٢١٨ - عَامر بن عبد الْوَهَّاب بن دَاوُد بن طَاهِر
ولد سنة ٨٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ وثمان مائَة بالمقرانة مَحل سلفه وَنَشَأ فِي كَفَالَة أَبِيه فحفظ الْقُرْآن واشتغل قَلِيلا ثمَّ ملك الْيمن بعد أَبِيه ولقب الْملك الظافر فَاخْتلف عَلَيْهِ بَنو عَامر فقهرهم وأذعنوا وَملك الْيمن الأسفل وتهامة ثمَّ صنعاء وصعدة وغالب مَا بَينهمَا من الْحُصُون وَلما خرج الجراكسة إِلَى الْيمن غلبوه بِالسَّبَبِ الَّذِي قَدمته فِي تَرْجَمَة الإمام شرف الدَّين واستولوا على جَمِيع ذخايره وَهِي شئ يفوق الْحصْر وأخرجوه من مداينه وقتلوه قريب صنعاء فِي آخر شهر ربيع سنة ٩٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَقد شرح ماجرى لَهُ الديبع فِي بغية المستفيد بأخبار مَدِينَة زبيد وَفِي
[ ١ / ٣٠٨ ]
قُرَّة الْعُيُون بأخبار الْيمن الميمون وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويكرمهم وَيُحب الْكتب حَتَّى اهتمّ بتحصيل فتح الْبَارِي وَلم يكن إذ ذَاك بِالْيمن وَكَذَلِكَ كتاب الْخَادِم للزركشي وَلم تزل الْحَرْب قَائِمَة بَينه وَبَين جمَاعَة من أئمة أهل الْبَيْت سَلام الله عَلَيْهِم فَتَارَة لَهُ وَتارَة عَلَيْهِ ومحبة الرياسة والتنافس فِيهَا من أعظم مصايب الْأَدْيَان نسْأَل الله السَّلامَة والعافية وقدرثاه الديبع بقوله
(أخلاى ضَاعَ الدَّين بعد عَامر وَبعد أَخِيه أعدل النَّاس فِي النَّاس)
(فمذ فقدا وَالله وَالله إنّنا من الْأَمْن والإيناس فِي غَايَة الياس)
٢١٩ - السَّيِّد عَامر بن عليّ بن مُحَمَّد بن علي عَم الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن علي
قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة الْحسن بن الْقَاسِم وَهُوَ الْمَعْرُوف بعامر الشَّهِيد ولد سنة ٩٦٥ خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على القاضي عبد الرَّحْمَن الرحمي وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة والكشاف على السَّيِّد عُثْمَان بن علي بن الإمام شرف الدَّين بشبّام قبل دَعْوَة الإمام الْقَاسِم وَسكن بأهله هُنَالك لطلب الْعلم وَلما دَعَا ابْن أَخِيه الإمام الْقَاسِم بِبِلَاد قارة كتب اليه فوصل ثمَّ توجه بِجُنُود فَافْتتحَ من بِلَاد الأمراء آل شمس الدَّين كثيرًا وَكَانُوا أعضاد الْوَزير حسن والكخيا سِنَان فَمَا زَالَ كَذَلِك من سنة ١٠٠٦ إلى سنة ١٠٠٨ ثمَّ إن جمَاعَة من أهل قاعة غدروا بِهِ وَقد كَانَ تزوج بِامْرَأَة مِنْهُم هُنَالك وتفرق عَنهُ أَصْحَابه وَلم يبْق سواهُ فسعوا إِلَى الأتراك وأخبروهم بتفرده فأقبلوا إِلَيْهِ واحاطوا بِهِ ثمَّ اسروه وادخلوا شبام فطافوا بِهِ فِي كوكبان وشبّام على جمل وأمير كوكبان يَوْمئِذٍ السَّيِّد احْمَد بن مُحَمَّد بن شمس الدَّين
[ ١ / ٣٠٩ ]
ثمَّ أنه أرسل بِهِ إِلَى الأتراك مَعَ جمَاعَة إِلَى الكخيا سِنَان وَكَانَ فِي بني صريم فأمر بِهِ أَن يسلخ فسلخ جلده وصبر فَلم يسمع لَهُ أَنِين وَلَا شكوى بل كَانَ يَتْلُو سُورَة الإخلاص وَكَانَ ذَلِك يَوْم الأحد الْخَامِس عشر من رَجَب سنة ١٠٠٨ ثَمَان وَألف ثمَّ إن سِنَانًا أملى جلده الشريف تينا وَأرْسل بِهِ على جمل إلى صنعاء إلى الْوَزير حسن فشهره على الدائر على ميمنة بَاب الْيمن وَدفن سَائِر جسده بجمومة من بني صريم ثمَّ نقل إلى خمر بأمر الإمام وقبره هُنَالك مَشْهُور مزور ثمَّ احتال بعض الشِّيعَة فأخذ الْجلد وَدَفنه على خُفْيَة وَعَلِيهِ ضريح هُنَالك وقبة على يَمِين الدَّاخِل بَاب الْيمن ورثاه القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين المسوّري بأبيات مِنْهَا
(أزائر هَذَا الْقَبْر إن جِئْت زَائِرًا ونلت بِهِ سَهْما من الأجر قامرا)
(وَأديت حقّ الْمُصْطَفى ووصيه وأهليه لمّا زرت فِي الله عَامِرًا)
(سليل الْكِرَام الشّمّ من آل أَحْمد وَمن كَانَ للدين الحنيفي عَامِرًا)
٢٢٠ - الإمام المهدي لدين الله الْعَبَّاس بن الامام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن ابْن الإمام المتَوَكل
الْقَاسِم بن الْحُسَيْن بن الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد ولد فِي سنة ١١٣١ إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ قبل خِلَافَته وَبعدهَا فَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ قبل خِلَافَته السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن لطف الباري الكبسي ثمَّ كَانَ فِي أَيَّام وَالِده الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه رَئِيسا عَظِيما فخيما ولمامات وَالِده فِي سنة ١١٦١ أجمع النَّاس على صَاحب التَّرْجَمَة فَبَايعُوهُ واتفقت عَلَيْهِ الْكَلِمَة وَبَايَعَهُ من كَانَ خَارِجا عَن طَاعَة وَالِده كعمه أَحْمد بن المتَوَكل وَكَانَ إمامًا فطنًا ذكيًا عادلًا قوي التَّدْبِير عالي الهمة منقادًا إِلَى الْخَيْر مايلا
[ ١ / ٣١٠ ]
إِلَى أهل الْعلم محبا للعدل مصنفا للمظلوم سيوسًا حازمًا مطلعًا على أَحْوَال رَعيته باحثًا عَن سيرة عماله فيهم لَا تخفى عَلَيْهِ خافية من الأحوال لَهُ عُيُون يوصلون إِلَيْهِ ذَلِك وَله هَيْبَة شَدِيدَة فِي قُلُوب خواصه لَا يَفْعَلُونَ شَيْئا الاوهم يعلمُونَ أَنه سينقل إِلَيْهِ وَبِهَذَا السَّبَب اندفعت كثير من الْمَظَالِم وَكَانَ يدْفع عَن الرعايا مَا ينوبهم من الْبُغَاة الَّذين يخرجُون فِي الصُّورَة على الْخَلِيفَة وَفِي الْحَقِيقَة لإهلاك الرعية فَكَانَ تَارَة يتألّفهم بالعطاء وَتارَة يُرْسل طَائِفَة من أجناده تحول بَينهم وَبَين الرعية وَعظم سُلْطَانه فِي الْيمن وَبعد صيته واشتهر ذكره وقصده أهل الْعلم وَالْأَدب من الْجِهَات الْبَعِيدَة لمزيد اكرامه لمن كَانَ لَهُ فَضِيلَة لَا سِيمَا غرباء الديار وَكَانَ مشتغلًا بِالْعلمِ بعد دُخُوله فِي الْخلَافَة شفلة كَبِيرَة لَا يبرح إذا خلى نَاظرا فِي كتاب من الْكتب وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء وَكَانَ إذا حدث حَادث من بغي بَاغ أَو خُرُوج خَارج عَن طَاعَة أهمه ذَلِك وأقلقه وَلَا يزَال فِي تَدْبِير دَفعه حَتَّى يَدْفَعهُ وَله صدقَات وصلات وافرة جَارِيَة على كثيرين من الْفُقَرَاء والضعفاء والقصاد والوافدين وَفِيه محَاسِن جمة وَله سنَن حَسَنَة سنّهَا وَبِه اندفعت مفاسد كَثِيرَة كَانَت مَوْجُودَة قبل خِلَافَته وَالْحَاصِل أَنه من أفراد الدَّهْر وَمن محَاسِن الْيمن بل الزَّمن وَلم يزل قاهرًا لأضداده قامعًا لحساده وأنداده حَافِظًا لأطراف مَمْلَكَته بِقُوَّة صولة وَشدَّة شكيمة لَا يطْمع فِيهِ طامع وَلَا ينجع فِيهِ خدع خَادع بل يتَصَرَّف بالأمور حسب اخْتِيَاره ويتفرد بتدبير الْمُهِمَّات وَلَيْسَ لوزرائه مَعَه كَلَام بل يعْملُونَ مَا يَأْمُرهُم بِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يلبسوا عَلَيْهِ شَيْئا من أَمر المملكة أَو يخادعونه فِي قَضِيَّة من القضايا وَكَانَ لَهُ نقادة كُلية فِي الرِّجَال وخبرة كَامِلَة بأبناء دهره وإذا الْتبس عَلَيْهِ حَال شخص
[ ١ / ٣١١ ]
مِنْهُم امتحنه بِمَا يَلِيق بِهِ حَتَّى يعرف حَقِيقَة حَاله وَله قدرَة كَامِلَة على هتك ستر من يتظاهر بالزهد والعفاف والانقباض عَن الدُّنْيَا فِي ظَاهر الأمر لَا فِي الْوَاقِع فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْهِ من مدَاخِل دقيقة بجودة فطنته وَقُوَّة فكرته فيتضح لَهُ أمره ويحيط بِهِ خَبرا وَله من هَذَا الْقَبِيل عجائب وغرائب وَمَا زَالَ على الْحَال الْجَمِيل حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي شهر رَجَب سنة ١١٨٩ تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وأيامه كلهَا غرر ودولته صَافِيَة عَن شوائب الكدر وَمَا قَامَ عَلَيْهِ قَائِم الا دمره وَلَا خرج عَلَيْهِ خَارج الا قهره وَكَانَ استقراره فِي جَمِيع خِلَافَته بِصَنْعَاء وَمَات بهَا وَدفن بقبته الَّتِى أعدهَا لنَفسِهِ ﵀ ورضي عَنهُ وبويع عِنْد مَوته مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر وَلَده الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين عَليّ بن الْعَبَّاس حفظه الله وَسَتَأْتِي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ وزيره الأكبر الْفَقِيه أَحْمد بن على النهمى مَا زَالَ قَائِما بالمهم من أُمُوره وَأمر أَكثر بِلَاده إِلَيْهِ من أول خِلَافَته إلى قبيل مَوته بِقَلِيل وَكَانَ هَذَا الْوَزير من محَاسِن الزَّمن لَهُ محبَّة للخير وإقبال على الطَّاعَة وميل إلى أهل الْعلم وَالصَّلَاح ومواساة الضُّعَفَاء مَعَ صدق لهجة وَحسن اعْتِقَاد وَكَانَ يغْضب اذا قَالَ لَهُ قَائِل انه وَزِير أَو عظمه أَو وَصفه بِوَصْف لَهُ مدح لَهُ وَلم يَأْتِ بعده فِي مَجْمُوع خصاله مثله إلا الْحسن بن علي حَنش الْمُتَقَدّم ذكره فَإِنَّهُ سلك طَرِيقَته وفاقه بِكَثْرَة الْبَذْل وَالعطَاء وَلَكِن لم يكن إليه من الأعمال مَا كَانَ إلى هَذَا فإن الَّذِي إلى هَذَا من الْبِلَاد هُوَ غَالب الْبِلَاد اليمنية وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَوْلَادهم سَادَات السادات وكل وَاحِد مِنْهُم لَا يَخْلُو عَن فَضِيلَة ويجمعهم جَمِيعًا حسن الفروسية وجودة الْخلق والتمسك بِنَصِيب من الْعرْفَان وأكبرهم عبد الله
[ ١ / ٣١٢ ]
توفى فِي حَيَاة وَالِده وَبعده مَوْلَانَا الإمام خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه علي وستأتي تَرْجَمته وَبعده مُحَمَّد وَهُوَ من أكَابِر آل الإمام وَله نصيب من الكمالات وافر وَبعده الْقَاسِم وَهُوَ من فحول السادات وأعيان القادات وَله مُشَاركَة فِي الْعلم جَيِّدَة وَبعده يُوسُف وَهُوَ حسن الْأَخْلَاق كريم الأعراق وَبعده أَحْمد وَهُوَ أوسعهم علمًا وَأَقْوَاهُمْ فهمًا لَهُ اطلَاع كلي على علم التَّارِيخ وَالْأَدب وَمَعْرِفَة بفنون من الْعلم ومشاركة كُلية فِي أَنْوَاع مِنْهُ وَله شعر وَفِيه رَغْبَة إلى المباحثة وَهُوَ كريم مُطلق قَلِيل النظير فِي مَجْمُوعه وَبعده اسمعيل وَهُوَ قَلِيل النظير فِي حسن أخلاقه وتواضعه وسلامة فطرته وعفافه وهؤلاءهم الْكِبَار من أولاد صَاحب التَّرْجَمَة وهم كَثِيرُونَ وجميعهم كَمَا قَالَ الْقَائِل
(من تلق مِنْهُم تقل لاقيت سيدهم مثل النُّجُوم الَّتِى يسرى بهَا الساري)
٢٢١ - السَّيِّد الْعَبَّاس بن مُحَمَّد المغربيّ التونسي
قدم إِلَى صنعاء فِي سنة ١٢٠٠ وَله معرفَة بِعلم الْحُرُوف والأوفاق
[ ١ / ٣١٣ ]
رَأينَا مِنْهُ فِي ذَلِك عجائب وغرائب وأخذنا عَنهُ فِي علم الأوفاق لقصد التجريب لَا لاعتقاد شئ من ذَلِك وَكَانَ إذا احْتَاجَ إِلَى دَرَاهِم أَخذ بَيَاضًا وقطعه قطعًا على صور الضَّرْبَة المتعامل بهَا ثمَّ يَجْعَلهَا فِي وعَاء وَيَتْلُو عَلَيْهَا فتنقلب دَرَاهِم وَكنت فِي الِابْتِدَاء أَظن ذَلِك حِيلَة وشعوذة فَأخذت ذَلِك الْوِعَاء وفتشته فَلم أقف على الْحَقِيقَة فَسَأَلته أَن يصدقني فَقَالَ ان تِلْكَ الدَّرَاهِم يجِئ بهَا خَادِم من الْجِنّ يَضَعهَا فِي ذَلِك الْوِعَاء بِقدر مَا جعله من قطع الْبيَاض وَيكون ذَلِك قرضًا حَتَّى يتَمَكَّن من الْقَضَاء فَيَقْضِي وَكَانَ يضع خَاتم أحد الْحَاضِرين فِي اناء وَيجْعَل فِيهِ مَاء ويرتب فَيسمع الْحَاضِرُونَ فِي ذَلِك الإناء صَوتا مفزعًا ويرتفع ذَلِك الْخَاتم فَيَقَع فِي حجر صَاحبه فَظَنَنْت أنه يضع فِي الإناء تَحت الْخَاتم شَيْئا من الْمَعَادِن يكون لَهُ قُوَّة يدْفع بهَا الْخَاتم فتركته حَتَّى وضع الإناء وَوضع فِيهِ الْخَاتم فَقُمْت فأخذته فَلم أجد فِيهِ شَيْئا ثمَّ أمرنى أَن آخذ إِنَاء آخر وأضع فِيهِ مَاء بيدي وَاضع الْخَاتم من دون أَن يمس هُوَ شَيْئا من ذَلِك فَفعل وتلا فسمعنا ذَلِك الصَّوْت وارتفع الْخَاتم وَوَقع فِي حجر صَاحبه وَله من هَذَا الْجِنْس عجائب وغرائب واتصل بخليفة الْعَصْر حفظه الله وكساه كسْوَة عَظِيمَة وَأَعْطَاهُ عَطاء وَاسِعًا وَكَانَ يكثر التَّرَدُّد الى وأنا إِذْ ذَاك مشتغل بِطَلَب الْعلم ثمَّ عزم صُحْبَة الْحجَّاج فوصل إلى مَكَّة وإذا جمَاعَة من حجاج الغرب يسْأَلُون عَنهُ حجاج الْيمن وَمن جملَة من سألوا رفقته الَّذين حجّ مَعَهم من أهل الْيمن فَسَأَلُوهُمْ عَن حَاله فَأَخْبرُوهُمْ أَن أَبَاهُ من أكَابِر تجار الغرب وَأَنه مَاتَ وَخلف دنيا عريضة وَكَذَلِكَ وصف لنا من رافقه من حجاج الْيمن فِي الطَّرِيق من مروءته وإحسانه إليهم فِي الطَّرِيق وشكره لأهل الْيمن عِنْد أَصْحَابه وَغَيرهم مَا يدل
[ ١ / ٣١٤ ]
على أَنه من أهل المروءات وَمن جملَة مَا وصفوه أَنهم وصلوا إلى الْبَحْر فَعدم المَاء فِي السَّفِينَة وهم بِقرب جَزِيرَة فِيهَا مَاء عذب وَلَكِن فِيهَا جمَاعَة من اللُّصُوص قد حالوا بَين أهل السَّفِينَة وَبَين المَاء واشتدت حَاجتهم إلى المَاء وَلم يقدر أحد على الْخُرُوج فَاشْتَمَلَ هَذَا السَّيِّد على سَيْفه وَخرج وَأخرج مَعَه قرب المَاء فَلَمَّا رَآهُ اللُّصُوص هربوا وَكَانَ طَويلا ضخمًا حسن الْأَخْلَاق ابيض اللَّوْن شَدِيد الْقُوَّة ويحفظ منظومة فِي فقه الْمَالِكِيَّة وَله معرفَة بمسائل من أصُول الدَّين وَكَانَ يصمم على مَا يعرفهُ فإذا ظهر لَهُ الْحق مَال إليه وَكنت مرة أَنا وشخص عندي كَانَ يحضر عِنْد اجتماعي بالسيّد فاخذنا من تَحْرِير أوفاق قد خفظناها مِنْهُ وَلم يكن حَاضرا فَلَمَّا فَرغْنَا من تَحْرِير بَعْضهَا وضعناه فِي النَّار حَتَّى التهب ثمَّ جَعَلْنَاهُ فِي الطَّاقَة فَلم نشعر إلا بطائر قد انقضّ على تِلْكَ الْوَرق الَّتِى تلتهب فأخذها وَذهب فعجبنا من ذَلِك غَايَة الْعجب وَلم نقف للمترجم لَهُ على خبر بعد ارتحاله وَقد كَانَ يحْكى لنا من أَحْوَال أهل الغرب حكايات عَجِيبَة وَكَانَ مُدَّة الِاجْتِمَاع بِهِ نَحْو ثَلَاثَة أشهر أَو أَكثر
٢٢٢ - عبد الباسط بن خَلِيل بن إبراهيم الدمشقي ثمَّ القاهري
قَالَ السخاوي هُوَ أول من سمي بِعَبْد الباسط ولد سنة ٧٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَنَشَأ فِي خدمَة كَاتب سرها مُحَمَّد ين مُوسَى بن مُحَمَّد الشهَاب مَحْمُود واختص بِهِ ثمَّ اتَّصل بالمؤيد شيخ حِين كَانَ نَائِبا بِدِمَشْق ولازمه حَتَّى قدم مَعَه إلى الديار المصرية فَلَمَّا تسلطن الْمُؤَيد أعطَاهُ نظر الخزانة وَالْكِتَابَة بهَا وسلك مَسْلَك عُظَمَاء الدولة فِي الحشم والخدم والمماليك من سَائِر الأجناس والندماء وَرُبمَا ركب بالسرج الذَّهَب
[ ١ / ٣١٥ ]
وَالسُّلْطَان زَائِد الإقبال عَلَيْهِ والتقريب لَهُ وتكرر نُزُوله غير مرّة فتزايدت وجاهته بذلك كُله وَزَاد تعاظمه حَتَّى صَار لَا يسلم على أحد الا نَادرا فمقتته الْعَامَّة واسمعوه الْمَكْرُوه كَقَوْلِهِم ياباسط خُذ عَبدك فَشَكَاهُمْ إلى الْمُؤَيد فتوعدهم بِكُل سوء فأخذوا فِي قَوْلهم يَا جبال يَا رمال يَا الله يَا لطيف فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ الْتفت اليهم بِالسَّلَامِ وخفض الْجنَاح فَسَكَتُوا عَنهُ واحبوه وَلَا يزَال يترقى إلى أَن أثرى جدًا وَأَنْشَأَ القيسارية الْمَعْرُوفَة بالباسطية وَعمر الاملاك الجليلة ثمَّ صَار فِي دولة السُّلْطَان ططر نَاظر الْجَيْش عوضًا عَن الْكَمَال بن البارزي فِي سَابِع ذي الْقعدَة سنة ٨٢٤ فَلَمَّا اسْتَقر السُّلْطَان الأشرف بَالغ فِي التَّقَرُّب إليه بالتقادم والتحف وَفتح لَهُ أبوابًا فِي جَمِيع الأموال فَزَاد اخْتِصَاصه بِهِ وَصَارَ هُوَ الْمعول عَلَيْهِ وأضاف إليه الوزارة والأستاذ داريه فسدهما بِنَفسِهِ وَبَعض خدمه إلى أَن مَاتَ الأشرف وَاسْتقر ابْنه الْعَزِيز وَكَانَ من أعظم القائمين فِي سلطنته ثمَّ صَارَت السلطنة إلى السُّلْطَان جقمق فَخلع عَلَيْهِ باستمراره فِي نظر الْجَيْش ثمَّ قبض عَلَيْهِ وحبسه وَطلب مِنْهُ ألف ألف دِينَار فتلطف بِهِ الْكَمَال بن البارزي وَغَيره من أَعْيَان الدولة حَتَّى صَارَت إلى ثَلَاث مائَة ألف دِينَار ثمَّ أطلق وَأمر بالتوجه إلى الْحجاز فسافر بعد أَن خلع عَلَيْهِ وعَلى عِيَاله وحواشيه فِي ثامن شهر ربيع الآخر سنة ٨٤٣ فأقام بِمَكَّة سنة ثمَّ رَجَعَ مَعَ الركب الشامي إلى دمشق امتثالًا لما أَمر بِهِ فَأَقَامَ بهَا سِنِين وزار مِنْهَا بَيت الْمُقَدّس وأرسل بهدية من هُنَاكَ إلى السُّلْطَان ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فَكَانَ يَوْمًا مَشْهُورا وخلع عَلَيْهِ وعَلى أَوْلَاده ثمَّ أرسل بتقدمة هائلة وَعَاد إلى دمشق بعد أَن أنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان بأمرة عشْرين بهَا ثمَّ بعد سِنِين عَاد إلى الْقَاهِرَة مستوطنًا لَهَا ثمَّ
[ ١ / ٣١٦ ]
حج وَعَاد فَأَقَامَ قَلِيلا وَمَات يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع شَوَّال سنة ٨٥٤ أَربع وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ رَئِيسا محتشمًا سائسًا كَرِيمًا وَاسع الْعَطاء ممدوحًا محبا للْعُلَمَاء مفضلا عَلَيْهِم وَكَانَ الْحَافِظ ابْن حجر من جملَة من اتَّصل بِهِ وَهُوَ الذي ذكره في فتح الباري لما ذكر كسْوَة الْكَعْبَة حَيْثُ قَالَ وَلم يزل الْمُلُوك يتداولون كسوتها إلى ان وقف عَلَيْهَا الصَّالح إسماعيل بن النَّاصِر فِي سنة ٧٤٣ قَرْيَة من ضواحي الْقَاهِرَة يُقَال لَهَا بيسوس كَانَ اشْترى الثُّلثَيْنِ مِنْهَا من وَكيل بَيت المَال ثمَّ وَقفهَا على هَذِه الْجِهَة قَالَ وَلم تزل تُكْسَى من هَذَا الْوَقْف إلى سلطنة الْمُؤَيد شيخ فكساها من عِنْده سنة لضعف وَقفهَا ثمَّ فوض أمرهَا إلى بعض أمنائه وَهُوَ القاضي زين الدَّين عبد الباسط بسط الله في رزقه وعمره فَبَالغ في تحسينها بِحَيْثُ يعجز الواصف عَن وصف حسنها جزاه الله على ذَلِك أفضل المجازاة انْتهى وَمن غرائب مَا اتفق لصَاحب التَّرْجَمَة أَن جَوْهَر القيقباي رام ان يخْدم عِنْده فَمَا وَافق ثمَّ ترقى حَتَّى صَار صَاحب التَّرْجَمَة خاضعًا لَهُ مَاشِيا فِي أغراضه رَاضِيا وكارهًا وَكَذَلِكَ أحضرت أم الْعَزِيز إلى صَاحب التَّرْجَمَة ليشتريها قبل وصولها إلى الْأَشْرَف فَامْتنعَ فَصَارَت إلى الْأَشْرَف وحظيت عِنْده فَصَارَ المترجم لَهُ يمشي فِي خدمتها وَسَار مَعهَا إِلَى مَكَّة يخدمها وَرُبمَا مَشى وَهَذَا شَأْن هَذِه الدُّنْيَا
٢٢٣ - عبد الباقي بن عبد الْمجِيد بن عبد الله بن مثّنى بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن يُوسُف بن عبد الْمجِيد اليماني المخزومي تَاج الدَّين
ولد فِي رَجَب سنة ٦٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بِمَكَّة وَدخل الْيمن فأقام بهَا مُدَّة ثمَّ قدم مصر بعد السبعمائة بِيَسِير فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وَقدم الشَّام فى
[ ١ / ٣١٧ ]
زمن الأقرم فرتب لَهُ راتبًا واشتغل النَّاس عَلَيْهِ في الْعرُوض والمقامات ثمَّ رَجَعَ إلى الْيمن في سنة ٧١٦ وولاه الْمُؤَيد الرسولي الوزارة فاستمر فِيهَا إلى أن مَاتَ الْمُؤَيد وولاه ابْنه الظافر فقربه وعظمه ثمَّ صادره الْمُجَاهِد واجتاح أَمْوَاله ففرّ مِنْهُ إلى مَكَّة وَدخل الديار المصرية في سنة ٧٣٠ فدرس بالمشهد النفيسي ثمَّ استوطن بَيت الْمُقَدّس ومازال يتَرَدَّد بَين حلب ودمشق ومصر وطرابلس حَتَّى مَاتَ فِي سنة ٧٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَكَانَ لَهُ قدرَة على النظم والنثر وَكَانَ يحط على القاضي الْفَاضِل ويرجح عَلَيْهِ ابْن الأثير وَعمل تَارِيخا لليمن وتاريخًا للنحاة وَاخْتصرَ تَارِيخ ابْن خلكان في جُزْء وذيل عَلَيْهِ إلى زَمَانه وَضبط ألفاظ الشِّفَاء لعياض في جُزْء وَله مطرب السمع في حَدِيث أم زرع وَغير ذَلِك وَله اشْتِغَال كَبِير بالفقه وَالْأُصُول وفنون الْأَدَب وَله اخْتِصَار الصِّحَاح وَحكى عَن بعض معاصريه أَنه قَالَ لَا يعْتَمد عَلَيْهِ في الرِّوَايَة وَمن شعره
(تجنّب أَن تذمّ بك اللّيالي وحاول أَن يذم لَك الزَّمَان)
(وَلَا تحفل إذا كملت ذاتًا أصبت الْعِزّ أم حصل الهوان)
٢٢٤ - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن الْحسن على البهكلى الضمدى ثمَّ الصبيانى
ولد سنة ١١٨٠ ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف تَقْرِيبًا بصبيا وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على وَالِده وَغَيره من أهل صَبيا ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء سنة ١٢٠٢ فَأخذ عَن أكَابِر علمائها كشيخنا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن احْمَد وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن
[ ١ / ٣١٨ ]
عَليّ بن الْحُسَيْن بن علي بن المتَوَكل والعلامة علي بن هادي عرهب وَغير هَؤُلَاءِ وَأخذ عَنى في فنون مُتعَدِّدَة واختص بي اختصاصًا كَامِلا وسألني مسَائِل كَثِيرَة فأجبت عَلَيْهِ بأجوبة مُطَوَّلَة ومختصر وَعَاد إِلَى وَطنه وَقد برع فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث فِي أقرب مُدَّة لحسن فهمه وجودة تصَوره وَكَمَال اداركه وَقُوَّة ذهنه ثمَّ مازال بعد رُجُوعه إِلَى وَطنه يكاتبني بالأشعار الرايقة فَأُجِيب عَلَيْهِ بمضمون مَا يَكْتُبهُ إِلَى وَهُوَ مَعَ ذَلِك يتأسف على مفارقتى وأتاسف على مُفَارقَته لما بيني وَبَينه من الْمَوَدَّة الصادقة والمحبة الزَّائِدَة الَّتِى تفوق الْوَصْف بل قد لَا يتَّفق مثلهَا بَين الأخوين الشقيقين وَقد جرت بينى وَبَينه من المطارحات الأدبية نظمًا ونثرًا مَالا يَتَّسِع لَهُ الا مجلدا وَفِيه فصاحة ورجاحة مَعَ حسن تودد ولطافة طبع وكرم أَخْلَاق وملاحة محاضرة واستحضار لرايق الاشعار وفائق الاخبار لَا يمل جليسه لماجبل عَلَيْهِ من مُوَافقَة كل جليس وجلب خاطره بِمَا يلايمه وَالْوُقُوف على الْحَد الَّذِي يُريدهُ وَلِهَذَا أحبته الْقُلُوب وانجذبت إِلَيْهِ الخواطر وَرغب إِلَيْهِ كل اُحْدُ فعاشر أهل صنعاء وَعرف طباعهم وَاخْتِلَاف أوضاعهم وَصَارَ أخبر بهم من أحدهم لَا يخفى عَلَيْهِ من أَحْوَالهم دَقِيق وَلَا جليل ثمَّ ارتحل إلى صنعاء رحْلَة ثَانِيَة وَكنت إِذْ ذَاك مَشْغُولًا بالتدريس والتأليف والإفتاء وَلكنه قد جفاني جمَاعَة من الَّذين لَا يعْرفُونَ الْحَقَائِق لصدور اجتهادات مني مُخَالفَة لما ألفوه وعرفوه وَهَذَا دأبهم سلفًا عَن خلف لَا يزالون يعادون من بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَخَالف مادبوا عَلَيْهِ ودرجوا من مَذَاهِب الْآبَاء والأجداد فوصل صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ١٢٠٩ والمواحشة بيني وَبَين
[ ١ / ٣١٩ ]
الْمَذْكُورين زَائِدَة وَلَهَب نَار الِاخْتِلَاف صادعة فَقَرَأَ على فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَشَرحه لعضد الدَّين وحاشيته للسعد وَقَرَأَ على فى الخرازبة وَشَرحهَا فى الْعرُوض ومازال يعادى اعداى ويوادد أوداي وَيقوم في غيبتي مقَام الْأَخ الْحَمِيم ويتوجع من أَحْوَال أَبنَاء الزَّمن وَمَا جبل عَلَيْهِ طلبة الْعلم في قطر الْيمن ثمَّ وصل إِلَى صنعاء مرة ثَالِثَة فِي شهر رَمَضَان سنة ١٢١١ وَكنت إِذْ ذَاك قد امتحنت بِقبُول الْقَضَاء الْأَكْبَر بعد الإلزام بِهِ من مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر حفظه الله فاستقر المترجم لَهُ فِي صنعاء نَحْو نصف سنة يتَّصل بِي فِي كل وَقت ويحضر فِي مَوَاقِف التدريس ومجالس المنادمة والتأنيس ويطارحني بأدبياته ويواصلني بفقرة الفايقة وأبياته حَتَّى ولاه مَوْلَانَا الإمام حفظه الله قَضَاء بَيت الفقيه بن عجيل بعد موت القَاضِي الْعَلامَة عبد الفتاح بن أَحْمد العواجي وَهُوَ الْآن قَاض هُنَالك وَقد بَاشرهُ مُبَاشرَة حَسَنَة بعفة ونزاهة وَحُرْمَة كَامِلَة وصدع بِالْحَقِّ بِحَسب الْحَال وَمِقْدَار مَا يبلغ إِلَيْهِ الطَّاقَة وَقد أجزته بِكُل مَا يجوز لى رِوَايَته وَهُوَ مشارك لي فِي السماع من أكابر شيوخي وَله قدرَة على النظم والنثر وملكة كَامِلَة فِي جَمِيع الْعُلُوم عقلًا ونقلًا وَلَا يُقَلّد أحدًا بل يجْتَهد برأيه وَهُوَ حقيق بذلك وَلما وقف على أَبْيَات لي من الحماسة رضت القريحة بهَا مرغبًا في الرُّتْبَة وَالْوُسْطَى اذا أعجزت الْغَايَة وهي
(إذا أعوز الْمَرْء الصعُود إلى الَّتِى اليها تناهى كل أروع أصيد)
(فَمن دون تحليق النسور منَازِل تروح بهَا رقش البزاة وتغتدي)
(ودع عَنْك أدنى مسرح الْعِزّ إنه مطار بغاث الطير عِنْد التبلد)
(فهم الْفَتى كل الْفَتى غير وَاقِف على الدون إن الدون غير مُحَمَّد)
[ ١ / ٣٢٠ ]
(وَفِي الْغَايَة الْوُسْطَى تعلّل مغرم على الْغَايَة القصوى مقَام التفرد)
(أيا منزلًا من دون مضربه السهى ويامقعدا من دونه كل مقغد)
(أبرى دون مرقا شأوك الْمَوْت وَاقِفًا لكلّ الذي يهوى لقاك بِمَرْصَد)
فَقَالَ هَذِه الأبيات الَّتِى هي السحر الْحَلَال وَقد غَابَ عَنى أَولهَا
(فَتى لَا وَحقّ الله لَوْلَا قِيَامه بِبَاب الْعلَا وَالْمجد لم يَتَجَدَّد)
(وأبلج مَا من آله وقبيلة على قلَّة السادات من لم يسود)
(أَخُو همة مَا حَاجِب بن زُرَارَة أَخُوهَا وَلَا العالي يزِيد بن مزِيد)
(وَذُو سلف مَا فيهم من مذمم لئيم وَلَا فِي غَيرهم من مُحَمَّد)
(وأيمن أن تصدم بِهِ الْفقر يَنْقَلِب غَنِيا وان تصدم بِهِ النحس تسعد)
ووقف على أَبْيَات لي من ذَلِك الطراز الأول نظمتها لقصد امتحان الْفِكر وَهِي
(ولي سلف فَوق المجرّة خيموا سرادقهم من دونه كلّ كَوْكَب)
(رقوا في مراقي الْعِزّ شأوا ممنعًا وذادوا الورى عَنهُ بخطب المشطب)
(فَمَا مِنْهُم في قومه غير سيد يروح وَيَغْدُو وَهُوَ بالمجد محتبي)
(وَمَا بِي عَن أوساطهم من تخلف وَلَا ركبُوا في مجدهم غير مركبي)
(وَلكنهَا الْأَيَّام يلبسهَا الْفَتى على قدر من غَالب أَو مغلب)
(واني امْرأ أما نجاري فخالص وَأما فعالي فاسأل الدَّهْر واكتب)
(وَلست بلباس لثوب مزور وَلَكِن ضوء الشَّمْس غير محجب)
(وإن فَتى يغشى الدنايا وبيته على قمة الْعليا فَتى غير معتب)
(فَمَا الْمَرْء الامن ينوء بِنَفسِهِ إلى منزل فَوق السَّمَاء مطنب)
(وَلَا خير فِي حفظ من الْعَيْش دونه تجرّع كأس الذل من أى مشرب)
[ ١ / ٣٢١ ]
فَقَالَ عافاه ذُو الْجلَال
(فديتك يامن ألبس الدَّهْر أدرعا بنظم يروع الْجَيْش عَن كل مطلب)
(نماك الاولى خطت أسنة ذبلهم سطورا بمحمر النحيع المترب)
(خطوب إذا جرّد السلاهب أغمدت حفاظهم أكرم بهم خير مقنب)
(إذا النَّقْع غطى آيَة الشَّمْس أطلعت أسنّتهم شهبًا على كل أَشهب)
وَكَانَ الاولى بالْمقَام مادار بيني وَبَينه من الأشعار الرقيقة والمكاتبات الَّتِى دخلت الى معاهد اللطافة من كل طَريقَة وَلَكِن الْعذر أَنه لم يحضر حَال تَحْرِير التَّرْجَمَة غير هَذَا وَأما الرسائل والمسائل الَّتِى أجبْت بهَا على سؤالاته فهي كَثِيرَة جدًا مَوْجُود أَكْثَرهَا في محموع رسائلي وإذ قد تعرضنا لذكر بعض مَنَاقِب هَذَا الْفَاضِل فلنذكرههنا بعض قرَابَته الَّذين بلغتنا أخبارهم بأخصر عبارَة وأوجز إشارة فَمنهمْ وَالِده الْعَلامَة الْمُحَقق
أَحْمد بن الْحسن قاضي صَبيا
هُوَ من أكَابِر الْعلمَاء الجامعين بَين علم الْعَرَبيَّة والاصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَله رسائل ومسائل وأشعار أنيقة وَقد وصل إلى صنعاء وَأَنا فِي أَوَائِل أَيَّام الطلب وَاجْتمعت بِهِ فِي موقفين فرايته من أحسن النَّاس مذاكرة وأملحهم محاضرة مَعَ ظرافة ولطافة وجودة تَعْبِير ودقة ذهن وَقُوَّة فهم وَقد دارت بيني وَبَينه مُكَاتبَة متضمنة لمشاعرة ومذاكرة وَلم يحضرلى الْآن مِنْهَا شئ وَلَعَلَّه قد قَارب السِّتين من عمره حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَمِنْهُم أَخُوهُ عَم صَاحب التَّرْجَمَة
عبد الرَّحْمَن بن الْحسن البهكليّ
قاضي الْأَشْرَاف بأبي عَرِيش وَسَائِر جهاته وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء
[ ١ / ٣٢٢ ]
لَهُ يَد طولى في عُلُوم الِاجْتِهَاد وَعِنْده من التَّحْقِيق والتدقيق مَا يقصر عَن الْبلُوغ إليه كثير من عُلَمَاء الْعَصْر وَقد كتب إليّ بمسائل تعرض فِي جهاته وأجبت عَنْهَا بأجوبة لَعَلَّهَا لَدَيْهِ وَهُوَ الْآن حي طول الله مدَّته وَهُوَ أكبر من أَخِيه أَحْمد الْمَذْكُور قبله وَمِنْهُم أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة
إسماعيل بن أَحْمد
وصل إلى صنعاء لَعَلَّ ذَلِك في سنة ١٢١٥ وبقي بهَا نَحْو عَاميْنِ وَقد كَانَ شرع يقْرَأ على الشُّيُوخ في الْعُلُوم الدِّينِيَّة ثمَّ بدا لَهُ الِاشْتِغَال بِعلم الفلسفة فَلم يظفر مِنْهَا بطائل سوى تَضْييع الْوَقْت وَبطلَان السَّعْي وَذَهَاب هجرته سدى وَمِنْهُم أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة
الْحسن بن أَحْمد
وَهُوَ أَصْغَر من الذي قبله وصل الى صنعاء سنة ١٢١٨ طَالبا للْعلم بجد وَجهد وعقل وَسُكُون وجودة تصور وَقُوَّة ادراك وَهُوَ الْآن ياخذ عَن أَعْيَان مَشَايِخ صنعاء فى عُلُوم الِاجْتِهَاد وَله قرءة عليّ في شرحي للمنتقى وَغَيره وَمن قرَابَة صَاحب التَّرْجَمَة ابْن عَمه
[ ١ / ٣٢٣ ]
أَحْمد بن مُحَمَّد البهكليّ
هُوَ من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين وَهُوَ الْآن عِنْد صَاحب التَّرْجَمَة وَلَعَلَّ عمره مَا بَين الثَّلَاثِينَ والأربعين وَقد كتب إليّ بِأَبْيَات مِنْهَا
(الْبَدْر يابدر الْعُلُوم الَّذِي سناؤه الباهر بِالنورِ لَاحَ)
(لَا يَعْتَرِيه النَّقْص إن ذمّه من الورى النَّاقِص والافتضاح)
(فاكبت أعاديك وَلَا تختشى فَسَوف يَأْتِيك المنى بالنجاح)
(وانض لَهُم غضب مقَال غَدا يقدد الاعناق قد الصفاح)
(وارخ عنان الطّرف إن خلته فِي حلبة الأبحاث يروي الصِّحَاح)
(وصل عَلَيْهِم صولة اللَّيْث فِي برازه معتقلًا للرماح)
وَلما مَاتَ والدي تغشاه الله برحمته ورضوانه كتب الى عافاه الله بقصيدة رثاه بهَا مطْلعهَا
(هَكَذَا الدَّهْر شَأْنه لَا يبالي قد رمانا بأسهم ونصال)
وَمَات سنة ١٢٢٧ وَمن قرَابَة صَاحب التَّرْجَمَة خَاله القاضي الْعَلامَة الْمُحَقق
علي بن حسن العواجي عافاه الله
هُوَ فائق في جَمِيع صِفَات الْكَمَال جَامع بَين الْعلم وَالْعَمَل والرياسة والكياسة قَائِم بأعمال الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أتم قيام وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف حَاكم ببندر اللِّحْيَة وَكنت رأيته قبل عزمه إلى هُنَالك عِنْد وُصُوله إلى حَضْرَة الْخلَافَة وَلم أجتمع بِهِ لكوني تِلْكَ الْأَيَّام إلى الصغر اقرب وَهُوَ جميل الصُّورَة تَامّ الْخلقَة بهي الشكل حسن الْهَيْئَة يسْتَدلّ من رَآهُ بِذَاتِهِ على جميل صِفَاته وجليل سماته وَكَمَال طرافته وَلَعَلَّه الْآن قد
[ ١ / ٣٢٤ ]
قَارب السِّتين من عمره وَولده الْعَلامَة عز الْكَمَال
مُحَمَّد بن علي بن الْحسن العواجيّ
هُوَ مِمَّن ارتحل إلى صنعاء لطلب الْعلم وأخذ عَنى في النَّحْو وَالْفِقْه وأجزت لَهُ إجازة عَامَّة في جَمِيع مَا يجوز لي رِوَايَته وَهُوَ الآن سَاكن عِنْد وَالِده في بندر اللِّحْيَة وَلَعَلَّه قد قَارب الثَّلَاثِينَ وَمَات هَذَا ووالده قبله بعد وُقُوع الِاضْطِرَاب فِي تهَامَة وَقيام الشريف حمود بهَا وكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ كَانَ يسْتَحق أَن يفرد بترجمة مُسْتَقلَّة وَلَكِن لم يكن لديّ من أخبارهم الا أَشْيَاء يسيرَة وفى سنة ١٢٤٣ وصلت الْجنُود الروميه إلى تهَامَة وأسروا الشريف أَحْمد بن حمود الْقَائِم مقَام أَبِيه وَقتلُوا عَالم الأشراف وقائد جنودهم الشريف حسن بن خَالِد الحازمي وأدخلوا جمَاعَة من الْأَشْرَاف إلى الروم مِنْهُم أَحْمد بن حمود ونكّلوا بِجَمَاعَة من المتولين لأمورهم من الْقُضَاة وَغَيرهم وامتحن صَاحب التَّرْجَمَة وَحبس ثمَّ أطلق وَهُوَ الآن خَائِف يترقب مَا نزل بِغَيْرِهِ دفع الله عَنهُ كل مَكْرُوه وَقد تشفعت لَهُ عِنْد الباشا الْوَاصِل بالجنود الرومية وَهُوَ الباشا خَلِيل فَلم يصب بعد ذَلِك بِمَا أصيب بِهِ غَيره والمرجو من الله ﷿ أَن يصرف عَنهُ كل شَرّ فإنه من أكَابِر الْعلمَاء العاملين وَمن عباد الله الصَّالِحين ثمَّ بعد
[ ١ / ٣٢٥ ]
هَذَا أجْرى الصُّلْح بَين سيدي الْمولى وَبَين الرّوم على ارجاع الْبِلَاد الَّتِى اغتصبها الشريف إلى الإمام فَعرفت الإمام حفظه الله أَن يقرره لقَضَاء بَيت الْفَقِيه كَمَا كَانَ فقرره على ذَلِك وَعَاد كَمَا كَانَ وَالله الْحَمد