحٌ وسفح) وأشعاره كلهَا غرر وكلماته جَمِيعهَا دُرَر وَهُوَ من محَاسِن الْيمن ومفاخر الزَّمن وَمَات في يَوْم السبت الثاني عشر من ربيع الآخر سنة ١١١٢ اثنتي عشر وَمِائَة وَألف بشبام وَدفن هُنَالك
١٤٦ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن علي بن الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم
الرئيس الْكَبِير الشَّاعِر الْمَشْهُور ولد فِي سنة ١٠٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَكَانَ في أَيَّام شبابه مائلًا إلى ملاذ الدُّنْيَا والتمتع بمحاسنها مرخيًا لنَفسِهِ الْعَنَان غير كَاف لَهَا عَن التفلت في رياض محَاسِن الحسان ثمَّ تزهد
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَتعبد وانجمع وتمسّح وتألّه وأقلع عَن جَمِيع مَا كَانَ عَلَيْهِ وجاد بِجَمِيعِ موجوده وَله في المكارم أَحَادِيث حاتمية تلتذ لسماعها الأسماع وَكَانَ إذا لم يجد النَّقْد تصدق بثيابه وفراشه وَمَال الى مُخَالطَة الْفُقَرَاء وَلَيْسَ ملبوسهم وَقعد في مَقَاعِدهمْ وَمَعَ هَذَا فابنه على بن الْحُسَيْن إِذْ ذَاك رَئِيس كَبِير لَهُ خيل وخول وحاشية عَظِيمَة ورياسة فخيمة وَلَكِن صَاحب التَّرْجَمَة قد حبب الله إليه الانعزال عَن بنى الدُّنْيَا حَتَّى عَن وَلَده وَمن شعره الْفَائِق هَذَانِ البيتان
(لَا تحسبن لِبَاس الصُّوف في مَلأ تَدعِي بِهِ بَين أهل الْفضل بالصوفي)
(وانما من صفا قلبًا وَمَال إلى صقالة النَّفس من أوصافها صوفي)
وَمن محَاسِن شعره القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِى أَولهَا
(آه كم أطوي على الضيم جناحي وأداجي فِي الْهوى قَالَ ولاحي) وَله القصيدة الطَّوِيلَة عَارض بهَا قصيدة ابْن الوردي أَولهَا
(اترك الدُّنْيَا ودع عَنْك الأمل طَال مَا عَن نيلها حَال الاجل)
وفيهَا مواعظ وَحكم وَمَا زَالَ مُقبلا على الطَّاعَة عاكفًا على الْعِبَادَة حَتَّى توفاه الله تَعَالَى قَالَ بعض من ترْجم لَهُ أَنه كَانَ في سنة ١١٤٥ حَيا وأرّخ مَوته بعض المشتغلين بِهَذَا الشأن سنة ١١٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف
١٤٧ - حُسَيْن بن علي بن صَالح العماري الصَّنْعَانِيّ
ولد في سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف تَقْرِيبًا اَوْ فِيمَا بعْدهَا وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَطلب الْعلم فَقَرَأَ على جمَاعَة من مَشَايِخ صنعاء في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والمنطق والأصول وَقَرَأَ علي في شرح الرضي على الكافية
[ ١ / ٢٢٣ ]
وفي مغني اللبيب وفي شرح غَايَة السؤل وفي شرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى للعضد وَرغب بعد أَن طلب الْعلم في سُكُون وطنهم الأصلي وَهُوَ بِلَاد عمار فعزم إليها وَسكن فِيهَا وَهُوَ الآن هُنَالك وَله نظم جيد فَمِنْهُ مَا كتبه إلي يطْلب الْقِرَاءَة علي في شرح الْغَايَة بعد ان فرغ من قرائتها على الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الله الضّمدي الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ
(مولَايَ عز الْهدى والفرد فى مَلأ لم يعرفوا الْفرق بَين الشّعْر وَالشعر)
(وَمن إذا جال فِي الأنظار ناظره جَلَاله الْفِكر مَا أغْنى عَن النظر)
(عَلامَة الْعَصْر والفرد الَّذِي جمعت لَهُ المحاسن جمعا عير منكسر)
(إن الصفي ابْن عبد الله من بلغت بِهِ لعلوم إلى الغايات في الْبشر)
(بُلُوغ مَا رام يَا بدر التَّمام لَهُ قد تمّ مِنْك وَحَازَ الْفَوْز بالظفر)
(فامنح بِفَضْلِك هَذَا الدول طَالبه لَا زلت مَطْلُوب فضل غير معتذر)
(وَهَا هُوَ الْآن من صنعاء مرتحل وَمن أَقَامَ فَهُوَ مِنْهَا على سفر)
فأجبت عَلَيْهِ بقولي
(صغت الدراري أم عقد من الدُّرَر يَا أوحد الْعَصْر بَين البدو والحضر)
(لَا زلت ترقى عروجًا للكمال وَلَا بَرحت تطرب سمع الدَّهْر بالفقر)
(فالحال مَا حَال والعهد الْقَدِيم هُوَ الْعَهْد الْقَدِيم وَلَا عهد لمبتكر)
(لَا تحسب الدَّرْس متروكًا وَأَنت على نِهَايَة الْجد والتحصيل للوطر)
(من كَانَ غَايَة سؤلي كَيفَ أمْنَعهُ مِنْهَا وأحجب عَنهُ نخبة الْفِكر)
(ودمت تحيي ربوع الْعلم مَا صدحت وَرقا على فنن لدن من الشجر)
وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة ﵀ فى سنة ١٢٢٥ خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وألف بِبِلَاد عمار
[ ١ / ٢٢٤ ]
١٤٨ - الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن حُسَيْن بن أَحْمد بن حسن بن الإمام الْقَاسِم
بُويِعَ بالخلافة عِنْد موت وَالِده في رَمَضَان سنة ١١٣٩ ثمَّ تنَازع هُوَ وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي وَكَانَ قد دَعَا إلى نَفسه ولقب بالنّاصر وَبَايَعَهُ عُلَمَاء الْيمن ورؤسائها وَجَمِيع أَهلهَا ثمَّ إن الإمام الْمَنْصُور بَايعه على شُرُوط اشترطها فَلم يَقع الْوَفَاء فاستمر الْمَنْصُور على دَعوته وَغلب على الْقطر الْيُمْنَى وَبَايَعَهُ النَّاس وظفر بجيوش النَّاصِر وَأسر أَوْلَاده وأخوته وقرابته ورؤساء أجناده وَمِنْهُم السَّيِّد يحيى بن إسحاق وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن إسحاق وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسماعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَالسَّيِّد عبد الله بن طَالب وكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ رَئِيس كَبِير يَقُود الجيوش الْكَثِيرَة وَكَانَ استيلاؤه على الْمَذْكُورين فِي أسْرع وَقت وَأقرب مُدَّة وَكَانَ الْمَنْصُور مَشْهُورا بالشجاعة وعلوّ الهمة ومصابرة الْقِتَال وَاحْتِمَال مشاق الْغَزْو وَآخر الْأَمر بَايعه النَّاصِر وَاجْتمعَ النَّاس عَلَيْهِ وَلم يبْق لَهُ مُخَالف إلا أَخُوهُ السَّيِّد أَحْمد بن المتَوَكل وَلم يزل الْحَرْب بَينهمَا إلى أَن مَاتَ وَلكنه لم يدع إلى نَفسه وَتَأَخر مَوته بعد أَخِيه الْمَنْصُور نَحْو سنة وَبَايع وَلَده المهدي الْعَبَّاس وَكَانَ الْمَنْصُور إمامًا عَظِيما وسلطانًا فخيمًا وَكَانَ قد وَقع بَينه وَبَين وَالِده الإمام المتَوَكل بعض مُخَالفَة فِي آخر مُدَّة المتَوَكل وَلما حضرت المتَوَكل الْوَفَاة دخل الْمَنْصُور صنعاء وَاسْتقر بهَا ودامت خِلَافَته مَعَ سَعَادَة كَبِيرَة وظفر بالأعداء لم يسمع بِمثلِهِ فى الازمنة الْقَرِيبَة وَجَمِيع الْقطر الْيُمْنَى دَاخل تَحت طَاعَته لم يخرج عَن طَاعَته الا بِلَاد تعز
[ ١ / ٢٢٥ ]
والحجرية فإن أَخَاهُ أَحْمد كَانَ مستوليًا عَلَيْهَا وَكَانَ مَوته في سنة ١١٦١ إحدى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
١٤٩ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
تقدم تَمام نسبه في تَرْجَمَة أَخِيه الْحسن ولد يَوْم الأحد رَابِع عشر شهر ربيع الآخر سنة ٩٩٩ تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة قَرَأَ على الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وَكَانَ يتعجب من فهمه وَحسن إدراكه وَقَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره وبرع في كل الْفُنُون وفَاق فِي الدقائق الأصولية والبيانية والمنطقية والنحوية وَله مَعَ ذَلِك شغلة بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَألف الْغَايَة وَشَرحهَا الْكتاب الْمَشْهُور الَّذِي صَار الْآن مدرس الطّلبَة وَعَلِيهِ الْمعول فِي صنعاء وجهاتها وَهُوَ كتاب نَفِيس يدل على طول بَاعَ مُصَنفه وَقُوَّة ساعده وتبحّره في الْفَنّ اعتصره من مُخْتَصر الْمُنْتَهى وشروحه وحواشيه وَمن مؤلفات آبَائِهِ من الْأَئِمَّة فِي الأصول وسَاق الأدلة سوقًا حسنًا وجود المباحث وَاسْتوْفى مَا تَدْعُو إليه الْحَاجة وَلم يكن الْآن في كتب الاصول من مؤلفات أهل النمين مثله وَمَعَ هَذَا فَهُوَ أَلفه وَهُوَ يَقُود الجيوش ويحاصر الأتراك في كل مَوَاطِن ويضايقهم ويوردهم المهالك ويشن عَلَيْهِ الغارات وَله مَعَهم ملاحم تذهل الْمشَاهد لبعضها عَن النظر في كتاب من كتب الْعلم فَكيف بِهِ ﵀ وَهُوَ قَائِد الجيوش وأمير العساكر والمرجوع إليه هُوَ وَأَخُوهُ الْحسن الْمُقدم ذكره فِيمَا دق وَجل من أَمر الْجِهَاد فإن بعض الْبَعْض من هَذَا يُوجد تكدر الذِّهْن وتشوشه ونسيان المحفوظات فضلًا عَن تصنيف الدقائق وتحرير الْحَقَائِق
[ ١ / ٢٢٦ ]
والمزاحمة لعضد الدَّين والسعد التَّفْتَازَانِيّ والاستدراك عَلَيْهِمَا وعَلى أمثالهما من المشتهرين بتحقيق الْفَنّ فَمَا هَذِه الاشجاعة تتقاعس عَنْهَا الشجعان ورصانة لَا يقعقع لَهَا بالشنآن وَقُوَّة جنان تبهر الْأَلْبَاب وثبات قدم في الْعُلُوم لم يكن لغيره في حِسَاب ومازال ﵀ مُجَاهدًا وَقَائِمًا فى حَرْب الاتراك قَاعِدا وناشرًا للعلوم ومحققًا لحدودها والرسوم حَتَّى توفاه الله تَعَالَى في آخر لَيْلَة الْجُمُعَة ثاني شهر ربيع الآخر سننة ١٠٥٠ خمسين وَألف بِمَدِينَة ذمار وَدفن بهَا فِي قُبَّته الْمَشْهُورَة وَله نظم حسن فَمِنْهُ
(مولاي جد بوصال صب مدنف وتلافه قبل التلاف بموقف)
(وَارْحَمْ فديت قَتِيل سيف مرهف من مقلتيك طعين قدّ أهيف)
[ ١ / ٢٢٧ ]
١٥٠ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْحسن ابْن زيد بن الْحُسَيْن الحسيني العلوي الْمَعْرُوف بِابْن قاضي الْعَسْكَر
ولد في سنة ٦٩٨ ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة وَولى التوقيع بِالْقَاهِرَةِ ونقابة الأشراف وَمهر في ذَلِك وفي النظم والنثر وَلم يكن لَهُ نَظِير فِي الاقتدار على سرعَة النظم والنثر كتب بديوان الإنشاء من التقاليد والتواقيع مَا لَا يدْخل تَحت الْحصْر وَله إجازة من ابْن دَقِيق الْعِيد والدمياطي وَحفظ في صغره التَّنْبِيه ودرس فِي بعض الْمدَارِس وَمن شعره
(إذا الْعلم لم يعضده جاه وثروة فصاحبه في الْقَهْر يمسي وَيُصْبِح)
(وإن أسعد الْمَقْدُور فالصعب هَين وَذُو الْجَهْل مَعَ نقصانه يتَرَجَّح)
وَله
(تلق الْأُمُور بصبر جميل وَصدر رحيب وخلّ الْحَرج)
(وَسلم لِرَبِّك فِي حكمه فإما الْمَمَات واما الْفرج)
قَالَ الصفدى وَبنى مدرسة بحارة بهاء الدَّين ووقف عَلَيْهَا وَقفا جيدا ووقف فِيهَا كتبا كَثِيرَة جَيِّدَة وَكَانَ دمث الأخلاق متواضعًا وَله ديوَان خطب سَمَّاهَا الْمقَال المحبر في مقَام الْمِنْبَر عَارض بهَا خطب ابْن نَبَاته مَاتَ فِي سَابِع عشر شعْبَان سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
١٥١ - الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الله العنسي ثمَّ الصنعاني
ولد سنة ١١٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف واشتغل بِطَلَب الْعلم فَأخذ عَن السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر وَعَن غَيره من مَشَايِخ الْعَصْر واستفاد في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والأصول وَله إدراك كَامِل وعرفان تَامّ وَفهم فائق وقرأ عليّ في شرح الرضي على الكافية
[ ١ / ٢٢٨ ]
وَهُوَ الْآن يقْرَأ علي في شرحي للمنتقى وَقد صَار من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين مَعَ كَونه في عنفوان الشَّبَاب وَهُوَ قَلِيل النظير في فهم الدقائق وَحسن التَّصَوُّر وَقُوَّة الإدراك نفع الله بِهِ وَقَرَأَ عليّ أَيْضا في الْعَضُد وحواشيه قِرَاءَة تشد إليها الرحال وَله قِرَاءَة على فى غير ذَلِك من مؤلفاتى وَغَيرهَا كالكشاف وحواشيه والمطول وحواشيه
١٥٢ - الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الله الطيبي الإمام الْمَشْهُور صَاحب شرح الْمشكاة
وحاشية الْكَشَّاف وَغَيرهمَا كَانَ في مبادئ عمره صَاحب ثروة كَبِيرَة فَلم يزل ينْفق ذَلِك في وُجُوه الْخيرَات إلى أَن كَانَ في آخر عمره فَقِيرا وَكَانَ كَرِيمًا متواضعًا حسن المعتقد شَدِيد الرَّد على الفلاسفة والمبتدعة مظْهرا فضائحهم مَعَ استيلائهم على بِلَاد الْمُسلمين فِي عصره شَدِيد الْمحبَّة لله وَلِرَسُولِهِ كثير الْحيَاء ملازمًا للْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة ملازمًا لتدريس الطّلبَة فِي الْعُلُوم الإسلامية وَعِنْده كتب نفيسة يبذلها لطلبته ولغيرهم من أهل بَلَده بل ولسائر الْبلدَانِ من يعرفهُ وَمن لَا يعرفهُ وَله إقبال على اسْتِخْرَاج الدقائق من الْكتاب وَالسّنة وحاشيته على الْكَشَّاف هي أنفس حَوَاشِيه على الإطلاق مَعَ مَا فِيهَا من الْكَلَام على الأحاديث فِي بعض الْحَالَات إذا اقْتضى الْحَال ذَلِك على طَريقَة الْمُحدثين مِمَّا يدل على ارْتِفَاع طبقته فِي
[ ١ / ٢٢٩ ]
علمى الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَله كتاب فِي الْمعَانى وَالْبَيَان سَمَّاهُ التِّبْيَان وَشَرحه وَأمر بعض تلامذته باختصاره ثمَّ شرع في جمع كتاب فِي التَّفْسِير وَعقد مَجْلِسا عَظِيما لقِرَاءَة كتاب البخاري وَكَانَ يقْرَأ في التَّفْسِير من بكرَة الى الظّهْر وَمن بعده الى الْعَصْر لَا سَماع البخاري إلى أن كَانَ يَوْم وَفَاته ففرغ عَن قِرَاءَة التَّفْسِير وَتوجه إلى مجْلِس الحَدِيث فَدخل مَسْجِدا عِنْد بَيته فصلى النَّافِلَة قَاعِدا وَجلسَ ينْتَظر الإقامة للفريضة فَقضى نحبه مُتَوَجها الى الْقبْلَة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشر شعْبَان سنة ٧٤٣ ثَلَاث وأربعين وَسَبْعمائة
١٥٣ - الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن سعيد بن عِيسَى اللاعي الْمَعْرُوف بالمغربي
قَاضِي صنعاء وعالمها ومحدثها جد شَيخنَا الْحسن بن إسماعيل بن الْحُسَيْن ولد سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وألف وَأخذ الْعلم عَن السَّيِّد عز الدَّين العبّالي وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي وعَلى بن يحيى البرطى وَغَيرهم وبرع في عدَّة عُلُوم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْعلمَاء كالسيّد عبد الله بن علي الْوَزير وَغَيره وَتَوَلَّى الْقَضَاء للإمام المهدي احْمَد بن الْحسن وَاسْتمرّ قَاضِيا إلى أيام الإمام المهدي مُحَمَّد بن احْمَد وَهُوَ مُصَنف الْبَدْر التَّمام شرح بُلُوغ المرام وَهُوَ شرح حافل نقل مَا فِي التَّلْخِيص من الْكَلَام على متون الأحاديث وأسانيدها ثمَّ إذا كَانَ الحَدِيث في البخاري نقل شَرحه من فتح الباري وإذا كَانَ فى صَحِيح مُسلم نقل شَرحه من شرح النووي وَتارَة ينْقل من شرح السّنَن لِابْنِ رسْلَان وَلكنه لَا ينْسب هَذِه النقول الى اهلها غَالِبا مَعَ كَونه يَسُوقهَا بِاللَّفْظِ وينقل الخلافات من الْبَحْر الزخار للإمام المهدي احْمَد بن يحيى وفي بعض الأحوال من نِهَايَة ابْن رشد وَيتْرك التَّعَرُّض للترجيح في غَالب الْحَالَات وَهُوَ ثَمَرَة الِاجْتِهَاد وعَلى كل حَال فَهُوَ شرح مُفِيد وَقد
[ ١ / ٢٣٠ ]
اخْتَصَرَهُ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وسمى الْمُخْتَصر سبل السَّلَام وَله رِسَالَة فِي حَدِيث أخرجُوا الْيَهُود من جَزِيرَة الْعَرَب رجح فِيهَا إنه إنما يجب إخراجهم من الْحجاز فَقَط محتجًا بِمَا فِي رِوَايَة بِلَفْظ أخرجُوا الْيَهُود من الْحجاز وَكَانَ أَخُوهُ الْحسن من محَاسِن الْيمن وَله حَاشِيَة على شرح القلائد للإمام المهدي وَهُوَ مبرز فِي جَمِيع الْفُنُون ولهذين الأخوين ذُرِّيَّة صَالِحَة هم مَا بَين عَالم وعامل وإلى الْآن وهم كَذَلِك وبيتهم معمور بالفضائل وَتوفى صَاحب التَّرْجَمَة سنة ١١١٩ وَقيل سنة ١١١٥ خمس عشر وَمِائَة وألف وَتُوفِّي أَخُوهُ الْحسن الْمَذْكُور سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وألف وَقد ترْجم لَهما الحيمي في طيب السمر وَذكر لَهما شعرًا كشعر الْعلمَاء
١٥٤ - الْحُسَيْن بن نَاصِر بن عبد الحفيظ الْمَعْرُوف كسلفه بالمهلاّ
الشرفي اليماني الْعَالم الْكَبِير صَاحب الْمَوَاهِب القدسية شرح البوسية وَهُوَ شرح نَفِيس يبين مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ القصيدة من الْمعَانى والمسائل ثمَّ ينْقل الدَّلِيل ويحرره تحريرًا قَوِيا وينقل من ضوء النَّهَار للجلال مبَاحث ويجيب عَلَيْهِ في كثير من ذَلِك ويصفه بِأَنَّهُ شَيْخه في الْعلم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ شرح مُفِيد وقفت على مجلدات مِنْهُ وبلغني أنه في سبع مجلدات وَهَذِه الْمَنْظُومَة الَّتِى شرحها هي في الْفِقْه للبوسي على نمط الشاطبية في الْوَزْن والروي والقافية والإشارة إلى مَذَاهِب الْعلمَاء بالرمز مَعَ جودة الشّعْر وقوته وسلاسته وَجُمْلَة أبياتها أربعة آلَاف بَيت وَخَمْسمِائة وَثَمَانُونَ بَيْتا والبوسي الْمَذْكُور هُوَ أحد عُلَمَاء الزيدية بالديار اليمنية وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة مؤلفات هَذَا أشهرها وَقد ترْجم لَهُ الحيمي فِي طيب السمر وَذكر أنه كَانَ أطلس لَا لحية لَهُ وَتُوفِّي شَهِيدا قَتله أصحاب المحطوري فِي فتنته حَسْبَمَا سيأتي شَرحه
[ ١ / ٢٣١ ]
فِي تَرْجَمَة المهدى مُحَمَّد بن احْمَد صَاحب الْمَوَاهِب وَكَانَت تِلْكَ الْفِتْنَة فِي سنة ١١١١ وَله نظم حسن فَمِنْهُ
(هي الدَّار مَا الآمال إِلَّا فجائع عَلَيْهَا وَمَا اللَّذَّات إِلَّا مصائب)
(فكم سخنت بالْأَمْس عين قريرة وقرّت عُيُون دمعها قبل ساكب)
(فَلَا تكتحل عَيْنَاك مِنْهَا بعبرة على ذَاهِب مِنْهَا فإنك ذَاهِب)
١٥٥ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن يحيى بن إبراهيم الديلمي الذمّاري
ولد في سنة ١١٤٩ تسع وأربعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بذمار وَأخذ عَن علمائها كالفقيه عبد الله بن حُسَيْن دلامة والفقيه حسن بن أَحْمد الشبيبي وهما الْمرجع هُنَالك في علم الْفِقْه ثمَّ ارتحل إلى صنعاء وَقَرَأَ في الْعَرَبيَّة وَله قِرَاءَة فِي الحَدِيث على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير ثمَّ عَاد إلى ذمّار وَاسْتقر بهَا وَكَانَ فَقِيرا فَتزَوج بِامْرَأَة لَهَا ثروة ثمَّ اشْتغل بِالتِّجَارَة وتكاثرت أَمْوَاله وَلم يكن يتجر بِنَفسِهِ بل كَانَ يَنُوب عَنهُ غَيره وَهُوَ مكب على الْعلم ودرس في الْفِقْه وَغَيره وَتخرج بِهِ جمَاعَة مِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد الحرازي الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء رحْلَة ثَانِيَة بعد سنة ١٢٠٠ ورافقني في الْقِرَاءَة على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي فَقَرَأَ مَعنا في صَحِيح مُسلم وأقرأ الطّلبَة في الْفِقْه بِجَامِع صنعاء وبقي مُدَّة وعزم على استيطان صنعاء ثمَّ بعد ذَلِك رجح الْعود إلى ذمّار فَعَاد اليها
[ ١ / ٢٣٢ ]
وَهُوَ الْآن عالمها المرجوع إليه المتفرّد بهَا من دون مدافع وَصَارَ الطّلبَة هُنَالك يقرأون عَلَيْهِ فِي الْفِقْه والنحو وَالصرْف والأصول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وبينى وَبَينه من الْمَوَدَّة مَالا يعبر عَنهُ وَقد جرى بَيْننَا مباحثة علمية مدونة فِي رسائل هى فى مَجْمُوع مالي من الْفَتَاوَى والرسائل وَلَا يزَال يعاهدني بعد رُجُوعه الى ذمار ويتشوق إلى اللِّقَاء وَأَنا كَذَلِك وَالْمُكَاتبَة بَيْننَا مستمرة إِلَى الآن وَهُوَ من جملَة من رغّبني في شرح الْمُنْتَقى فَلَمَّا أعَان الله على تَمَامه صَار يراسلني فِي الإرسال إليه بنسخة وَلم يكن قد تيَسّر ذَلِك وَلما ألفت الرسَالَة الَّتِى سميتها إرشاد الغبي إِلَى مَذْهَب أهل الْبَيْت في صحب النبي ونقلت إجماعهم من ثَلَاث عشرَة طَريقَة على عدم ذكر الصَّحَابَة بسب أوما يُقَارِبه وَقعت هَذِه الرسَالَة بأيدي جمَاعَة من الرافضة الَّذين بِصَنْعَاء الْمُخَالفين لمذاهب أهل الْبَيْت فجالوا وصالوا وتعصبوا وتحزبوا وَأَجَابُوا بأجوبة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا مَحْض السباب والمشاتمة وَكَتَبُوا أبحاثًا نقلوها من كتب الإمامية والجارودية وَكَثُرت الْأَجْوِبَة حَتَّى جَاوَزت الْعشْرين وأكثرها لَا يعرف صَاحبه واشتغل النَّاس بذلك أَيَّامًا وَزَاد الشَّرّ وعظمت الْفِتْنَة فَلم يبْق صَغِير وَلَا كَبِير وَلَا امام وَلَا مَأْمُوم الا وَعِنْده من ذَلِك شئ وَأَعَانَهُمْ على ذَلِك جمَاعَة مِمَّن لَهُ صولة ودولة ثمَّ ان تِلْكَ الرسَالَة اتنشرت فِي الاقطار اليمنية وَحصل الِاخْتِلَاف في شَأْنهَا وتعصب أهل الْعلم لَهَا وَعَلَيْهَا حَتَّى وَقعت الْمُرَاجَعَة والمجاوبة وَالْمُكَاتبَة في شَأْنهَا في الْجِهَات التهامية وكل من عِنْده أدنى معرفَة يعلم أَنى لم أذكر فِيهَا إلا مُجَرّد الذب عَن أَعْرَاض الصَّحَابَة الَّذين هم خير الْقُرُون مُقْتَصرا على نُصُوص الْأَئِمَّة من أهل الْبَيْت ليَكُون ذَلِك أوقع في نفوس من يكذب عَلَيْهِم
[ ١ / ٢٣٣ ]
وينسب الى مذاهبهم ماهم مِنْهُ بُرَآء وَلَكِن كَانَ أهل الْعلم يخَافُونَ على أنفسهم ويحمون أعراضهم فيسكتون عَن الْعَامَّة وَكَثِيرًا مِنْهُم كَانَ يصوبهم مداراة لَهُم وَهَذِه الدسيسة هي الْمُوجبَة لاضطهاد عُلَمَاء الْيمن وتسلط الْعَامَّة عَلَيْهِم وخمول ذكرهم وَسُقُوط مَرَاتِبهمْ لأَنهم يكتمون الْحق فإذا تكلم بِهِ وَاحِد مِنْهُم وثارت عَلَيْهِ الْعَامَّة صانعوهم وداهنوهم وأوهموهم إنهم على الصَّوَاب فيتجرأون بِهَذِهِ الذريعة على وضع مقادير الْعلمَاء وهضم شَأْنهمْ وَلَو تكلمُوا بِالصَّوَابِ أَو نصروا من يتَكَلَّم بِهِ أَو عرفُوا الْعَامَّة إذا سألوهم الْحق وزجروهم عَن الِاشْتِغَال بِمَا لَيْسَ من شَأْنهمْ لكانو يدًا وَاحِدَة على الْحق وَلم يسْتَطع الْعَامَّة وَمن يلْتَحق بهم من جهلة المتفقهة اثارة شئ من الْفِتَن فَإنَّا لله وَإِنَّا إليه رَاجِعُون وَكَانَ تأليفى لتِلْك الرسلة فِي سنة ١٢٠٨ وَمن جملَة من اشْتغل بهَا فُقَهَاء ذمار وَقَامُوا وقعدوا وكانو يسْأَلُون صَاحب التَّرْجَمَة عَن ذَلِك ويتهمونه بالموافقة لما في الرسَالَة لما يعلمونه من الْمَوَدَّة الَّتِى بيني وَبَينه فسلك مَسْلَك غَيره مِمَّن قدمت الإشارة إليهم من أهل الْعلم بل زَاد على ذَلِك فحرر جَوَابا طَويلا على تِلْكَ الرسَالَة موهمًا لَهُم أَنه قد أنكر بعض مَا فِيهَا فَلَمَّا بلغني أَنه أجَاب ازْدَادَ تعجبي لعلمي أَنه لَا يجهل مثل ذَلِك وَلَا يخفى عَلَيْهِ الصَّوَاب فَلَمَّا وقفت على الْجَواب وَهُوَ في كراريس رَأَيْته لم يبعد عَن الْحق وَلكنه قد أثار فتْنَة بجوابه لظن الْعَامَّة وَمن شابههم أَن مثل هَذَا الْعَالم الَّذِي هُوَ لى من المجين لَا يُجيب إلا وَمَا فعلته مُخَالف للصَّوَاب فأجبت عَلَيْهِ بِجَوَاب مُخْتَصر تناقله المشتغلون بذلك وَفِيه بعض التخشين ثمَّ إنه عافاه الله اعتذر إليّ مَرَّات وَلم اشْتغل بِجَوَاب على غَيره لأَنهم لَيْسُوا بَاهل لذَلِك وفي الجوابات مَالا يقدر على تحريره
[ ١ / ٢٣٤ ]
إلا عَالم وَلَكنهُمْ لم يسموا أنفسهم فَلم اشْتغل بِجَوَاب من لَا أعرفهُ إلا أَنه وَقع في هَذِه الْحَادِثَة من بعض شيوخي مَا يقْضى مِنْهُ الْعجب وَهُوَ أَنه بلغني أَنه من جملَة المجيبين فَلم اصدق لعلمي أَنه مِمَّن يعرف الْحق وَلَا يخفى عَلَيْهِ الصَّوَاب وَله معرفَة بعلوم الْكتاب وَالسّنة فَبعد أَيَّام وقفت على جَوَابه بِخَطِّهِ فَرَأَيْت مَالا يظن بِمثلِهِ من المجازفة في الْكَلَام والاستناد إلى نقُول نقلهَا من كتب رافضة الإمامية والجارودية وقررها ورجحها وَأَنا أعلم أَنه يعلم أَنَّهَا بَاطِلَة بل يعلم أَنَّهَا مَحْض الْكَذِب وليته اقْتصر على هَذَا وَلكنه جَاءَ بعبارات شنيعة وتحامل عليّ تحاملًا فظيعًا وَالسَّبَب أَنه أصلحه الله نظر بعض وزارء الدولة وَقد قَامَ في هَذِه الْحَادِثَة وَقعد وأبرق وأرعد فخدم حَضرته بِتِلْكَ الرسَالَة الَّتِى جنابها على أَعْرَاض الصَّحَابَة فضلًا عَن غَيرهم فَمَا ظفر بطائل
واتفقت لصَاحب التَّرْجَمَة محنة وَذَلِكَ أن رجلا يُقَال لَهُ مُحَمَّد حُسَيْن من أولاد المهدي صَاحب الْمَوَاهِب غَابَ عَن الْمَوَاهِب نَحْو عشْرين سنة ثمَّ لم يشْعر أَهله بعد هَذِه الْمدَّة إلا وَقد وصل رجل يزْعم أنه هُوَ فَصدقهُ أهل الْغَائِب كزوجته ووالدته وأخوته وشاع أَنه دخل بِالْمَرْأَةِ وَاسْتمرّ كَذَلِك أيامًا فوصل بعد ذَلِك رجل من بَيت النَّجْم الساكنين في زبيد وَقَالَ لأهل ذمّار وعاملها إن هَذَا لم يكن الْغَائِب بل رجل من بَيت صعصعة المزاينة أهل شعسان صعلوك متحيل متلصص كثير السياحة وَكَانَ عِنْد وُصُوله قد لبس الثِّيَاب المختصة بآل الامام فَطَلَبه الْعَامِل
[ ١ / ٢٣٥ ]
فصمم على أَنه مُحَمَّد بن حُسَيْن من آل الإمام وَشد عضد دَعْوَاهُ مصادقة أم الْغَائِب وَزَوجته وأخوته ثمَّ طلبه مَوْلَانَا الإمام إلى حَضرته ثمَّ بعد ذَلِك حضر شُهُود شهدُوا أَنه صعصعة المزين ثمَّ تعقب ذَلِك صُدُور الاقرار فعزر تعزيرا بليغًا وطرد وَمَات عَن قرب وَقد كَانَ صَاحب الترجمة حكم لَهُ بأنه مُحَمَّد بن حُسَيْن استنادًا إلى الظَّاهِر وَهُوَ إقرار الأهل فَطلب من الحضرة العلية وَأرْسل عَلَيْهِ رَسُول ثمَّ أعفي عَن الْوُصُول والمترجم لَهُ عافاه الله مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل ناشر للْعلم في مَدِينَة ذمار مكثر من أَعمال الْخَيْر قَائِم بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر بِمِقْدَار مَا يُمكن مَعَ سَلامَة صدر وكرامة أَخْلَاق وَحسن محاضرة وجمييل مذاكرة وَاحْتِمَال لما يلاقيه من الْجفَاء الزَّائِد من أهل بَلَده بِسَبَب نشره لعلم الحَدِيث بَينهم وميله إلى الإنصاف في بعض الْمسَائِل مَعَ مبالغته في التكتم وَشدَّة احترازه
[ ١ / ٢٣٦ ]
١٥٦ - الْحُسَيْن بن يحيى السلفي الصّنعاني
ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء وَمِنْهُم شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن عَامر وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وآخرين وَأخذ عَنى في أمالي الإمام أَحْمد بن عِيسَى وَحضر في الْقِرَاءَة عليّ في أدوال مُتعَدِّدَة وَهُوَ رجل سَاكن عَاقل حسن السمت قوي الْمُشَاركَة فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد عَامل بِمَا تَقْتَضِيه الأدلة جيد الْفَهم وَهُوَ الآن أحد المدرسين في الْفُنُون بِجَامِع صنعاء نفع الله بِهِ وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَخ عَالم شَاعِر وَهُوَ إسماعيل بن يحيى توفي وَهُوَ في سن الشَّبَاب بِمَكَّة المشرفة فِي فِي شهر الْحجَّة سنة ١١٩٤ وَمَات المترجم لَهُ ﵀ في سنة ١٢٣٠ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
١٥٧ - السَّيِّد الْحُسَيْن ين يُوسُف بن الْحُسَيْن بن أَحْمد زبارة
قد تقدم رفع نسبه ومولده على التَّقْرِيب بعد سنة ١١٥٠ نَشأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من علمائها وَهُوَ أحد عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين حسن السمت والخلق والأخلاق متين الدّيانَة حَافظ لِلِسَانِهِ كثير الْعِبَادَة والأذكار مقبل على أَعمال الْخَيْر مستكثر مِنْهَا عاكف على الْعلم وَالْعَمَل وَقد أجَاز لي جَمِيع مَا يرويهِ عَن ابيه عَن جده الْحُسَيْن وَهُوَ الْآن حي نفع الله بِهِ ثمَّ توفي ﵀ في أوائل شهر محرم سنة ١٢٣١ إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
[ ١ / ٢٣٧ ]
١٥٨ - حَمْزَة بن عبد الله بن مُحَمَّد بن علي بن أَبى بكر التقي الناشري الزبيدي الشافعي
ولد في ثَالِث عشر شَوَّال سنة ٨٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة بِنَخْل وادي زبيد ونشأ بزبيد فحفظ الْقُرْآن والشاطبية وألفية ابْن مَالك وَبَعض الْحَاوِي وتلى بالسبع على مُحَمَّد بن أَبى بكر الْمقري وقرأ على جمَاعَة من عُلَمَاء زبيد في فنون من الْعلم وَأَجَازَ لَهُ آخَرُونَ من جِهَات وَمن جملَة مشايخه صديق بن أَبى الطيب والزين الشرجي والتقي بن فَهد وَابْن ظهيرة وَتردد إلى مَكَّة وَأخذ عَن السخاوي وناب في قَضَاء زبيد وَأفْتى ونظم وَألف مؤلفات مِنْهَا مسالك التحبير في مسَائِل التَّكْبِير والبستان الزَّاهِر فى طَبَقَات بنى ناشر وانتهاز الفرص في الصَّيْد والقنص أَلفه للْملك المظفر والفية في غَرِيب الْقُرْآن وَكَانَ كثير الزواج ورزق كثيرًا من الْأَوْلَاد وَمَات غالبهم وَطَالَ عمره حَتَّى قَارب الْمِائَة وَهُوَ متمتع بحواسه يستفض الْأَبْكَار وَمَات فِي صبح يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر ذي الْقعدَة سنة ٩٢٦ سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَدفن بتربة سلفه فِي بَاب سِهَام
١٥٩ - حميضة بن أبي نميّ مُحَمَّد بن حسن بن علي بن قَتَادَة بن إدريس الْحسنى الشريف عز الدَّين أمير مَكَّة
كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ رميثة وليا أَمر مَكَّة في حَيَاة أَبِيهِمَا سنة ٧٠١ ثمَّ استقلا بالامرة وَاسْتمرّ إِلَى الْمَوْسِم فحج بيبرس تِلْكَ السنة فَلَمَّا كَانَ في طواف الْوَدَاع كَلمه أبو الْغَيْث وعطيفة في أَمر أخويهما حميضة ورميثة وأنهما منعاهما ميراثهما فَأنْكر عَلَيْهِمَا بيبرس فَقَالَ لَهُ حميضة يَا أَمِير نَحن نتصرف فِي أخوتنا وَأَنْتُم قضيتم حَجكُمْ فَلَا تدْخلُوا بَيْننَا فَغَضب بيبرس
[ ١ / ٢٣٨ ]
وَقبض على حميضة ورميثة وحملهما إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام أَبَا الْغَيْث وعطيفة موضعهما ثمَّ أفرج عَنْهُمَا في أَوَائِل سنة ٧٠٢ وخلع عَلَيْهِمَا وتوجها إِلَى مَكَّة ففرّ أَبُو الْغَيْث ثمَّ فرّ حميضة من أَمِير الْحَج فِي سنة ٧٠٧ فقرر أَبَا الْغَيْث مَكَانَهُ فَلَمَّا رَجَعَ الْعَسْكَر عَاد حميضة مختفيًا في زي امْرَأَة وفرّ إِلَى الْعرَاق مستجيرا بملكها خربيدا فَتَلقاهُ وأكرمه وَبَالغ في الإحسان إليه وَندب مَعَه أَربع آلَاف فَارس وراسل أَخَاهُ رميثة أَن يَأْذَن لَهُ بِدُخُول مَكَّة ويشاركه الأمرة كعادته فَامْتنعَ وَكَاتب النَّاصِر فأجابه بَان لَا يفعل إِلَّا أن دخل حميضة إلى مصر فوصل حميضة بالعسكر ونازل رميثة فَانْهَزَمَ وَدخل حميضة مَكَّة عنْوَة وَقطع خطْبَة النَّاصِر وخطب لخربيدا وَأخذ أَمْوَال التُّجَّار فَجرد النَّاصِر عَسْكَر فَانْهَزَمَ مِنْهُم من غير قتال ثمَّ عَاد بعد ذهَاب الْحَج فأرسل رميثة يطْلب الْأمان فَأَمنهُ ثمَّ اصطلحا فَبلغ ذَلِك النَّاصِر فَغَضب وَقرر عطيفة في أمره مَكَّة فَخرج حميضة عَن مَكَّة فَلَمَّا حج النَّاصِر سنة ٧١٩ وَعَاد عَاد حميضة وَأخذ أَمْوَال النَّاس من النَّقْد وَغَيره وَحمل مِنْهُ مائَة جمل وأحرق الباقي وتحصن بحصنه الَّذِي لَهُ بالجديدة وَقطع ألفي نَخْلَة فَأرْسل النَّاصِر عسكرًا وَدخل مَكَّة الْعَسْكَر فِي ذِي القعده سنة ٧١٥ ثمَّ تبعوه إِلَى مَكَانَهُ فأحرقوا الْحصن وَأخذُوا مَا مَعَ حميضة من الْأَمْوَال وَأخذُوا ابْن حميضة أَسِيرًا وسلّموه لِعَمِّهِ رميثة وَاسْتقر رميثة أَمِيرا وَلحق حميضة بالعراق ثمَّ اتَّصل بخربيدا وَقَامَ في بِلَاده وجهز لَهُ جَيْشًا بعد أَن أطمعه أن يخْطب لَهُ بهَا فَمَاتَ خربيدًا وَلم يتم ذَلِك فَعَاد حميضة إِلَى مَكَّة وَاتفقَ أَنه هرب من مماليك النَّاصِر ثَلَاثَة أنفس فَمروا بحميضة فأضافهم فَرَأى فيهم شَابًّا جيلا فَمَال إِلَيْهِ وَكَانَ مَعْرُوف بذلك واوسع
[ ١ / ٢٣٩ ]
لَهُ في المواعيد إِلَى أَن أطاعه وَاسْتمرّ فِي خدمته فَلَمَّا رأى ذَلِك رفيقاه أَقَامَا في خدمَة حميضة واختص بذلك الشَّاب فَصَارَ لَا يكَاد يصبر عَنهُ سَاعَة وَتَمَادَى حَالهم عِنْد حميضة فخشوا مِنْهُ أَن يتَقرَّب بهم إِلَى النَّاصِر فَقَتَلُوهُ في وادي بني شُعْبَة وظفر بهم عطيفة فقيد الَّذِي تولى قَتله وجهزه الى النَّاصِر فَقتله بِهِ وَذَلِكَ في جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٢٥ وَكَانَ شجاعًا فاتكًا كَرِيمًا وافر الْحُرْمَة عَظِيم المهابة اتفق أن رجلا مديده لاخذ شئ وجده مطروحا فَقطع يَده فَصَارَت الْأَمْوَال تُوجد وَلَا يتَعَرَّض لَهَا أحد من مهابته
١٦٠ - الشريف حمود بن مُحَمَّد الْحسنى صَاحب أَبى عَرِيش
ولد بعد سنة ١١٦٠ تَقْرِيبًا ثمَّ اسْتَقل بِولَايَة أَبى عَرِيش وَسَائِر الْولَايَة الراجعة إِلَى أبي عَرِيش كصبيًا وضمد والمخلاف السُّلَيْمَانِي وَكَانَ مُتَوَلِّيًا لذَلِك من طرف مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه ﵀ ثمَّ حدث مَا حدث من قيام صَاحب نجد واستيلائه على الْبِلَاد الَّتِى بَينه وَبَين أَبى عَرِيش فَأمر عبد الْوَهَّاب بن عَامر العسيري الْمَعْرُوف بأبي نقطة بِأَن يتَقَدَّم فِي جَيْشه على بِلَاد الشريف حمود فَتقدم في نَحْو عشْرين ألفًا والشريف حمود اسْتَقر فِي أَبى عَرِيش لقلَّة جَيْشه فَتقدم عَلَيْهِ أَبُو نقطة إِلَى أَبى عَرِيش فَدَخلَهَا في سنة ١٢١٧ وَقتل من الْفَرِيقَيْنِ فَوق الألف ثمَّ استسلم الشريف حمود وَدخل في الدعْوَة النجدية ثمَّ خرج على الْبِلَاد الامامية فاستولى على بندر اللِّحْيَة وعَلى بندر الحديدة وعَلى زبيدو الحيس وَمَا يرجع إلى هَذِه الولايات واختط مَدِينَة الزهراء وَصَارَ الْآن ملكًا مُسْتقِلّا ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين النجدي فأمر أبا نقطة الْمَذْكُور بَان يغزوه فغزاه والتقيا بأطراف الْبِلَاد فَقتل أَبُو نقطة وَانْهَزَمَ جَيش الشريف وَقتل
[ ١ / ٢٤٠ ]
مِنْهُم نَحْو أَلفَيْنِ وَكَانَ جَيْشه من يام وبكيل وقبائل تهامه زهاء سَبْعَة عشر ألفًا وَكَانَ جَيش أَبى نقطة كَمَا قيل مائَة ألف لِأَنَّهُ أمده النجدي بِجَمَاعَة من أمرائه كَابْن شكيان والمضايفي ثمَّ أن جَيش صَاحب نجد بعد قتل أَبى نقطة وهزيمة الشريف تقدم على بِلَاد أَبى عَرِيش وَجَرت بَينهم ملاحم كَبِيرَة وانحصر الشريف فِي أَبى عَرِيش وشحن سَائِر بِلَاد أَبى عَرِيش بالمقاتلة ثمَّ رَجَعَ سَائِر الامراء النجدية وبقى بَقِيَّة من الْجَيْش فِي بِلَاد أَبى عَرِيش وَالْحَرب بَينهم سِجَال وَكَانَ هَذَا الْحَرْب الَّذِي قتل فِيهِ أَبُو نقطة في سنة ١٢٢٤ وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة من الْأَبْطَال وَقد جرت بَينه وَبَين الأجناد الإمامية عِنْد استيلائه على الْبِلَاد الَّتِى قدمنَا ذكرهَا ملاحم عَظِيمَة لَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطها وفي سنة ١٢٢٤ وَقع الصُّلْح بَينه وَبَين مَوْلَانَا المتَوَكل على الله قبل دَعوته وَكَانَ ذَلِك بإطلاعي أَن يثبت الشريف على ماقد صَار تَحت يَده من الْبِلَاد ثمَّ بعد هَذَا انْتقض الصُّلْح بَينه وَبَين مَوْلَانَا المتَوَكل وَلم يزل الْحَرْب ثائرًا بَينه وَبَين الإمام إِلَى هَذَا التَّارِيخ وَهُوَ سنة ١٢٢٩ وَهُوَ مستر على الانتماء إلى صَاحب نجد وَمَات في سنة ١٢٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف