المؤرخ صَاحب التصانيف السائرة فِي الأقطار ولد ثَالِث شهر ربيع الآخر سنة ٧٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة وَأَجَازَ لَهُ فِي سنة مولده جمَاعَة بعناية أَخِيه من الرَّضَاع وَطلب بِنَفسِهِ بعد سنة ٦٩٠ فَأكْثر عَن ابْن عَسَاكِر وطبقته ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ عَن الدمياطي وَابْن الصَّواف وَغَيرهمَا وَخرج لنَفسِهِ ثَلَاثِينَ بَلَدا وَمهر فِي فن الحَدِيث وَجمع فِيهِ المجاميع المفيدة الْكَثِيرَة
قَالَ ابْن حجر حَتَّى كَانَ أَكثر أهل عصره تصنيفا وَجمع تَارِيخ الْإِسْلَام فأربى فِيهِ على من تقدمه بتحرير أَخْبَار الْمُحدثين خُصُوصا انْتهى
أي لَا بِاعْتِبَار تَحْرِير أَخْبَار غَيرهم فَإِن غَيره ابْسُطْ مِنْهُ وَاخْتصرَ مِنْهُ مختصرات كَثِيرَة مِنْهَا النبلاء والعبر وتلخيص التَّارِيخ وطبقات الْحفاظ وطبقات الْقُرَّاء وَلَعَلَّ تَارِيخ الْإِسْلَام فِي زِيَادَة على عشْرين مجلدا وقفت مِنْهُ على أَجزَاء
والنبلاء فِي نَحْو الْعشْرين مجلدا وقفت مِنْهُ على أَجزَاء وَهُوَ مُخْتَصر من تَارِيخ الْإِسْلَام بِاعْتِبَار أَن الأَصْل لمن نبل وَلمن لم ينبل فِي الْغَالِب
والنبلاء لَيْسَ إلا لمن نبل لكنه أَطَالَ تراجم النبلاء فِيهِ بمالم يكن فِي تَارِيخ الْإِسْلَام وَمن مصنفاته الْمِيزَان فِي نقد الرِّجَال جعله مُخْتَصًّا بالضعفاء الَّذين قد تكلم فيهم مُتَكَلم وَهُوَ كتاب مُفِيد فِي ثَلَاثَة مجلدات كبار
وَله كتاب الكاشف الْمَعْرُوف ومختصر سنَن البيهقي الْكُبْرَى
ومختصر تَهْذِيب الْكَمَال لشيخه المزي وَخرج لنَفسِهِ المعجم الصَّغِير وَالْكَبِير
والمختص بالمحدثين فَذكر فِيهِ غَالب الطّلبَة من أهل ذَلِك الْعَصْر وعاش الْكثير مِنْهُم بعده إِلَى نَحْو أربعين سنة وَخرج لغيره
[ ٢ / ١١٠ ]
من شُيُوخه وأقرانه وتلامذته
وَجَمِيع مصنفاته مَقْبُولَة مَرْغُوب فِيهَا رَحل النَّاس لأَجلهَا وأخذوها عَنهُ وتداولوها وقرأوها وكتبوها فِي حَيَاته وطارت فِي جَمِيع بقاع الأَرْض وَله فِيهَا تعبيرات رائقة وألفاظ رشيقة غَالِبا لم يسْلك مسلكه فِيهَا أهل عصره وَلَا من قبلهم وَلَا من بعدهمْ
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاس فِي التَّارِيخ من أهل عصره فَمن بعدهمْ عِيَال عَلَيْهِ وَلم يجمع أحد فِي هَذَا الْفَنّ كجمعه وَلَا حَرَّره كتحريره
قَالَ الْبَدْر النابلسي فِي مشيخته كَانَ عَلامَة زَمَانه فِي الرِّجَال وأحوالهم جيد الْفَهم ثاقب الذِّهْن وشهرته تغني عَن الإطناب فِيهِ وَقد أَكثر التشنيع عَلَيْهِ تِلْمِيذه السبكي وَذكر فِي مَوَاضِع من طبقاته للشَّافِعِيَّة وَلم يَأْتِ بطائل بل غَايَة مَا قَالَه إنه كَانَ إِذا ترْجم الظَّاهِرِيَّة والحنابلة أَطَالَ فِي تقريظهم وَإِذا ترْجم غَيرهم من شافعي أَو حنفي لم يسْتَوْف مايستحقه وعندي أَن هَذَا كَمَا قَالَ الأول
(وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها)
فَإِن الرجل قد ملئ حبا للْحَدِيث وَغلب عَلَيْهِ فَصَارَ النَّاس عِنْده هم أَهله وَأكْثر محققيهم وأكابرهم هم من كَانَ يُطِيل الثَّنَاء عَلَيْهِ إلا من غلب عَلَيْهِ التَّقْلِيد وَقطع عمره فِي اشْتِغَال بِمَا لَا يُفِيد
وَمن جملَة مَا قَالَه السبكي فِي صَاحب التَّرْجَمَة أَنه كَانَ إِذا أَخذ الْقَلَم غضب حَتَّى لَا يدرى مايقول وَهَذَا بَاطِل فمصنفاته تشهد بِخِلَاف هَذِه الْمقَالة وغالبها الْإِنْصَاف والذب عَن الأفاضل وَإِذا جرى قلمه بالوقيعة فِي أحد لم يكن من معاصريه فَهُوَ إنما روى ذَلِك عَن غَيره وَإِن كَانَ من معاصريه فالغالب أَنه لَا يفعل ذَلِك إلا مَعَ من يسْتَحقّهُ وَإِن وَقع مَا يُخَالف ذَلِك نَادرا فَهَذَا شَأْن الْبشر وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إلا الْمَعْصُوم والأهوية تخْتَلف والمقاصد تتباين
[ ٢ / ١١١ ]
وَرَبك يحكم بَينهم فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وَقد تصدر للتدريس بمواضع من دمشق وَكَانَ قد أضر قبل مَوته بسنوات وَكَانَ يغْضب إِذا قيل لَهُ يقْدَح عَيْنَيْهِ وَيَقُول مَا زلت أعرف بصري ينقص قَلِيلا قَلِيلا إِلَى أَن تَكَامل عَدمه
قَالَ الصَّفَدِي لم يكن عِنْده جمود الْمُحدثين بل كَانَ فَقِيه النَّفس لَهُ دراية بأقوال النَّاس وَهُوَ الْقَائِل مضمنا
(إِذا قَرَأَ الحَدِيث علي شخص وأخلى موضعا لوفاة مثلى)
(فَمَا جازى بِإِحْسَان لأني أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلَى)
قَالَ الصَّفَدِي فَأَنْشَدته لنفسى
(خليك مَاله فِي ذَا مُرَاد فدم كَالشَّمْسِ فِي أعلى مَحل)
(وحظي أَن تعيس مدى الليالي وَأَنَّك لَا تمل وَأَنت تملي)
قَالَ الصفدي فأعجبه قولي خليك لِأَن فِيهِ إشارة إِلَى بَقِيَّة الْبَيْت الذي ضمنه هُوَ مَعَ الاتفاق فِي اسْم خَلِيل وَمَات فِي لَيْلَة الثَّالِث من ذي الْقعدَة سنة ٧٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة