ولد سنة ١١٦٨ سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ الْفِقْه على السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمى والفقيه الْعَلامَة سعيد بن إِسْمَاعِيل الرشيدي وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وَقَرَأَ فِي سَائِر الْعُلُوم على عَمه الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر وَشَيخنَا الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي وَقَرَأَ على فِي الْفَرَائِض وَشرح الرضى للكافية ومغني اللبيب وَفِي الترمذي وَسنَن أَبى دَاوُد وَغير ذَلِك وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالْفِقْه والْحَدِيث وشارك فِي سَائِر الْفُنُون وَله ذهن قويم وَفهم جيد وذكاء متوقد وَحسن تصور باهر وَقُوَّة إدراك مفرط بِحَيْثُ يرتقى بِأَدْنَى اشْتِغَال إِلَى مَالا يرتقى إِلَيْهِ من هُوَ أَكثر مِنْهُ اشتغالًا وَهُوَ مِمَّن لَا يعول على التَّقْلِيد بل يعْمل بِمَا يرجحه من الْأَدِلَّة وولاه مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله الْقَضَاء الصَّنْعَانِيّ بِصَنْعَاء من جملَة قضاتها فَكَانَ يقْضى بَين النَّاس بمَكَان وَالِده وَأثْنى النَّاس عَلَيْهِ وَرَغبُوا فِيهِ لما هُوَ عَلَيْهِ من الصلابة فِي الدَّين وَسُرْعَة الْفَصْل للقضايا المشكلة وَلَعَلَّ توليه للْقَضَاء كَانَ فِي سنة ١٢١٠ ثمَّ حجر فِي سنة ١٢١١ ثمَّ ولاه مَوْلَانَا الإِمَام قَضَاء بِلَاد ريمة فِي سنة ١٢١٢ ثمَّ نَقله إِلَى قَضَاء الحديدة وَهُوَ الْآن هُنَالك مُسْتَمر على الْقَضَاء متأسف على فِرَاق صنعاء متلهب على مَا فَاتَهُ من الطلب للعلوم على مشايخها وَكَانَ قبل ارتحاله من صنعاء
[ ٢ / ١١٦ ]
إِلَى تِلْكَ الْجِهَة يكثر الِاتِّصَال بَيْننَا ويجري من المباحث العلمية فِي أَنْوَاع الْعلم أَشْيَاء كَثِيرَة وبيني وَبَينه مَوَدَّة أكيدة ومحبة زَائِدَة وَمَا زَالَت كتبه تصل من هُنَالك تَارَة بمسائل علمية وَتارَة بمطارحة أدبية وَمِمَّا كتبه إِلَى من هُنَالك هَذِه القصيدة الَّتِى هي ذَات قافيتين
(صب يورقه النسيم إِذا سرى من نَحْو صنعا حَامِلا طيب الرسائل)
(ويثير لوعته الْحمام إِذا علت فِي الدوح فرعا والزهور لَهُ غلائل)
(وغدت تردد فِي الغصون هديرها وتميد سجعا تدعى شجو البلابل)
(اذ كَيْت ياورق الغرام وَأَنت لم تدنيه قطعا والغرام لَهُ دَلَائِل)
(طوقت جيدك وَالْخطاب أجدته فِي الْكَفّ وضعا لم يكن عَنْهَا بفاصل)
(ووقفت بَين أرايك قد دبجت زهرا وزرعا وارتقصت على الخمائل)
(وجمعت شملك بالأليف مُوَافقا جِنْسا ونوعا مشبها لَك فِي الشَّمَائِل)
(لَا در دَرك يافراق قطعت حَبل الْوَصْل قطعا ثمَّ بددت الْوَسَائِل)
(وتركتني أرعى السهى وأذيل فِي الْخَدين دمعا يخجل السحب الهواطل)
(وتذود عَن عيني الْكرَى وَأَيْنَ أَيْن النوم يسْعَى فِي الْعُيُون وهي هوامل)
(ياليت شعري هَل يكون لنا من الْأَيَّام رجعًا بَين هاتيك الْمنَازل)
(وَأرى الْفِرَاق مصفدا متصدعًا بالوصل صدعا لَا تروعنا النَّوَازِل)
(وزمام دهري فِي يدي أجيله فِي كل مسعى لايني وَلَا يخاذل)
(فِي ذَلِك الربع الممنع يَا سقَاهُ الله ربعا فِي الغدوة والأصائل)
(كم غازلتنى فِيهِ من تركت لَهَا العشاق صرعى لَا تجيب وَلَا تسائل)
(هيفا بعامل قدها رفعت مَنَام الْعين رفعا لَيْسَ من عمل العوامل)
(وَلَكِن صبوت وَكم هززت من العلى وَالْمجد جذعا جانيا ثَمَر الْفَضَائِل)
[ ٢ / ١١٧ ]
(حَتَّى أتيح لي النَّوَى فَغَدَوْت فِي الْمَقْدُور اسعى عَن ديارى ثمَّ راحل)
(فتبدلت عرر اللَّيَالِي بالدواهي والليا لي حلن جزعا مثل حَال الصب حَائِل)
(يَا دهر عد بالوصل أَو ناصقت حظي مِنْك شرعا عِنْد حاكمنا الحلاحل)
(قاضي الْقَضَاء مُحَمَّد الْبَدْر الذى دَانَتْ لَهُ الْعليا طَوْعًا زِينَة الفضلا الأماثل)
(حاوي المعارف كلهَا ومحامد الْأَوْصَاف جمعا نخبة النخب الأفاضل)
فأجبت بقولى
(قلب تقلب فِي فنون من جُنُون الْعِشْق طبعا فِي ربى تِلْكَ الْمنَازل)
(يذري دموع عيونه محمرة وترا وشفعا من هوى ظبي الخمائل)
(سل عَنهُ هَل طابت لَهُ ياريم رامت ارْض صنعا فِي ضحاها والأصائل)
(مَا الْعَيْش إلا فِي ذرى الأحباب والأتراب قطعا كم على هَذَا دلايل)
(يَا عز دين الله لَا تجزع لبين شت جمعي الصَّبْر شِيمَة كل فَاضل)
(لَا تجز عَن من الْفِرَاق فَلَيْسَ ذَاك الْبعد بدعا مالازم الأوطان كَامِل)
(صبرا على الزَّمن الذي مَا زَالَ بالمكروه يسْعَى وَبِكُل مانهواه باخل)
(وَأعلم بأنك تَحت تَدْبِير القضا نصبا ورفعا يالقاك فِيهِ كل عَامل)
(مَا أَنْت مضطهد وَلَا تَحت امتنان لِابْنِ لكعا يَا ابْن الأكارم والأماثل)
(بل نَافِذ الْأَقْوَال تصدع إن تشا بِالْحَقِّ صدعا وتكف صولة كل صائل)
(وتخفف الأثقال عَن مستضعف دفعا ونفعا وتحط عَنهُ كل بَاطِل)
(وتصول صولة فاتك أن ينتهك فِي النَّاس شرعا فدم من الإعتام جَاهِل)
(كم بَين من يقْضِي بِمَا قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ قطعا وفتى على التَّحْقِيق عاطل)
(يرْوى من الرأي الْمُجَرّد كل فاقرة وشنعا مَقْصُودَة قد قَالَ قَائِل)
[ ٢ / ١١٨ ]
(كم بَين ذَاك وَبَين ذَا من غَايَة رفعا ووضعا ايْنَ العقال من المعاقل)
(إياك يَا بدر الأفاضل ان تطِيق بِذَاكَ ذرعا الصَّبْر من دأب الأفاضل)
(قل لى رعاك الله مَا وَجه التشوق نَحْو صنعا تنظر إِلَى طالع ونازل)
(إن قلت مربع من هويت ويارعاه الله ربعا كم فِيهِ من شخص مشاكل)
(فالتبر يَا مولاي فِي أوطانه كالترب نفعا وأسأل لهَذَا كل عَاقل)
(والبدر لَو لزم السّكُون لَكَانَ طول الدَّهْر بدعا بَين الْأَنَام هِلَال ناحل)
(وَاللَّيْث لَوْلَا سَعْيه فِي كل قفر مَاتَ جوعا اسْمَع هديت وَلَا تجَادل)
وَهَذَا الْجَواب أَكْثَره لَا يعجبني فإني كتبته إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة حَال تَحْرِير جَوَاب كِتَابه بِدُونِ تدبر وَلَا تفكر بل قَالَ رَسُوله أنه عازم فِي تِلْكَ السَّاعَة فكتبته وَهُوَ قَائِم على الْبَاب والمترجم لَهُ عافاه الله مُسْتَمر على حَاله الْحسن صرف الله عَنهُ جَمِيع المحن
ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة رغب عَن الْقَضَاء لأجل مَا حصل من الْفِتَن بتهامة وَوصل إِلَى صنعاء وَأخذ عَنى فِي فنون الحَدِيث ثمَّ مرض مَرضا طَويلا وانتقل إِلَى ﵀ فِي شهر رَجَب سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف