١٨٠ - أَبُو السُّعُود أفندي الإِمَام الْكَبِير عَالم الروم
برع في جَمِيع الْفُنُون وفَاق الأقران ومولده سنة تِسْعمائَة وَأخذ عَن أكَابِر علمائها ودرس بمدارسها وَصَارَ قَاضِيا بِمَدِينَة بروسا ثمَّ صَار قَاضِيا للعسكر ثمَّ صَار مفتيًا بقسطنطينية وَعين لَهُ السُّلْطَان كل يَوْم مِائَتَيْنِ وَخمسين درهمًا وَله تصانيف مِنْهَا التَّفْسِير الْمَشْهُور عِنْد النَّاس بَابي السُّعُود في مجلدين ضخمين سَمَّاهُ إرشاد الْعقل السَّلِيم إِلَى مزايا الْكتاب الْكَرِيم وَهُوَ من أجل التفاسير وأحسنها وأكثرها تَحْقِيقا وتدقيقًا وأهداه للسُّلْطَان سُلَيْمَان خَان فأنعم عَلَيْهِ بنعم عَظِيمَة وَزَاد في معلومه اليومي زِيَادَة وَاسِعَة وَكَانَ قد تناهت عَظمته فِي الممالك الرومية وَصَارَ الْمرجع في جَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالْعلمِ وَمَات في سنة ٩٨٢ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
[ ١ / ٢٦١ ]
١٨١ - سعود بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن سعود
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِقَلِيل أَو بعْدهَا بِقَلِيل فى وَطنه ووطن اهله الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بالدرعية من الْبِلَاد النجدية وَكَانَ قَائِد جيوش أَبِيه عبد الْعَزِيز وَكَانَ جدّه مُحَمَّد شَيخا لقريته الَّتِى هُوَ فِيهَا فوصل إِلَيْهِ الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الداعي إِلَى التَّوْحِيد الْمُنكر على المعتقدين في الْأَمْوَات فَأَجَابَهُ وَقَامَ بنصره وَمَا زَالَ يُجَاهد من يُخَالِفهُ وَكَانَت تِلْكَ الْبِلَاد قد غلبت عَلَيْهَا أُمُور الْجَاهِلِيَّة وَصَارَ الإسلام فِيهَا غَرِيبا ثمَّ مَاتَ مُحَمَّد بن سعود وَقد دخل فى الدَّين بعض بِلَاد النجدية وَقَامَ وَلَده عبد الْعَزِيز مقَامه فَافْتتحَ جَمِيع الديار النجدية والبلاد العارضية والحسا والقطيف وجاوزها إِلَى فتح كثير من الْبِلَاد الحجازية ثمَّ استولى على الطَّائِف وَمَكَّة وَالْمَدينَة وغالب جَزِيرَة الْعَرَب وغالب هَذِه الْفتُوح على يَد وَلَده سعود ثمَّ قَامَ بعده وَلَده سعود فتكاثرت جُنُوده واتسعت فتوحه ووصلت جُنُوده إِلَى الْيمن فافتتحوا بِلَاد أَبى عَرِيش وَمَا يتَّصل بهَا ثمَّ تَابعهمْ الشريف حمود بن مُحَمَّد شرِيف أَبى عَرِيش وَقد تقدمت تَرْجَمته وأمدوه بالجنود فَفتح الْبِلَاد التهامية كاللحية والحديدة وَبَيت الْفَقِيه وزبيد وَمَا يتَّصل بِهَذِهِ الْبِلَاد ومازال الوافدون من سعود يفدون إلينا إِلَى صنعاء إِلَى حَضْرَة الامام الْمَنْصُور والى حَضْرَة وَلَده الامام المتَوَكل بمكاتيب اليهما بالدعوة إلى التَّوْحِيد وَهدم الْقُبُور المشيدة والقباب المرتفعة وَيكْتب إليّ أَيْضا مَعَ مَا يصل من الْكتب إلى الإماميين ثمَّ وَقع الْهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء وَفِي كثير من الامكنة الْمُجَاورَة
[ ١ / ٢٦٢ ]
وَلها وفى جِهَة ذمّار وَمَا يتَّصل بهَا ثمَّ خرج باشة مصر إلى مَكَّة بعد إرساله بِجُنُود افتتحوا مَكَّة وَالْمَدينَة والطائف وغلبوا عَلَيْهَا وَهُوَ الآن فِي مَكَّة وَالْحَرب بَينه وَبَين سعود مُسْتَمر وَمَات سعود في هَذِه السنة ١٢٢٩ تسع وَعشْرين وماتين وألف وَقَامَ بالأمر وَلَده عبد الله بن سعود وَقد أفردت هَذِه الْحَوَادِث الْعَظِيمَة بمصنف مُسْتَقل وسيأتي في تَرْجَمَة الشريف غَالب شرِيف مَكَّة إشارة إلى طرف من هَذِه الْحَوَادِث
١٨٢ - سعيد بن علي القرواني الشبّامي ثمَّ الصّنعاني
الأديب الْفَائِق في نظمه ونثره الْمجِيد في جَمِيع مَا يبديه من ذَلِك كَانَ من جملَة ندماء الْفَقِيه احْمَد بن علي النهمي وَزِير الإمام الْمهْدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وبسببه اتَّصل بالإمام وَجعل بنظره صدقَات القاصدين لحضرته فسلك فِي ذَلِك مسلكًا مشكورًا ونظمه كُله غرر وَلكنه كَانَ لَا يعتنى بجمعه وَمِنْه من قصيدة
(فِي خدها زهر المحاس يَانِع وبثغرها درّ جرى جريالا)
(والخصر مِنْهَا كالنسيم رشاقة متحمل من ردفها أثقالا)
وَمِنْهَا فِي المديح
(من فتية غرسوا الْجَمِيل أجنة وجنوا ثمار المكرمات رجَالًا)
(المسرعين إلى المكارم كلّما وجدوا إلى إسراعهن مجالا)
(وَأَبُوك من حَاز العلى طفْلا وَمن أغْلى الفخار وأرخص الآجالا)
(الناسك الأواه وَالْملك الَّذِي عَمت يَدَاهُ الْعَالمين نوالا)
(كالبحر صَدرا وَالْجِبَال رجاحة وَالنَّار ذهنا والهلال منالا) وَتوفى سنة ١٢٠٤ أَربع وماتين وَألف وَولده عبد الله لَهُ شعر فائق
[ ١ / ٢٦٣ ]
مَعَ لطافة وظرافة وَحسن محاضرة وعفاف وقنوع بالكفاف وَهُوَ الْآن حَيّ
١٨٣ - سعيد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر المقدسي الحنفي نزيل الْقَاهِرَة الْمَعْرُوف بِابْن الدّيري
نِسْبَة إلى مَكَان يُقَال لَهُ الدَّيْر اَوْ إلى دير في بَيت الْمُقَدّس ولد في يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر رَجَب سنة ٨٦٨ ثَمَان وَسِتِّينَ وثمان مائَة وَحفظ في صغره الْقُرْآن ومختصر ابْن الْحَاجِب الأصلي والمشارق لعياض وَكَانَ سريع الْحِفْظ مفرط الذكاء وأكب على الِاشْتِغَال وتفقه بِأَبِيهِ وبالكمال السريحي وَابْن النَّقِيب وَالشَّمْس بن الْخَطِيب والمحب الفاسي وَجَمَاعَة كَثِيرَة في فنون عدَّة وبرع فِي الْفِقْه حَتَّى صَار المرجوع إِلَيْهِ فِيهِ وشارك فِي سَائِر الْفُنُون وَتَوَلَّى قَضَاء الْحَنَفِيَّة وَصَارَ مُعظما عِنْد الْمُلُوك والوزارء والأمراء وَقد عرض الْقَضَاء على ابْن الْهمام والامين والاقصرايى فامتنعا وَقَالا لَا يقدران على ذَلِك مَعَ وجودة وَقد انْتفع بِهِ النَّاس وَكَثُرت تلامذته وتبجح الاكابر بالقعود بَين يَدَيْهِ وَأخذ عَنهُ أهل كل مَذْهَب وَقصد بالفتاوى من سَائِر الْآفَاق وَله تصانيف مِنْهَا شرح عقائد النسفى وَالْكَوَاكِب النيرات فِي وُصُول ثَوَاب الطَّاعَة إِلَى الأموات والسهام المارقة في كبد الزَّنَادِقَة وفتوى في الْحَبْس في التُّهْمَة فِي جُزْء ورسالة في نوم الْمَلَائِكَة هَل هُوَ كَائِن أم لَا وَهل منع الشّعْر مَخْصُوص بنبينا ﵌ أم هُوَ عَام لكل الْأَنْبِيَاء وَشرع في تَكْمِلَة شرح الْهِدَايَة للسروجي فَكتب مِنْهُ مجلدات وَله نظم فَمِنْهُ قصيدة مطْلعهَا
(مابال سرك بالهوى قد لاحا وخفي أَمرك صَار مِنْك بواحا)
وَلم يزل على جلالته إِلَى أَن مَاتَ في تَاسِع ربيع الآخر سنة ٨٦٧
[ ١ / ٢٦٤ ]
سبع وَسِتِّينَ وثمان مائَة وأكرمه الله قبل مَوته بِشَهْر بانفصاله عَن الْقَضَاء
١٨٤ - سُلَيْمَان بن إبراهيم بن عمر بن علي بن عمر بن نَفِيس الدَّين العكي العدنانى الزبيدى التعزي الحنفي
وَيعرف بنفيس الدَّين العلوي نِسْبَة إِلَى علي بن رَاشد شَيْخه ولد فِي ظهر يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر رَجَب سنة ٧٤٥ خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَأخذ عَن وَالِده والشمّاخي وعَلى بن رَاشد وَالْمجد صَاحب الْقَامُوس وَغَيرهم وَأَجَازَ لَهُ البلقيني وَابْن الملقن والعراقي والهيتمي والمناوي وبرع فِي الحَدِيث وَصَارَ شيخ الْمُحدثين بِبِلَاد الْيمن وحافظهم وَأخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة وَارْتَحَلُوا إِلَيْهِ من الافاق وتتلمذ لَهُ مَالا يُحِيط بِهِ الْحصْر حدث عَن نَفسه أَنه قَرَأَ البخاري أَكثر من خمسين مرة وَوَصفه شَيْخه صَاحب الْقَامُوس فَقَالَ إمام السنة وأما ابْن حجر فَقَالَ فِي أنبائه إنه مَعَ محبته للْحَدِيث وإكبابه على الرِّوَايَة غير ماهر فِيهِ انتهى وَقد درّس بعدة مدارس حَتَّى مَاتَ في سَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة ٨٢٥ خمس وَعشْرين وثمان مائَة
١٨٥ - سليم بن بايزيد بن مُحَمَّد بن مُرَاد بن مُحَمَّد بن بايزيد بن مُرَاد ابْن أورخان بن عُثْمَان الغازي
سُلْطَان الروم وَابْن سلاطينها ولد سنة ٨٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثمان مائَة وَاسْتولى على جَمِيع مَا كَانَ تَحت يَد أَبِيه واستفتح مصر وَالشَّام وانتزعهما من يَد سُلْطَان الجراكسة إذ ذَاك وَهُوَ قانصوه الغوري وَقَتله وغزى إلى بِلَاد الْعَجم وَحَارب شاه اسماعيل الاني ذكره وغلبه وَقتل رِجَاله وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة سُلْطَانا عَظِيما شَدِيد الْبَطْش عَظِيم الصولة سفّاكًا للدماء طائش السَّيْف وَكَانَ قد أخبر وَالِده بعض الْكُهَّان أَنه يكون ذهَاب
[ ١ / ٢٦٥ ]
ملكه على يَد ولد لَهُ سيولد فَأمر الْقيمَة على نِسَائِهِ أَن تقتل كل مَوْلُود ذكر فولد صَاحب التَّرْجَمَة فَأَرَادَتْ قَتله فأدركتها الشَّفَقَة عَلَيْهِ فتركته وأظهرت أنه أُنْثَى اسْمهَا سليمَة فمضت على ذَلِك أَيَّام ثمَّ إن السُّلْطَان أَرَادَ أَن يجمع بَنَاته فجمعهن وفيهن صَاحب التَّرْجَمَة فَوضع لَهُنَّ حلوى فَمَا زَالَ صَاحب التَّرْجَمَة يَأْخُذ مافي أيدي أخواته ويضربهن وَالسُّلْطَان ينظر إِلَى ذَلِك ثمَّ مرزنبور فَأَخذه ومرسه بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ السُّلْطَان هَذَا لَا يكون إِلَّا ذكرا فأصدقوه الْخَبَر فأذعن للْقَضَاء وَكَانَ زَوَال ملكه على يَد صَاحب التَّرْجَمَة فإنه قهره وَأخذ الْملك من يَده وسمى عِنْد أَن تبين لوالده أنه ذكر سليمًا وَله فتوحات عَظِيمَة وَمَات سنة ٩٢٦ سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وجلوسه على سَرِير السلطنة سنة ٩١٧ وَتَوَلَّى بعده السلطنة وَلَده سُلَيْمَان ابْن سليم ومولده سنة ٩٠٠ تِسْعمائَة وتسلطن سنة ٩٢٩ وَله الفتوحات الْعَظِيمَة والجهادات الْمَشْهُورَة وَهُوَ الَّذِي أرسل الْجنُود إِلَى الْيمن فِي أيام المطهر بن شرف الدَّين وَمَات سنة ٩٧٤ أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة
[ ١ / ٢٦٦ ]
وَتَوَلَّى السلطنة بعده سليم بن سُلَيْمَان بن سليم وَكَانَ مولده سنة ٩٢٩ تسع وعشربن وَتِسْعمِائَة وجلوسه على التخت سنة ٩٧٤ وَمَوته سنة ٩٨٣ ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقد ذكرت هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَهْ السلاطين هُنَا لكَوْنهم جَمِيعًا متفقين في حرف الِاسْم
١٨٦ - سُلَيْمَان بن حَمْزَة بن أَحْمد بن عمر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن قدامَة القاضي تقي الدَّين
ولد فِي رَجَب سنة ٦٢٨ ثَمَان وَعشْرين وستمائة وَسمع من كَرِيمَة والحافظ الضياء وَقَرَأَ في الْفِقْه على جمَاعَة وتميّز فى الحَدِيث وجد واجتهد وشارك فِي ساير الْفُنُون وَحدث وَهُوَ شَاب ثمَّ تكاثروا عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَحدث بالكثير وَتخرج بِهِ جمَاعَة وَولى الْقَضَاء عشْرين سنة فاشتهر بِالْعَدْلِ وَعدم الْمُحَابَاة والتصميم على الْحق وَلما وَقعت محنة ابْن تَيْمِية وألزم الْحَنَابِلَة بِالرُّجُوعِ عَن معتقدهم تطلف صَاحب التَّرْجَمَة ومازال كَذَلِك حَتَّى سكنت الْفِتْنَة وَلم يزل على حَاله الْجَمِيل حَتَّى توفي فِي ذي الْقعدَة سنة ٧١٥ خمس عشرَة وَسَبْعمائة
١٨٧ - السَّيِّد سُلَيْمَان بن يحيى بن عمر الأهدل الزبيدي الشَّافِعِي
أَخذ عَن جمَاعَة من أَعْيَان بَلَده مِنْهُم وَالِده وَمُحَمّد بن عَلَاء الدَّين المزجاجي وَغَيره وبرع فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَعَكَفَ على التدريس فَأخذ عَنهُ الطّلبَة من أهل بَلَده وَغَيرهم وَصَارَ مُحدث الديار اليمنية غير مدافع
[ ١ / ٢٦٧ ]
ورحل إليه الطّلبَة من سَائِر الْبِلَاد وَتفرد بِهَذَا الشأن وَاجْتمعَ لَدَيْهِ آخر أَيَّامه مِنْهُم جمَاعَة وافرة وَهُوَ الْمُفْتى في الْجِهَات الزبيدية والمرجوع إليه في جَمِيع المشكلات وَلما مَاتَ في يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشر شهر شَوَّال سنة ١١٩٧ سبع وَتِسْعين وَمِائَة وألف قَامَ مقَامه وَلَده الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن سُلَيْمَان في وَظِيفَة التدريس والإفتاء مَعَ حَدَاثَة سنه وَله شغلة كَبِيرَة بالعلوم والعقلية والنقلية وميل إلى التَّعَبُّد وأفعال الْخَيْر وَهُوَ الآن حي وفتاويه تصل إلينا وهي فَتَاوَى متقنة ينْقل في كل مَا يرد عَلَيْهِ من السؤالات نُصُوص أَئِمَّة مذْهبه من الشَّافِعِيَّة وَقد كتب إليّ معاهدة مُشْتَمِلَة على نثر حسن يدل على تعلقه بالأدب ووالد المترجم لَهُ السَّيِّد يحيى بن عمر هُوَ مُسْند الديار اليمينة وَله مَجْمُوع في الأسانيد نَفِيس وَمن بعده من المشتغلين بِعلم الرِّوَايَة عِيَال عَلَيْهِ
١٨٨ - سلاّر التتري المنصوري
كَانَ من مماليك الصَّالح علي بن قلاون فَلَمَّا مَاتَ صَار من خَواص ابْنه ثمَّ من خَواص الأشرف وناب في الْملك عَن النَّاصِر وَاسْتمرّ في ذَلِك فَوق عشر سِنِين وانتدب إلى الكرك لإحضار النَّاصِر فركن إليه وَسَار مَعَه وَلما عَاد إلى السلطنة قدمه على الْكل وَغلب على الأمور وَصَارَ الأمر بِيَدِهِ وبيد بيبرس الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ يُقَال إن إقطاعاته بلغت نَحْو أَرْبَعِينَ طبلخانة واشتهر بَين الْعَوام أَن دخله فِي كل يَوْم مائَة ألف دِرْهَم وَلما غلب على المملكة هُوَ وبيبرس سَار النَّاصِر إلى الكرك مغاضبًا وعزل نَفسه عَن السلطنة فَوَقع الِاتِّفَاق على سلطنة سلاّر فَامْتنعَ واصر فتسلطن بيبرس وبقى على حَاله فى النِّيَابَة ثمَّ بلغه أَن حَاشِيَة بيبرس ألحت
[ ١ / ٢٦٨ ]
عَلَيْهِ فى الْقَبْض على سلار فتمارض وَاتفقَ انحلال أَمر بيبرس على الصفة الَّتِى تقدم ذكرهَا وَرُجُوع النَّاصِر إلى السلطنة فَسَأَلَهُ سلاّر أَن ينعم عَلَيْهِ بِولَايَة الشوبك فَفعل ذَلِك ثمَّ قبض النَّاصِر على مماليكه ثمَّ أرسل لَهُ يَطْلُبهُ فأشاروا عَلَيْهِ بالفرار إلى الْحجاز أَو إلى التتر فَلم يفعل وَقدم إلى النَّاصِر فَقبض عَلَيْهِ فى سلخ ربيع الاول سنة ٧١٥ وَمنع مِنْهُ الطَّعَام حَتَّى مَاتَ جوعًا وَوجد لَهُ ثَلَاث مائَة ألف ألف دِينَار كَمَا حَكَاهُ الجزري واستبعد ذَلِك الذهبي وَقَالَ إن هَذَا الْمِقْدَار يكون حمل خَمْسَة آلَاف بغل وَمَا سمع بذلك عَن أحد من كبار السلاطين ولاسيما وَهُوَ خَارج عَن الْجَوَاهِر والحلى وَالْخَيْل وَالسِّلَاح وَغير ذَلِك وَمن عجب الدَّهْر أنه دخل عَلَيْهِ في عَام مَوته من غلاته ستماية ألف إردب وَمَات جوعًا وَكَانَ أعجوبة فِي الْكَرم فإنه أعطى وَاحِدًا ألف دِينَار وأربعة آلَاف أردب وأعطى لآخر أَرْبَعَة آلَاف أردب وَألف رَأس غنم وَكَانَ مَشْهُورا بالشجاعة والفروسة حَتَّى كَانَ لَا يَتَحَرَّك على ظهر فرسه اذا رَكبه
١٨٩ - سيف بن مُوسَى بن جَعْفَر البحرانى المسكتى
وَفد الينا إلى صنعاء سنة ١٢٣٤ رَاجعا من الْحَج وَله حرص على الْعلم وشغف بالبحث عَن الْمسَائِل كَانَ يصل إليّ وَقد كتب مسَائِل في قَرَاطِيس ثمَّ يسْأَل عَنْهَا فَأُجِيب عَلَيْهِ فَيكْتب الجوابات في تِلْكَ الْقَرَاطِيس وَهُوَ أديب لَبِيب متودد حسن الأخلاق فصيح اللِّسَان قَرَأَ في بِلَاده في الآلات وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير والأصول وَالْكَلَام وَعلم الْحِكْمَة
[ ١ / ٢٦٩ ]
الالهية وَذكر لنا أَنه قد ولى قَضَاء بعض الْبِلَاد الراجعة الى مسكات وَهُوَ مَكَان يُقَال لَهُ صحار بمهملات وَذكر لنا أَنه لم يبْقى على مَذْهَب الخارجية فى بندر مسكات الاصاحب أمرهَا وَمن يلوذ بِهِ وَالْبَاقُونَ على مَذْهَب الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وفيهَا إمامية هُوَ مِنْهُم وَلَكِن مَعَ إنصاف وَفهم كتب الى من شعره هَذِه الثَّلَاثَة الابيات
(يامن أَتَى صنعاء يَبْغِي مفخرا ويروم مجدًا أَو علو الشان)
(فليأت نَادَى حبرها وعميدها قطب الأوان مُحَمَّد الشوكانى)
(جبر تدفق مثل بَحر علمه هَذَا وَلَيْسَ لَهُ بصنعا ثَانِي)
وَله أشعار كَثِيرَة جَيِّدَة وَهَذَا الْمَقْطُوع يدل على مَا وَرَاءه وسافر من صنعاء فى شهر شَوَّال سنة ١٢٣٤