بِالتَّصْغِيرِ اسْم مَكَان كَانَ جده الأعلى مُنْقَطِعًا بمَكَان بالموصل وَكَانَ المَاء بَعيدا عَنهُ فَرَأى رُؤْيا فحفر حفيرة فى ذَلِك الْمَكَان فجرت مِنْهُ عين
[ ١ / ٤٤٢ ]
لَطِيفَة فَقيل لَهُ شيخ القوفيه ولد صَاحب التَّرْجَمَة في رَجَب سنة ٦٨١ إحدى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بالموصل وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأخذ الشاطبية وَشَرحهَا عَن الشَّيْخ شمس الدَّين بن الْوراق وَأخذ سَائِر الْعُلُوم عَن جمَاعَة وَسمع الحَدِيث عَن زَيْنَب بنت الْكَمَال والمزيّ وَغَيرهمَا وَشرع فِي التصانيف فشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وفروع ابْن الساعاتي ونظم الحاوي الصَّغِير وَشرح الْمِنْهَاج وَشرع فِي شرح التسهيل لِابْنِ مَالك وَغير ذَلِك قَالَ ابْن رَافع في ذيل تَارِيخ بَغْدَاد كَانَ حسن الْعبارَة لطيف المحاضرة مليح البزة جميل الْهَيْئَة كثير التودّد خيرًا دينًا وَهُوَ الذي كتب إليه الصفدي السُّؤَال الْمَشْهُور في قَوْله تَعَالَى استطعما أَهلهَا وَجعله نظمًا فَقَالَ
(أَلا إنما الْقُرْآن أكبر معجز لافضل من يهدي بِهِ الثَّقَلَان)
(وَمن جملَة الإعجاز كَون اختصاره بإيجاز ألفاظ وَبسط معَان)
(ولكنني في الْكَهْف أَبْصرت آيَة بهَا الْفِكر في طول الزَّمَان عناني)
(وَمَا ذَاك إلا استطعما أَهلهَا فقد يرى استطعماهم مثله بِبَيَان)
(فَمَا الْحِكْمَة الغراء فِي وضع ظَاهر مَكَان ضمير إنّ ذَاك لشان)
فأجاب صَاحب التَّرْجَمَة
(سَأَلت لماذا استطعما أَهلهَا أَنى عَن استطعماهم ان ذَاك لشان)
(وَفِيه اخْتِصَار لَيْسَ ثمَّ وَلم تقف على سَبَب الرجحان مُنْذُ زمَان)
(فهاك جَوَابا رَافعا لنقابه يصير بِهِ الْمَعْنى كرأي عيان)
(إذا مَا اسْتَوَى الحالان في الحكم رجح ال ضمير وَأما حِين يَلْتَقِيَانِ)
(فإن كَانَ في التَّصْرِيح أظهر حِكْمَة لرفعة شَأْن أَو حقارة جَان)
(كَمثل أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول ذَا وَمَا نَحن فِيهِ صَرَّحُوا بِأَمَان)
[ ١ / ٤٤٣ ]
(وَهَذَا على الإيجاز وَاللَّفْظ جَاءَ فِي جوابي منثورًا بِحسن بَيَان)
(فَلَا تمتحن بالنظم من بعد عَالما فَلَيْسَ لكلّ بالقريض يدان)
(وَقد قيل إنّ الشّعْر يزري بهم فَلَا يكَاد ترى من سَابق برهَان)
(واستغفر الله الْعَظِيم بِمَا طَغى بِهِ قلمي أَو طَال فِيهِ لساني)
قَالَ ابْن حجر وشعره أَكثر انسجامًا وَأَقل تكلفًا من شعر الصفدي وَمَات بالموصل فِي رَمَضَان سنة ٧٥٥ خمس وَخمسين وَسَبْعمائة
٢١٦ - علي بن دادو بن يُوسُف بن عمر بن علي بن رَسُول الْملك الْمُجَاهِد ابْن الْمُؤَيد بن المظفربن الْمَنْصُور صَاحب الْيمن
ولي السلطنة بعد أَبِيه فِي ذي الْحجَّة سنة ٧٢١ وثار عَلَيْهِ ابْن عَمه الظَّاهِر بن الْمَنْصُور وَجَرت حروب بَينهمَا ثمَّ اسْتَقر الْمُجَاهِد بزبيد فحاصره الظَّاهِر فجربت من الْحصار ثمَّ كَاتب الْمُجَاهِد الإمام صَلَاح الدَّين صَاحب صنعاء فَأرْسل إليه عسكرًا فجرت لَهُم قصَص طَوِيلَة إِلَى أَن آل الْأَمر إلى الْمُجَاهِد وَاسْتولى على الْبِلَاد كلهَا وَحج سنة ٧٤٢ وأحضر كسْوَة الْكَعْبَة وبابًا لَهَا على أَنه يركبه ويكسو الْكَعْبَة وَفرق على المكيين مَالا كثيرًا فَلم يمكنوه من ذَلِك فَلَمَّا رَجَعَ وجد وَلَده قد غلب على المملكة ولقب الْمُؤَيد فحاربه إلى أَن قبض عَلَيْهِ وَقَتله ثمَّ حج سنة ٧٥١ فَقدم محمله على محمل المصريين فَاخْتَلَفُوا وَوَقع بَينهم الْحَرْب وساعد أهل مَكَّة الْمُجَاهِد ثمَّ اسْتمرّ الْقَتْل في أهل الْيمن فَانْهَزَمُوا وَأسر الْمُجَاهِد وَأمْسك وَحمل إلى الْقَاهِرَة فأكرمه السُّلْطَان النَّاصِر وَحل قَيده وَقرر عَلَيْهِ مَالا يحملهُ وخلع عَلَيْهِ وجهزّه إلى بِلَاده وَأرْسل مَعَه بعض أمراءه فَلَمَّا وصل إلى الينبع فرّ مِنْهُ فأمسكه وأعيد إلى مصر فَجهز إلى الكرك فحبس بِهِ إلى
[ ١ / ٤٤٤ ]
أَن خلع النَّاصِر حسن فأفرج عَنهُ فِي شعْبَان سنة ٧٥٢ واعيد الى بِلَاده ومملكته وَكَانَ ذَلِك بشفاعة بعض الْأُمَرَاء وَوصل إلى الْيمن فأقام في مَمْلَكَته إلى أَن مَاتَ وَكَانَت والدته لما حج قد دبرت المملكة وَلما بلغَهَا أسره أَقَامَت وَلَده الصَّالح وكتبت إلى التُّجَّار وروي أَنه ركب بعد أَن أطلق حصانًا وَمر على شاطئ النيل فعطش الحصان ونازعه الى شربه المَاء فَسَقَاهُ ثمَّ بَكَى أحر بكاء فَسَأَلَهُ بعض من كَانَ عِنْده عَن سَبَب بكائه فَقَالَ إن بعض المنجمين ذكر لَهُ وَهُوَ بِالْيمن أَنه يملك الديار المصرية ويسقي فرسه من النيل وَكَانَ يظن وُقُوع ذَلِك فَلَمَّا رأى فرسه في ذَلِك الْوَقْت يشرب من مَاء النيل عرف أَن ذَلِك الْقدر هُوَ الذي أُشير اليه وَمَات في جُمَادَى سنة ٧٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
٢١٧ - الشَّيْخ ملا علي قاري بن سُلْطَان بن مُحَمَّد الهروي الحنفي
ولد بهراة ورحل إلى مَكَّة وَاسْتقر بهَا وَأخذ عَن جمَاعَة من الْمُحَقِّقين كَابْن حجر الهيثمي وَله مصنفات مِنْهَا شرح الْمشكاة وَشرح الشمايل وَشرح الوتريه وَشرح الجزرية وَشرح النخبة وَشرح الشِّفَاء وَشرح الشاطبية ولخص الْقَامُوس وَسَماهُ الناموس وَله الثِّمَار الجنية فِي أَسمَاء الْحَنَفِيَّة وَله غير ذَلِك قَالَ العصامي فِي وَصفه الْجَامِع للعلوم النقلية والعقلية والمتضلع من السنة النَّبَوِيَّة أحد جَمَاهِير والاعلام مشاهير أولي الْحِفْظ والأفهام ثمَّ قَالَ لكنه امتحن بالاعتراض على الْأَئِمَّة لاسيما الشافعى وَأَصْحَابه وَاعْترض على الإمام مَالك في إرسال يَدَيْهِ وَلِهَذَا تَجِد مؤلفاته لَيْسَ عَلَيْهَا نور الْعلم وَمن ثمَّة نهى عَن مطالعتها كثير من الْعلمَاء والأولياء انْتهى وَأَقُول هَذَا دَلِيل على علو مَنْزِلَته فان الْمُجْتَهد شَأْنه أَن
[ ١ / ٤٤٥ ]
يبين مَا يُخَالف الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة ويعترضه سَوَاء كَانَ قَائِله عَظِيما أَو حَقِيرًا تِلْكَ شكاة ظَاهر عَنْك عارها وَكَانَ وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة سنة ١٠١٤ أَربع عشرَة وَألف
٢١٨ - علي بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْعَلَاء الدمشقي الصَّالِحِي الحنبلي
وَيعرف بالمرداوي ولد تَقْرِيبًا من سنة ٨٢٠ عشْرين وثمان مائَة بِمُرَاد ونشأبها فحفظ الْقُرْآن وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على احْمَد بن يُوسُف ثمَّ تحول إِلَى دمشق وَقَرَأَ على علمائها في الْفُنُون ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَأخذ عَن علمائها وتصدى للإقراء بِدِمَشْق ومصر وللافتاء وصف التصانيف مِنْهَا الإنصاف في معرفَة الرَّاجِح من الْخلاف أَربع مجلدات كبار وَاخْتَصَرَهُ في مُجَلد وتحرير الْمَنْقُول في تمهيد علم الْأُصُول وَشَرحه وَسَماهُ التحبير في شرح التَّحْرِير في مجلدين وَله تصانيف غير ذَلِك وَهُوَ عَالم متقن مُحَقّق لكثير من الْفُنُون منصف منقاد إلى الْحق متعفف ورع وَمَات فِي جُمَادَى الأولى سنة ٨٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
٢١٩ - علي بن صَالح العماري ثمَّ الصنّعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٥٠ خمسين وماية وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره في كثير من الْفُنُون وبرع في عُلُوم الْأَدَب وشارك فِي التَّفْسِير والْحَدِيث مُشَاركَة قَوِيَّة وَتفرد بِمَعْرِفَة فنون كعلم الْهَيْئَة والهندسة والنجوم وَكتب الْخط الفايق ونظم الشّعْر الْحسن وَهُوَ متفرد بِكَثِير من المحاسن قَلِيل النظير فِي مَجْمُوعَة ذكي قوى الادراك بديع التَّصَوُّر ضخم الرياسة جيد التَّدْبِير اتَّصل أول أمره بمولانا الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ﵀ وولاه أعمالًا وَصَارَ بعد ذَلِك أحد وزرائه وَكَانَ
[ ١ / ٤٤٦ ]
يمِيل إليه ويؤثره لما لَدَيْهِ من الْفَضَائِل ثمَّ انحرف عَنهُ قَلِيلا ثمَّ عَاد لَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وعزم قبل مَوته على تَفْوِيض الوزارة اليه فَمَاتَ وبويع مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه اله فولاه بندر المخا وَهُوَ أكبر ولَايَة فى القطراليمنى وبقي هُنَالك نَحْو خمس سِنِين وشكر النَّاس ولَايَته وَحسن تَدْبيره وَهُوَ مَعَ ذَلِك مورد لأهل الْعلم والفضائل وَيَأْخُذ عَن كل من رأى لَدَيْهِ علمًا لَا يعرفهُ ويستفيده في أسرع مُدَّة ثمَّ عَاد من المخا إِلَى صنعاء وَقد جمع دنيا عريضة وَكَانَ يتَّصل بالخليفة حفظه الله في كثير من الْأَوْقَات فحسده جمَاعَة من الوزراء فأبعدوه ثمَّ بعد أَيَّام فوّض إِلَيْهِ مَوْلَانَا الإمام وساطة بعض مداين الْيمن والمشارفة على بعض أملاكه فَصَارَ من جملَة الوزراء وَاجْتمعت بِهِ فِي مقَام مَوْلَانَا الْخَلِيفَة مَرَّات عديدة وَكَانَ يذاكر هُنَالك بمسائل مفيدة وسألنى بمسائل أجبْت عَلَيْهَا برسائل هي مَوْجُودَة فِي مَجْمُوع رسائلي وَآخر مَا سَأَلَني عَنهُ قبل مَوته عَن كَلَام المفترين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل﴾ وَأورد فى السُّؤَال اعترضات على الزمخشري والسعد وأجبت عَنهُ برسالة سميتها جَوَاب السَّائِل عَن تَفْسِير تَقْدِير الْقَمَر منَازِل وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ متفرد بمواد كِتَابَة الإنشاء وَمَا يحْتَاج إليه من عُلُوم الأدب وَغَيرهَا مَعَ جودة النّظم والنثر الى غَايَة والاقتدار من ذَلِك على مالم يقتدر عَلَيْهِ غَيره ولعمري أَنه يفضل كثيرًا من الافاضل الْمُتَقَدِّمين المتفردين بالبلاغة لمَاله من دقة الذِّهْن وممارسة الْعُلُوم الدقيقة وَحسن الْخط على حد يقصر عَنهُ الْوَصْف وَالْقُدْرَة على اخراج كثير من الصَّنَائِع من الْقُوَّة إلى الْفِعْل وَله من ذَلِك مَا ينبهر لَهُ من يعرف الْحَقِيقَة وسأذكر من أَدِلَّة تفرده وَصدق مَا شرحته فِي حَقه مَالا
[ ١ / ٤٤٧ ]
يَسْتَطِيع الْمُنكر إنكاره ليعلم المطلع على ذَلِك أَنه فَوق مَا وَصفته بل هُوَ مِمَّن يفتخر بِهِ الْعَصْر على مَا تقدمه من العصور ويكفى فى تَصْحِيح هَذِه الدَّعْوَى ذكر النظم والنثر الذي كتبه إلى الإمام المهدي يستعطفه بِهِ في سنة ١١٧٩ وَقد اشْتَمَلت كل فقرة من فقر النثر على تَارِيخ هَذِه السنة وكل بَيت من بيُوت النّظم على تاريخين كَذَلِك في الصَّدْر تَارِيخ وَفِي الْعَجز تَارِيخ مَعَ سلاسة النّظم والنثر وَعدم التَّكَلُّف وَهَذَا شئ لَا يبلغ اليه قرايح أهل هَذَا الْعَصْر بل لَا يظن اقتدار أهل العصور المتقدمة عَلَيْهِ وإن قدر عَلَيْهِ فَرد من الْأَفْرَاد جَاءَ بِهِ في كَلَام معقّد متكلّف قد روعيت فِيهِ الْأَلْفَاظ وهجرت الْمعَانى وَهَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِى اشرنا اليها يَقُول أفقر عباد الإله على العماري عمته مَكَارِم الْحَلِيم الْبَارِي بِحَمْد الله استهل الإنشاء كَمَا بدا وَجه الْهلَال وبجدى أشكره في الْبكر وَالْآصَال ﷻ عَن مُشَاركَة لَهُ فِي ملكه وَعَن ندّ ينشئ السَّحَاب الثقال بِمد ويمتن تَعَالَى دَائِما أبدًا بِلَا عد وَصلَاته وَسَلَامه الأكملان أبدا على سيدنَا مُحَمَّد وَآله ماغاب هِلَال وجدد ونادى المهدي مهني بِلِسَانِهِ وَاسْتشْهدَ
(مليك الورى لَا زلت في قايم العلى هلالا منيرا مشرقا قَائِما باهى)
لازلت في نعم توالي وَبهَا نصر من الرب تَعَالَى
(وتبدئ للدنيا سُرُورًا وأنعما فدمت لنا ركن الْهدى أمرًا ناهي
(فَلَا بَرحت في عَيْش جَدِيد نايلا بجد ماتهوى وتريد لَك فوز الْأجر في الشَّهْر السعيد مبشرا بنيل رجواك بِهِ من الْعَزِيز الحميد
(تقدم شهر الصَّوْم بالفوز مُعْلنا وَطيب الثَّنَاء وافاك من طيبه الشاهى)
[ ١ / ٤٤٨ ]
لعز ذُو الْجلَال والاكرام مدلك الْأجر بِهَذَا الْعَام وَبِهَذَا هنئت وحزت بِهِ مَا شِئْت (وفي كل عَام نلْت أجرًا لرَبه وَمَا بت عَن شكر بجد لَهُ لاهي)
زادك رب الْخلق بجود مِمَّا أولى وبوأك بِحَدّ الشرف الرفيع الأعلى وولاك رِقَاب الْخلق أبدًا وَأولى فَنعم مَا أولاك تَعَالَى وَجها وَنعم الْمولى
(ودونك قولا للحب مؤرخ على كل شطر لَيْسَ شين وَلَا لاهي)
وَلما ورخ بِهِ كل سجعه زيد تمنعًا على من رام مَنعه فَلهَذَا جَاءَهُ مُحكم الصنعة وأعجز فِيهَا من يروم تأليفه وَجمعه)
(ينبيك لما جا بحالى مذكرا وماصرت عَنى بعد طول الجفا ساهي)
(عجب فهمك الشريف يفهم لمقالي لست بالساهي عَن أمري فأنبهك لحالي)
(فكمال عافيتك من ربي هُوَ جل مالي وَلَئِن بقيت بهَا كملت آمالي)
(وَدم صاعدًا في الْمجد أشرف مقْعد على حسن عَيْش نوره منوّر زاهي)
آمنا بِهِ سالمًا من حُدُوث ريب الزَّمن محجوبًا عَن بوادى الْفِتَن وشوائب حبك الاحن فاكثر حمدا لله تصلح بِهِ كل نِيَّة وأشكر بِهِ دَائِما في السِّرّ وَالْعَلَانِيَة
(فَهَذَا هِلَال الصَّوْم وافى هلاله بمبدأ عمر دهره لَيْسَ متناهي)
فاستأنف الْآن عزا بدا وعمرًا جَدِيدا وعش بدوام نعيم سعد عَيْشًا حميدًا وأخلق بدوام أيامه ولياليه عيدًا فعيدا فتهن اجرابه دَائِما وعمرًا مديدًا
(تهن بِمَا أَعْطَيْت فِيهِ مهناء هوالخير بالإقبال والعزّ والجاه)
وأنجز وَتمّ مَا كتب بالقلم وَمَا أبدعه مداده ونظم وانقضى بجيد
[ ١ / ٤٤٩ ]
الْمقَال وَبعد أَن بشر بالنصر والإقبال
(وَقد جَاءَ نصر الله بِالْفَتْح قَابلا وتبّت لَهَا الأعداء فَالْحَمْد لله)
أسأَل من رَبنَا تَعَالَى بَان يحسن إليك بإتمام نعْمَته عَلَيْك ويخولك بكرمه وبجود مهنيا بِمَا لديك ويحوطك بامنه من خَلفك وَمن بَين يَديك
وحساب هَذِه الْفقر ومصاريع الأبيات واف وَلَا نقص في شئ مِنْهُ إلا في مَوضِع وَاحِد فإنه نقص مِنْهُ وَاحِد فَقَط فَمن ظنّ أَن ثمَّة نقصًا في غير ذَلِك فَهُوَ إما لتصحيف من الظَّان أَو تَحْرِيف وَمن تَأمل هَذِه الْقطعَة بِعَين الْحَقِيقَة علم مِقْدَار منشيها ومرتبته في الْفضل وَبَعض الأبيات والفقر وإن كَانَ يظن بعض من لم يمارس عُلُوم الاعراب أَن فِيهِ لحنًا فَمَا ذَلِك إلا من قُصُور بَاعه فإن لكل من ذَلِك وَجها وجيهًا فِي الْعَرَبيَّة ثمَّ لما أَرَادَ الْحَج كتب إلى الإمام المهدي هَذَا النظم والنثر مودعًا لَهُ ومستعطفًا وَلَفظه
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ونحمده تَعَالَى وإن نطق الْقَلَم بالتشبيب وعنى عَن الْغَرَض الْبعيد بالقريب فقصده مُنَاسبَة الْقَصْد لَا النسيب فَلهَذَا صرخَ بالاستهلال وَصرح بالخفي فَقَالَ
(أجرم مَا يُقَال لَهُ عثار وذنب لَا يكون لَهُ اغتفار)
(وَهل يسْتَوْجب التعذيب طرف جرى مِنْهُ انهمال وانهمار)
(وقلب لَا يفِيق عَن التصابي وَلَا ينهاه ضعف وانكسار)
(بِهِ ظبي لَهُ الجوزاء قرط مليح والهلال لَهُ سوار)
(لَهُ مالي بِلَا من وروحي ولي مِنْهُ الملالة والنفار)
جرح فؤادي بأسياف الْعُيُون وَضعف قلبي بسهام الجفون وَلما
[ ١ / ٤٥٠ ]
صَحَّ لَهُ عَن الْقلب حَدِيث الْهوى وروت لَهُ الجفون على الطرف مَرَاسِيل النَّوَى وَعلم الدَّهْر أَن قلبي موثق في يَدَيْهِ وموصول دمعي مَوْقُوف عَلَيْهِ علل بالجفاء ذَلِك الْوِصَال فَقَالَ عَنهُ بِلِسَان الْحَال
(سقى دهرا نعمنافيه عَيْشًا وأياما لياليها قصار)
(وَمر كَأَنَّهُ اصغاث نوم فَمَا عندي لماضيه ادكار)
أنساني معرفَة تنكير الزَّمن لما نصبت صروفه على الْحَال خيام المحن وَلما ولع بخفض عَيْش الْمَرْفُوع أهملت كَلَام العاذل الْمَوْضُوع وصرفته عَن الإغراء فَهُوَ الْمَمْنُوع وَقلت مُبينًا مَا كَفاهُ من اتِّبَاع العذل عَن الْمَتْبُوع وأغناه عَن الْمثنى من الملام وَالْمَجْمُوع
(أعاذل قد كَفاك العذل دهر وَقَامَ بِمَا جناه الاغترار)
(تلوم فَتى أَصَابَته الرزايا وفارقه الشَّبَاب الْمُسْتَعَار)
(أبعد الْخمس وَالْعِشْرين يصبو لعمر أَبِيك هَذَا الاغترار) (ذهب عَنهُ تصريف الْهوى وَمَعْنَاهُ وانقلبت عينه غينًا فَتغير مبناه جرد الْوَقار زِيَادَته بتخفيفه واسقط الزَّمَان تعديه بتضعيفه وَغير أُصُوله بِالتَّصْغِيرِ من أَصله حَتَّى أنسانى بِذكر صَحِيحه ولفيفه ومعتله
(وَلم أنس الَّتِى قَامَت لعزمي تودعني وأدمعها غزار)
(تخوفني نوىً عرضت وطالت وتخشي أَن يكون فَلَا مَزَار)
(تَقول وَقد أجد الْبَين مهلًا بِنَفْسِك لَا يشقّ بك البدار) (وَلم تكسب يداك سوى ثَنَاء فَلَيْسَ عَلَيْك مهما كنت عَار)
(وَمَا لطخت عرضك بالدنايا وَلَا دارت على فِيك الْعقار)
(سَوَاء والإقامة مِنْك عزم وسيّان الخفا والاشتهار)
[ ١ / ٤٥١ ]
(وَمن شرفت لَهُ نفس وَعرض فأنى كَانَ كَانَ لَهُ افتخار)
تَكَلَّمت بمنطق غير مَمْنُوع تساوى بِهِ الْمَحْمُول والموضوع مَا أقربها إلى الْقيَاس بالمحال وَمَا ابعدها عَن الْوَهم بالخيال أيظن الْفَصْل يغني عَن الْعرض الْعَام أَو يخال الْجِنْس يعين الْحَد على التَّمام فَقلت لما قصدت الْخُلُو بِالْجمعِ وساوت بَين الشَّرْط وَالْمَنْع)
(دعينى لَا ابالك أن قصدي إِلَى بَاب الْكَرِيم هُوَ الفخار)
(أيرضى بالهوان فؤاد حر يعزّ عَلَيْهِ للضيم اصطبار)
(وَمَا دَار الْأَحِبَّة لي بدار إِذا مانالنى فِيهَا احتقار)
(فبالأحباب أحباب وداري هي الدُّنْيَا وبالجيران جَار) وكل النَّاس أخوالى وتربي لَهُم ترب وكل الأرض دَار)
إذا اتّحدت معانيهم فى الظَّاهِر وزالت الغرابة بخلوص التنافر وَكَانَ الْأَب آدم وَالأُم حَوَّاء فقد اقْتضى الْحَال تطابق الأهواء بعد عَن جبلتهم من شرفة خالقه بالمجاز إلى الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة وَأَنْشَأَ اختراعه من أسلوب تعذّر فِيهِ الإخبار عَنهُ بِالصِّفَاتِ البشرية فَلِذَا لذت بِهِ من نَوَائِب الزَّمن وَقلت مُصَرحًا باستنكار ماجنته المحن
(معذ الْمجد والعلياء أني أضام ولي إلى الْمهْدي ائتمار)
(منيع الْجَار لَو يشكي هِلَال عَلَيْهِ النَّقْص فَارقه السرَار)
(وَلَو وافاه ليل خَائفًا من هجوم الصُّبْح مَا طلع النَّهَار)
(مليك هذب الْأَيَّام حَتَّى خشت سطواته الصمّ الحجار)
(وطيرفي بقاع الأَرْض قسرا عداهُ فَكل قلب مستطار)
(وَلَوْلَا سطوة لليث تخشى لزاحمه على الغاب الْحمار
[ ١ / ٤٥٢ ]
(كريم لَا يشوب عطاه من حَلِيم لَا يخف لَهُ وقار)
(اذالمست يَدَاهُ لقصد جود بيبس الْعود عَاد لَهُ اخضرار)
(وإن لمست يَدَاهُ بِيَوْم فتك نصال السَّيْف كَانَ لَهُ احمرار)
(ففي يمناه للعافين يمن وفي يسراه للساري يسَار)
(يهون عَلَيْهِ فى كسب المعالي وفي أخذ العدى الذَّهَب النضار)
(بِهِ اغتفرت جنايات الليالي وجاد بوعده الْفلك الْمدَار)
(يضمن صَدره حلمًا وعلمًا غزيرًا لَا تقاس بِهِ الْبحار)
(فَلَو كشف الغطا مَا ازددت علمًا على علم هُوَ الْعلم الْمنَار)
(فداؤك عَالم لم يبْق فيهم بجدواك احْتِيَاج وافتقار)
كرم بنانه الْمَجْمُوع مغن عَن الْبَيَان وَكَمَال جوده الْمُفْرد غني عَن التَّشْبِيه بالإمكان فَكيف لَا أقوم بشكر برّه وإنعامه وإن أطلت الثَّنَاء فَكيف لي أَن أمدحه بِعشر معشارا كرامه فَهُوَ الذى ربانى صَغِيرا وغذانى بلبان أنعامه كَبِيرا لَهُ أياد علي سَابِقَة أعد مِنْهَا وَلَا أعددها لذا مددت إليه كف الِاعْتِذَار وَقلت مُصَرحًا بِمَا أَشْكُو من الزَّمن الجوال
(أَمِير الْمُؤمنِينَ فدَاك عبد أناحت عِنْده النوب الْكِبَار)
(رَمَاه الدَّهْر محتالًا بقوس من الْحدثَان أسهمه الْبَوَار)
(أينسفني الزَّمَان ولي انتماء اليك ولي بخدمتك انتصار)
(إذا مَا كنت وَالْأَيَّام عونًا عليّ وجورها فلك الْخِيَار)
(فإما أن اقيم بضنك عَيْش وثوباى المذلة وَالصغَار)
(واما أَن أقيم بِثَوْب عز خلت عَنهُ الْمضرَّة والضرار)
عبد رفعته على يَقِين الِابْتِدَاء وخفضته على توهم الاعتداء رق لَهُ
[ ١ / ٤٥٣ ]
الْحَاسِد ورثى لَهُ الشامت وكادت أَن تتحرك رَحْمَة لَهُ النُّجُوم الثوابت نصبت بربعه خيام المصايب وركضت في ميدانه خُيُول النوايب وَهل يفزع الخايف إِلَى غير حضرتك أَو يعزّ الذَّلِيل بِغَيْر سدتك
(وَأَنت أَحَق من يرْعَى ذماما وَمن تحمى بِحَضْرَتِهِ الذمار)
(نعم من ذَا الذي مَا حَاز نقصًا وَمن أغناه عَن قدر حذار)
(الْيَسْ المرأ من مَاء وطين وَقد نقص الْهلَال المستنار)
(اذا مالم تخنك يَد وَعين وَلَا قلب فقد خفّ القطار)
كَيفَ تخونه يَده أَو قلبه من ملئ من فرنه الى قدمه من حبه تبت يَد مدّت إلى مالم يشتهيه وعميت عين لحظت مَالا يرتضيه وخرست لِسَان فاهت بِغَيْر الْمَدْح فِيهِ
(أمير الْمُؤمنِينَ فأى ذَنْب أتيت وَكَانَ لى مِنْهُ اخْتِيَار)
(لقد كثرت حسّادي فجازوا على حسّاد آدم حِين جاروا)
(وَقد ألبست من علياك فخرًا ومجدًا لَا يُبَاع وَلَا يعار)
(وَلم يكسبني الإقلال ذلًا وأني ذَا وجودك لي عقار)
مَا أكئبنى غير سخطك وَلَا أهمني سوى عتبك وَأَن الْعَفو ثَمَرَة الذُّنُوب والخطأ وَكَمَال الإحسان التجاوز عَن الاعتدا
(أَمِير الْمُؤمنِينَ أطلت سخطًا ومثلي من يُقَال لَهُ العثار)
(لسخطك لَا أقيم بأرض عز وإن عزّت فلي عَنْهَا نفار)
(وإني إن نأوت فَغير ناء بودك وهولى أبدًا شعار)
(وَمَا سَافَرت في الآفاق إلا وَمن جدواك عيشي والدثار)
(مُقيم الظَّن عنْدك والأماني وإن شطت بي النوق العشار)
[ ١ / ٤٥٤ ]
(مقامك كعبتى وحماك ركني ولي حج ببابك واعتمار)
(أَطُوف بِهِ وأرم كلّ يَوْم جمار الْهم إن رمى الْجمار)
(أَمِير الْمُؤمنِينَ اليك وافت تهادي والمديح لَهَا شنار)
(مودّعة وَمَا التوديع فِيهَا قلاء أوملال أَو نفار)
(برغم الْمجد أَن يرضى فِرَاق لحضرتك الْعلية أَو سفار)
(وَدون بعاد يَوْم مِنْك عِنْدِي يهون الصاب أكلًا والمرار)
(وَهَذَا ان تعذر مدكف لتوديعي وداع واختصار)
(وَدم للْملك مَا هبّت شمال وَمَا غنى على الْغُصْن الهزار)
أنظر مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الْقطعَة من الانسجام والسهولة والسلامة من الحشو والتكلف مَعَ مَا فِي ضمن النثر من التَّوْجِيه بالعلوم فشرع بالتوجيه بِعلم اصْطِلَاح الحَدِيث ثمَّ النَّحْو ثمَّ الصّرْف ثمَّ الْمنطق ثمَّ الْمعَانِي وَالْبَيَان وَمَعَ هَذَا فسنه ذَا ذَاك خمس وَعشْرين سنة كَمَا يفِيدهُ قَوْله
(أبعد الْخمس وَالْعِشْرين يصبو لعمر أَبِيك هَذَا الاغترار)
والقطعة الأولى الْمُشْتَملَة على التواريخ هُوَ أَنْشَأَهَا أَيْضا قبل أَن يستكمل ثَلَاثِينَ من عمره وَله أشعار فِي آخر عمره أَعلَى من هَذِه الْقطعَة الْمَذْكُورَة سَابِقًا وَقد أنشدني من ذَلِك كثيرًا وَمَا أحسن قَوْله فِي بعض قصائده
(وإذا رامت الذبابة للشم س غطاء مدت عَلَيْهَا جنَاحا)
وَاسْتمرّ على اتِّصَاله بالإمام المهدي ثمَّ بمولانا خَليفَة الْعَصْر حَتَّى توفاه الله تَعَالَى في يَوْم الثُّلَاثَاء سَابِع شهر جُمَادَى الأولى سنة ١٢١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف قبل تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة بِنَحْوِ نصف سنة فرحمه
[ ١ / ٤٥٥ ]
الله وَتجَاوز عَنهُ فَلَقَد كَانَ من محَاسِن الْعَصْر ومفاخر الدَّهْر وَله أَوْلَاد أكبرهم أَحْمد وَهُوَ الذي قَامَ مقَامه وَهُوَ ماش على طَرِيقَته في الكمالات لَهُ النظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق والخط الْحسن والعرفان التَّام وتلوه في الْعُمر حُسَيْن وَقد تقدّمت تَرْجَمته ثمَّ إسماعيل وَمُحَمّد وقاسم وَهَؤُلَاء كل وَاحِد مِنْهُم على حَدَاثَة أسنانهم لَهُ شغلة بِالْعلمِ والبلاغة وَالنّظم والنثر والكمال في فنون الأدب
٢٢٠ - عليّ بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَبى الرِّجَال الصَّنْعَانِيّ
الشَّاعِر الْمجِيد من شعره
(وَلَقَد أَقُول وَقد تغنّت في الْحمى وَرْقَاء ذَات صبَابَة وولوع)
(وَالْعود فى يَدهَا يمِيل والفها يختال بَين خمائل وفروع)
(وَالْعين قد سفحت وهاج لَهَا البكا تذكارها لاحبة وربوع)
(أحمامة الايك الَّتِى قد هيجت شجو الكئيب بِأَنَّهُ وسجوع)
(مهلا فنفخك للسوالف في الفضا أذكى غضا الأشجان بَين ضلوعي)
(فدعي الْهوى ثمَّ اسبحي فتخيري درا لطوقك من بحار دموعي)
وَله أشعار كَثِيرَة وَقد ترْجم لَهُ صَاحب طوق الصادح وَصَاحب
[ ١ / ٤٥٦ ]
نسمَة السحر وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته
٢٢١ - السَّيِّد علي بن صَلَاح بن مُحَمَّد العبالي
بِالْمُهْمَلَةِ مَضْمُومَة بعْدهَا مُوَحدَة أَصله من الحرجة بمهملتين مفتوحتين ثمَّ جِيم قَرْيَة مَا بَين الْحجاز وصعدة وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء وَمن جملَة أنصار الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد كَانَ يَبْعَثهُ فى مهماته ويصفه بالاوصاف الجميلة حَتَّى قَالَ فِيهِ لَا أَخَاف على أهل الْيمن وَفِيهِمْ هَذَا يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة وأرسله في أول دَعوته إلى القاضي الْعَلامَة يُوسُف الحماطي ليَأْخُذ مِنْهُ الْبيعَة فَقَالَ القاضي لَا معرفَة لي بِمِقْدَار الإمام فِي الْعلم ولابد أَن أورد عَلَيْهِ مسَائِل فَقَالَ هَات مَا تُرِيدُ إيراده عَلَيْهِ من الْمسَائِل فَذكر لَهُ مسَائِل مشكلة فَأَجَابَهُ في الْحَال بجوابات ارتضاها فَقَالَ لَهُ امدد يدك أُبَايِعك فأنت أهل للامامة فَقَالَ لَهُ لَا تفعل فَلَيْسَ علمى بِالنِّسْبَةِ إلى علم الإمام شَيْئا فاطمأنت نفس القاضي وَبَايع وَمَات في شهر رَجَب سنة ١٠١٩
[ ١ / ٤٥٧ ]
تسع عشرَة وَألف بشهارة وَله أَوْلَاد أمجاد مِنْهُم الْحُسَيْن وَهُوَ من الْعلمَاء المبرزين وَهُوَ الذي كمّل شرح الشَّيْخ لطف الله الغياث على الكافية وَولده السحن بن علي من أكَابِر الْعلمَاء المدرسين المفيدين وَولده مُحَمَّد بن علي هُوَ الْقَائِل)
(من خَالَفت أَقْوَاله أَفعاله تحوّلت أَفعاله أَفْعَى لَهُ)
(من أظهر السِّرّ الذي في صَدره لغيره وهاله وهى لَهُ)
(من لم يكن لِسَانه طَوْعًا لَهُ فَتَركه أَقْوَاله أقوى لَهُ)
(وَمن نأى عَن الْحَرَام طَالبا من رشده حَلَاله حلى لَهُ)
وهي أَبْيَات جَيِّدَة وفي الْبَيْت الأول نظر لَان أَفعاله فَاعل تحولت فَهُوَ مَرْفُوع وأفعى لَهُ لامه مَفْتُوح بِخِلَاف بَقِيَّة الأبيات فهي متوافقة الجناس بالحروف والحركات وَجرى الْقَلَم عِنْد كتب هَذِه الابيات بشئ من جِنْسهَا مثل عَددهَا وَهُوَ
(لَا تشتغل بملبس فَكل ذي فضل ترى أسما لَهُ أسمى لَهُ)
(من يطْلب الشئ الْعَظِيم عَاجِزا عَن حَملَة وناله ونى لَهُ)
(من لم يذد رقيبه عَن مربع يلقى بِهِ غزاله غزى لَهُ)
(فِي رَاحَة الْمَرْء وفى ترويحه فُؤَاده وباله وبى لَهُ
٢٢٢ - السَّيِّد على بن الإمام شرف الدَّين بن شمس الدَّين
ولد فِي رَجَب سنة ٩٢٧ سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَن وَالِده وَغَيره وفَاق في فنون كَثِيرَة واشتهر بِالْعلمِ وَمَات فِي رَجَب سنة ٩٧٨ ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بحصن حب مسمومًا في سفرجلة أهداها لَهُ رجل وَولده ابراهييم من أكَابِر الْعلمَاء أَخذ عَن وَالِده وَغَيره وَأخذ عَنهُ جمَاعَة
[ ١ / ٤٥٨ ]
من الأكابر مِنْهُم الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وقبره بشبام
٢٢٣ - مَوْلَانَا الإمام خَليفَة الْعَصْر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين علي بن الإمام المهديّ
الْعَبَّاس بن الْمَنْصُور حُسَيْن بن المتَوَكل الْقَاسِم بن حُسَيْن بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْمَنْصُور الْقَاسِم بن مُحَمَّد قد تقدم تَمام نسبه في تَرْجَمَة جده الْحسن بن الْقَاسِم ولد حَسْبَمَا سمعته مِنْهُ حفظه الله في سنة ١١٥١ إحدى وَخمسين وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا وفى سنة ١١٧٢ أَو فى الَّتِى قبلهَا فوض إليه وَالِده الإمام المهدي ولَايَة صنعاء وَجعله أَمِير الأجناد وَأمره بِسُكُون قصر صنعاء فَقَامَ بذلك قيَاما تَاما بحزم ومهابة وَحُرْمَة وافرة وَمَكَارِم وَاسِعَة وَحسن أَخْلَاق وصبر على الامور وسياسة لاحوال الْجُمْهُور فاستمر على ذَلِك ودام فِيهِ مُدَّة أَيَّام وَالِده وَاتفقَ في سنة ١١٨٤ أَن حسن العنسى السَّاكِن بجبل برط المتريس على ذوى مُحَمَّد وذوى حُسَيْن الساكنين فِي جبل برط وهم جَمْرَة عرب الْيمن إذ ذَاك وَأهل الشَّوْكَة مِنْهُم وَمن لَا يقوم لَهُم غَيرهم من سَائِر الْقَبَائِل وَقع بَينه وَبَين الإمام المهدي ﵀ خطوب كَانَت سَببا لِخُرُوجِهِ عَلَيْهِ فَخرج بِجَيْش من الْمَذْكُورين وَمن غَيرهم لم يخرج بِمثلِهِ أحد من أهل تِلْكَ الْجِهَات فاستعد لَهُ مَوْلَانَا الإمام المهدي وَجمع العساكر وَأرْسل اُحْدُ أُمَرَاء أبناده وَهُوَ الامير سندوس بمعظم جيوشه من خيل وَرجل وَسَائِر العساكر الْمَطْلُوبَة من الْقَبَائِل حَتَّى اجْتمع لَهُ جَيش كثير وَأمر أَمِير الأجناد وَمن مَعَه من الجيوش أَن يلتقي حسن العنسي إلى بعض الطَّرِيق فَلَمَّا علم بذلك حسن العنسي سلك طَرِيقا أُخْرَى فَلم يشْعر أهل
[ ١ / ٤٥٩ ]
صنعاء إلا وَهُوَ فِي سعوان وَهُوَ مَحل شرقي صنعاء قريب مِنْهَا فحصلت بذلك رجّة في صنعاء كَبِيرَة وَكَانَ الإمام المهدي سَاكِنا فِي الْجَانِب الغربى من صنعاء ومولانا ولد هـ صَاحب التَّرْجَمَة سَاكِنا فِي الْقصر وَهُوَ في الْجَانِب الشرقي فَخرج عِنْد أَن بلغه ذَلِك الْخَبَر فى طَائِفَة يسيرَة من أَصْحَابه لَا يبلغون خمس مائَة رجل وَطَائِفَة يسيرَة من الْخَيل أَكْثَرهم لَا نفع فِيهِ لكَون مُعظم الْخَيل المنتخبة قد صَارَت صُحْبَة الأمير سندروس فاصطف لَهُ حسن العنسي وَأَصْحَابه وهم أُلُوف مؤلفة وَفِيهِمْ من أهل الشجَاعَة والتجربة للحروب والاعتياد للشرّ من هُوَ أَضْعَاف أَضْعَاف من مَعَ مَوْلَانَا بل مازال ذَلِك الْمِقْدَار الْيَسِير يتناقص بفرار من لَا يستحي من الْعَسْكَر وتسترهم بَين الإثل وَنَحْوه قبل الْوُصُول إِلَى المعركة فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ كَانَ من بَين يدى مَوْلَانَا بِالنِّسْبَةِ الى الْجمع الآخر كلا شئ وَهُوَ يقدم وَلَا ينثني ويحث من بَين يَدَيْهِ على المصابرة والإقدام ويحول بَينهم وَبَين الإحجام حَتَّى وصل بهم إلى نحر الْعَدو وضايقوهم غَايَة المضايقة وَقتلُوا مِنْهُم كثيرًا وَلَكنهُمْ انثالوا عَلَيْهِم من جَمِيع الجوانب كأنهم الْجَرَاد فتاخر بِأَصْحَابِهِ قَلِيلا قَلِيلا وَهُوَ يدافع عَنْهُم وَخرج وَالِده الإمام المهدى مغيرا اليه ومغيثا لَهُ فالتقاه وَهُوَ يتهلهل لم يظْهر عَلَيْهِ فزع وَلَا جزع وَلَا طيش وَلَا خفَّة وَلَا وَجل وَلَا خطل بل من رَآهُ ظن أَنه جَاءَ من بعض المتنزهات وَهُوَ قد خرج من معركة تطيل لَهَا الْعُقُول وتشيب لَهَا الْولدَان وترجف مِنْهَا الأفئدة وتخرس عِنْدهَا الألسن وَهَكَذَا فلتكن الشجَاعَة وَبعد هَذِه الموقعة اعْترف لَهُ الْكَبِير وَالصَّغِير والجليل والحقير حَتَّى خصومه بِأَنَّهُ بمَكَان من ثبات الْجنان يقصر عَنهُ أَبنَاء الزَّمَان ثمَّ انه اسْتمرّ على امارة الْجَيْش
[ ١ / ٤٦٠ ]
وَولَايَة صنعاء وَمَا يرجع اليها حَتَّى مَاتَ وَالِده الإمام المهدي في شهر رَجَب سنة ١١٨٩ فَبَايعهُ الْعلمَاء والحكام آل الإمام وَسَائِر النَّاس على اخْتِلَاف طبقاتهم وَلم يتَخَلَّف عَنهُ أحد وفرحوا بِهِ واغتبطوا بخلافته وأحبهم وأحبوه وَتَوَلَّى وزارته جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد علي بن يحيى الشامي إلى عِنْد مَوته ثمَّ الْفَقِيه الْحسن بن عُثْمَان القرشي ثمَّ وَلَده الفقيه حسن بن حسن وَمن جملَة وزرائه السَّيِّد أَحْمد بن اسمعيل فايع وَولى الْقَضَاء الأكبر عِنْد مبايعته القاضي العلاّمة يحيى بن صَالح السحولى وَأما أُمَرَاء أجناده فهم في أول خِلَافَته الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا في أَيَّام وَالِده الْأَمِير فَيْرُوز والنقيب ريحَان وَغَيرهمَا ثمَّ مَاتُوا وَصَارَت الإمارة إِلَى الْأَمِير سرُور الْمَنْصُور أَيَّامًا وَإِلَى النَّقِيب جَوْهَر وَأما ولَايَة صنعاء وإمارة الْجَيْش الذي كَانَ أَمِيرا عَلَيْهِم قبل خِلَافَته فَصَارَت أَيَّامًا يسيرَة إِلَى أَخِيه الْقَاسِم بن المهدي ثمَّ بعد ذَلِك صَارَت إِلَى وَلَده الْهمام صفي الإسلام أَحْمد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ الْآن الْقَائِم بتدبير الأجناد والمتولى لجَمِيع الْأُمُور بِصَنْعَاء وَمَا يَليهَا وَله من كَمَال الرياسة وَحسن مسك السياسة والمهابة والصرامة والفطنة بدقائق الْأُمُور والاطلاع على أَحْوَال الْجُمْهُور وجودة التَّدْبِير والخبرة بالجلي والخفى مَالا يُمكن وَصفه مَعَ النقادة التَّامَّة والشهامة الْكَامِلَة وعلو الهمة والمعرفة للأدب ومطالعة كتبه والإشراف على كتب التَّارِيخ ومحبة أهل الْفَضَائِل وَكَرَاهَة أَرْبَاب الرذائل والنزاهة والصيانة والميل إِلَى معالي الْأُمُور وَهُوَ أكبر أَوْلَاد الإمام وَقد تقدمت لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة ويليه في السن أخوه شرف الإسلام الْحسن بن أمير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ حسن الْأَخْلَاق عَظِيم الهمة كريم السجية شرِيف النَّفس مطلع على ماتمس اليه
[ ١ / ٤٦١ ]
الْحَاجة من أُمُور الدَّين وَالدُّنْيَا ويليه أَخُوهُ فَخر الإسلام عبد الله بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ اُحْدُ أُمَرَاء الأجناد وَجعل إليه وَالِده الامام الاشراف على الدِّيوَان واستنابه فى الْحُضُور مَعَ الْحُكَّام عِنْد فصل الْخِصَام في يومي الِاجْتِمَاع من كل أُسْبُوع وَجعل إليه ولَايَة بعض الْبِلَاد كالحيمة وبلاد الْبُسْتَان وَفِيه من حسن الْخلق ومزيد التَّوَاضُع وكرم السجايا وَمَعْرِفَة حقائق القضايا مَا هُوَ غَايَة وَنِهَايَة ولوالده اليه ميل عَظِيم ومحبة زايدة وَفِيه خبْرَة كَامِلَة ومحبة لقَضَاء حوايج المحتاجين والتبليغ إِلَى وَالِده بمطالب الطالبين والشفاعة لمن يلوذ بِهِ من القاصدين وَالدّلَالَة على سَبِيل الْخَيْر بِكُل مُمكن ويليه أَخُوهُ عز الإسلام مُحَمَّد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ اُحْدُ أُمَرَاء الأجناد وَهُوَ من فحول الرِّجَال في جَمِيع الْأَحْوَال وَله من معرفَة الْحَقَائِق ومحبة معالي الْأُمُور ونزاهة النَّفس والعفة والصيانة مَا هُوَ متفرد بِهِ وَقد ولاه وَالِده الإمام الْجِهَات العمرانية فعزم بجنده إِلَى هُنَالك وَهُوَ الْآن مُقيم بهَا وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة هم البالغون مبالغ الرِّجَال من أَوْلَاد مَوْلَانَا الإمام وَأما الْبَاقُونَ فهم صغَار لم يبلغُوا سن التَّكْلِيف عِنْد تَحْرِير هَذَا التَّارِيخ وَلَهُم جَمِيعًا فى الفراسة طرايق يعجز عَنْهَا غَيرهم وَلَا يدانيهم فِيهَا ساير النَّاس فَكل وَاحِد مِنْهُم إِذا لعب بفرسه بَين الفرسان صَار نزهة للناظرين وَلَا يفوقهم فى هَذَا الشَّأْن أحد إِلَى والدهم مَوْلَانَا الإمام فإنه في ذَلِك لَا يُبَارى وَلَا يُسَاوِيه أحد من النَّاس فإنه إذا طارد الفرسان وحرك خصانه بِجَانِب الميدان صَار المتفرد بِهَذَا الشان الفايق فِيهِ جَمِيع نوع الإنسان بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع من رَآهُ كَذَلِك أَن يمِيل نظره عَنهُ لما يرَاهُ من حسن الصِّنَاعَة والفروسية الْبَالِغَة إِلَى غَايَة البراعة وَله فِي التَّوَاضُع مَالا يُسَاوِيه
[ ١ / ٤٦٢ ]
فِيهِ أحد وَلَا يصدق بذلك إلا من تاخمه وجالسه فانه لَا يعد نَفسه إِلَّا كَأحد النَّاس بل قد رَأينَا كثيرًا مِمَّن هُوَ أَصْغَر خدمه بل مِمَّن هُوَ مُتَعَلق بأحقر عمل من عِنْد بعض خدمه يترفع فَوق ترفعه وَيرى لنَفسِهِ من الْحق فَوق مَا يرى لنَفسِهِ وَهَذِه خصيصة اختصه الله بهَا ومزيّة شرّفه الله بالتحلي بهَا فان التَّوَاضُع مَعَ مزِيد الشّرف أحب من الشّرف ثمَّ لَهُ من حسن الْأَخْلَاق أوفر حَظّ وَأكْرم نصيب قلّ أن يجد الإنسان مثل حسن خلقه عِنْد أَصْغَر المتعلقين بخدمته مَعَ مَا جبل عَلَيْهِ من حسن النِّيَّة وكرم الطوية وتفويض الْأُمُور إِلَى خالقه وَالْوُقُوف تَحت الْمَشِيئَة وَبِهَذَا السَّبَب ظفره الله بِمن يناويه وَنَصره على جَمِيع من يعاديه فَلم تقم لباغ عَلَيْهِ قايمة وَهُوَ مجبول على الغريزتين اللَّتَيْنِ يحبهما الله وَرَسُوله الْكَرم والشجاعة وَإِذا وَقع في الظَّاهِر شئ مِمَّا يظن من لم يطلع على الْحَقِيقَة أَنه يُخَالف ذَلِك فَهُوَ لعذر لَو اطلع عَلَيْهِ لوجده الصَّوَاب الذى لَا ينبغى سواهُ وَلَا يَلِيق غَيره وَقد يكون ذَلِك لسَبَب بعض المتصلين بمقامه العالى وَهَكَذَا إِذا وَقع فِي جَانب الرّعية مَالا يُنَاسب الشَّرْع فَهُوَ بِسَبَب من غَيره وَأما هُوَ فَلَا يحب إِلَّا الْخَيْر وَلَا يُرِيد إِلَّا الْعدْل وإذا اتَّضَح لَهُ ذَلِك أبْطلهُ وَلم يرض بِهِ وَكَثِيرًا مَا يخفى عَلَيْهِ ذَلِك بِسَبَب مصانعه بعض من يتَّصل بِهِ للْبَعْض الآخر فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة قد يَقع أَمر لَا يُريدهُ وَلَا يرضى بِهِ وَقد اشْتهر هَذَا بَين النَّاس حَتَّى لَا يَقع التوجع مِنْهُ فِي شئ أبدًا بل لجَمِيع الرعية فِيهِ غَايَة الْمحبَّة بِحَيْثُ أنه مرض فِي بعض السنين فَكَانُوا يَجْتَمعُونَ ويبكون وَيدعونَ لَهُ بِالْبَقَاءِ وَقل أَن يتَّفق مثل هَذَا لأحد من الْأَئِمَّة والسلاطين في الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وَهُوَ آخذ من علم الشَّرْع بِنَصِيب قرأ قبل مصير الْخلَافَة إليه
[ ١ / ٤٦٣ ]
في الْفِقْه والنحو على الْعَلامَة الْحسن بن علي حَنش الذي صَار وزيرًا لَهُ كَمَا تقدم وَله شغف شَدِيد بالكتب النفيسة ومطالعتها بِحَيْثُ لَا يقف في مَكَان إِلَّا وَعِنْده مِنْهَا عدَّة وَلما كَانَ في شهر رَجَب سنة ١٢٠٩ مَاتَ قاضيه الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ صَدرا من الصُّدُور وعارفا بقوانين الْأُمُور وَقد تولى الْقَضَاء الْأَكْبَر في أَيَّام جده الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وفي أَيَّام وَالِده الإمام المهدي وَضم إليه الوزارة ثمَّ نكبه وَأَعَادَهُ مَوْلَانَا الامام عِنْد أَن بُويِعَ بالخلافة وولاه الْقَضَاء الْأَكْبَر فَكَانَ يقوم بِأُمُور الْقَضَاء وَينْتَفع الامام ووزراه بسديد رَأْيه لمزيد اختباره وَكَمَال ممارسته وَكَانَ يَقْصِدهُ الوزراء إِذا نابهم امْر إلى بَيته ويطلبه الْخَلِيفَة إِذا عرض مُهِمّ فَكَانَ أَكثر الأمور تصدر عَن رَأْيه وَله فِي الصُّدُور مهابة عَظِيمَة وَحُرْمَة وافرة وجلالة تَامَّة ولعلها تَأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلَمَّا مَاتَ فى ذَلِك التَّارِيخ وَكنت إِذْ ذَاك مشتغلا بالتدريس فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد والافتاء والتضنيف منجمعًا عَن النَّاس لاسيما أهل الْأَمر وأرباب الدولة فإني لَا اتصل بِأحد مِنْهُم كَائِنا من كَانَ وَلم يكن لى رَغْبَة فى سوى الْعُلُوم وَكنت أدرس الطّلبَة فِي الْيَوْم الْوَاحِد نَحْو ثَلَاثَة عشر درسًا مِنْهَا مَا هُوَ في التَّفْسِير كالكشاف وحواشيه وَمِنْهَا مَا هُوَ في الْأُصُول كالعضد وحواشيه والغاية وحاشيتها وَجمع الْجَوَامِع وَشَرحه وحاشيته وَمِنْهَا مَا هُوَ في الْمعَانى وَالْبَيَان كالمطوّل والمختصر وحواشيهما وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي النَّحْو كشرح الرضى على الكافية والمغنى وَمِنْهَا مَا هُوَ فى الْفِقْه كالبحر وضوء النَّهَار وَمِنْهَا مَا هُوَ في الحَدِيث كالصحيحين وَغَيرهمَا مَعَ مَا يعرض من تَحْرِير الْفَتَاوَى وَيُمكن من التصنيف فَلم أشعر إِلَّا بطلاب لي من الْخَلِيفَة بعد
[ ١ / ٤٦٤ ]
موت القاضي الْمَذْكُور بِنَحْوِ أُسْبُوع فعزمت إِلَى مقَامه العالي فَذكر لي أَنه قد رجّح قيامي مقَام القاضي الْمَذْكُور فاعتذرت لَهُ بِمَا كنت فِيهِ من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ فَقَالَ الْقيام بالأمرين مُمكن وَلَيْسَ المُرَاد إِلَّا الْقيام بفصل مَا يصل من الْخُصُومَات إِلَى ديوانه العالي في يومي اجْتِمَاع الْحُكَّام فِيهِ فَقلت سيقع منى الاسخارة لله والاستشارة لأهل الْفضل وَمَا اخْتَارَهُ الله فَفِيهِ الْخَيْر فَلَمَّا فارقته مازلت مترددا نحواسبوع وَلكنه وَفد إِلَى غَالب من ينتسب إلى الْعلم فِي مَدِينَة صنعاء وَأَجْمعُوا على أَن الاجابة وَاجِبَة وَأَنَّهُمْ يَخْشونَ أَن يدْخل في هَذَا المنصب الذي إليه مرجع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة في جَمِيع الأقطار اليمنية من لَا يوثق بِدِينِهِ وَعلمه وَأَكْثرُوا من هَذَا وارسلوا إِلَى بالرسائل المطوّلة فَقبلت مستعينًا بِاللَّه ومتكلًا عَلَيْهِ وَلم يَقع التَّوَقُّف على مُبَاشرَة الْخُصُومَات في الْيَوْمَيْنِ فَقَط بل انثال النَّاس من كل مَحل فاستغرقت فِي ذَلِك جَمِيع الأوقات إِلَّا لحظات يسيرَة قد أفرغتها للنَّظَر فى شئ من كتب الْعلم أَو لشئ من التَّحْصِيل وتتميم مَا قد كنت شرعت فِيهِ واشتغل الذِّهْن شغلة كَبِيرَة وتكدّر الخاطر تكدرًا زايدا وَلَا سِيمَا وَأَنا لَا أعرف الْأُمُور الاصطلاحية في هَذَا الشَّأْن وَلم أحضر عِنْد قَاض فِي خُصُومَة وَلَا في غَيرهَا بل كنت لَا أحضر في مجَالِس الْخُصُومَة عِنْد والدي ﵀ من أَيَّام الصغر فَمَا بعْدهَا وَلَكِن شرح الله الصَّدْر وأعان على الْقيام بذلك الشَّأْن ومولانا الْخَلِيفَة حفظه الله مَا ترك شَيْئا من التَّعْظِيم إلا وَفعله وَكَانَ يجلني إجلالًا عَظِيما وَينفذ الشَّرِيعَة على قرَابَته وأعوانه بل على نَفسه وَأَنا حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف في سنة ١٢١٣ مُسْتَمر على مُبَاشرَة تِلْكَ الْوَظِيفَة مُؤثر للتدريس للطلبة في بعض
[ ١ / ٤٦٥ ]
والاوقات فى مصنفاتى وَغَيرهَا وأسأل الله بحوله وَطوله أَن يرشدني إلى مراضيه ويحول بيني وَبَين مَعَاصيه وييسر لى الْخَبَر حَيْثُ كَانَ وَيدْفَع عَنى الشَّرّ ويقيمني في مقَام الْعدْل ويختار لي مَا فِيهِ الْخَيْر فِي الدَّين وَالدُّنْيَا ولمولانا حفظه الله في خِلَافَته الغراء من الأمور الْعَظِيمَة مَالا يَتَّسِع لَهُ الا سيرة مُسْتَقلَّة فى مجلدات سدده الله في جَمِيع أُمُوره وأعانه على مَا فِيهِ رِضَاهُ وَجمع لَهُ بَين خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وفي آخر شهر رَجَب سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ والألف اتفقت حَادِثَة عَظِيمَة في صنعاء وهي أَن وَزِير مَوْلَانَا الإمام الْفَقِيه حسن بن حسن عُثْمَان العلفي تمكن تمَكنا كَبِيرا وَصَارَت الْأُمُور مقرونة بِهِ وَجَمِيع التدبيرات مَقْصُورَة عَلَيْهِ وَكَانَ بَينه وَبَين سيدي أَحْمد بن الإمام مواحشة بِسَبَب أُمُور تصدر في مقَام الْخَلِيفَة وبسبب تَقْصِيره في أرزاق الأجناد ثمَّ تزايدت الوحشة وَلم يسمع الْوَزير المناصحة منى لَهُ ادلالا بِمَالِه من الْحَظ عِنْد الْخَلِيفَة وصدرت مِنْهُ أُمُور مشعرة بالاستخفاف بِكَثِير من أقَارِب الْخَلِيفَة وَأَصْحَابه وتقصير فى الجرايات الَّتِى لقبايل بكيل حَتَّى كَانُوا يقطعون الطرق حول صنعاء وينهبون الأموال ويسفكون الدِّمَاء وَطَالَ ذَلِك وأضرّ بِالنَّاسِ وتقطعت الطّرق ووثب كثير من القبايل على الطرق الَّتِى بِقرب مِنْهُم فَجمع سيدي أَحْمد بن الإمام أَصْحَابه في التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَطلب الْوَزير الْمَذْكُور فَأبى فأرسل إليه جمَاعَة من الْجند فوصل وَقبض عَلَيْهِ وعَلى جمَاعَة من قرَابَته فَعظم ذَلِك على الْخَلِيفَة وَأَرَادَ استخلاصه فأرسل سيدي أَحْمد جمَاعَة من الْجند وَأَحَاطُوا بدار الْخلَافَة وَقد كَانَ فِيهَا سيدي عبد الله بن الإمام بِجَمَاعَة من أَصْحَابه فَوَقع حَرْب وَأرْسل
[ ١ / ٤٦٦ ]
إلى الْخَلِيفَة وأصلحت الْأَمر على أَن سيدي أَحْمد يكون تَدْبِير الْبِلَاد الإمامية إليه وَيكون لوالده بِمَنْزِلَة الْوَزير وَيبقى الْوَزير في اعتقاله وَفِي أول سَاعَة من لَيْلَة الأربعاء لَعَلَّه خَامِس عشر شهر رَمَضَان سنة ١٢٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف توفي مَوْلَانَا الإمام ﵀ بداره بِصَنْعَاء الْمُسَمَّاة بدار الإسعاد ثمَّ صلى عَلَيْهِ فِي قبَّة وَالِده المهدي في جمع جم وَكَانَ الذي صلى عَلَيْهِ رَاقِم هَذِه الأحرف وقبر في طرف بُسْتَان المتَوَكل وَوَقعت الْبيعَة لوَلَده مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله أَحْمد بن الْمَنْصُور فِي اللَّيْلَة الَّتِى مَاتَ فِيهَا الإمام وَكنت أول من بَايعه ثمَّ كنت المتولي لأخذ الْبيعَة لَهُ من أخوته وأعمامه وَسَائِر آل الإمام الْقَاسِم وَجَمِيع أَعْيَان الْعلمَاء والرؤساء وَكَانَت الْبيعَة مِنْهُم في أَوْقَات وَالله المسؤل أَن يَجْعَل للْمُسلمين فِيهِ صلاحًا وفلاحًا
٢٢٤ - علي بن عبد الْكَافِي بن علي بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى بن تَمام ابْن حَامِد بن يحيى بن عمر بن عُثْمَان بن علي بن سوار بن سليم السبكي تقى الدَّين أبوالحسن الشافعي
ولد أول يَوْم من صفر سنة ٦٨٣ ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وتفقه على وَالِده وَدخل الْقَاهِرَة فاشتغل على ابْن الرّفْعَة وَأخذ الأصلين عَن القاضي وَالْخلاف عَن السَّيْف البغدادي والنحو عَن أَبى حَيَّان وَالتَّفْسِير عَن الْعلم العراقي والقراءات عَن التقي الصايغ والْحَدِيث عَن الدمياطى والتصريف عَن ابْن عَطاء والفرايض عَن الشَّيْخ عبد الله العماري وَطلب الحَدِيث
[ ١ / ٤٦٧ ]
بِنَفسِهِ ورحل فِيهِ إِلَى الشَّام والإسكندرية والحجاز فأحذ عَن الْحفاظ وَولى بِالْقَاهِرَةِ تدريس المنصورية وَغَيرهَا وَكَانَ الأكابر من أَرْكَان الدولة يعظمونه وَلما توفي القَاضِي جلال الدَّين القزويني بِدِمَشْق طلبه النَّاصِر فى جمَاعَة ليختار مِنْهَا من يقرره مَكَانَهُ فَوَقع الِاخْتِيَار على صَاحب التَّرْجَمَة فوليها في جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٣٩ فباشر الْقَضَاء بِحرْمَة وعفة ونزاهة وأضيفت إليه الخطابة وَولى التدريس بدار الحَدِيث الأشرفية وَطلب إلى الْقَاهِرَة لتولية قَضَائهَا فبقي قَلِيلا وَلم يتم فأعيد وَكَانَ لَا يَقع لَهُ مسئلة مشكلة أَو مستغربة إلا وَيعْمل فِيهَا تصنيفًا وَقد جمع مسَائِله وَلَده تَاج الدَّين في أَرْبَعَة مجلدات قَالَ الصفدي مَا تعرض لَهُ أحد من نواب الشَّام أوغيرهم الا أُصِيب إِمَّا بعزل أَو موت قَالَ الأسنوي في الطَّبَقَات كَانَ أنظر من رَأَيْنَاهُ من أهل الْعلم وَمن اجمعهم للعلوم وَأَحْسَنهمْ كلَاما مَا فى الاشياء الدقيقة وأجلدهم على ذَلِك وَكَانَ في غَايَة الإنصاف وَالرُّجُوع إِلَى الْحق في المباحث وَلَو على لِسَان أحد الطّلبَة مواظبا على وظايف الْعِبَادَات مراعيًا لأرباب الْفُنُون وَتوفى ﵀ فِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٥٦ سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة وَله شعر جيد فَمِنْهُ
(إِن الْولَايَة لَيْسَ فِيهَا رَاحَة إِلَّا ثَلَاث يبتغيها الْعَاقِل)
(حكم بِحَق أَو إِزَالَة بَاطِل أَو نفع مُحْتَاج سواهَا بَاطِل)
وَمن شعره
(لعمرك إن لى نفسا تسامى إِلَى مالم ينل دَارا بن دَارا)
(فَمن هَذَا أرى الدُّنْيَا هباء وَلَا أرْضى سوى الفردوس دَارا)
وَكَانَ قد نزل عَن منصب الْقَضَاء لوَلَده تَاج الدَّين بعد أَن مرض ثمَّ
[ ١ / ٤٦٨ ]
عوفي وَمَات بعد أَيَّام فِي تَارِيخه الْمُتَقَدّم
٢٢٥ - السَّيِّد علي بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن محسن الْجلَال
الصَّنْعَانِيّ المولد وَالدَّار والنشأة ولد في شَوَّال سنة ١١٦٩ وَقَرَأَ على عُلَمَاء صنعاء كالسيد الْعَلامَة اسمعيل بن هادى الْمُفْتى وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن ابْن اسمعيل المغربى وَشَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَله مَشَايِخ في فنون عديدة وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وشارك في الْفُرُوع مُشَاركَة قَوِيَّة وتتبع الادلة فَعمل بهَا وَلم يُقَلّد أحدا وانتفع بِهِ الطّلبَة فى جَمِيع الْفُنُون وَأخذُوا عَنهُ في جَمِيع عُلُوم الِاجْتِهَاد وَفِيهِمْ من النبلاء جمَاعَة كَثِيرَة وَهُوَ من محَاسِن الْعَصْر وافراد الدَّهْر مكب على الْعُلُوم فِي جَمِيع الأوقات قوي الْحِفْظ سريع الْفَهم صَحِيح الذِّهْن مَعَ مزِيد التَّوَاضُع والتودد والبشاش وَحسن الأخلاق والسكينة وَالْوَقار ورصانة الْعقل وصيانة الدَّين وَالتَّعَفُّف وفي عَام تَحْرِير هَذِه الأحرف جعله مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله من جملَة قُضَاة صنعاء وعظّمه بِمَا يسْتَحقّهُ بعد أَن عَرفته حفظه الله بجلالة مِقْدَار صَاحب التَّرْجَمَة وأشرت عَلَيْهِ بنصبه فباشر الْقَضَاء مُبَاشرَة حَسَنَة مشكورة وابتهج النَّاس بقبوله لذَلِك وأثنوا على الْخَلِيفَة حفظه الله بانتخاب مثله فإنه من أكَابِر عُلَمَاء الْعَصْر وأفاضل أَبنَاء الدَّهْر وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وهومع اشْتِغَاله بِمنْصب الْقَضَاء لم يدع الِاشْتِغَال بِالْعلمِ بل هُوَ مُسْتَمر على التدريس للطلبة فِي الْكتب الحافلة وَقد دَار بيني وَبَينه مباحثات نافعة ومراجعات جَيِّدَة وترافقنا فِي الْقِرَاءَة على شَيخنَا المغربي في الْكَشَّاف وَفِي شرح
[ ١ / ٤٦٩ ]
بُلُوغ المرام وبيني وَبَينه مطارحات أدبية فَمن ذَلِك أَنى كتبت إليه قصيدة أَيَّام الطلب مطْلعهَا
(برق ثرى فأثار فى أحشائى نَار الْهوى بعد انداراس هوائي)
فَأجَاب صَاحب التَّرْجَمَة بقصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(أرياض روض أشرقت أزهاره تفترّ عَن بشر وَعَن سراء)
(أم لُؤْلُؤ الأصداف قد صادفته فى رقة وملاحة وبهاء)
(أم يُوشَع فِي الْعَصْر قد ردَّتْ لَهُ شمس النَّهَار بحندس الظلماء)
(أم هَذِه عين البلاغة قلدت بقلائد العقيان للبلغاء)
(ودلايل الأعجاز في تبيانها تبدوا بإيضاح لَدَى الفصحاء)
(أسرار لطف الله حلّت لَفظهَا فتنزّهت عَن وصمة وخطاء)
(والسعد لمالاح في إيجازها صَار الشريف لَهَا من الخدماء)
(وهي أَبْيَات طَوِيلَة كالأصل ونظمه الْآن عافاه الله أَعلَى من هَذِه الطَّبَقَة فهي من أَوَائِل نظمه وَله رسائل يحررها إذا ورد إليه سُؤال أَو وَقعت المباحثة بَينه وَبَين أحد الْعلمَاء وَقد كَانَ شرع في جمع تَارِيخ وَلَعَلَّه لم يكمل
٢٢٦ - السَّيِّد علي بن عبد الله بن أَحْمد بن علي بن عِيسَى الحسيني الملقب نور الدَّين الْمَعْرُوف بالسمهودي
ولد سنة ٨٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وثمان مائَة بسمهود وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والمنهاج ولازم وَالِده وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَقدم الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على جمَاعَة مِنْهُم الجوجري والمناوي وزين زَكَرِيَّا والبلقيني والمحلي ثمَّ حج وجاور وَسمع
[ ١ / ٤٧٠ ]
من السخاوي وَتردد مَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَعمل للمدينة تَارِيخا وصنّف حَاشِيَة على إيضاح النووى لى الْمَنَاسِك وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة ولقي السُّلْطَان فأحسن إليه وَجعل لَهُ جراية ووقف على الْمَدِينَة كتبًا لأَجله ثمَّ سَافر لزيارة والدته وزار بَيت الْمُقَدّس وَعَاد إلى الْمَدِينَة ثمَّ إلى مَكَّة فحج وَرجع إلى الْمَدِينَة وَصَارَ شيخها غير مدافع وَله فَتَاوَى مجموعات ومؤلفات غير مَا ذكر وَمَوته تَقْرِيبًا سنة اثنتي عشر وَتِسْعمِائَة
٢٢٧ - عَليّ بن عبد الله بن علي بن راوع الْعَلامَة الزبدى القاضي
أَخذ عَن الإمام شرف الدَّين وَغَيره وبرع فِي فنون لاسيما علم الْفِقْه وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِصَنْعَاء للإمام شرف الدَّين وَله شرح على الاثمار وَقيل أنّ لَهُ شرحًا على الأزهار وَمَات سنة ٩٥٩ تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وقبر بِبَلَد عَاشر من بِلَاد خولان وَكَانَ سَبَب مَوته أَنه سقط من صرح دَاره بعاشر
[ ١ / ٤٧١ ]
٢٢٨ - علي بن قَاسم حَنش
ولد فِي شهر محرم سنة ١١٤٣ ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وألف وَنَشَأ بوطنه ذيبين ثمَّ ارتحل إلى كوكبان وَقَرَأَ على علمائها ثمَّ وصل إلى صنعاء وأخذ عَن أَهلهَا وَتردد في الديار اليمنية حَتَّى عرف أَكْثَرهَا أَو كلهَا واختبر بِأَهْلِهَا خاصتهم وعامتهم وَحج وَعَاد وَوصل إلى صنعاء فاتصل بالإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن فقرّبه وَأَدْنَاهُ وجالسه وَشرع في ترشيحه للوزارة لما رأى من تأهله لذَلِك مَعَ فَصَاحَته ورجاحة عقله واختباره بِالنَّاسِ ومعرفته بطبقاتهم وَحفظه لأخبارهم وامتناعه فِي جَمِيع ذَلِك وَحسن محاضرته وذلاقة لِسَانه وفرط ذكائه فحسده جمَاعَة من الوزراء فأغروا بِهِ الإمام حَتَّى أبعده عَنهُ وَحبس دهرًا طَويلا ثمَّ أفرج عَنهُ وَسكن صنعاء وَهُوَ من نَوَادِر الدَّهْر فِي جَمِيع أَوْصَافه لَا يخفى عَلَيْهِ من أَحْوَال أَبنَاء دهره خافية وَلَا يسمع مُتَكَلم يتَكَلَّم في علم أَو أدب أَو تَارِيخ من تقدم أَو تَأَخّر إلا ويجري مَعَه ويحكي مثل حكايته وَله في الْعلم حَظّ وافر وَفِي الأدب سهم قامر وَفِيه كرم مفرط يجود بموجوده مَعَ قلَّة ذَات يَده وَقد يتَصَدَّق في بعض أوقاته بثيابه وَلَا يمسك شَيْئا وَقد كَانَ يصل اليه عِنْد اتِّصَاله بالامام المهدى شئ وَاسع فينفقه وَلَا يدخر مِنْهُ شَيْئا وَهُوَ من رجال الدَّهْر قد حنكته التجارب وحلب الدَّهْر أشطره ومارس مالم يمارسه غَيره من مَحْبُوب ومكروه وصديق وعدو وَشدَّة ورخاء وَهُوَ أسْرع النَّاس جَوَابا في كل مَا يرد عَلَيْهِ لَا يعجم وَلَا يتلعثم وَلَا يَعْتَرِيه خور وَكَثِيرًا مَا يتفرس فِي الْحَوَادِث قبيل وُقُوعهَا فيتفق وُقُوعهَا فى الْغَالِب كَمَا يحدس وَله اتِّصَال باكابر النَّاس واصاغرهم قد اسْتَوَت لَدَيْهِ طبقاتهم كَمَا اسْتَوَت لَدَيْهِ الشدَّة والرخاء والاقبال
[ ١ / ٤٧٢ ]
والإدبار والمحبوب وَالْمَكْرُوه قد رأى نَفسه أميرًا كَمَا رأها فَقِيرا ورأها تَارَة فى اليفاع وَتارَة في أَخفض الْبِقَاع وَهُوَ الْآن في الْحَيَاة قد جَاوز السّبْعين وَلم يفتر نشاطه وَلَا خف ضَبطه وَلَا تكدرت أخلاقه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ قَلِيل النظير في مَجْمُوعه وَمن محَاسِن كَلَامه الذي سمعته مِنْهُ النَّاس على طَبَقَات ثَلَاث فالطبقة الْعَالِيَة الْعلمَاء الأكابر وهم يعْرفُونَ الْحق وَالْبَاطِل وإن اخْتلفُوا لم ينشأ عَن اخْتلَافهمْ الْفِتَن لعلمهم بِمَا عِنْد بَعضهم بَعْضًا والطبقة السافلة عَامَّة على الْفطْرَة لَا ينفرون عَن الْحق وهم أَتبَاع من يقتدون بِهِ إن كَانَ محقًا كَانُوا مثله وإن كَانَ مُبْطلًا كَانُوا كَذَلِك والطبقة المتوسطة هي منشأ الشَّرّ وَاصل الْفِتَن الناشئة في الدَّين وهم الَّذين لم يمعنوا في الْعلم حَتَّى يرتقوا إلى رُتْبَة الطَّبَقَة الأولى وَلَا تَرَكُوهُ حَتَّى يَكُونُوا من أهل الطَّبَقَة السافلة فإنهم إذا رَأَوْا أحدًا من أهل الطَّبَقَة الْعليا يَقُول مَالا يعرفونه مِمَّا يُخَالف عقائدهم الَّتِى أوقعهم فِيهَا الْقُصُور فوقوا اليه سِهَام الترقيع ونسبوه إلى كل قَول شنيع وغيّروا فطر أهل الطَّبَقَة السُّفْلى عَن قبُول الْحق بتمويهات بَاطِلَة فَعِنْدَ ذَلِك تقوم الْفِتَن الدِّينِيَّة على سَاق هَذَا معنى كَلَامه الذي سمعناه مِنْهُ وَقد صدق فإنّ من تَأمل ذَلِك وجده كَذَلِك ثمَّ مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شهر محرم سنة ١٢١٩ تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف وَقد كَانَ اشْتغل بتاريخ دولة الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْمَنْصُور فأملى حوادثها من حفظه بِمَا يتعجب مِنْهُ ثمَّ شرع فِي تَارِيخ وَلَده مَوْلَانَا إمام الْعَصْر حفظه الله فَمَاتَ بعد الشُّرُوع فِي ذَلِك
٢٢٩ - علي بن قَاسم السنحاني
بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون بعْدهَا نِسْبَة إلى بِلَاد سنحان اسْم لقبيلة قريبَة
[ ١ / ٤٧٣ ]
من مَدِينَة صنعاء كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ القايم بِمذهب الزيدية أَيَّام ولَايَة الأتراك على صنعاء وَكَانُوا يَجْتَمعُونَ إليه إلى مَسْجِد دَاوُد أحد مَسَاجِد صنعاء وَيَأْخُذُونَ عَنهُ فقه الزيدية ويقصده أهل الْأَمْوَال مِنْهُم بالنذور الواسعة فَيصْرف ذَلِك فِي تلامذته وَبَالغ أُمَرَاء الأروام فِي اتِّصَاله بهم فَلم يفعل وَاتفقَ فِي أَيَّامه قَضِيَّة هي أن بعض أَوْلَاد الْأَشْرَاف من أهل صنعاء دخل يتَوَضَّأ فِي ذَلِك الْمَسْجِد فَلم يشْعر إِلَى بتركي قد دخل عَلَيْهِ وَأَرَادَ بِهِ الْفَاحِشَة فطعنه بسكين فَمَاتَ وَخرج من مطاهير المَاء الى الْمَسْجِد وَصَاحب التَّرْجَمَة يقرئ الطّلبَة فساره بِمَا وَيَقَع ثمَّ طلب الساني الذي يسنى من الْبِئْر إلى المطاهير وَأمره أَن يكثر المسنى إلى المطاهير وَأمر بتغليق أَبْوَاب المطاهير فانتصب المَاء حَتَّى مَلأ ساحات المطاهير ثمَّ أَمر بتقطيع التركي قطعًا صغَارًا وأخرج إِلَى مَحل بعيد وَمِمَّا يحْكى عَنهُ أَنه بلغه أَن رجلًا من أهل صنعاء لَهُ ولدان أمردان جميلان وَأَن لَهما دكانين يقعدان فيهمَا ويصل اليهما أهل الْفساد من الاتراك فَيَقَع المعاصي والمغاني وَنَحْوهَا هُنَالك فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة لرجل من أهل الصلاح هَل يمكنك أَن تَدعِي أَن الدكانين لَك وَأحكم لَك بذلك فَقَالَ لَيْسَ لي فيهمَا ملك فَقَالَ قد علمت ذَلِك وَلَكِن هَذَا مِمَّا يسوغه الشَّرْع فَفعل الرجل ذَلِك وَحكم لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ لَهُ من إنكار الْمُنْكَرَات قضايا مستحسنة وَله تلامذة نبلاء مِنْهُم القاضي يُوسُف الحماطي وَكَانَ اعْتِمَاد أهل صنعاء فى الْفَتَاوَى عَلَيْهِ وَلَهُم فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَلَعَلَّ مَوته فِي حُدُود الْألف الْألف من سنى الْهِجْرَة
[ ١ / ٤٧٤ ]
٢٣٠ - علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد العنسيّ الصنعاني
الشَّاعِر البليغ القاضي الْمَشْهُور أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَعْيَان عصره وَقَالَ الشّعْر الْحسن فَمن مقطعاته الفائقة قَوْله
(اما عذار الحبيب قد أسرا قلبي الْمَعْنى وأرّقا عيني)
(ملّكته الْقلب إِذْ نظرتهما فالقلب ملك لَهُ بلامين)
وَمن قصائده القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(أما ودموع فِيك تكْتب ماأملى لقد صدحتى شح بالكتب وَالرسل)
وهي قصيدة جَيِّدَة وَمن بَدَائِع قصائده القصيدة الْمَشْهُورَة وهى
(ياسميرى وللفتوة قوم خلقُوا من سلافة الانسجام)
(بطراز الرفا بتشبيب مهيا ر بلطف البها بطبع السلامى)
(قُم فعرج بِنَا على مرقص الشع ر وفتش بِنَا طَرِيق الغرام)
(كعيون المها وياظيبة البا ن ألافاسقنى أدر يَا غلامي)
(وأرحني من الْكَلَام الذي يشم خَ أنفًا بالبأس والإقدام)
(كلبسنا الْحَدِيد ثمَّ اعتنقنا ألفًا من مثقف فَوق لأم)
(وَمن الناسك المشمر كمي هـ كنظم الْفَقِيه في الْأَحْكَام)
(ثمَّ دعني من الصعُود إلى رضو ى وأعني بذا وعور الْكَلَام)
(كقفانبك أَو أقِيمُوا بنى أ مى وَتلك الصخور فَوق الآكام)
(مالنا والبكا على رسم دَار خل هَذَا لعروة بن حزَام)
(مَا ترى رقة النسيم وَقد هَب كشكوى متيّم مستهام)
(ورياض برزن كالغيد حَتَّى إِنَّهَا مَا خلت من النمام)
(وَكَأن الوسمي صب شكى البي ن إليها بلوعة وغرام)
[ ١ / ٤٧٥ ]
(وَعلا بالرعود مِنْهُ نحيب عَن حَشا بالبروق ذَات اضطرام)
(وَكَأن الزهور حِين تغطّت عِنْد ذَاك النحيب بالأكمام)
(خجلت والشقيق فِيهَا خدود صبغت بِالْحَيَاءِ فهي دوامي)
(فبحسن الرياض بل بودادي لَك يَا منيتي على الْأَيَّام)
(لَا تقل اطَّلَعت سَمَاء الدياجي شفقًا عِنْد روضنا البسّام)
(غير أَن المريخ غَار من الور د فأغرى بِهِ نُجُوم الظلام)
(فاستعار الذِّرَاع كفّ الثريا واجتناه من تَحت كم الْغَمَام)
أنظر مافى هَذِه القصيدة من الانسجام والرقة والمسلك العذب والمعاني الجزلة وغالب شعره على هَذَا الأسلوب وَهُوَ مَجْمُوع في مُجَلد لطيف وَكَانَ لَهُ تعلق بِالْعلمِ وتدريس في فنون فَمن تلامذته السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير وذكرانه قَرَأَ عَلَيْهِ في النَّحْو والمنطق وَمَات فَجْأَة في شهر جُمَادَى الأولى أَو الآخرة سنة ١١٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وألف
٢٣١ - عليّ بن مُحَمَّد بن سعد بن مُحَمَّد بن علي بن عُثْمَان بن اسماعيل ابْن إبراهيم بن يَعْقُوب بن علي بن هبة الله بن نَاجِية الْمَشْهُور بِابْن خطيب الناصرية الحلبي الشَّافِعِي
ولد سنة ٧٧٤ أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن وَالِده والسراج البلقيني رَحل إلى مصر والقدس وَأخذ على عُلَمَاء ذَلِك الزَّمن وَكَانَ إمامًا فِي الْفِقْه والْحَدِيث عَالما بالأصول والعربية حَافِظًا للتاريخ اشْتهر ذكره في الأقطار وَترْجم أَعْيَان حلب وَجَمِيع من دخل إليها وَجمع لَهَا تَارِيخا حافلًا جعله ذيلًا على تَارِيخ الْكَمَال بن العديم وَهُوَ نظيف اللِّسَان والقلم وَله تصانيف كالطبية الرَّائِحَة فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة وسيرة
[ ١ / ٤٧٦ ]
الْمُؤَيد وَشرح حَدِيث أم زرع وَغير ذَلِك وَولى قَضَاء بَلَده غير مرة ثمَّ ولي قَضَاء طرابلس وحمدت سيرته فِي جَمِيع مباشراته وَولى الخطابة بِبَلَدِهِ ودرس وَأفْتى وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى مَاتَ بحلب يَوْم الْخَمِيس نصف ذي الْقعدَة سنة ٨٤٣ ثَلَاث وأربعين وثمان مائَة وَخلف دنيا وَاسِعَة
٢٣٢ - علي بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن فتوح بن ابراهيم بن أبي بكر ابْن الْقَاسِم بن سعد بن مُحَمَّد بن هِشَام بن عمر الثَّعْلَبِيّ
الدمشقي الشافعي الموصلي تَاج الدَّين الْمَعْرُوف بِابْن الدّريهم وبابن أبي الْخَيْر ولد في شعْبَان سنة ٧١٢ اثنتي عشرَة وَسَبْعمائة وَقَرَأَ على ابْن الشَّيْخ القوفية الْمُقدم ذكره وعلاء الدَّين التركماني وأبي حَيَّان وارتحل إلى الْقَاهِرَة وَكَانَ يتجر وَيبِيع من مُلُوك ذَلِك الْعَصْر وَله مَال كثير ثمَّ درس بِدِمَشْق ثمَّ دخل مصر فَبَعثه النَّاصِر رَسُولا إلى ملك الْحَبَشَة وَكَانَ ماهرًا فِي الأحاجي والألغاز والأوفاق وَالْكَلَام على الْحُرُوف وخواصها وَكَانَت لَهُ معرفَة بالفقه والْحَدِيث والاصول والقراءات وَالتَّفْسِير والحساب وَيتَكَلَّم في جَمِيع ذَلِك وَله تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا النسمات الفايحة لما في آيَات الْفَاتِحَة إشراف النَّفس في الحمدلات الْخمس الْآثَار الرائعة في أسرار الْوَاقِعَة كنز الدُّرَر في حُرُوف أَوَائِل السُّور غَايَة النعم في الِاسْم الْأَعْظَم نفع الجدوى في الْجمع بَين أَحَادِيث الْعَدْوى الْمُبْهم في حل المترجم غَايَة الاعجاز فِي الاحاجى والألغاز سلم الحراسة فى علم الفراسة بسط الْفَوَائِد في حِسَاب الْقَوَاعِد وَغير ذَلِك وَمَات في سنة ٧٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
[ ١ / ٤٧٧ ]
٢٣٣ - عليّ بن مُحَمَّد الشوكاني
وَالِد جَامع هَذَا الْكتاب غفر الله لَهما وَسِيَاق نسبه هَكَذَا علي بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن مُحَمَّد بن صَلَاح بن إبراهيم بن مُحَمَّد الْعَفِيف بن مُحَمَّد بن رزق ينتهي إلى خيشنة بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة فمثناة تحتية سَاكِنة فشين مُعْجمَة مَفْتُوحَة فنون فهاء ابْن زبّاد بِالْمُعْجَمَةِ ثمَّ مُوَحدَة مُشَدّدَة وَبعد الْألف مُهْملَة ابْن قَاسم بن مرهبة الْأَكْبَر بن مَالك بن ربيعَة بن الدعام الذي كَانَ يذكرهُ الهادي ﵇ في خطبَته لكَونه من أنصاره وَمِمَّنْ لَهُ الْعِنَايَة في خُرُوجه من الرس الى الْيمن ابْن ابراهيم بن عبد الله بن ردي بن مَالك هَكَذَا وَقع سِيَاق نسب خيشنة فِي بعض كتب الْأَنْسَاب وَوَقع سِيَاق نسبه فِي كتاب الشريف أَبى عَلامَة الْمُؤَيد الْمَعْرُوف بروضة الألباب في معرفَة الأنساب هَكَذَا خيشنة بن زبّاد بن قيلم بن ربيعَة بن مرهبة بن أجدع بن سعيد بن مَسْعُود بن وَائِل بن الْحَارِث الأصغر بن ربيعَة بن الْحَارِث الأكبر بن ربيعَة بن مرهبة الاكبر بن الدعام بن مَالك ابْن ربيعَة انْتهى وفي مشجر الأشرف الغساني أَن الدعام بن ابراهيم هُوَ ابْن عبد الله بن ياسين بن حجيل بن عمَارَة بن زَاهِر بن ثُمَامَة بن سعد بن عمَارَة بن عبد بن عليان بن الدعام بن رُومَان بن بكيل انْتهى وفي كتاب أَبى نصر النهلاوي أن الدعام بن إبراهيم بن عبد الله بن ابراهيم بن الْحُسَيْن ابْن عبد الله بن الأزهر بن ناشر بن حجل بن عميرَة بن عبد بن عليان بن أرحب بن الدعام بن مُعَاوِيَة انْتهى ثمَّ اتَّفقُوا فَقَالُوا ابْن صَعب بن رُومَان ابْن بكليل بن خيران بن نوف بن تبع بن زيد بن عمر بن هَمدَان بن مَالك ابْن زيد بن أوسلة بن ربيعَة وفي بعض الْكتب الْمَذْكُورَة سَابِقًا ابْن
[ ١ / ٤٧٨ ]
الْخِيَار مَكَان ربيعَة ثمَّ اتَّفقُوا فَقَالُوا ابْن النيت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود بن عَابِر بن سالخ بن ارفخشد ابْن سَام بن نوح بن لمك بن متوشلح بن أَخْنُوخ بن لود بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شِيث بن آدم وحوى سَلام الله عَلَيْهِمَا وَذكر المسعودي في المروج أَن هِشَام بن الكلبي حكى عَن أَبِيه وَعَن شرقي القطامي أَنَّهُمَا كَانَا يذهبان إلى أَن قحطان هُوَ ابْن الهميسع بن نبت وَهُوَ نابت بن اسمعيل بن إبراهيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ ثمَّ ذكر المسعودي بعد ذَلِك أَن أَنْسَاب الْيمن تَنْتَهِي إلى حمير وكهلان ابني سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وأن قحطان هُوَ ابْن عَابِر قَالَ هَذَا هوالمتفق عَلَيْهِ عِنْد أهل الْخِبْرَة قَالَ وَكَانَ الحيثم بن عدي يُنكر أيضًا أن يكون قحطان من ولد اسمعيل وَقد أَطَالَ الْبَحْث في ذَلِك فَليرْجع إليه وَلَا شك أَن قَول من زعم أَن قحطان لَيْسَ هُوَ ابْن هود مُخَالف للصَّوَاب وَلما أطبق النَّاس عَلَيْهِ قَدِيما وحديثًا حَتَّى ذكر ذَلِك في الْأَشْعَار كَمَا قَالَ بعض القحطانية يفتخر على بعض العدنانية
(أَبونَا نبيّ الله هود بن عَابِر فها نَحن أَبنَاء النبي المطهر)
(ملكنا بِلَاد الله شرقًا ومغربًا ومفخرنا يسمو على كل مفخر)
وإنما قلت إن رزق ينتهى نسبه الى خيشنة وَلم أقل رزق بن خيشنة لقصد الِاحْتِيَاط لِأَن الشَّك معي حَاصِل في رزق هَل ابْن خيشنة بِلَا فصل كَمَا سَمِعت من بعض الاكابر الْقَرَابَة وَهُوَ الْمَشْهُور عِنْد جَمِيع من لَهُ فطنة من أَوْلَاد رزق الْمَذْكُور أَو بَينه وَبَينه وَاسِطَة فَالله أعلم
هَذَا سِيَاق نسب والدي المترجم لَهُ ﵀ ومولده تَقْرِيبًا في سنة
[ ١ / ٤٧٩ ]
ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَعرف في صنعاء بالشوكاني نِسْبَة إلى شوكان وهي قَرْيَة من قرى السحامية إحدى قبائل خولان بَينهَا وَبَين صنعاء دون مَسَافَة يَوْم وَهُوَ أحد الْمَوَاضِع الَّتِى يُطلق عَلَيْهَا شوكان قَالَ فى الْقَامُوس شوكان مَوضِع بِالْبَحْرَيْنِ وحصن بِالْيمن وبلدة بن سرخس وأيبورد مِنْهُ عقيق بن مُحَمَّد بن عنيس وَأَخُوهُ أَبُو الْعَلَاء عنيس بن مُحَمَّد الشَّوْكَانِيّ انْتهى وَهُوَ الْحصن الذي ذكره فإن هَذِه الْقرْيَة الَّتِى ينْسب اليها صَاحب التَّرْجَمَة من أعظم الْحُصُون بِالْيمن وَقَالَ الخيضري في كِتَابه الذي سَمَّاهُ الِاكْتِسَاب في الأنساب في حرف الشين الْمُعْجَمَة مَا لَفظه الشوكاني بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيه وكاف بعْدهَا ألف وَنون نِسْبَة إلى بَلْدَة من نَاحيَة جازان بَين سرخس وأيبورد مِنْهَا أَبُو الْعَلَاء عنيس بن مُحَمَّد بن عنيس الشَّوْكَانِيّ كَانَ شَيخا عَالما دخل مرو وتفقه بهَا على أَبى المظفر السَّمْعَانِيّ وَسمع مِنْهُ الحَدِيث وَمن وَالِد مُحَمَّد بن عنيس صم ولي الْقَضَاء ببلاده مُدَّة سمع مِنْهُ المُصَنّف وَمَات فى حُدُود الثَّلَاثِينَ وَخمْس مائَة
وَأما الْفضل كَرِيمَة بنت أَبى الْحسن علي بن اسحق بن علي بن مُحَمَّد المالكي الشَّوْكَانِيّ امْرَأَة من بَيت الحَدِيث والدها أَبُو الْحسن كَانَ لَهُ رحْلَة إلى نيسابور وَسمع الْكثير بِقِرَاءَة أبى المظفر السمعاني وَحصل بهَا الإجازة عَن جمَاعَة من الشُّيُوخ مثل أَبى مُحَمَّد بن الحميد بن عبد الرَّحْمَن البحري وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد الشَّوْكَانِيّ المالكي من أهل شوكاني كَانَ من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح ووالده أبو طَاهِر كَانَ من مشاهير الْمُحدثين بخراسان سمع أَبَاهُ طَاهِر وَأَبا الْفضل مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي الْحسن الْعَارِف المهيني ولد في حُدُود سِتِّينَ وَأَرْبع مائَة وَتوفى في شعْبَان
[ ١ / ٤٨٠ ]
سنة ٥٣٢ بشوكان انْتهى مَا في الِاكْتِسَاب وَهُوَ وإن كَانَ خَارِجا عَن التَّرْجَمَة غير أَنه لَا يَخْلُو من فايدة وثمة مَوضِع بِالْيمن آخر يُقَال لَهُ شوكان بِقرب مَدِينَة ذمار وَسمعت من بعض الثِّقَات أَن ثمَّة موضعًا ثَالِثا بِبِلَاد وَادعَة يُقَال لَهُ شوكان فإن لم يكن أحد المحلين حصنا كَانَ مُرَاد صَاحب الْقَامُوس هُوَ الْموضع الَّذِي ينْسب إليه صَاحب التَّرْجَمَة وإن كَانَ حصنين أَو أَحدهمَا لم يحسن الْجَزْم بِأَن مُرَاده أَحدهمَا دون الآخر وَفِي سيرة الإمام الهادي يحيى بن الْحُسَيْن أَنه نزل بِمحل يُقَال لَهُ شوكان من بِلَاد نَجْرَان وهذ يُفِيد أن بِالْيمن أَرْبَعَة مَوَاضِع يُسمى كل وَاحِد مِنْهُمَا شوكان وَنسبَة صَاحب التَّرْجَمَة إلى شوكان لَيست حَقِيقِيَّة لِأَن وَطنه ووطن سلفه وقرابته هُوَ مَكَان عدني شوكان بَينه وَبَينهَا جبل كَبِير مستطيل يُقَال لَهُ الْهِجْرَة وَبَعْضهمْ يَقُول لَهُ هِجْرَة شوكان فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة كَانَ انتساب أَهله الى شوكان وَهَذِه الْهِجْرَة معمورة بِأَهْل الْفضل وَالصَّلَاح وَالدّين من قديم الْأَزْمَان لَا يَخْلُو وجود عَالم مِنْهُم في كل زمن وَلكنه يكون تَارَة فى بعض الْبُطُون وَتارَة في بطن أُخْرَى وَلَهُم عِنْد سلف الْأَئِمَّة جلالة عَظِيمَة وَفِيهِمْ رُؤَسَاء كبار ناصروا الْأَئِمَّة ولاسيما في حروب الأتراك فإن لَهُم فِي ذَلِك الْيَد الْبَيْضَاء وَكَانَ فيهم إِذْ ذَاك عُلَمَاء وفضلاء يعْرفُونَ في سَائِر الْبِلَاد الخولانية بالقضاة وَكَانُوا يتفرقون في الْقَبَائِل ويدعونهم إلى الْجِهَاد ويحثونهم على حَرْب الأتراك وَكَانَ من بِصَنْعَاء من الأتراك يغزون إلى هَذَا الْمحل غَزْوَة بعد غَزْوَة ويخربون فِيهِ الْبيُوت ويعودون إلى صنعاء وغزوهم في بعض السنين فى يَوْم الْعِيد تركوهم حَتَّى اجْتَمعُوا في الْمَسْجِد لصَلَاة الْعِيد فَلم يشعروا إلا وجنود الأتراك قائمون
[ ١ / ٤٨١ ]
على أبوابه فقاتلوهم فَقتل مِنْهُم جمَاعَة وفر آخرون وَأسر الأتراك أكابرهم ودخلوا بهم صنعاء وَقد أخبرني عمي الْحسن بن مُحَمَّد بن عبد الله أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة بعجائب وغرائب مِمَّا اتفق وَهُوَ يرْوى ذَلِك عَن جده عبد الله وَكَانَ مِمَّن قَاتل الاتراك وعمره مائَة وَعشْرين سنة وعمي الْحسن الْمَذْكُور عَاشَ زِيَادَة على تسعين سنة فأنا أروي قتال الأتراك بِوَاسِطَة وَاحِد بيني وَبَين من قَاتلهم وَبَين تَحْرِير هَذِه الأحرف وَبَين اخراج الاتراك من جمبع الأقطار اليمنية زِيَادَة مائَة وَسبعين سنة وَهَذَا علو في الرِّوَايَة قل أَن يتَّفق مثله فان بَين كثير من أهل الْعَصْر وبن من حضر قتال الأتراك من سلفهم سَبْعَة أَبَا وَثَمَانِية وهذاعارض من القَوْل وَلكنه لَا يَخْلُو عَن فَائِدَة وَقد اشْتهر جمَاعَة من أهل الْمحل الْمَذْكُور أعني هِجْرَة شوكان بِالْعلمِ فَمنهمْ الْعَلامَة الْحُسَيْن بن علي الشَّوْكَانِيّ كَانَ من أكَابِر الْعلمَاء الْمُحَقِّقين لعلم الْفُرُوع وَقد ترْجم لَهُ السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد في كتاب طَبَقَات الزيدية فَقَالَ مالفظه الْحُسَيْن بن على الشوكانى بِمُعْجَمَة الْفَقِيه الْعَلامَة قَرَأَ في الْفِقْه على القَاضِي إبراهيم بن يحيى السحولي وَأحمد بن سعيد الهبل وَقَرَأَ على أبناء الزَّمَان كالشيخ هادي الشاطبي وَمُحَمّد بن أَحْمد الهبل وَكَانَ فَقِيها إمامًا في الْفُرُوع ثمَّ بيّض لباقي التَّرْجَمَة انْتهى وَمِنْهُم القاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن صَالح الشوكانى كَانَ من المتقنين لعلم الْفِقْه وَغَيره وَهُوَ أحد قَضَاهُ المتَوَكل على الله اسمعيل فَمن بعده من الْأَئِمَّة وَرَأَيْت لَهُ مكاتبات ومراجعات إلى الْأَئِمَّة وَكَانَ يقْصد بالمشكلات من الْفَتَاوَى إلى تِلْكَ الْهِجْرَة وَكَانَ مولد والدي ﵀ في ذَلِك التَّارِيخ بِتِلْكَ الْهِجْرَة ونشأبها فحفظ الْقُرْآن ثمَّ ارتحل إلى صنعاء لطلب الْعلم فَقَرَأَ على جمَاعَة من
[ ١ / ٤٨٢ ]
علمائها مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الكبسي وَالسَّيِّد الْعَلامَة علي بن حسن الكبسي وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن مُحَمَّد الاحفش والقاضى الْعَلامَة مُحصن بن أَحْمد العابد وَجَمَاعَة كَثِيرَة وبرع في علم الْفِقْه والفرائض فحقق الأزهار وَشَرحه لِابْنِ مِفْتَاح وحواشيه وَبَيَان ابْن مظفر وَالْبَحْر الزخار ومختصر الْفَرَائِض للعصيفرى وَشَرحه للناظرى وَشرح الخالدين وَعلم الضَّرْب والمساحة وَقَرَأَ في كتب الحَدِيث الشِّفَاء للأمير حُسَيْن وَالشَّمَائِل للترمذي وَمن كتب التَّفْسِير الثمرات للفقيه يُوسُف وَشرح الْآيَات للنجري وفي النَّحْو الملحة وَبَعض شروحها والحاجبية وَشَرحهَا للسَّيِّد الْمُفْتى وَفِي الْأُصُول الكافل لِابْنِ بهران وَشَرحه لِابْنِ لُقْمَان وَغير هَذِه المسموعات مِمَّا لَا يحضرنى الْآن وَمَا زَالَ يدأب فى تَحْصِيل الْعلم مفارقا لاهله ووطنه مغتربا عَنْهُمَا اياما طَوِيلَة ودرس وافتى فى صنعاء فى أَوَاخِر ايام طلبه وولاه الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْقَضَاء بالجهات الخولانبة خولان صنعاء ثمَّ اعتذر عَنهُ فولاه الْقَضَاء بِصَنْعَاء المحروسة وَاسْتقر بهَا هُوَ وَأَهله وَمَا ترك الطّلب فى أَيَّام تَوليته للْقَضَاء ولارغب عَن التدريس للطلبة بل كَانَ يقرئ فِي مَسْجِد صَلَاح الدَّين وَفِي مَسْجِد الابزر في الْفِقْه وفي الْجَامِع الْكَبِير فِي الْفَرَائِض فِي شهر رَمَضَان وَكَانَ ﵀ مَحْمُود السِّيرَة والسريرة متعففًا قانعًا باليسير طارحًا للتكلف منجمعا عَن النَّاس مشتغلا بِخَاصَّة نَفسه صَابِرًا على نَوَائِب الزَّمن وحوادث الدَّهْر مَعَ كَثْرَة مَا يطرقه من ذَلِك محافظًا على أمور دينه مواظبا على الطَّاعَة مؤاثر للْفُقَرَاء بِمَا يفضل عَن كِفَايَته غير متصنع فِي كَلَامه وَلَا فِي ملبسه لَا يبالي بأي ثوب برز للنَّاس وَلَا في أَي هَيْئَة لَقِيَهُمْ وَكَانَ سليم
[ ١ / ٤٨٣ ]
الصَّدْر لَا يَعْتَرِيه غل وَلَا حقد وَلَا سخط وَلَا حسد وَلَا يذكر أحدًا بِسوء كَائِنا من كَانَ محسنًا إلى أَهله قَائِما بِمَا يحتاجونه متعبًا نَفسه فِي ذَلِك صَابِرًا محتسبًا لما كَانَ يجْرِي عَلَيْهِ من بعض الْقُضَاة الَّذين لَهُم كلمة مقبولة وصولة مَعَ كَونه مَظْلُوما في جَمِيع مَا يَنَالهُ من المحن ونوائب الزَّمن وَالْحَاصِل أَنه على نمط السلف الصَّالح في جَمِيع أَحْوَاله وَلَقَد كَانَ تغشاه الله تَعَالَى برحمته ورضوانه من عجائب الزَّمن وَمن عرفه حق الْمعرفَة تَيَقّن أَنه من أَوْلِيَاء الله وَلَقَد بلغ معي إلى حد من الْبر والشفقة والإعانة على طلب الْعلم وَالْقِيَام بِمَا أحتاج إليه مبلغًا عَظِيما بِحَيْثُ لم يكن لي شغلة بِغَيْر الطلب فجزاه الله خيرًا وكافاه بِالْحُسْنَى وَهُوَ زاهد من الدُّنْيَا لَيْسَ لَهُ نهمة في جمع وَلَا كسب بل غَايَة مَقْصُوده مِنْهَا مَا يقوم بكفاية أرحامه فإنه اسْتمرّ في الْقَضَاء أَرْبَعِينَ سنة وَهُوَ لَا يملك بَيْتا يسكنهُ فضلًا عَن غير ذَلِك بل بَاعَ بعض مَا تَلقاهُ مِيرَاثا من أَبِيه من أموال يسيرَة في وَطنه وَلم يتْرك عِنْد مَوته إلا أَشْيَاء لَا مِقْدَار لَهَا وقرأت عَلَيْهِ ﵀ فِي ايام الصغر فِي شرع الأزهار وَشرح الناظري مَعَ غيري من الطّلبَة وَهُوَ في آخر أَيَّامه قَرَأَ عليّ في صَحِيح البخاري وَلم يزل مستمرًا على حَاله الْجَمِيل معرضًا عَن القال والقيل مَاشِيا على أهْدى سَبِيل حَتَّى توفاه الله تَعَالَى بِصَنْعَاء لَيْلَة الِاثْنَيْنِ بعد أَذَان الْعشَاء وَهِي اللَّيْلَة المسفرة عَن رَابِع شهر الْقعدَة سنة ١٢١١ إحدى عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلم يُبَاشر شَيْئا مِمَّا يتَعَلَّق بِالْقضَاءِ قبل مَوته بِنَحْوِ سنتَيْن بل تجرد للاشتغال بِالطَّاعَةِ والمواظبة على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَلم يكن لَهُ الْتِفَات إلى غير أَعمال الْآخِرَة ﵀ وَترك وَلدين أكبرهما مُحَمَّد وَهُوَ جَامع هَذَا الْكتاب وَيحيى وَهُوَ الآن مشتغل بِقِرَاءَة عُلُوم
[ ١ / ٤٨٤ ]
الِاجْتِهَاد قد انْتفع فى أَنْوَاع مِنْهَا مَعَ كَمَال اشْتِغَاله بِعلم الْفُرُوع وَهُوَ ذوفهم صَادِق وعقل رصين وَدين متين ولعلها تأتي لَهُ ولأخيه الْمَذْكُور تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة لكل وَاحِد مِنْهُمَا فِي حرفه إن شَاءَ الله تَعَالَى
٢٣٤ - السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم
ابْن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن احْمَد بن يحيى بن عبد الله ابْن يحيى بن النَّاصِر بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن الْعَلامَة الْكَبِير مؤلف تَجْرِيد الْكَشَّاف التَّفْسِير الْمَشْهُور وروي أَن لَهُ تَفْسِيرا حافلًا في ثَمَانِيَة مجلدات وَمن جملَة تلامذته السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إبراهيم الْوَزير وَلكنه لما اجْتهد السَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور ورفض التَّقْلِيد وتبحّر في المعارف قَامَ عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة في جملَة القائمين عَلَيْهِ وَترسل عَلَيْهِ برسالة تدل على عدم إنصافه ومزيد تعصبه سامحه الله وَأجَاب السَّيِّد مُحَمَّد عَن هَذِه الرسَالَة بالعواصم والقواصم الْكتاب الْمَشْهُور الذي لم يؤلف في هَذِه الديار اليمنية مثله وهوفي ثَلَاثَة مجلدات كبار وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يقرئ الطّلبَة في جَمِيع عُلُوم الِاجْتِهَاد وفي الأمهات وَسَائِر كتب التَّفْسِير وَمَات سنة ٨٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة
٢٣٥ - الإمام المهدي علي بن مُحَمَّد بن علي
ابْن مَنْصُور بن يحيى بن مَنْصُور بن مفضل بن الْحجَّاج بن علي بن يحيى بن الْقَاسِم بن يُوسُف الداعي بن يحيى بن الْمَنْصُور بن أَحْمد بن النَّاصِر ابْن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن ولد في شهر ربيع الآخر سنة ٧٠٥ خمس
[ ١ / ٤٨٥ ]
وَسَبْعمائة في هِجْرَة من جِهَات الهان وَنَشَأ على مَا نَشأ عَلَيْهِ سلفه الصَّالح من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَالْعَمَل ثمَّ دَعَا إلى نَفسه فبويع بالخلافة في شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٥٠ في مَدِينَة ثلا وَاجْتمعَ النَّاس عَلَيْهِ حَتَّى قيل إن الْعلمَاء الَّذين حَضَرُوا بيعَته يزِيدُونَ على خمس مائَة وعارضه الواثق بِاللَّه المطهر بن مُحَمَّد وشمس الدَّين احْمَد بن علي بن أَبى الْفَتْح ثمَّ أذعن لَهُ الواثق وَأما السَّيِّد شمس الدَّين فَلم يزل على دَعوته وافتتح صنعاء وملكها وَملك صعدة وذمار وَمَا بَين هَذِه المدن وداننت لَهُ الْبِلَاد وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى ابتدأه الفالج فِي سنة ٧٧٢ في ذمار وَكَانَ وَلَده مُحَمَّد قَائِما بالأمور ناظمًا للأحوال ثمَّ نَهَضَ القاضي الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن الدواري من صعدة فِي الْمحرم سنة ٧٧٣ فوصل إلى ذمار وَسعه جمَاعَة من السَّادة وَالْعُلَمَاء وَأجْمع رأي القاضي وَمن مَعَه على أَن لَا يصلح للإمامة إلا وَلَده الإمام مُحَمَّد الْمَذْكُور فَلَمَّا سمع ذَلِك تبَاعد عَنهُ وَاعْتذر فَلم يعذروه وألزموه الْحجَّة فَقَامَ بالإمامة بعد أَن بَايعُوهُ
[ ١ / ٤٨٦ ]
وتكنى بالناصر واشتهر بصلاح الدَّين وستأتى لَهُ إِن شَاءَ الله تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة فِي حرفة
٢٣٦ - الإمام الْمَنْصُور علي بن مُحَمَّد النَّاصِر صَلَاح الدَّين ابْن علي المهدي الْمَذْكُور قبله
ولد سنة ٧٧٥ خمس وَسبعين وَسَبْعمائة وَلما مَاتَ وَالِده الإمام صَلَاح الدَّين مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد في سنة ٧٩٣ وَكَانَت خِلَافَته قد تمكنت في الديار اليمنية وعظمت سطوته وَكَثُرت جيوشه وَبعد صيته أرسل أمراءه ووزراءه إلى القاضي الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن الدواري إلى صعدة فوصل إلى صنعاء ثمَّ أجمع رَأْيه وَرَأى أَرْبَاب الدولة على مبايعة صَاحب التَّرْجَمَة وَرَأَوا في ذَلِك صلاحًا لكَونه ناهضًا بِالْملكِ والا فَهُوَ لم يكن قد نَالَ من الْعلم في ذَلِك الْوَقْت مَا هُوَ شَرط الإمامة عِنْد الزيدية وَلَكِن جعل الله في هَذَا الرأي الْخَيْر وَالْبركَة فإنه وليّ الْخلَافَة وَحفظ بَيْضَة الإسلام وَدفع أهل الظُّلم وَأحسن الى الْعلمَاء وقمع رُؤْس البغي واشتغل بالمعارف العلمية في خِلَافَته حَتَّى فاق في كثير من المعارف وَلَقَد أثنى عَلَيْهِ السَّيِّد الإمام الْعَلامَة مُحَمَّد بن إبراهيم الْوَزير ثَنَاء طائلًا وصنّف في ذَلِك مصنفًا سَمَّاهُ الحسام الْمَشْهُور في الذب عَن دولة الامام الْمَنْصُور وَذكر أَنه أَخذ عَن صَاحب التَّرْجَمَة وناهيك بِهَذَا من مثل هَذَا الْمجمع على إمامته في جَمِيع الْعُلُوم وَقد تعَارض صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى الْمُتَقَدّم ذكره وَوَقع مَا تقدمت الإشارة إليه وَقد طَالَتْ أَيَّامه وعظمت مَمْلَكَته واتسعت بِلَاده وتكاثرت أجناده حَتَّى مَاتَ في سَابِع وَعشْرين شهر صفر سنة ٨٤٠ أَرْبَعِينَ وثمان مائَة
[ ١ / ٤٨٧ ]
٢٣٧ - السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن علي الحسيني الجرجاني
عَالم الشرق وَيعرف بالسيد الشريف وَهُوَ من أَوْلَاد مُحَمَّد بن زيد الدَّاعِي بَينه وَبَينه ثَلَاثَة عشر أَبَا ولد سنة ٧٤٠ أَرْبَعِينَ وسبعماية اشتغل ببلاده وَقَرَأَ الْمِفْتَاح على شَارِحه وَكَذَا أَخذ شرح الْمِفْتَاح للقطب عَن ابْن مُؤَلفه مخلص الدَّين بن أبي الْخَيْر علي وَقدم الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن أكمل الدَّين وَغَيره وَأقَام بِسَعِيد السُّعَدَاء أَربع سِنِين ثمَّ خرج إلى بِلَاد الروم ثمَّ لحق بِبِلَاد الْعَجم وَصَارَ إمامًا فِي جَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَغَيرهَا متفردًا بهَا مصنفا فِي جَمِيع أَنْوَاعهَا مبتحرا فى دقيقها وجليلها وطار صيته في الْآفَاق وانتفع النَّاس بمصنفاته في جَمِيع الْبِلَاد وَهِي مَشْهُورَة فِي كل فن يحْتَج بهَا أكَابِر الْعلمَاء وينقلون مِنْهَا ويوردون وَيَصْدُرُونَ عَنْهَا فَمن مصنفاته الْمَشْهُورَة شرح الْمِفْتَاح وَشرح المواقف العضدية وَشرح تذكرة الطوس وَشرح الجغميني في علم الْهَيْئَة وَشرح فَرَائض الْحَنَفِيَّة وَشرح الْوِقَايَة وَشرح الكافية بالعجمية وَله من الحواشي حَاشِيَة على أَوَائِل الْكَشَّاف وعَلى أَوَائِل شرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى للعضد وعَلى أَوَائِل البيضاوى وعَلى الْخُلَاصَة للطيبى وعل العوارف وَالْهِدَايَة وعَلى التَّجْرِيد لنصير الدَّين وعَلى الْمطَالع وعَلى المطول وعَلى شرح الشمسية وعَلى الطوالع للأصبهاني وعَلى شرح هِدَايَة الْحِكْمَة وعَلى شرح حِكْمَة الْعين وَحِكْمَة الإشراق وعَلى الرضي في النَّحْو وعَلى الخبيصي وعَلى العوامل الجرجانية وعَلى رِسَالَة الْوَضع وعَلى شرح الإشارات للطوسي وعَلى التَّلْوِيح والتوضيح وعَلى أشكال التأسيس وعَلى تَحْرِير اقليدس وَله تَفْسِير الزهراوين وَله مُقَدّمَة في الصّرْف بالعجمية ورسالة في الْوُجُود وَله كتاب التعريفات وَله مصنفات
[ ١ / ٤٨٨ ]
غير هَذِه وتصدى للإقراء والإفتاء وَأخذ عَنهُ الاكابر وبالغوافى تَعْظِيمه لاسيما عُلَمَاء الْعَجم وَالروم فإنهم جَعَلُوهُ هُوَ والسعد التفتازاني حجَّة فِي علومهما وَقد جرى بَينهمَا مباحثات في مجْلِس تيمورلنك وَاخْتلف النَّاس فِي عصرهما وَفِيمَا بعده من العصور من المحق مِنْهُمَا وَمَا زَالَ الِاخْتِلَاف بَين الْعلمَاء فِي ذَلِك دائرًا فِي جَمِيع الازمنة وَلَا سِيمَا عُلَمَاء الروم فإنهم يجْعَلُونَ من جملَة أَوْصَاف أكَابِر عُلَمَائهمْ أَنه كَانَ يمِيل إلى تَرْجِيح جَانب الشريف أَو إلى تَرْجِيح جَانب السعد لما لَهُم بهما وَبِمَا جرى بَينهمَا من الشغلة وَقد كَانَ أهل عصر صَاحب التَّرْجَمَة يفتخرون بالأخذ عَنهُ ثمَّ صَار من بعدهمْ يفتخرون بالأخذ عَن تلامذته ومصنفاته نافعة كَثِيرَة الْمعَانى وَاضِحَة الألفاظ قَليلَة التَّكَلُّف والتعقيد الذي يُوقع فِيهِ عجمة اللِّسَان كَمَا يَقع فِي مصنفات كثير من الْعَجم وَتوفى يَوْم الأربعاء سادس ربيع الآخر سنة ٨١٦ سِتّ عشرَة وثمان مائَة بشيراز وَقيل في ارْبَعْ عشرَة وثمان مائَة ويروى أَنه رَحل إلى القطب الشيرازي شَارِح الشمسية فَطلب مِنْهُ الْقِرَاءَة عَلَيْهِ في شَرحه فَاعْتَذر عَنهُ بعلو السن وَضعف الْبَصَر ثمَّ دله على بعض تلامذته الْمُحَقِّقين الَّذين أخذُوا عَنهُ ذَلِك الشَّرْح وَهُوَ بِبِلَاد أُخْرَى فَرَحل إليه فوصل وَبَعض أَبنَاء الأكابر يقْرَأ على الْمَذْكُور فِي ذَلِك الشَّرْح فَطلب مِنْهُ أَن يقْرَأ عَلَيْهِ فاذن لَهُ فِي الْحُضُور بِشَرْط أَن لَا يتَكَلَّم وَلَيْسَ لَهُ درس مُسْتَقل بل شَرط عَلَيْهِ أَن يحضر فَقَط مَعَ ذَلِك الذي يقْرَأ على الشَّيْخ من أَوْلَاد الأكابر فَكَانَ الشريف يحضر ساكتًا وفي اللَّيْل يأوي إلى خلْوَة فِي الْمَسْجِد وَكَانَ يُقرر فى أَكثر اللَّيْل ماسمعه من شرح الشمسية وَيرْفَع صَوته فَيَقُول قَالَ المُصَنّف كَذَا يعْنى صَاحب الشمسية وَقَالَ الشَّارِح
[ ١ / ٤٨٩ ]
كَذَا يعْنى القطب وَقَالَ الشَّيْخ كَذَا يعْنى الذي يقْرَأ عَلَيْهِ وَقلت أَنا كَذَا ثمَّ يُقرر كلَاما نفيسًا ويعترض اعتراضات فائقة فصادف مُرُور ذَلِك الشَّيْخ من بَاب خلوته فَسمع صَوته فَوقف فطرب لذَلِك حَتَّى رقص ثمَّ أذن لَهُ أَن يتَكَلَّم بِمَا شَاءَ فَيُقَال إنّ صَاحب التَّرْجَمَة حصل حَاشِيَة شرح الشمسية حَال قِرَاءَته على ذَلِك الشَّيْخ
٢٣٨ - السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن علي بن أَحْمد بن النَّاصِر الكوكباني المولد وَالدَّار والوفاة
ولد فِي شهر سوال سنة ١١٤٩ تسع وأربعين وَمِائَة وَألف وَأخذ عَن شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَعَن غَيره من عُلَمَاء كوكبان وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول وشارك في غير ذَلِك وَله نظم جيد فَمِنْهُ مَا كتبه الى وَقد اطلع على بعض رسائلي
(أي بحث قد جاءني من فريد ال عصر مُحي معالم التِّبْيَان)
(الْهمام الذى اذا الْتبس الام رِجْلَاهُ بواضح الْبُرْهَان)
(عِنْده سلم المجاري إذا ج لى فصلى مُسلما في الرِّهَان)
فأجبت عَلَيْهِ بقولي
(قلّد الْجيد وَهُوَ ربّ اجْتِهَاد وانتقاد قلائد العقيان)
(نظمه الدرّ دلّ من غير شك أَنه الْبَحْر فِي عُلُوم الْبَيَان)
(قد تيقنت أنني السعد لما صَار هَذَا الشريف من خلانى)
(يَا قريع الأوان يَا سيد الأق ران يَا فَرد أهل هَذَا الزَّمَان)
(دمت تحيي عُلُوم أبائك الغر وتجلى بهَا صدا الأذهان)
(وَعَلَيْك السَّلَام يَا زِينَة الأع لَام يَا ابْن الْكِرَام من عدنان)
[ ١ / ٤٩٠ ]
وَله تلامذة أخذُوا عَنهُ هُنَالك فِي عُلُوم الْآلَات وَلَعَلَّ من جملَة شُيُوخه السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَمِير كوكبان وَمِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي الْمُتَقَدّم ذكره وَله شعر سَائِر وَعند تَحْرِير هَذِه الأحرف قد توفي ﵀ وَمَوته سنة ١٣١٢ اثنتي عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف في شهر جُمَادَى الأولى مِنْهَا
٢٣٩ - الشَّيْخ علي بن مُحَمَّد بن علي المقدسي الخزرجي الحنفي الْمَعْرُوف بأبي غَانِم
قَالَ العصامي هُوَ شمس الْعُلُوم والمعارف بدر الْمَفْهُوم واللطائف قُرَّة عين أَصْحَاب أَبى حنيفَة الراقي من معارج التَّحْقِيق حَقِيقَة وَقَالَ الشَّيْخ عبد الرَّزَّاق المناوى هُوَ شيخ الْوَقْت حَالا وعلمًا وتحقيقًا وفهمًا وإمام الْمُحَقِّقين حَقِيقَة ورسمًا وَكَانَت وَفَاته سنة ١٠٠٤ أَربع وَألف
٢٤٠ - علي بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن يُوسُف بن مُحَمَّد الاشمونى الأصل ثمَّ القاهري الشافعي
ولد فِي شعْبَان سنة ٨٣٨ ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَأخذ على الْمحلى والبلقيني والمناوي والكافياجي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وتصدى للإقراء وصنّف شرحًا للألفية وَشرح بعض التسهيل ونظم جمع الْجَوَامِع وايساغوجي قَالَ السخاوي وراج وَرجح على الْجلَال السيوطي مَعَ اشتراكهما فِي الْحمق غير أَن ذَاك أرجح انْتهى قلت وَهَذَا غير مَقْبُول من السخاوي فِي كلا الرجلَيْن على أَن صَاحب التَّرْجَمَة لَيْسَ مِمَّن ينبغي أَن يَجْعَل قرينًا للجلال فبينهما مفاوز وَتوفى صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم السبت سَابِع عشر ذي الْحجَّة سنة ٩١٨ ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة
[ ١ / ٤٩١ ]
٢٤١ - علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن يحيى البكري الزيدي
أحد الْعلمَاء اليمنيين الْمُحَقِّقين لَهُ مصنّفات مِنْهَا شرح مُقَدّمَة بَيَان ابْن مظفر وَشرح منهاج القرشي وَشرح مُقَدّمَة الأزهار وَكَانَ بعض أهل الْعلم يفضله على عبد الله النجري الْمُتَقَدّم ذكره وَقد كتب إليه الإمام عز الدَّين بن الْحسن كلَاما فى مسئلة الإمامة وَأجَاب عَنهُ بِجَوَاب هُوَ مَوْجُود فِي فَتَاوَى الإمام عز الدَّين وَكَانَ مُتَّصِلا بالإمام المطهر بن مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان وَقَائِمًا بِكَثِير من أُمُور خِلَافَته قَالَ صَاحب مطلع البدور وَهُوَ الذي حكى صفة الْكتاب الْوَاصِل الى الامام المطهر من الْفَقِيه مُحَمَّد بن الأصم أَنَّهَا اتفقت فِي زمن الإمام الْمَذْكُور قصَّة عَجِيبَة ونكتة غَرِيبَة فِي بلد شامى الحرجة تسمى الْحمرَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِيهَا رجل من الزرعة وَكَانَ ذادين وَصدقَة فاتفق أَنه بنى مَسْجِدا يصلي فِيهِ وَجعل يأتي ذَلِك الْمَسْجِد كل لَيْلَة بالسراج وبعشائه فإن وجد فِي الْمَسْجِد من يتَصَدَّق عَلَيْهِ أعطَاهُ ذَلِك الْعشَاء وإلا أكله وَصلى صلَاته وَاسْتمرّ على ذَلِك الْحَال ثمَّ أنها اتفقت شدَّة ونضب مَاء الْآبَار وَكَانَت لَهُ بير فَلَمَّا قل مَاؤُهَا أَخذ يحتفرها هُوَ وَأَوْلَاده فخربت تِلْكَ البير وَالرجل فِي أَسْفَلهَا خرابًا عَظِيما حَتَّى إنه سقط مَا حولهَا من الارض اليها فأيس مِنْهُ أَوْلَاده وَلم يحفروا لَهُ وَقَالُوا قد صَار هَذَا قَبره وَكَانَ ذَلِك الرجل عِنْد خراب الْبِئْر فِي كَهْف فِيهَا فَوَقَعت إلى بَابه خَشَبَة منعت الْحِجَارَة من أَن تصيبه فأقام فِي ظلمَة عَظِيمَة ثمَّ إنه بعد ذَلِك جَاءَهُ السراج الذي كَانَ يحملهُ إلى الْمَسْجِد وَذَلِكَ الطَّعَام الذي كَانَ يحملهُ كل لَيْلَة وَكَانَ بِهِ يفرق مَا بَين اللَّيْل وَالنَّهَار وَاسْتمرّ لَهُ ذَلِك مُدَّة سِتّ سِنِين وَالرجل مُقيم في ذَلِك الْمَكَان على تِلْكَ الْحَال ثمَّ انه بدا
[ ١ / ٤٩٢ ]
لأولاده أَن يحفروا الْبِئْر لإعادة عمارتها فحفروها حَتَّى انْتَهوا إلى أَسْفَلهَا فوجدوا أباهم حَيا فَسَأَلُوهُ عَن حَاله فَقَالَ لَهُم ذَلِك السراج وَالطَّعَام الذي كنت أحمل إلى الْمَسْجِد يأتيني على مَا كنت أحملهُ تِلْكَ الْمدَّة فعجبوا من ذَلِك فَصَارَت قَضِيَّة موعظة يتوعظ بهَا النَّاس فى أسواق تِلْكَ الْبِلَاد وَقَالَ في مطلع البدور وَمن جملَة من زار هَذَا الرجل مُحَمَّد بن الأصم انْتهى وَتُوفِّي صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم الأحد ثامن وَعشْرين رَمَضَان سنة ٨٨٢ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
٢٤٢ - علي بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن هطيل النجري الْمَشْهُور اليماني
صَاحب التصانيف كشرحه للمفصل وَله شرح على الظَّاهِرِيَّة صنفه للإمام الْمَنْصُور علي بن صَلَاح الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ سَاكِنا بِصَنْعَاء وَقد طَار صيته فِي الآفاق وَكَانَ مديمًا لمطالعة شرح الرضي على كَافِيَة ابْن الْحَاجِب لَا يُفَارِقهُ فِي غَالب أوقاته ويحكى أَنه لما حَضرته الْوَفَاة أَمر من يدْفع إليه شرح الرضي فَدفعهُ إليه فَوَضعه على صَدره ثمَّ أنْشد
(تمتّع من شميم عرار نجد فَمَا بعد العشية من عرار)
ويحكى عَنهُ أَنه دخل مَكَّة لِلْحَجِّ فَأخْبر أن قاضي الْمحمل الاشمى من أكَابِر الْعلمَاء فَتَلقاهُ إلى الطَّرِيق ووجده فِي محمل فناداه وَقَالَ مسئلة أَيهَا القاضي فكشف عَن الْمحمل وَقَالَ قل فَسَأَلَهُ كَذَلِك وَأجَاب بِجَوَاب حسن ثمَّ سَأَلَهُ بِمَسْأَلَة ثَانِيَة كَذَلِك وَأجَاب بِجَوَاب أحسن وَقَالَ لَهُ لَعَلَّك من الْيمن قَالَ نعم قَالَ أَنْت من صنعاء قَالَ نعم قَالَ أَنْت ابْن هطيل قَالَ نعم قَالَ قد ألفيت كَذَا وَكَذَا قَالَ نعم وَمَا يدْريك بِهَذَا فإن جيران دَاري لَعَلَّهُم
[ ١ / ٤٩٣ ]
لَا يعْرفُونَ ذَلِك فَقَالَ لَهُ أَنْتُم يَا عُلَمَاء صنعاء وضعتم أَنفسكُم بِالسُّكُونِ فِيهَا فِي مضيعة توفي سنة ٨١٢ اثنتي عشرَة وثمان مائَة فِي يَوْم الأربعاء حادي عشر ذي الْحجَّة مِنْهَا بِمَدِينَة صنعاء وَكَانَ منشاؤه وَطَلَبه بِمَدِينَة حوث ثمَّ فَارقهَا لأمر جرى بَينه وَبَين أَهلهَا وَقَالَ قصيدة بذمها مطْلعهَا
(قوّض خيامك راحلًا عَن حوث حوث الْخَبيث مَحل كل خَبِيث)
وَمن مشايخه ابراهيم بن عَظِيمَة النجراني وَمن تلامذته المرتضى ابْن الهادي بن ابراهيم
[ ١ / ٤٩٤ ]
٢٤٣ - على بن مُحَمَّد القوشجى
بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة بعْدهَا جِيم وياء النِّسْبَة ومعنا هَذَا اللَّفْظ بِالْعَرَبِيَّةِ حَافظ البازي وَكَانَ أَبوهُ من خدام ملك مَا وَرَاء النَّهر يحفظ البازي قَرَأَ على عُلَمَاء سَمَرْقَنْد ثمَّ رَحل إلى الروم وَقَرَأَ على قاضي زَاده الرومي ثمَّ رَحل إلى بِلَاد كرمان فَقَرَأَ على علمائها وسود هُنَالك شَرحه للتجريد ثمَّ عَاد الى ملك ماوراء النَّهر وَلم يدرى أَيْن ذهب فَلَمَّا وصل إليه عاتبه على الاغتراب فَاعْتَذر بأنه اغترب لطلب الْعلم فَقَالَ لَهُ باى هَدِيَّة جِئْت قَالَ رِسَالَة حللت بهَا إشكال الْقَمَر وَهُوَ إشكال تحير فِي حله الأقدمون فَقَالَ هَات أنظر فِيهَا فقرأها قَائِما فأعجبته وَقد كَانَ ذَلِك الْملك بنى رصدًا وَأمر جمَاعَة من الْعلمَاء بِعِلْمِهِ فماتوا فأمر صَاحب التَّرْجَمَة فأكمله وَكَتَبُوا عَنهُ مَا حصل وَهُوَ الْمَشْهُور بالزيج الْجَدِيد وَهُوَ أحسن الزيجات ثمَّ لما توفي ذَلِك الْملك وَتَوَلَّى مَكَانَهُ بعض أَوْلَاده لم يعرف قدر صَاحب الترحمة فاستأذنه لِلْحَجِّ فَلَمَّا وصل إلى تبريز أكْرمه سلطانها إكرامًا عَظِيما وأرسله إلى سُلْطَان الروم مُحَمَّد خَان فَلَمَّا وصل إليه أكْرمه إكرامًا زَائِدا على إكرام سُلْطَان تبريز لَهُ وَسَأَلَهُ أَن يسكن لَدَيْهِ فأجابه إلى ذَلِك ووعده الرُّجُوع بعد أَن يُوصل جَوَاب الرسَالَة وَأخذ عَلَيْهِ عهدًا على ذَلِك فَلَمَّا أدى الرسَالَة أرسل السُّلْطَان مُحَمَّد خَان إليه من خُدَّامه جمَاعَة فخدموه وأكرموه وصرفوا اليه فِي كل مرحلة ألف دِرْهَم بأمر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فوصل إلى مَدِينَة قسطنطينية فِي حشمة وافرة وَعند ملاقاته للسُّلْطَان أهْدى إليه رِسَالَة فِي علم الْحساب سَمَّاهَا المحمدية ثمَّ صنف رِسَالَة أُخْرَى فِي علم الْهَيْئَة باسم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وسماها الرسَالَة الفتحية لمصادفتها
[ ١ / ٤٩٥ ]
لفتح عراف الْعَجم وَجعله السُّلْطَان مدرسًا فِي بعض الْمدَارِس وَعين لَهُ كل يَوْم مائتي دِرْهَم وَعين لكل من أَوْلَاده وأتباعه شَيْئا خَارِجا عَن ذَلِك وَكَانُوا كثيرين يزِيدُونَ على مائتي نفس وَلما قدم قسطنطينية أول قدمة تَلقاهُ علماؤها فَذكر لَهُم مارآه من الجزر وَالْمدّ فِي الْبَحْر فَتكلم أكبر عُلَمَاء الروم فِي ذَلِك الزَّمن وَهُوَ خواجة زَاده الآتى ذكره إِن شَاءَ الله فِي سَبَب ذَلِك ثمَّ ذكر صَاحب التَّرْجَمَة مَا جرى بَين السعد والشريف من المباحثة وَرجح جَانب السعد فخالفه خواجة زَاده وَرجح جَانب الشريف وَله تصانيف مِنْهَا شرح التَّجْرِيد الذي تقدمت الإشارة إليه وَهُوَ شرح عَظِيم سَائِر فِي الاقطار كثير الْفَوَائِد وَله حَاشِيَة على أوائل حَاشِيَة السعد على الْكَشَّاف وَله كتاب عنقود الزهور فِي الصّرْف وَهُوَ من مشاهير الْعلمَاء وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته وَلكنه كَانَ موت السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الذي قدم الروم فِي زَمَنه سنة ٨٨٦ سِتّ وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
٢٤٤ - علي بن مُحَمَّد العقيني الأنصاري التّعزي الشافعي
ولد سنة ١٠٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَقَرَأَ بتعز على مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْمُفْتى وَقَرَأَ فِي غَيرهَا على مُحَمَّد بن علي مطير وَجَمَاعَة آخَرين ورحل إلى مَكَّة فَقَرَأَ على ابْن عَلان وَغَيره وبرع فِي فنون وصنّف تصانيف مِنْهَا شرح ألفية ابْن مَالك وَشرح الْمدْخل فِي الْمعَانى وَالْبَيَان وَشرح زيد بن رسْلَان وَشرح على الْمَنْظُومَة في شعب الإيمان وَشرح على النخبة وحاشية على التَّيْسِير وَمَات في ثَالِث ربيع الآخر سنة ١١٠١ إحدى وَمِائَة وَألف بتعز
[ ١ / ٤٩٦ ]
٢٤٥ - على بن مجد الدَّين مُحَمَّد بن مَسْعُود بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن عمر الْمَعْرُوف بالمولى مصنفك
لقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف فِي حداثة سنه وَالْكَاف للتصغير فِي لُغَة الْعَجم وَهُوَ من أَوْلَاد الإمام فَخر الدَّين الرازي وفخر الدَّين هُوَ عمر الْمَذْكُور فِي النّسَب وَكَانَ الإمام يُصَرح فِي مصنفاته بأنه من أَوْلَاد عمر ابْن الْخطاب ولد صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ٨٠٣ ثَلَاث وثمان مائَة بخراسان وسافر مَعَ أَخِيه إلى هراة لطلب الْعلم فِي سنة ٨١٢ وصنف الإرشاد فِي سنة ٨٢٣ وَشرح الْمِصْبَاح فِي النَّحْو سنة ٨٢٥ وَشرح آداب الْبَحْث فِي سنة ٨٢٦ وَشرح اللّبَاب فِي سنة ٨٢٨ وحاشية المطول فِي سنة ٨٣٢ وحاشية شرح الْمِفْتَاح للتفتازاني سنة ٨٣٤ وحاشية التَّلْوِيح سنة ٨٣٥ ثمَّ ارتحل فِي سنة ٨٣٩ رحْلَة أُخْرَى إلى هراة وصنف هُنَالك الْوِقَايَة وَشرح الْهِدَايَة فِي سنة ٨٣٩ وارتحل فِي سنة ٨٤٨ إلى ممالك الروم وصنف هُنَالك فِي سنة ٨٥٥ شرح المصابيح للبغوي وَشرح تِلْكَ السنة أَيْضا شرح الْمِفْتَاح للشريف وصنف فِي هَذِه السنة حَاشِيَة شرح الْمطَالع وَشرح أَيْضا بعض أصُول فَخر الإسلام البزدوي وصنف فِي سنة ٨٥٦ حَاشِيَة الْكَشَّاف وَله مصنفات فارسية كأنوار الأحداق وَحَدَائِق الإيمان وتحفة السلاطين وَله غير ذَلِك من المصنفات كحاشية شرح العقائد وَمن مشايخه جلال الدَّين يُوسُف أحد تلامذة سعد الدَّين التَّفْتَازَانِيّ ودرس بِبِلَاد الروم وَغَيرهَا ثمَّ وَقع لَهُ صمم فِي آخر مدَّته وَعين لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كل يَوْم ثَمَانِينَ درهمًا وَمَات بقسطنطينية سنة ٨٧٥ خمس وَسبعين وثمان مائَة
[ ١ / ٤٩٧ ]
٢٤٦ - على بن المظفر بن ابراهيم ابْن عمر ابْن يزِيد الوادعي الكندي الإسكندراني ثمَّ الدمشقي
ولد سنة ٦٤٠ أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وَسمع من جمَاعَة نَحْو مِائَتَيْنِ واشتغل بالأدب فمهر فِي الْعَرَبيَّة وَقَالَ الشّعْر فأجاد ثمَّ دخل ديوَان الإنشاء فِي آخر عمره وَكَانَ كثير الهجاء فنفر النَّاس عَنهُ وَكَانَ يتشيع من غير سبّ وَلَا رفض وَجمع التَّذْكِرَة فِي عدَّة مجلدات تقرب من الْخمسين وفيهَا فَوَائِد كَثِيرَة وَمن شعره
(فتنت بِمن محاسنه إلى عرب النقا تنمي)
(عذار من بني لَام وطرف من بني سهم)
(وعذالي بَنو ذهل وحسادي بَنو فهم)
وَله في هَذَا الْجِنْس
(قسمًا بمرآك الْجَمِيل فانه عربى حسن من بنى زهران)
(احلت عَنْك وَلَو رَأَيْتُك من بنى لحيان لابل من بني شَيبَان)
وَمن مقطعاته الرائقة
(قَالَ لي عاذلي المفنّد فِيهَا حِين وافت وسلّمت مختالة)
(قُم بناندعى النبؤة فِي العش ق فقد سلمت علينا الغزالة)
وَمِنْهَا)
(إذا رَأَيْت عارضًا مسلسلًا فِي وجنة كجنة يَا عاذلي)
(فَاعْلَم يَقِينا أنني من أمة تقاد للجنة بالسلاسل)
وَمِنْهَا
(وَفِي أَسَانِيد الأراك حَافظ للْعهد يروي صبره عَن عَلْقَمَة)
[ ١ / ٤٩٨ ]
(فَكلما ناحت بِهِ حمامة روى حَدِيث دمعه عَن عِكْرِمَة)
وَفِي هَذَا من اللطافة مَالا يخفى لَان عِكْرِمَة من أَسمَاء الْحَمَامَة وَهُوَ شَاعِر مجيد مبدع وَقد ذكر جمَاعَة من متأخرى الادباء أَن ابْن نَبَاته كَانَ يتطفل على مَعَانِيه الرائقة وَقد أورد ابْن حجَّة فِي كشف اللثام عَن التورية والاستخدام جملَة مِمَّا وَقع فِيهِ ذَلِك قَالَ الذهبي كَانَ يخل بِالصَّلَاةِ ويرمي بعظائم وَكَانَت الحماسة من بعض محفوظاته حملني الشره على السماع من مثله وَقَالَ ابْن رَافع سمع مِنْهُ الْحَافِظ المزي وَغَيره وَكَانَ قد سمع الْكثير وَقَرَأَ بِنَفسِهِ وَحصل الأصول وَمهر فِي الأدب وَكتب الْخط الْمَنْسُوب وَكَانَ يكْتب للوزير ابْن ودَاعَة ويلازمه وإنما قيل لَهُ الوادعي نِسْبَة إليه وَكَانَ يُبَاشر مشيخة دَار الحَدِيث النفيسة إلى أَن مَاتَ فِي شهر رَجَب سنة ٧١٦ سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة
٢٤٧ - عليّ بن هادي عرهب
الصنعاني المولد وَالدَّار والمنشأ أحد عُلَمَاء الْعَصْر الْمَشَاهِير ولد سنة ١١٦٤ ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء كالقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وعَلى وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن إسماعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وعَلى جمَاعَة آخرين وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأخذ عَنهُ أهل الْعلم وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي أَوَائِل أَيَّام الطلب فِي شرح التَّلْخِيص الصغيير للتفتازاني وَفِي حَوَاشِيه فاستمرت الْقِرَاءَة إلى بعض الْمُقدمَة ثمَّ انْقَطَعت لِكَثْرَة عرُوض الأعذار من جِهَته فأتممته على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخلانى ﵀ وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة فِي قُوَّة الْفَهم
[ ١ / ٤٩٩ ]
وَسُرْعَة الإدراك وَتَحْقِيق المباحث الدقيقة مَالا يُوجد لغيره وَلكنه كثير الْعَوَارِض الْمُوجبَة لانْقِطَاع التدريس وَلَوْلَا ذَلِك لعكف الطّلبَة عَلَيْهِ وفَاق معاصريه وَصَارَ متفردا برياسة التدريس وَلَكِن الْعلم تكْثر موانعه وَهُوَ غير مقلد بل يجْتَهد رَأْيه فِي جَمِيع مَا يحْتَاج إليه من مسَائِل الْعِبَادَة وَغَيرهَا وَمَا أحقه بذلك فإن الْعُلُوم الاجتهادية حَاصِلَة لَدَيْهِ وَزِيَادَة عَلَيْهَا وَهُوَ الْآن حي وَأكْثر سكونه بالروضة وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف استمديت لَهُ رَأيا شريفًا من حَضْرَة مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله فِي تَوليته للْقَضَاء بالروضة وَهُوَ أكبر من مثل هَذَا وَأجل فإن كثيرًا من أكَابِر قُضَاة الْعَصْر المتولين للْقَضَاء فِي الحضرة الإمامية وَغَيرهَا لَيْسَ علمهمْ بِالنِّسْبَةِ إلى علم هَذَا شَيْئا وَلم يبْق لَاحَدَّ من قُضَاة الرَّوْضَة مَعَه كَلَام ثمَّ فِي شهر رَمَضَان سنة ١٢١٤ وصلت مُكَاتبَة من أَمِير كوكبان السَّيِّد الأجل شرف الدَّين بن أَحْمد بن مُحَمَّد يتَضَمَّن أَن كوكبان وجهاته يحْتَاج إلى عَالم من أكَابِر عُلَمَاء صنعاء للاحياء بالتدريس وللقيام بِعَهْد الْقَضَاء هُنَالك فارسلت بِصَاحِب التَّرْجَمَة وَهُوَ إلى الْآن هُنَالك
٢٤٨ - علي بن يحيى بن علي بن رَاجِح بن سعيد الكينعي
الصنعاني المولد والمنشأ وَالدَّار ولد سنة ١١٥١ إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن زيد الشامي وعَلى شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَحضر على جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء
[ ١ / ٥٠٠ ]
وَحفظ الْمسَائِل المهمة الْمُتَعَلّقَة بأمر الدَّين وَمَال إلى الْعَمَل والزهد وَله يَد طولى فِي علم التَّارِيخ وَحفظ غرائب الْأَخْبَار وطرائف الْأَشْعَار وَحسن المحاضرة وَجَمِيل المذاكرة مَعَ شهامة نفس وعلو همة وخبرة تَامَّة بأبناء عصره لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُم خافية مَعَ انجماعه وميله إلى الخمول وَهُوَ من الأجواد الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي وُجُوه الْخَيْر فإنه مَعَ قلَّة ذَات يَده يجود بموجوده ويؤثر على نَفسه وَقد رَأَيْت من مكارمه مَالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَهُوَ فِي هَذَا الشَّأْن من محاس الزَّمَان وَلَو اتَّسع نطاق مَاله لطارله من الذّكر واشتهر لَهُ من الصيت مَا يزاحم بِهِ البرامكة فضلًا عَمَّن هُوَ دونهم وَلكنه يُؤثر الخمول ويميل إلى القنوع من الدُّنْيَا بالبلغة ونعمت الْخصْلَة وَمَا أحقه بِمَا قلته من أَبْيَات
(ترَاهُ وَهُوَ ذُو طمرين يمشي بهمته على هام السّماك)
وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف حَيّ ومنزله نزهة أَرْبَاب الْأَلْبَاب وَحَدِيثه روح أَرْوَاح بني الْآدَاب
٢٤٩ - علي بن يحيى بن أَحْمد بن مَضْمُون البرطي
ثمَّ الصَّنْعَانِيّ الْعَالم الْكَبِير الْمَشْهُور بالتحقيق فِي أَنْوَاع من الْعُلُوم ولد سنة ١٠٦١ إحدى وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ لَهُ بِالْعلمِ شغف شَدِيد حَتَّى قيل انه يقطع اللَّيْل جَمِيعًا فِي المطالعة بِمَسْجِد الْبُسْتَان من صنعاء وإذا غَلبه النوم اغْتسل بِالْمَاءِ وَمن مشايخه القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن علي بن أَبى الرِّجَال والقاضى مُحَمَّد بن ابراهيم السحولى والامام المتَوَكل على الله اسمعيل وَغَيرهم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم والقاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وَأَخُوهُ الْعَلامَة الْحسن بن
[ ١ / ٥٠١ ]
مُحَمَّد وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير ولازمه مُلَازمَة طَوِيلَة نَحْو اثنتي عشرَة سنة وَغَيرهم وَكَانَ يكثر مِنْهُ التَّخَلُّف عَن الدَّرْس ويتضجر لذَلِك الطّلبَة وَسبب ذَلِك شدَّة عنايته بمطالعة مَا يدرس فِيهِ الطّلبَة وَكَانَ لَهُ بتصحيح النسخ عناية عَظِيمَة بِحَيْثُ لَا يلْحق فِي ذَلِك وَرَأَيْت فَتَاوِيهِ مَجْمُوعَة فِي مُجَلد وَجمع تِلْمِيذه السَّيِّد عبد الله بن علي الْوَزير تَرْجَمته فِي مُصَنف سَمَّاهُ نشر العبير وَمَات فِي سنة ١١١٩ تسع عشرَة وَمِائَة وَألف فِي ثاني وَعشْرين من شهر صفر مِنْهَا وَقيل سنة ١١١٥ خمس عشرَة وَمِائَة وَألف
٢٥٠ - السَّيِّد علي بن يحيى أَبُو طَالب
ولد سنة ١١٥٩ تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف أَو فِي الَّتِى قبلهَا أَو فِي الَّتِى بعْدهَا وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْمَشَايِخ الْمُتَقَدِّمين كالقاضى الْعَلامَة أَحْمد ابْن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل الْمُفْتى وَغَيرهمَا مِمَّن هم مَشَايِخ مَشَايِخنَا واستفاد فِي الْعُلُوم والآلية والحديثية وَسَائِر الْفُنُون ودرس للطلبة فِي كتب الْآلَة وَغَيرهَا وَقَرَأَ عليّ أخيرًا فِي التَّفْسِير للزمخشرى وَفِي تفسيريّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أَبى دَاوُد وَهُوَ الْآن من محَاسِن الزَّمن وَمن بَقِيَّة شُيُوخ العترة المطهرة فتح الله لَهُ فِي مدَّته
٢٥١ - علي بن يَعْقُوب بن جِبْرِيل البكري نور الدَّين المصري الشافعي
ولد سنة ٦٧٣ ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة واشتغل بالفقه والأصول وَقَرَأَ بِنَفسِهِ على سِتّ الوزراء وَجَرت لَهُ محنة بِسَبَب القبط وهي أَنه لما كَانَ فِي النّصْف من محرم سنة ٧١٤ بلغه أَن النَّصَارَى قد استعاروا من قناديل جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ بِمصْر شَيْئا وعلقوه بكنيسة فاخذ مَعَه
[ ١ / ٥٠٢ ]
طَائِفَة كَثِيرَة من النَّاس وهجم الْكَنِيسَة وَنكل النَّصَارَى وَبلغ مِنْهُم مبلغًا عَظِيما وَعَاد إلى الْجَامِع وأهان من فعل ذَلِك وَكثر من الوقيعة فِي خَطِيبه فَبلغ السُّلْطَان فأمر بإحضار الْقُضَاة وَفِيهِمْ ابْن الْوَكِيل وأحضر صَاحب التَّرْجَمَة فَتكلم وَوعظ وَذكر آيَات من الْقُرْآن وَأَحَادِيث وَاتفقَ أَنه أغْلظ فِي عبارَة السُّلْطَان ثمَّ قَالَ أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جاير فَاشْتَدَّ غضب السُّلْطَان وَقَالَ لَهُ أَنا جاير قَالَ نعم أَنْت سلطت الأقباط على الْمُسلمين وقوّيت أَمرهم فَلم يَتَمَالَك السُّلْطَان أَن أَخذ السَّيْف وهمّ بِالْقيامِ ليضربه فبادر بعض الْأُمَرَاء وَأمْسك يَده فَالْتَفت إلى قاضي الْمَالِكِيَّة وَقَالَ يَا قاضى تجرأ على هَذَا مَا الذي يجب عَلَيْهِ فَقَالَ القاضي لم يقل شَيْئا يُوجب عُقُوبَة فصاح السُّلْطَان بِصَاحِب التَّرْجَمَة وَقَالَ اخْرُج عَنى فَقَامَ وَخرج فَقَالَ ابْن جمَاعَة قد تجرأ وَمَا بقي إلا أَن يزاحم السُّلْطَان فانزعج السُّلْطَان وَقَالَ اقْطَعُوا لِسَانه فبادر الْأُمَرَاء ليفعلوا بِهِ ذَلِك وأحضروا صَاحب التَّرْجَمَة فارتعد وَصَاح واستغاث بالأمراء فرقوا لَهُ وألحو على السُّلْطَان فِي الشَّفَاعَة وَدخل ابْن الْوَكِيل وَهُوَ ينتحب ويبكي فَظن السُّلْطَان أَنه أَصَابَهُ شئ فَقَالَ لَهُ خير خير فَقَالَ هَذَا رجل عَالم صَالح لكنه ناشف الدِّمَاغ قَالَ صدقت وَسكن غَضَبه فَانْظُر مَا فعله ابْن جمَاعَة بكلمته الحمقاء وَمَا فعله صدر الدَّين بن الْوَكِيل ﵀ من التَّوَصُّل إلى سَلامَة هَذَا الْمِسْكِين وَهَكَذَا ينبغي لمن كَانَ لَهُ قبُول عِنْد السلاطين أَن يتحيل عَلَيْهِم فِي مَنَافِع الْمُسلمين وحقن دِمَائِهِمْ بِمَا أمكنه فإن صَاحب التَّرْجَمَة لم يكن ناشف الدِّمَاغ وَلكنه كَانَ فِي هَذِه الْوَسِيلَة سَلَامَته من تِلْكَ البلية وَمَات فِي شهر ربيع الآخر سنة ٧٢٤ أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة
[ ١ / ٥٠٣ ]
٢٥٢ - علي بن يُوسُف بن شمس الدَّين الفناري الرومي
ارتحل من الروم إلى بِلَاد الْعَجم فَقَرَأَ على مَشَايِخ هراة وسمرقند وبخارى وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم ودرس هُنَالك ثمَّ عَاد الى الرّوم فِي سلطنة مُحَمَّد خَان فأمره السُّلْطَان أَن يدرس بمدرسة بروسة وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهمًا ثمَّ نقل إلى مدرسة أُخْرَى وَعين لَهُ سِتِّينَ درهمًا ثمَّ جعله قَاضِيا بِمَدِينَة بروسة ثمَّ جعله قَاضِيا بالعسكر وَمكث فِيهِ عشر سِنِين وَارْتَفَعت بِسَبَب ولَايَته منزلَة الْعلمَاء والقضاة ثمَّ عَزله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهمًا ولأولاده تسعين درهمًا فِي كل يَوْم وَعين لَهُ فِي كل سنة عشرَة آلاف درهمًا فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد وَقَامَ وَلَده بايزيد مقَامه أَعَادَهُ على قَضَاء الْعَسْكَر وَمكث فِيهِ مِقْدَار ثَمَان سِنِين ثمَّ عزل عَنهُ ثمَّ عين لَهُ كل يَوْم سبعين درهمًا وَعشرَة آلاف دِرْهَم فِي كل سنة وَصَارَ مشتغلًا بِالْعلمِ فِي جَمِيع أوقاته لشدَّة شغفة بِالْعلمِ لَا ينَام على فرَاش وإذا غلب عَلَيْهِ النوم اسْتندَ إلى الْجِدَار والكتب بَين يَدَيْهِ فإذا اسْتَيْقَظَ نظر فِيهَا وَله شرح على الكافية نَفِيس وَكَانَ فِيهِ كرم مفرط وَرُبمَا ضَاقَتْ يَده فِي بعض الأحوال فَلَا يجد مَا يُرِيد فَقيل لَهُ إنك قد توليت قَضَاء الْعَسْكَر وَهُوَ منصب عَظِيم فَكيف لم تحفظ مَا يحصل لَك إذ ذَاك قَالَ كنت رجلا سَكرَان فَلم احفظ شَيْئا فَقيل لَهُ اذاعاد إليك المنصب فَعَلَيْك بِحِفْظ المَال فَقَالَ إذا عَاد المنصب عَاد السكر مَعَه وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الصمت إلا إذا سَأَلَهُ أحد عَن خدمته للسلاطين سرد من ذَلِك حكايات عَجِيبَة وَمن ذَلِك أَنه سَأَلَهُ بعض النَّاس عَن أعظم لَذَّة وجدهَا فِي أَيَّام اتِّصَاله بالسلطان فَقَالَ سَافر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي أَيَّام الشتَاء وَكَانَ ينزل ويبسط لَهُ بِسَاط صَغِيرَة
[ ١ / ٥٠٤ ]
يجلس عَلَيْهِ إلى أَن تضرب الْخَيْمَة وإذا أَرَادَ الْجُلُوس على الْبسَاط يخرج وَاحِد من غلمانه الْخُف عَن رجلَيْهِ وَعند ذَلِك يسْتَند الى شخص معِين وَكَانَت تِلْكَ عَادَته فاتفق فِي بعض الْأَيَّام أَنه لم يحضر ذَلِك الرجل فاستند إليّ وَهَذَا أعظم لَذَّة وَجدتهَا فِي صُحْبَة السلاطين وَحكى عَنهُ بعض تلامذته أَنه قَرَأَ عَلَيْهِ فِي المطول فَكَانُوا يقرأون عَلَيْهِ كل يَوْم مِقْدَار سطر أَو سطرين من ضحوة النَّهَار إلى وَقت الْعَصْر وَلما مَضَت على ذَلِك سِتَّة أشهر قَالَ إنّ الذي قرأتموه عليّ إلى الْآن يُقَال لَهُ قِرَاءَة كتاب وَبعد هَذَا اقرأوا قِرَاءَة الْفَنّ فقرأنا بعد ذَلِك كل يَوْم ورقتين وأتممنا بَقِيَّة الْكتاب فِي سِتَّة أشهر وَاسْتمرّ يُفِيد الطّلبَة حَتَّى مَاتَ فِي سنة ٩٠٣ ثَلَاث وَتِسْعمِائَة
٢٥٣ - عمر بن إسحاق بن أَحْمد الغزنوي الْعَلامَة الحنفي سراج الدَّين الهندي صَاحب التصانيف
قدم الْقَاهِرَة قبل الأربعين وَسَبْعمائة وَسمع من بعض أَصْحَاب النجيب وَكَانَ عَلامَة فِي الأصول والمنطق وَالْفُرُوع تخرج فِي ذَلِك بالشمس الأصبهاني وَابْن التركماني وَمن مصنفاته شرح المغني وأصول الْفِقْه وَشرح البديع لِابْنِ الساعاتي وَشرح الْهِدَايَة وَهُوَ مطول لم يكمل وَكَانَ دمث الأخلاق طلق الْعبارَة ولي قَضَاء الْعَسْكَر ثمَّ ولى الْقَضَاء اسْتِقْلَالا فِي شعْبَان سنة ٧٦٩ وَمَات رَابِع شهر رَجَب سنة ٧٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة
[ ١ / ٥٠٥ ]
٢٥٤ - عمر بن رسْلَان بن بَصِير بن صَالح بن شهَاب بن عبد الْخَالِق ابْن عبد الْحق السراج البلقيني
ثمَّ القاهري الشافعي ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة ببلقينة فحفظ بهَا الْقرَان وَهُوَ ابْن سبع والشاطبية وَالْمُحَرر والكافية والشافية والمختصر الأصلي ثمَّ أقدمه أَبوهُ الْقَاهِرَة وَهُوَ ابْن اثنتي عشرَة سنة فَعرض محافيظه على جمَاعَة كالتقي السبكي والجلال القزويني وفَاق بذكائه وَكَثْرَة محفوظاته وَسُرْعَة فهمه ثمَّ رَجَعَ بِهِ أَبوهُ ثمَّ عَاد مَعَه وَقد ناهز الِاحْتِلَام فاستوطن الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على أَعْيَان الْعلمَاء فِي الْفُنُون كالشيخين الْمُتَقَدِّمين والعز بن جمَاعَة وَابْن عَدْلَانِ وَسمع من خلق وَأَجَازَ لَهُ الأكابر وَمِمَّا يحْكى من حفظه أَنه أول مَا دخل الكاملية طلب من ناظرها بَيْتا فَامْتنعَ وَاتفقَ مجئ شَاعِر النَّاصِر بقصيدة وأنشده اياها بِحَضْرَة صَاحب التَّرْجَمَة فَقَالَ للنَّاظِر قد حَفظتهَا فَقَالَ لَهُ النَّاظر ان كَانَ كَذَلِك أَعطيتك بَيْتا فأملاها لَهُ من حفظه جَمِيعهَا فاعطاه الْبَيْت وَمَا زَالَ يطْلب الْعلم على عُلَمَاء الْقَاهِرَة حَتَّى برع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الاقران وَتفرد بِكَثِير من المعارف وَقَالَ لَهُ ابْن كثير أذكرتنا ابْن تَيْمِية وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُ ابْن شيخ الْجَبَل مَا رَأَيْت بعد ابْن تَيْمِية أحفظ مِنْك وَدخل حلب فِي سنة ٧٩٣ صُحْبَة الظَّاهِر برقوق وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة وَعين لقَضَاء مصر غير مرة وَلم يتم مَعَ كَونه فِي ذَلِك يترفع عَنهُ وَيجْلس فَوق كبار الْقُضَاة بل ولى ابْنه فِي حَيَاته وشاع ذكره فِي الممالك وعظمته الأكابر فَمن دونهم وَأثْنى عَلَيْهِ أكَابِر شُيُوخه قَالَ ابْن حجي كَانَ أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشافعي واشتهر بذلك وشيوخه موجودون قدم علينا دمشق قَاضِيا وَهُوَ كهل
[ ١ / ٥٠٦ ]
فبهر النَّاس بحفظه وَحسن عِبَارَته وجودة مَعْرفَته وخضع لَهُ الشُّيُوخ فِي ذَلِك الْوَقْت واعترفوا بفضله ثمَّ بعد ذَلِك تصدر للفتيا والتدريس فكثرت طلبته وصاروا شُيُوخًا فِي حَيَاته وَله تصانيف كَثِيرَة لم تتم لِأَنَّهُ يَبْتَدِئ كتابًا فيصنّف مِنْهُ قِطْعَة ثمَّ يتْركهُ قَالَ الْبُرْهَان الحلبي رَأَيْته رجلًا فريد دهره لم تَرَ عيناي أحفظ مِنْهُ للفقه وَأَحَادِيث الأحكام وَقد حضرت دروسه مرَارًا وَهُوَ يقرئ فِي مُخْتَصر مُسلم للقرطبي يقرأه عَلَيْهِ شخص مالكي ويحضر عِنْده فُقَهَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فيتكلم على الحَدِيث الْوَاجِد من بكرَة إلى قريب الظّهْر وَرُبمَا أذن الظّهْر وَلم يفرغ من الحَدِيث انْتهى وَهَذَا تبحر عَظِيم وَتوسع باهر فان استغراق هَذَا الْوَقْت الطَّوِيل فِي الْكَلَام على حَدِيث وَاحِد يتَحَصَّل مِنْهُ كراريس وَقد كَانَ وَقع الِاتِّفَاق على أَنه أحفظ أهل عصره وأوسعهم معارفًا وَأَكْثَرهم علومًا وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يتعانى نظم الشّعْر فيأتى يما يستحي مِنْهُ بل قد لَا يُقيم وَزنه والكمال لله قَالَ ابْن حجر وَكَانَت آلات الِاجْتِهَاد فِيهِ كَامِلَة قَالَ وَلم يكمل من مصنفاته إلا الْقَلِيل لأنه كَانَ يشرع فِي الشئ فلسعة علمه يطول عَلَيْهِ الأمر حَتَّى أنه كتب من شرح البخاري على نَحْو عشْرين حَدِيثا مجلدين وعَلى الرَّوْضَة عدَّة مجلدات تعقبات وعَلى الْبَدْر للزركشي مجلدًا ضخمًا قَالَ الْبَدْر البشبكي أنّ الشَّيْطَان وجد طرقه عَن البلقيني مسدودة فَحسن لَهُ نظم الشّعْر وَله مصنفات كَثِيرَة قد سردها وَلَده الْجلَال فِي تَرْجَمته وَلم يزل متفردًا فِي جَمِيع الأنواع العلمية حفظًا وسردًا لَهَا كَمَا هي حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشْرين الْقعدَة سنة ٨٠٥ خمس وثمان مائَة
[ ١ / ٥٠٧ ]
٢٥٥ - عمر بن علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله السراج
الأنصاري الأندلسي التكروري الأصل المصري الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن الملقن ولد فِي ربيع الأول سنة ٧٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ أصل أَبِيه من الأندلس فتحول مِنْهَا إلى التكرور ثمَّ قدم الْقَاهِرَة ثمَّ مَاتَ بعد أَن ولد لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بِسنة فأوصى بِهِ إلى الشَّيْخ عِيسَى المغربي وَكَانَ يلقن الْقُرْآن فنسب اليه وَكَانَ يغْضب من ذَلِك وَلم يَكْتُبهُ بِخَطِّهِ إنما كَانَ يكْتب ابْن النحوي وَبهَا استهر فِي بعض الْبِلَاد كاليمن وَنَشَأ فِي كَفَالَة زوج أمه ووصيه وتفقه بالتقي السبكي والعز بن جمَاعَة وَغَيرهمَا وَأخذ فِي العرببية عَن أَبى حَيَّان وَالْجمال ابْن هِشَام وَغَيرهمَا وَفِي القرآت عَن الْبُرْهَان الرشيدي قَالَ الْبُرْهَان الحلبي أنه اشْتغل فِي كل فن حَتَّى قَرَأَ فِي كل مَذْهَب كتابًا وَسمع على الْحفاظ كَابْن سيد النَّاس والقطب الحلبي وَغَيرهمَا وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة كالمزي ورحل إلى الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس وَله مصنفات كَثِيرَة مِنْهَا تَخْرِيج أَحَادِيث الرافعي سبع مجلدات ومختصر الْخُلَاصَة فِي مُجَلد ومختصره للمنتقى فِي جُزْء وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط للغزالى الْمُسَمّى بتذكرة الاحبار بِمَا فِي الْوَسِيط من الاخبار فِي مُجَلد وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب المسمى بالمحرر الْمَذْهَب فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب فِي مجلدين وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْمِنْهَاج الأصلي فِي جُزْء وَتَخْرِيج أَحَادِيث مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الْحَاجِب فِي جُزْء وَشرح الْعُمْدَة الْمُسَمّى بالأعلام فِي ثَلَاث مجلدات وَأَسْمَاء رجالها فِي مُجَلد وَقطعَة من شرح الْمُنْتَقى فِي الأحكام للمجد ابْن تَيْمِية وَلكنه قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ أنه إنما كتب شَيْئا من ذَلِك على هوامش نسخته كالتخريج لأحاديث الْمُنْتَقى ثمَّ
[ ١ / ٥٠٨ ]
رغب من يأتي بعده فِي شرح هَذَا الْكتاب حَسْبَمَا نقلته من كَلَامه فِي أوائل شرحي للمنتقى وَمن مصنفاته طَبَقَات الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وطبقات الْمُحدثين وَفِي الْفِقْه شرح الْمِنْهَاج سِتّ مجلدات وَآخر صَغِير فِي مجلدين ولغاته فِي مُجَلد والتحفة فِي الحَدِيث على أبوابه كَذَلِك وَالْبُلغَة على أبوابه فِي جُزْء لطيف والاعتراضات عَلَيْهِ فِي مُجَلد وَشرح التَّنْبِيه فِي أَربع مجلدات وَآخر لطيف سَمَّاهُ هادي النبيه إلى تدريس النتبيه وَالْخُلَاصَة على أبوابه فِي الحَدِيث فِي مجلدو أُمْنِية النبيه فِيمَا يرد على النووى فِي التَّصْحِيح والتنبيه فِي مُجَلد ولخصه فِي جُزْء وَشرح الحاوى الصَّغِير فِي مجلدين صخمين وَآخر فِي مُجَلد وَشرح التبريزي فِي مُجَلد وَشرع فِي كتاب جمع فِيهِ بَين كتب الْفِقْه الْمُعْتَمدَة فِي عصره للشَّافِعِيَّة وَنبهَ على مَا أهملوه وَسَماهُ جمع الْجَوَامِع وَله فِي علم الحَدِيث الْمقنع فِي مُجَلد قَالَ ابْن حجران صَاحب التَّرْجَمَة شرح الْمِنْهَاج عدَّة شُرُوح أكبرها فِي ثَمَانِيَة مجلدات وأصغرها فِي مُجَلد والتبينه كَذَلِك والبخاري فِي عشْرين مجلدًا وَشرح زَوَائِد مُسلم على البخاري فِي أَرْبَعَة أَجزَاء وزوائد أبي دَاوُد على الصَّحِيحَيْنِ فِي مجلدين وزوائد التِّرْمِذِيّ على الثَّلَاثَة كتب مِنْهُ قِطْعَة وزوائد النسائي على الْأَرْبَعَة كتب مِنْهُ جُزْءا وزوائد ابْن مَاجَه على الْخَمْسَة فِي ثَلَاث مجلدات وإكمال تَهْذِيب الْكَمَال قَالَ ابْن حجر إنه لم يقف عَلَيْهِ وَقَالَ السخاوي إنه وقف مِنْهُ على مُجَلد وَله مصنفات غير هَذِه كشرح ألفية ابْن مَالك وَشرح الْمِنْهَاج الأصلى وَشرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الحاحب وَقد رزق الإكثار من التصنيف وانتفع النَّاس بغالب ذَلِك وَلكنه قَالَ الْحَافِظ بن حجر إنه كَانَ يكْتب فِي كل فن سَوَاء أتقنه أولم يتقنه قَالَ وَلم يكن فِي الحَدِيث بالمتقن وَلَا لَهُ ذوق
[ ١ / ٥٠٩ ]
أهل الْفَنّ وَقَالَ ان الَّذين قرأوا عَلَيْهِ قَالُوا انه لم يكن ماهرا فِي الْفَتْوَى وَلَا التدريس وإنما كَانَت تقْرَأ عَلَيْهِ مصنفاته فِي الْغَالِب فيقررما فِيهَا وَقَالَ ابْن حجر كَانَ لَا يستحضر شَيْئا وَلَا يُحَقّق علمًا وغالب تصانيفه كالسرقة من كتب النَّاس وَفِي هَذَا الْكَلَام من التحامل مَالا يخفى على منصف فَكَتبهُ شاهدة بِخِلَاف ذَلِك منادية بأنه من الْأَئِمَّة فِي جَمِيع الْعُلُوم وَقد اشْتهر صيته وطار ذكره وسارت مؤلفاته فِي الدُّنْيَا وَحكى السخاوي أَنه طلب الِاسْتِقْلَال بِالْقضَاءِ وخدعه بعض النَّاس حَتَّى كتب بِخَطِّهِ بِمَال على ذَلِك فَغَضب برقوق عَلَيْهِ لمزيد اخْتِصَاصه بِهِ وَكَونه لم يُعلمهُ بذلك وَلَو أعلمهُ لَكَانَ يَأْخُذهُ لَهُ بلابذل وَأَرَادَ الإيقاع بِهِ فسلمه الله من ذَلِك ثمَّ اسْتَقر فِي التدريس بأماكن وَقد تَرْجمهُ جمَاعَة من أقرانه الَّذين مَاتُوا قبله كالعثماني قاضي صفد فإنه قَالَ فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء انه اُحْدُ مَشَايِخ الاسلام صَاحب التصانيف الَّتِى مافتح على غَيره بِمِثْلِهَا فِي هَذِه الْأَوْقَات وَقَالَ الْبُرْهَان الحلبى كَانَ فريد وقته فِي كَثْرَة التصنيف وَعبارَته فِيهَا جلية جَيِّدَة وغرايبه كَثِيرَة وَقَالَ ابْن حجر فِي أنبائه أنه كَانَ موسعًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مَشْهُورا بِكَثْرَة التصانيف حَتَّى كَانَ يُقَال إنها بلغت ثلثمِائة مجلدة مَا بَين كَبِير وصغير وَعِنْده من الْكتب مَالا يدْخل تَحت الْحصْر مِنْهَا مَا هُوَ ملكه وَمِنْهَا ماهو من أوقاف الْمدَارِس ثمَّ إنها احترقت مَعَ أَكثر مسوداته فِي آخر عمره ففقد أَكْثَرهَا وَتغَير حَاله بعْدهَا فحجبه وَلَده إلى أَن مَاتَ قَالَ رَاوِيا عَن بعض من حكى لَهُ أَنه دخل على صَاحب التَّرْجَمَة يَوْمًا وَهُوَ يكْتب فَدفع إليه الْكتاب الَّذِي يكْتب مِنْهُ وَقَالَ لَهُ أمْلى عليّ قَالَ فأمليت عَلَيْهِ وَهُوَ يكْتب إلى أَن فرغ فَقلت لَهُ يَا سيدى أتنسخ هَذَا الْكتاب فَقَالَ بل أَخْتَصِرهُ
[ ١ / ٥١٠ ]
قَالَ ابْن حجران العراقي والبلقيني وَصَاحب التَّرْجَمَة كَانُوا أعجوبة ذَلِك الْعَصْر الأول فِي معرفَة الحَدِيث وفنونه وَالثَّانِي فِي التَّوَسُّع فِي معرفَة مَذْهَب الشَّافِعِي وَالثَّالِث فِي كَثْرَة التصانيف وَلَك وَاحِد من الثَّلَاثَة ولد قبل الآخر بِسنة وَمَات قبله بِسنة فأولهم ابْن الملقن ثمَّ البلقيني ثمَّ العراقي وَمَات فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَاس عشر ربيع الأول سنة ٨٠٤ أَربع وثمان مائَة
٢٥٦ - عمر بن مُحَمَّد بن عمر
ابْن أَحْمد بن هبة الله بن أَحْمد بن أَبى جَرَادَة العقيلى والحنفى الحلبي نجم الدَّين بن جمال الدَّين بن صَاحب كَمَال الدَّين العديم ولد سنة ٦٨٩ تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة سمع الحَدِيث وتفقه وَولى عدَّة تداريس ثمَّ ولي الْقَضَاء وَكَانَ حَافِظًا لِلِسَانِهِ لم يسمع مِنْهُ سب أحد وَله نظم جيد فَمِنْهُ
(كَأَن وَجه النَّهر اذحفت بِهِ أشجاره فصافحته الأغصن)
(مرْآة غيد قد وقفن حولهَا ينظرن فِيهَا أيّهن أحسن)
وَهَذَا غَايَة فِي بَابه وَقد كنت نظمت قبل الْوُقُوف عَلَيْهِ بأعوام بَيْتَيْنِ فِي الْمَعْنى هما
(كَأَنَّمَا الأغصان إذ أحدقت بالنهر من بعد بكاء الْغَمَام)
(غيد على مرْآة حسن تنا فسنّ فأذرين دموع الْخِصَام)
فَلَمَّا وقفت على بيتي صَاحب التَّرْجَمَة هَمَمْت بَان اضْرِب على هذَيْن لكنى رأيتهما قد اشتملا على مالم يشْتَمل عَلَيْهِ بَيْتا المترجم لَهُ وَذَلِكَ زِيَادَة بكاء الْغَمَام فِي الْمُشبه ومقابلتهما ببكاء الغواني فِي الْمُشبه بِهِ مَعَ ذكر التنافس وَالْخِصَام وَرَأَيْت بعد نظم الْبَيْتَيْنِ أَن مَا يقرب من مَعْنَاهُمَا فِي طيب السمر للحيمي وَلَا أحفظه حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَلَا أحفظ
[ ١ / ٥١١ ]
قائلة وَلكنه لم يشْتَمل على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ البيتان الْمَذْكُورَان وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة فِي صفر سنة ٧٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ورثاه ابْن الوردي بقوله
(قد كَانَ نجم الدَّين شمسا أشرقث بحماة للدانى بهَا والقاصى)
(عدمت ضِيَاء بن العديم فأنشدت مَاتَ الْمُطِيع فيا هَلَاك العاصي)
وَمَا أحسن من التورية فِي قَوْله فِي هَلَاك العاصى لِأَن بحماة نَهرا يُقَال لَهُ العاصى
٢٥٧ - عمر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي الْخَيْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن فَهد
النَّجْم القرشي الْهَاشِمِي المكي الشافعي الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن فَهد ولد لَيْلَة الْجُمُعَة سلخ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨١٢ اثنتي عشرَة وثمان مائَة ونشأبها فحفظ الْقُرْآن وكتابًا فِي الحَدِيث أَلفه لَهُ وَالِده وَشرع فِي قِرَاءَة فقه الإمام احْمَد فحوله أَبوهُ شافعيًا وَحفظ النّصْف الأول من الْمِنْهَاج وَبَعض الألفية لِابْنِ مَالك وَبَعض ألفية العراقى وَسمع فِي صغره بِمَكَّة على مشايخها والقادمين اليها كالمراغي وَالْجمال بن ظهيرة والولي العراقي وَابْن الجزرى والنجم بن حجي والكازرونى وأجازله جمَاعَة من جِهَات شَتَّى وَأَقْبل على الطلب بِنَفسِهِ وَتخرج بوالده ورحل إلى الْقَاهِرَة فَسمع من أَهلهَا ولازم الْحَافِظ ابْن حجر وَدخل الشَّام فَسمع على علمائها ولازم الْحَافِظ بن نَاصِر وسافر إلى الْقُدس والخليل وَسمع مِمَّن هُنَالك وَطَاف الْبلدَانِ وَطول الرحلة وَتردد فِي جَمِيع مداين مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ وَسمع العالي والنازل وَمهر فِي الحَدِيث وصنّف فِيهِ مصنفات وَخرج لنَفسِهِ معجمًا وَعمل مسلسلا وذيل على تَارِيخ مَكَّة للتقى النَّاس وَله كتاب المدلسين ثمَّ
[ ١ / ٥١٢ ]
المخضرمين ثمَّ المغير اسمهم ثمَّ المواخا بَينهم ثمَّ اللّبَاب فِي الألقاب ثمَّ بذل الْجهد فِي من سمي بفهد وَابْن فَهد والمشارق المنيرة فِي ذكر بني ظهيرة وَله فِي كل بَيت من بيُوت مَكَّة الْمَشْهُورَة بِالْعلمِ مُصَنف وَله غير ذَلِك من المصنّفات وَمَات يَوْم الْجُمُعَة سَابِع شهر رَمَضَان سنة ٨٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
٣٤٩ - عمر بن مجد السّراج أبوحفص اليماني الزبيدي الشافعي
وَيعرف بالفتى من الفتوة وَهُوَ لقب أَبِيه ولد سنة ٨٠١ وَاحِدَة وثمان مائو بزبيد وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على الْفَقِيه مُحَمَّد بن صَالح والشرف بن المقرى ولازمه أتم دهرا مُلَازمَة طَويلا ثمَّ انْتقل إلى بِلَاد أصَاب فَمَكثَ بِبَعْض قراها وارتحل إليه الطّلبَة واشتغل بالتدريس والتصنيف وقصده الطّلبَة من الأماكن الْبَعِيدَة كل ذَلِك فِي حَيَاة شَيْخه وَلما استولى علي بن طَاهِر على الْيمن أكْرم صَاحب التَّرْجَمَة ورتب لَهُ من الْوَقْف مَا يَكْفِيهِ ثمَّ قَلّدهُ أَمر الأوقاف وصرفها لمستحقها والإذن فِي النِّيَابَة لمن لَا يحسن الْمُبَاشرَة وَله تصانيف مِنْهَا مهمات الْمُهِمَّات اختصر فِيهَا مهمات الأسنوي والابريز فِي تَصْحِيح الْوَجِيز والالهمام لما فِي الرَّوْض من الأوهام مُصَنف شَيْخه ابْن الْمقري وأفرد زَوَائِد الأنوار على الرَّوْضَة وَسَماهُ أنوار الأنوار وَكَذَا فعل فِي جَوَاهِر القمولى وَشرح الْمِنْهَاج لِابْنِ الملقن وَقد انْتفع بِهِ فِي الْفِقْه أهل الْيمن طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار غالبهم من تلامذته وَمَات فِي صفر سنة ٨٨٧ سبع وَثَمَانِينَ وثمان مائَة وارتجت النواحي لمَوْته
[ ١ / ٥١٣ ]
٣٥٠ - عمر بن مظفر بن عمر بن مُحَمَّد بن أَبى الفوارس زين الدَّين ابْن الوردي الْفَقِيه الشافعي الحلبي
نَشأ بحلب وتفقّه بهَا ففاق الأقران وَأخذ من شرف الدَّين ابْن الْبَارِزِيّ وَغَيره ونظم الْبَهْجَة الوردية فِي خَمْسَة آلاف بَيت وَثَلَاثَة وَسِتِّينَ بَيْتا أَتَى على الحاوي الصَّغِير بغالب أَلْفَاظه قَالَ ابْن حجر وَأقسم بِاللَّه مَا نظم أحد بعده الْفِقْه إلا وَقصر دونه وَله ضوء الدرة على ألفية ابْن معطي وَشرح الألفية لِابْنِ مَالك وَله مقامات ومنطق الطير نظم ونثر وَله فِي الْكَلَام على مائَة غُلَام مائَة مَقْطُوع لَطِيفَة والدراري السارية فِي مائَة جَارِيَة مائَة مَقْطُوع كَذَلِك وَضمن كثيرًا من الملحة للحريري فِي أرجوزة غزل وَاخْتصرَ الألفية لِابْنِ مَالك فِي مائَة وَخمسين بَيْتا وَشَرحهَا وَكَانَ يَنُوب فِي الحكم بحلب وَولى قَضَاء منبج ثمَّ اعْرِض عَن ذَلِك وَمَات فِي الطَّاعُون آخر سنة ٧٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وديوان شعره فِي مُجَلد لطيف وَذكر الصفدي فِي أَعْيَان النَّصْر أَنه اختلس مَعَاني شعره وأنشده من ذَلِك شَيْئا كثيرًا وَلم يَأْتِ بِدَلِيل على أَن ابْن الوردي هُوَ المختلس قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر بل الْمُتَبَادر الْعَكْس وَاسْتشْهدَ الصفدي على صِحَة دَعْوَاهُ بقول صَاحب التَّرْجَمَة
(وأسرق مَا اردت من الْمعَانى فإن فقت الْقَدِيم حمدت سيري)
(وإن ساويته نظمًا فحسبي مُسَاوَاة الْقَدِيم وَذَا لخيري)
(وإن كَانَ الْقَدِيم أتم معنى فَهَذَا مبلغيى ومطار طيري)
(وإن الدِّرْهَم الْمَضْرُوب عندي أحبّ الى من دِينَار غيري)
وَمن جملَة مَا أورده الصفدى لصَاحب التَّرْجَمَة
[ ١ / ٥١٤ ]
(سل الله رَبك من فَضله إذا عرضت حَاجَة مقلقة)
(وَلَا تقصد التّرْك فِي حَاجَة فأعينهم أعين ضيقة)
قَالَ الصفدي وهما مأخوذان من قولي
(أترك هوى الأتراك إن رمت أن لَا تبتلي فيهم بهم وضير)
(وَلَا ترجّ الْجُود من وصلهم مَا ضَاقَتْ الأعين فيهم لخير)
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة
(قيل لي تبذل الذَّهَب بتولي قضا حلب)
(قلت هم يحرقونني وَأَنا أشتري الْحَطب)
وَمِنْه أَخذ ابْن عشاير
(قيل برطل على القضا ترغم الْحَسَد العدى)
(قلت هم يذبحونني وَأَنا أشحذ المدى)
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة
(إني تركت عقودهم وفسوخهم وفروضهم وَالْحكم بَين اثْنَيْنِ)
(ولزمت بيتى قانعا ومطالعا كتب الْعُلُوم وَذَاكَ زين الدَّين)
٣٥١ - عِيسَى بن عُثْمَان بن عِيسَى الغزيّ شرف الدَّين الشَّافِعِي
ولد قبل الأربعين وَسَبْعمائة وَقدم دمشق فأخذ عَن علمائها ولازم تَاج الدَّين السبكي ودرس بالجامع الأموي وَأفْتى وصنف فَمن مصنفاته شرح الْمِنْهَاج الشَّرْح الْكَبِير والمتوسط وَالصَّغِير وَاخْتصرَ الرَّوْضَة مَعَ زيادات وَاخْتصرَ مهمات الأسنوي وَله كتاب فِي آدَاب الْقَضَاء ولخص زيادات الْكِفَايَة على الرافعي فِي مجلدين مَاتَ فِي شهر رَمَضَان سنة ٧٩٩ تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة
[ ١ / ٥١٥ ]
٣٥٢ - السَّيِّد عِيسَى بن لطف الله بن المطهر ابْن الإمام شرف الدَّين اليماني الكوكباني
الشَّاعِر المنجّم المؤرّخ لَهُ تَارِيخ سَمَّاهُ روح الروح صنف واختص بالوزير مُحَمَّد باشا فصنف هَذَا التَّارِيخ بعنايته وَذكر فِيهِ مَا كَانَ بعد الْمِائَة التَّاسِعَة من الْفتُوح وصنّف لَهُ النفحة اليمنية فِي الدولة المحمدية وَمن نظمه
(لَا تلمني فِي حب أهيف كالغص ن بِغَيْر الشموس فِي الاشراق)
(لدغتنى فِي حَبَّة الوج هـ فَمَا غير وَصله من راق)
وَكَانَ يهوى غُلَاما جميلًا فَقتله الأتراك فِي بعض الحروب فَقَالَ فِي ذَلِك قصيدة مِنْهَا
(قد كنت أَهْوى بَان تأوي إلى نظري فَالْآن من لي بِجعْل الْقلب تابوتا)
(عذبتنى بالجفا وَقت الْحَيَاة وفي مماتك الْيَوْم قد أحرمتني القوتا)
(قتلت مِنْك غَدَاة الْحَالَتَيْنِ مَعًا حَيا وَمَيتًا فيا طول الجو هيتا)
(يازهرة قطفت من بَعْدَمَا بسمت وزهرة غربت مذ وافت الحوتا)
(لهفى على المقلة الكحلا الى قصرت عَن سحر نفثتها أسحار هاروتا)
وَله قصيدة كتبهَا إلى الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ينتصل فِيهَا عَمَّا ينْسب إليه من تفضيله للدولة التركية على الدولة القاسمية ومطلعها
(مَا شاقني سجع الحمامة سحرًا وَلَا برق الغمامة)
وَكَانَ مَوته فِي دولة الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم فِي سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ يفد اليه ويكرمه
[ ١ / ٥١٦ ]
٣٥٣ - السَّيِّد عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني
قد تقدم تَمام نسبه ومولده على التَّقْرِيب بعد سنة ١١٣٠ وَله يَد فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد قَوِيَّة وَكَانَ مكبًا طول عمره على المعارف العلمية وأفاده الطّلبَة حَتَّى شاخ وعلت سنة فَصَارَ عِنْد ذَلِك أَمِيرا لكوكبان وبلادها من غير سعي مِنْهُ فِي ذَلِك بل قَصده أَقَاربه بالإمارة وَذَلِكَ أنه اتفق أَن السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد أَمِير كوكبان وَهُوَ أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة مَاتَ فَصَارَت الإمارة بعده إلى وَلَده الأكبر الْعَبَّاس بن إبراهيم فنافسه على ذَلِك أخوه يحيى بن إبراهيم ومازال يترقب لَهُ الفرص حَتَّى صَادف مِنْهُ غرَّة وهم فِي دَار وَاحِدَة فَدخل عَلَيْهِ هُوَ وَجَمَاعَة مَعَه وضربوه ضربًا مبرحًا ثمَّ كتفوه وأخرجوه من دَاره على رُءُوس الأشهاد بعد أَن قيّدوه فَخرج مُقَيّدا مكتوفًا وَالنَّاس ينظرونه وسجنوه فِي دَار هُنَالك معدة لمثل ذَلِك ثمَّ إن أَخَاهُ يحيى الْمَذْكُور علم أَن أهل كوكبان لَا يفوضون الإمارة إليه وَفِيهِمْ صَاحب التَّرْجَمَة لعلو سنه فقصده وَعرض عَلَيْهِ الإمارة فقبلها وَكَانَت الأمور فِي أيام إمارته منوطة بالسيّد شرف الدَّين بن احْمَد الذي صَار بعد صَاحب التَّرْجَمَة أَمِيرا ثمَّ إن السادات وَسَائِر الأعيان أجمع أَمرهم على اعتقال السَّيِّد يحيى بن إبراهيم فِي الْيَوْم الثاني من اعتقاله لأخيه فعقدوا مَجْلِسا وَأَرْسلُوا للمذكور فجَاء وَبَين يَدَيْهِ الْجند وَعَلِيهِ أبهة الإمارة فكتفوه وقيدوه وأخرجوه كَمَا أخرجُوا أَخَاهُ وأدخلوه الدَّار الَّتِى أَدخل أَخَاهُ فِيهَا وَكَانَ ذَلِك من أعظم العبر وفي أثْنَاء هَذِه الأمور قتل السَّيِّد عبد الله بن إبراهيم وَكَانَ عِنْد اعتقال أَخِيه يحيى لاخيه عَبَّاس بشبام فَلَمَّا بلغه ذَلِك جمع جمَاعَة من أهل شبام وطلع بهم إلى كوكبان قَاصِدا لنصر أَخِيه عَبَّاس فلقي
[ ١ / ٥١٧ ]
فِي الطَّرِيق عَبَّاس بن مُحَمَّد بن يحيى وَهُوَ مِمَّن أعَان السَّيِّد يحيى بن إبراهيم على اعتقال أَخِيه بل لولاه ماتم ذَلِك فَلَمَّا رأى السَّيِّد عبد الله الْمَذْكُور السَّيِّد عَبَّاس بن مُحَمَّد فِي عقبَة كوكبان سلّ سَيْفه وَحمل عَلَيْهِ على دهش وطيش فوصل إليه وضربه بِالسَّيْفِ ضربة غير طائلة فاخذ السَّيِّد عَبَّاس ابْن مُحَمَّد الجنبية وطعنه بهَا طعنة كَانَ بهَا مَوته وَلم ينفع السَّيِّد عبد الله من مَعَه من الْجَيْش ثمَّ إن السَّيِّد عَبَّاس بن مُحَمَّد سجن بقصر صنعاء نَحْو سبع سِنِين وَصَحَّ عندي أَنه مدافع فأطلقه مَوْلَانَا الإمام حفظه الله وَأما صَاحب التَّرْجَمَة فاستمر على امارته حَتَّى مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر شَوَّال سنة ١٢٠٧ سبع وَمِائَتَيْنِ وألف ثمَّ صَارَت الإمارة بعده إلى السَّيِّد شرف الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء المتوسعين فِي عدَّة فنون وَولده الْعَلامَة عبد الله قد سبقت تَرْجَمته
[ ١ / ٥١٨ ]
٣٥٤ - عِيسَى بن مَسْعُود بن مَنْصُور بن يحيى بن يُونُس الزواوي المالكي
[ ١ / ٥١٩ ]
ولد سنة ٦٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بزواوة وتفقّه على أَبى يُوسُف الزواوي ثمَّ قدم الإسكندرية فتفقه بهَا ثمَّ رَجَعَ إلى قابس وَولى الْقَضَاء بهَا ثمَّ رَجَعَ إلى الإسكندرية ثمَّ دخل مصر فَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّاس بالجامع الْأَزْهَر وَسمع من جمَاعَة مِنْهُم الدمياطي وَكَانَ يذكر أَنه حفظ مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي سِتَّة أشهر وَأَنه حفظ الْمُوَطَّأ ثمَّ دخل أَيْضا دمشق وناب عَن حاكمهما المالكي وَرجع إلى مصر وناب أَيْضا عَن حاكمها المالكي ثمَّ أعرض عَن ذَلِك وَأَقْبل على التصنيف فصنّف شرحًا لمُسلم فِي اثني عشر مجلدًا جمع فِيهِ بَين الْمعلم وإكماله وَشرح النووي عَلَيْهِ وَسَماهُ إكمال الإكمال وَزَاد فِيهِ فَوَائِد ومسائل من كَلَام الْبَاجِيّ وَابْن عبد الْبر وَأبْدى فِيهِ سُؤَالَات مفيدة وَأجَاب عَنْهَا وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الفرعي فوصل إلى الصَّيْد فِي سَبْعَة أسفار وَشرح مُخْتَصر ابْن يُوسُف فِي سِتَّة أسفار وَله كتاب فِي الْمَنَاسِك ورد على ابْن تَيْمِية فِي مسئلة الطَّلَاق وَشرع فِي جمع تَارِيخ كتب مِنْهُ عشرَة أسفار وَمَات فِي مستهل رَجَب سنة ٧٤٣ ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة تمّ بِحَمْد الله وفضله
[ ١ / ٥٢٠ ]