بن الإمام شرف الدَّين بن شمس الدَّين بن الإمام المهدي احْمَد بن يحيى قد تقدم تَمام نِسْبَة في تَرْجَمَة الإمام المهدي احْمَد بن يحيى وَهُوَ شَيخنَا الإمام الْمُحدث الْحَافِظ الْمسند الْمُجْتَهد الْمُطلق ولد كَمَا نقلته من خطه في شهر الْقعدَة سنة ١١٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بكوكبان فَقَرَأَ على من بِهِ من الْعلمَاء ثمَّ ارتحل إلى صنعاء فَأخذ عَن أكَابِر علمائها كالسيد
[ ١ / ٣٦٠ ]
الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وَالسَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى وَغَيرهم ثمَّ ارتحل إلى مَدِينَة ذمّار وَهِي إِذْ ذَاك مشحونة بعلماء الْفِقْه والفرائض فأخذ عَن شيوخها فِي الْفِقْه والفرائض ثمَّ تردد في جَمِيع مَدَائِن الْيمن وَأخذ عَن كل من لقِيه من الْعلمَاء ثمَّ ارتحل إلى مَكَّة وَالْمَدينَة فأخذ عَن عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ وشيوخه قد اشْتَمَل عَلَيْهِم مُجَلد حافل ذكر فِيهِ من أَخذ عَنهُ وَمن أجَاز لَهُ والأسانيد الَّتِى تلقاها عَن شُيُوخه وبقي مُهَاجرا فِي الْحَرَمَيْنِ نَحْو عَاميْنِ ثمَّ عَاد الى كوكبان وَصَنْعَاء ثمَّ استوطن كوكبان وَاسْتقر هُنَالك ينشر الْعلم ويفيد الطالبين وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ أميركوكبان إِذْ ذَاك السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَجَمَاعَة كَثِيرَة مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن على وَمِنْهُم وَلَده السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ يفد إلى صنعاء فِي الأمور المهمة كوفوده عِنْد موت الإمام المهدي ﵀ لمبايعة وَلَده مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَكَانَ في مُدَّة إقامته هُنَالك قد طَار صيته في جَمِيع الأقطار اليمنية وَأقر لَهُ بالتفرد في جَمِيع أَنْوَاع الْعلم كل أحد بعد موت شَيْخه السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وأني أذكر وَأَنا فِي الْمكتب مَعَ الصبيان أَنى سَأَلت وَالِدي ﵀ عَن أعلم من بالديار اليمنية إذ ذَاك فَقَالَ فلَان يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة وأخبرني الْعَالم الْفَاضِل عبد الرَّحْمَن بن الْحسن الريمي أَنه حضر في بعض المواقف بِصَنْعَاء وَقد كَانَ اجْتمع فِيهِ أكَابِر عُلَمَاء صنعاء وَسَمَّاهُمْ لي وكل وَاحِد لَهُ شهرة كَبِيرَة بِالْعلمِ والتفنن فِيهِ قَالَ وَمن جملَة الْحَاضِرين صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ أَصْغَرهم سنًا وَكَانَ ذَلِك في إحدى قدماته إلى صنعاء قَالَ فرأيتهم يتواضعون لَهُ ويخضعون لعلمه ويستفيدون مِنْهُ ويعترفون بارتفاع دَرَجَته
[ ١ / ٣٦١ ]
عَلَيْهِم وَهَذَا الِاجْتِمَاع بَينه وَبَين قدوم شَيخنَا إلى صنعاء واستقراره فِيهَا سنُون كَثِيرَة فإنه قدم هَذَا الْقدوم الآخر الذي اسْتَقر فِيهِ وَلم يبْق من أُولَئِكَ الأعيان الَّذين كَانُوا في ذَلِك الْموقف أحد ثمَّ لما أَرَادَ الله إحياء عُلُوم الحَدِيث بل وَسَائِر الْعُلُوم بِصَنْعَاء جرت بَينه وَبَين أَمِير كوكبان السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن مناكدة فأظهر أَنه يُرِيد الْخُرُوج من كوكبان إلى وادي ظهر للتنزه بِهِ أَيَّام الخريف فَأذن لَهُ السَّيِّد إبراهيم فَخرج وَاسْتقر أَيَّامًا بوادى ظهر وَمَا زَالَ يُرْسل لأَهله ولكتبه وَلِجَمِيعِ مَا يحْتَاج إليه ثمَّ كتب إِلَى الْوَزير الخطير الْحسن بن على حَنش الْمُتَقَدّم ذكره بِأَنَّهُ يُرِيد الِانْتِقَال إِلَى صنعاء فَرفع الْقَضِيَّة إِلَى خَليفَة الْعَصْر حفظه الله فَأذن بذلك وأنزله بدار الْفرج من بير الْعَرَب فسكن فِيهَا ووفد إِلَيْهِ أكَابِر عُلَمَاء صنعا وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أعيانهم كشيخنا الْعَلامَة الْقَاسِم ابْن يحيى الخولاني وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَجَمَاعَة كَثِيرَة وَمِنْهُم الْعَلامَة الْحسن بن علي حَنش وَأخذت عَنهُ في عُلُوم عدَّة فَقَرَأت عَلَيْهِ في صَحِيح مُسلم من أَوله إِلَى آخِره بِلَا فَوت مَعَ بعض شَرحه للنووي وَبَعض صَحِيح البخاري مَعَ بعض من شَرحه فتح الباري وَبَعض جَامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير وَسنَن الترمذي من أَولهَا إلى آخرهَا بِلَا فَوت وَبَعض سنَن ابْن مَاجَه وَبَعض الْمُوَطَّأ وَبَعض الْمُنْتَقى لِابْنِ تَيْمِية وَبَعض شِفَاء القاضي عِيَاض وَسمعت مِنْهُ كثيرًا من الأحاديث المسلسلة كالحديث المسلسل بِيَوْم الْعِيد والمسلسل بالمصافحة والمسلسل بالمشابكة وَغير ذَلِك وقرأت عَلَيْهِ في علم الِاصْطِلَاح بعض منظومة الزين العراقي وَشَرحهَا وفي الْفِقْه بعض ضوء النَّهَار
[ ١ / ٣٦٢ ]
وَبَعض الْبَحْر الزخار مَعَ حواشيهما وفي علم أصُول الدَّين بعض المواقف العضدية وَشَرحهَا للشريف وَبَعض القلايد وَشَرحهَا وَفِي أصُول الْفِقْه بعض جمع الْجَوَامِع وَشَرحه للمحلى وفى اللُّغَة بعض الصِّحَاح وَبَعض الْقَامُوس ومؤلفه الذي سَمَّاهُ فلك الْقَامُوس وفي الْعرُوض الجزازية وَشَرحهَا جَمِيعًا وَسمعت مِنْهُ في غير هَذِه الْكتب مِمَّا لم استحضره حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة وَكَانَت الْقرَاءَات جَمِيعهَا يجري فِيهَا من المباحث الْجَارِيَة على نمط الِاجْتِهَاد في الإصدار والإيراد مَا تشدّ إليه الرحال وَرُبمَا أنجرّ الْبَحْث إِلَى تَحْرِير رسائل مُطَوَّلَة وَوَقع من هَذَا كثير وَكنت أحرر مَا يظْهر لى فى بعض الْمسَائِل وأعرضه عَلَيْهِ فان وَافق مالديه من اجْتِهَاده فى تِلْكَ المسئلة قرظه تَارَة بالنظم الْفَائِق وَتارَة بالنثر الرَّائِق وَإِن لم يُوَافق كتب عَلَيْهِ ثمَّ أكتب على مَا كتبه ثمَّ كَذَلِك فإن بعض الْمسَائِل الَّتِى وَقعت فِيهَا المباحثة حَال الْقِرَاءَة اجْتمع مَا حررته وحرره فِيهَا إِلَى سبع رسائل وَكَانَ ﵀ متبحرًا في جَمِيع المعارف العلمية على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا يعرف كل فن مِنْهَا معرفَة يظن من باحثه فِيهِ أَنه لَا يحسن سواهُ وَالْحَاصِل أنه من عجائب الزَّمن ومحاسن الْيمن يرجع إِلَيْهِ أهل كل فن في فنهم الذي لَا يحسنون سواهُ فيفيدهم ثمَّ ينْفَرد عَن النَّاس بفنون لَا يعْرفُونَ أسماءها فضلًا عَن زِيَادَة على ذَلِك وَله في الأدب يَد طولى فإنه ينظم القصيدة الفائقة فِي لَحْظَة مختطفة بِحَيْثُ لَا يصدق بذلك إِلَّا من لَهُ بِهِ مزِيد اختبار وَمَعَ هَذَا فَفِيهِ من لطف الطَّبْع وَحسن المحاضرة وَجَمِيل المذاكرة والبشاش ومزيد التَّوَاضُع وَكَمَال التودّد وملاحه النادرة مَالا يُمكن إِلَّا حاطة بوصفه ومجالسته هي نزهة الأذهان والعقول لما لَدَيْهِ من الاخبار
[ ١ / ٣٦٣ ]
الَّتِى تشنف الاسماع والأشعار المهذبة للطباع والحكايات عَن الأقطار الْبَعِيدَة وَأَهْلهَا وعجائبهابحيث يظن السَّامع أَنه قد عرفهَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلم يكن الأمر كَذَلِك فإنه لم يعرف غير الْيمن والحرمين وَلكنه كَانَ باهر الذكاء قوي التَّصَوُّر كثير الْبَحْث عَن الْحَقَائِق فاستفاد ذَلِك في أَيَّام مجاورته في الْحَرَمَيْنِ لوفود أهل الأقطار الْبَعِيدَة إلى هُنَالك وَكنت أَظن عِنْد ابْتِدَاء اتصالي بِهِ أَنه قد عرف بِلَاد مصر لِكَثْرَة حكاياته عَن أَهلهَا وَعَن عجائب وغرائب مَوْجُودَة فِيهَا في عصره لَا فِيمَا تقدم فإنه لَا يستنكر ذَلِك لِأَنَّهُ قد صنّف النَّاس في أَخْبَارهَا مصنّفات يَسْتَفِيد بهَا من أكبّ على مطالعتها مَا يقرب من الْمشَاهد كالخطط والْآثَار للمقريزي وَحسن المحاضرة في أَخْبَار مصر والقاهرة للسيوطي إنما الشَّأْن فِيمَا يحكيه صَاحب التَّرْجَمَة على ماجرت في عصره فإن ذَلِك هُوَ الأمر العجيب الدَّال على اخْتِصَاصه بمالا يقوم بِهِ غَيره
(لَيْسَ على الله بمستنكر أَن يجمع الْعَالم في وَاحِد)
وَله في حسن التَّعْلِيم صناعَة لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره فإنه يجذب الى محبته وإلى الْعَمَل بالأدلة من طبعه أكثف من الصخر وإذا جالسه منحرف الْأَخْلَاق أَو من لَهُ في الْمسَائِل الدِّينِيَّة بعض شقَاق جَاءَ من سحر بَيَانه بِمَا يؤلف بَين المَاء وَالنَّار وَيجمع بَين الضَّب وَالنُّون فَلَا يُفَارِقهُ إِلَّا هُوَ عَنهُ رَاض وَلَقَد كنت أرى مِنْهُ من هَذَا الْجِنْس مَا يزْدَاد مِنْهُ تعجبى ولذاتم خَبره بأحوال النَّاس وَبِمَا يَلِيق بِكُل وَاحِد مِنْهُم وَمَا يُنَاسِبه ومالا يُنَاسِبه وَله في علم الطِّبّ مُشَاركَة قَوِيَّة وَله في كل الصناعات العملية كائنة مَا كَانَت أتمّ اختبار وَكَانَ النَّاس يقصدونه على اخْتِلَاف طبقاتهم فَأهل
[ ١ / ٣٦٤ ]
الْعلم يقصدونه ليستفيدوا من علمه والأدباء ليأخذوا من أدبه ويعرضوا عَلَيْهِ أشعارهم والمحاويج يأتونه ليشفع لَهُم عِنْد أَرْبَاب الدُّنْيَا ويواسيهم بِمَا يُمكنهُ وَكَرمه كلمة اجماع والمرضى يلوذون بِهِ لمداواتهم وغرباء الديار من أهل الْعلم ينزلهم في منزله ويفضل عَلَيْهِم بِجَمِيعِ مَا يحتاجونه وَيسْعَى فِي قَضَاء أغراضهم ونيل مطالبهم وَهُوَ مَقْبُول الشَّفَاعَة وافر الْحُرْمَة عَظِيم الجاه وَبِالْجُمْلَةِ فَلم ترعينى مثله في كمالاته وَلم آخذ عَن أحد يُسَاوِيه في مَجْمُوع علومه وَلم يكن بالديار اليمنية في آخر مدَّته لَهُ نَظِير وَكَانَ لما جبل عَلَيْهِ من حسن الْأَخْلَاق لَا يبدى من علومه عِنْد المناظرة مَا يَنْقَطِع بِهِ من يناظره لاسيما إذا كَانَ من يناظره من الْمُقَصِّرِينَ كل ذَلِك محبَّة مِنْهُ لجبر الخواطر وائتلاف الْقُلُوب وَرُبمَا يتأثر عَن ذَلِك لبَعض من لم يحط بِهِ خَبرا أَنه لَيْسَ كَمَا يَقُول النَّاس فِي التفرد بِالْعلمِ وَقد سَمِعت هَذَا من كثير من الَّذين لم يبلغُوا فِي الْعلم مبالغ الْكَمَال وَلَو عرفوه كَمَا عرفه أهل الْكَمَال الممارسون لَهُ لعلموا بَان الْحَامِل لَهُ على التسامح فِي مناظرتهم مَا جبل عَلَيْهِ من سحاحة الْخلق وَكَانَ ﵀ لَا يتَعَرَّض لتنقيص أحد كَائِنا من كَانَ بل يذكر من كل أحد مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من المحاسن ويغطى عَن مساويه وَهُوَ أعرف بهَا من غَيره ويبالغ في وصف من لَهُ اشْتِغَال بِالْعلمِ وينشر من محاسنه مَالا يسمح بِهِ غَيره بعبارات تعشقها الْقُلُوب وترتشفها الأسماع وَتقبل عَلَيْهَا الطباع وَهُوَ ﵀ من جملَة من رغّبني فِي تأليف شرح على الْمُنْتَقى فشرعت فِيهِ فِي حَيَاته وَعرضت عَلَيْهِ كراريس من أَوله فَقَالَ إِذا كمل على هَذِه الْكَيْفِيَّة كَانَ فِي نَحْو عشْرين مجلدًا وَأهل الْعَصْر لَا يرغبون فِيمَا بلغ من التَّطْوِيل الى دون هَذَا الْمِقْدَار ثمَّ أرشدني إِلَى الِاخْتِصَار فَفعلت
[ ١ / ٣٦٥ ]
فكمل بِحَمْد الله وبيّضته فِي أَربع مجلدات وَلم يكمل إِلَّا بعد مَوته بِنَحْوِ ثَلَاث سِنِين وَقد أجازني اجازة عَامَّة كتبهَا الى بعد أَن مكنني من كتاب أسانيده فنقلت مِنْهُ مَا أُرِيد نَقله وَلم يكن لَهُ كَثْرَة اشْتِغَال بالتأليف وَلَو أَرَادَ ذَلِك لَكَانَ لَهُ فِي كل فن مَالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَله رسائل حافلة ومباحث مُطَوَّلَة هى مَجْمُوعَة فى مُجَلد وَالْكثير مِنْهَا لم يكن فِيهِ فإنه كَانَ مَقْصُودا بالمشكلات فِي كل فن من جَمِيع الأقطار اليمنية وَلكنه لم يحرص على جمع ذَلِك كُلية الْحِرْص وَمن مؤلفاته شرح نزهة الطرف في الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف للسَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الْأَخْفَش الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ شرح نَفِيس مُفِيد فِي مُجَلد لطيف وَله فلك الْقَامُوس في كراريس وَله حواش على ضوء النَّهَار في نسخته لَو جمعت لكَانَتْ حَاشِيَة مُسْتَقلَّة وَقد كَانَ وَلَده الْعَلامَة إبراهيم شرع فِي جمعهَا وَضم اليها أنظارا لَهُ وَلم أَقف على شئ مِنْهَا وَلَعَلَّه لم يَتَيَسَّر لَهُ تَمامهَا وبيني وَبَينه ﵀ مطارحات أدبية فَمِنْهَا قصيدة كتبتها إِلَيْهِ وهى
(من دونهَا ياعمرو وخز الرماح وَعِنْدهَا فَاعْلَم صليل الصفاح)
(لَا يسمع السَّامع في حيها غير جلاد مفزع أَو كفاح)
(فسر اليها سير متهور مستبدل فِيهَا الحيا بالوقاح)
(مشمرا قد حم لاينثنى عَن حبها لعاذل أَو للاح)
(فَمَا يهاب العتب من فَازَ من غَايَة أمْنِيته بالنجاح)
(سعى فَلَمَّا ظَفرت بالمنى يَمِينه ألْقى الْعَصَا واستراح)
(قد أتعب السير رحالي وَقد آن لَهَا بعد الوجى أَن تراح)
(فقد أقامتني عَداهَا الردى بِربع طود الْعلم بَحر السماح)
[ ١ / ٣٦٦ ]
(من هز للعليا قناة وَمن حمى حماها فهي لَا تستباح)
(من شاد للسنة أعلامها من كافح الْبِدْعَة كل الكفاح)
(مجدّدًا مُجْتَهدا جاهدا للدّين فى علم الْهدى وَالصَّلَاح)
(ياعالم السنّة في دَهْرنَا وقطب أَرْبَاب النهى والفلاح)
(مايال من أنصف فِي عصرنا وَمَال نَحْو المسندات الصِّحَاح)
(واطرح التَّقْلِيد من حالق
(مقطّعًا ربقته والوشاح)
(يرْمى بداء النصب في قومه وَمَا على الرامي لَهُ من جنَاح)
(يمزقون الْعرض مِنْهُ إذا جَاءَ بمرّ الْحق فيهم وَرَاح)
(يلقى لديهم من صنوف الأذى كلّ قَبِيح فى المسا والصباح)
(ابْن قزند البهت مِنْهُم غَدا منقدحًا في الْقلب أيّ انقداح)
فأحاب رَحمَه الله تَعَالَى بقوله
(دع قَول واشٍ فعذول فلاح فَلَيْسَ فِيمَا نمّقوه فلاح)
(وَفَارق الرَّوْض وماراق من طيب عَيْش فاق ان لَاحَ لَاحَ)
(نفسي فدا أَحْمد والآل من في حبهم نيل النجا والنجاح)
(من حلّ في نجد وغور وفي كل مَكَان ومهبّ الرِّيَاح)
(عاملهم ركني على أنني أَدْعُو لكل مِنْهُم بالصلاح)
(وأنصح الْجَاهِل مِنْهُم وهم كلهم أفضل من جا وَرَاح)
(أحبّ من أهلي هم دَائِما وَلَو لقاني عاذلي بالكفاح)
(فحبهم أفضل مَا أرتجي من فعل خير وَاجِب أَو مُبَاح)
(وكل قَول لَهُم ارتضى يرويهِ في الْبَحْر إمام الْفَلاح)
(تعسًا لمن عاداهم يدعي تشيّعًا وَهُوَ عَدو براح)
[ ١ / ٣٦٧ ]
(وَيقصر الْحق على خَمْسَة وَقَول باقبهم لَدَيْهِ نباح)
(وكلّ من عاصره مِنْهُم يودّ لَو قِطْعَة بالصفاح)
(كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بني الْمُصْطَفى لَدَيْهِ تَبًّا لبغيض وقاح)
(تقليدهم قد أَجمعُوا أَنه لعالم بِالنَّصِّ لَا يستباح)
(وأوجبوا الْمَشْي مَعَ النَّص إن لم يَك للْعَالم بُد سجَاح)
(فَمن أَبى هَذَا فَدَعْهُ وَلَا تَلقاهُ يَوْمًا غدْوَة أَو رواح)
(عَلَيْك الْآل تمسك بهم وان تلقاك العدى بِالسِّلَاحِ)
(ياعالم السنة في عصرنا وَمن بِهِ يمتاز مِنْهَا الصِّحَاح)
(دمت تجلي كل مستشكل بِنور فهم مِنْهُ نور الصَّباح)
(يهدى بِعلم كلما أنشدت دع قَول واش فعذول فلاح)
وبيني وَبَينه مكاتبات أدبية من نظم ونثر وَلم يحضر حَال تَحْرِير هَذَا إِلَّا هَذِه وَقد كَانَ ﵀ يمِيل إِلَى كل الْميل ويؤثرني ابلغ تَأْثِير وَمَا سَأَلته الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فِي كتاب فَأبى قط بل كَانَ يبتديني تارات وَيَقُول تقْرَأ في كَذَا وَكَانَ يبْذل لي كتبه ويؤثرني بهَا على نَفسه ومازال ناشرًا للعلوم قَائِما بتفهيم منثورها والمنظوم حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس ربيع الأول سنة ١٢٠٧ سبع وَمِائَتَيْنِ وألف وتأسّف النَّاس على فَقده ورثاه الشُّعَرَاء بمراث حسان هى مَجْمُوعَة فى كراريس وَأَنا من جملَة من رثاه بقصيدة مطْلعهَا
(تهدّم من ربع المعارف جَانِبه وَأصْبح في شغل عَن الْعلم طَالبه)
[ ١ / ٣٦٨ ]
٢٤٤ - عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن علي بن عبد الْمُؤمن النزيلى
الْخَطِيب بِجَامِع صنعاء في أَيَّام الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن وَبَعض أَيَّام وَلَده الْمَنْصُور بِاللَّه هُوَ من البلغاء فِي النظم والنثر فَمن شعره مَا كتبه إلى السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير
(عد عَن ذكر الْحمى والكثب وأدر ذكر بديع الشنب)
(واروعن مَكْحُول طرف مِنْهُ قد ارشق الْقلب نبال الوصب)
(وأدركاس طلًا من ذكره مازجًا من رِيقه بِالضَّرْبِ)
(لَا تغالطني بغزلان النقا فغزال الْحسن أقْصَى أربى)
(أَنا أدري أَيْن قلبي موثق وبمن هام وَمن أَيْن سبي)
(لَا أسمي من سبانى حسنه انما التمويه فِيهِ مذهبي)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة وَله شعر كثير منسجم الى الغابة وَكَانَ لَهُ معرفَة بمواقع الْخطب على حسب الْحَوَادِث ويجودها ببلاغته وَكَانَ جَلِيسا للإمام المتَوَكل على الله وَفِيه خفَّة روح وظرافة وَخلف دنيا وَاسِعَة عَاشَ فِيهَا من بعده وَالْمَوْجُود الْآن أَوْلَاد وَلَده وهم فِي غنية بِمَا خَلفه جدهم من الأموال وَمَات في شعْبَان سنة ١١٥٤ أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف
٢٤٥ - عبد الْقَادِر بن على البدرى الثلائى
الْعَلامَة الْمُجْتَهد المتبحّر في جَمِيع الْعُلُوم ولد سنة ١٠٧٠ سبعين وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كالعلامة المقبلي الْمُتَقَدّم ذكره وَله مسَائِل ورسائل يسْلك فِيهَا مسالك الْمُجْتَهدين ويحررها تَحْرِير امتقنا ويمشي مَعَ الدَّلِيل وَلَا يعبأ بِمَا يُخَالِفهُ من القال والقيل وَكَانَ قَاضِيا لمدينة ثلا وامتحن في أَوَائِل دولة الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم لسَبَب
[ ١ / ٣٦٩ ]
مفترى وَكَانَ قَصِيرا جدا فَحَمله بعض الْعَامَّة وَكَانَ يترقص بِهِ وَيَقُول
(مَتى يَا طلعت البدريّ تواصل مغرمك)
فعاقبه الله سُبْحَانَهُ وَقتل شَرّ قتلة وسيأتي لَهُ ذكر في تَرْجَمَة السَّيِّد عبد الله الْوَزير وَمَات سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف ﵀ وَولده يُوسُف من أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الْعباد وحفيد صَاحب التَّرْجَمَة أَحْمد بن يُوسُف بن عبد الْقَادِر هُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف قاضي ثلا وَهُوَ من خيرة قُضَاة الْعَصْر وَله عرفان تَامّ
٢٤٦ - عبد الْقَادِر بن علي المحيرسي الزّيدي الحيمي اليماني صَاحب الْحَاشِيَة على شرح الأزهار
وهي حَاشِيَة نفيسة وفيهَا أبحاث تدل على أَن صَاحب التَّرْجَمَة لَهُ عرفان بِغَيْر الْفِقْه وتطلع إِلَى النظر في الْمسَائِل لَا كَغَيْرِهِ من الجامدين على علم الْفُرُوع أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى وَكَانَ من الْمُجَاهدين للأروام يَقُود العساكر من الحيمة وَيقدم غَايَة الإقدام وَكَانَ بَين وَالِده وَبَين صَاحب كوكبان حروب كَبِيرَة وَاسْتشْهدَ في أَحدهَا وَيُقَال أنه كَانَ لَهُ هيكل لَا يُصِيبهُ شئ وَهُوَ مَعَه فَكَانَ يمارس الحروب غير مبال بِمَا يَقع من الْخُصُوم فاحتالوا عَلَيْهِ فِي أَخذه فأصيب ثمَّ صَار هَذَا الهيكل إِلَى وَلَده صَاحب التَّرْجَمَة وبسببه سلم مَكَانَهُ في الْحمى من الْحَرِيق بعد أَن أحرق جَمِيع الْأَمْكِنَة وَقيل أنه كَانَ لَهُ صَاحب من مؤمني الْجِنّ يصلّي مَعَه ويجالسه وَكَانَ قوالًا بِالْحَقِّ كثير الصَّدَقَة واطعام الطَّعَام وَمَات في رَجَب سنة ١٠٧٧ سبع وَسبعين وَألف وَكَانَ لَهُ أَخ من نَوَادِر الزَّمَان في قُوَّة الذكاء وَسُرْعَة الْحِفْظ والتمكن من معرفَة مذهبَة
[ ١ / ٣٧٠ ]
ثمَّ قَرَأَ فقه الْحَنَفِيَّة وَتَوَلَّى الْقَضَاء للأروام بِصَنْعَاء وَكَانَ يقْضى بمذهبهم ويفتيهم بلسانهم ويفتي أهل فَارس باللغة الفارسية وَالْعرب باللغة الْعَرَبيَّة مَعَ تبحر في علم الْمَعْقُول وَشَيْخه في فقه مذهبَة السَّيِّد الْمُفْتى الزيدي ثمَّ أنه اخْتَلَط بِآخِرهِ لدقة فكره واشتغال ذهنه وَكَانَ يذكر أَنه المهدي المنتظر وَتارَة يَقُول هُوَ الدَّابَّة الَّتِى تكلم النَّاس وَله أشعار فائقة ثمَّ دخل مَكَّة وَتوفى بهَا في أَفْرَاد الْخمسين بعد الألف
٢٤٩ - عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ الْمَكِّيّ الشافعي
ولد سنة ٩٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وبرع في جَمِيع الْفُنُون وفَاق وَله مصنفات مِنْهَا شرح الدريدية الْمُسَمّى بِالْآيَاتِ الْمَقْصُورَة على الابيات الْمَقْصُورَة وَحسن السريرة فى حسن السِّيرَة وَله بديعية وَشَرحهَا وسماها عليّ الْحجَّة بِتَأْخِير أَبى بكر ابْن حجَّة وَله نشاءات السلافة بمنشآت الْخلَافَة وَشرح قِطْعَة من ديوَان المتنبي وَله عدَّة رسائل وَكَانَ شرِيف مَكَّة حسن ابْن أبي نميّ يُكرمهُ إكرامًا عَظِيما وَلِهَذَا كَانَ أَكثر مصنفاته باسمه وَمن لطيف مَا وَقع لَهُ أَنه لما صنّف شرح الدريدية الْمُتَقَدّم ذكره باسم الشريف الْمَذْكُور وَوصل بِهِ اليه كَانَ ذكر لَهُ أَنه أنشأ بَيْتَيْنِ فيهمَا تَارِيخ تَمام تأليفه على لِسَان الْكتاب وهما
(أرخني مؤلفي بِبَيْت شعر مَا ذهب)
(أَحْمد جود ماجد أجازني ألف ذهب)
فَتَبَسَّمَ الشريف وَوضع الْكتاب في حجره وَوضع يَده على رأسه وَقَالَ على الرَّأْس وَالْعين وَالله إن ذَلِك نزر يسير في مُقَابلَته وإني أَحْمد الله الَّذِي أوجد مثلك فِي زمني واتفقت لَهُ محنة كَانَت سَبَب مَوته وَذَلِكَ أَنه
[ ١ / ٣٧١ ]
استناب وَلَده يخْطب للعيد وَكَانَت أول خطْبَة حصلت لَهُ فتهيأ لذَلِك فَمَنعه بعض أُمَرَاء الأروام الواردين إلى مَكَّة ذَلِك الْعَام وَرغب في أَن يكون الْخَطِيب حنفيًا فَعظم ذَلِك على صَاحب التَّرْجَمَة جدًا وفاضت نَفسه في الْحَال كمدًا وَذَلِكَ في سنة ١٠٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَ مَوته والخطيب على الْمِنْبَر وَقدم للصَّلَاة عَلَيْهِ بعد تِلْكَ الْخطْبَة
٢٤٨ - السَّيِّد عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إسحاق ابْن المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الإمام الْقَاسِم
مولده سنة ١١٥٩ تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن عَامر وَقَرَأَ على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي وتميز في أَنْوَاع من الْعلم وَله نظم لم يحضرنى مِنْهُ الْآن شئ وَفِيه سُكُون وَحسن سمت ووقار وعفة ونزاهة وديانة وبشاش وكرم انفاس وعلو همة وشهامة نفس ورياسة وكياسة وانجماع لَا سِيمَا عَن بني الدُّنْيَا وتودد إلى أَصْحَابه ومعارفه وَهُوَ الْآن حى ثمَّ مَاتَ ﵀ في دن وصاب انْهَدم عَلَيْهِ الْمنزل الذي كَانَ فِيهِ فِي أحد شهري جُمَادَى سنة ١٢٢٥ خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
٢٤٩ - عبد الْكَرِيم بن هبة الله ابْن السديد الْمصْرِيّ الملقّب كريم الدَّين الْكَبِير أَبُو الْفَضَائِل
وَكيل السُّلْطَان ومدبر الدولة الناصرية أسلم كهلًا أَيَّام بيبرس الجاشنكير وَكَانَ كَاتبه فَلَمَّا هرب بيبرس وَدخل النَّاصِر الْقَاهِرَة تطلبه إلى أَن ظفر بِهِ وصادره على مائَة ألف دِينَار فالتزم بهَا وَلم يزل جمَاعَة من الْأُمَرَاء يتلطفون للسُّلْطَان إلى أَن سمح بجملة من ذَلِك وَقَررهُ في نظر الْخَاصَّة فَهُوَ
[ ١ / ٣٧٢ ]
أول من بَاشَرَهَا وَتقدم بعد ذَلِك عِنْد النَّاصِر حَتَّى صَارَت الخزائن كلهَا في يَده وإذا طلب النَّاصِر شَيْئا يُرْسل إليه قَاصِدا من عِنْده يستدعي مِنْهُ مَا يُرِيد فيجهز لَهُ ذَلِك من بَيته وَعظم جدًا وَصَارَ يركب في عدَّة مماليك نَحْو السّبْعين والأمراء يركبون في خدمته وَبلغ من عظم قدره أنه مرض مرة فَلَمَّا عوفي دخل إلى مصر فزينت لَهُ وَكَانَ عدد الشمع ألفًا وَسَبْعمائة شمعة وَركب حراقة فلاقاه التُّجَّار ونثروا عَلَيْهِ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَعمر الْجَوَامِع وَفعل المحاسن وَكَانَ السُّلْطَان إذا أَرَادَ أَن يحدث شرًا على أحد فَحَضَرَ كريم الدَّين تَركه وَقَالَ القاضي عَلَاء الدَّين هَذِه المكارم مَا يَفْعَلهَا كريم الدَّين الا لمن يخافه فأسرها في نَفسه وَرَاح إليه يَوْمًا على غَفلَة فأضافه بِمَا حضر إليه ثمَّ أرسل كريم الدَّين من أحضر إليه أنواعًا من المآكل والملابس وَدفع إليه كيساُ فِيهِ خَمْسَة الآف دِرْهَم وتوفيع بِزِيَادَة فِي رواتبه من الدَّرَاهِم وَالْغلَّة والملبوس وَغير ذَلِك وَخرج من عِنْده فَلَمَّا خرج عَلَاء الدَّين يودعه قَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا وَالله مَا افْعَل هَذَا تكلفًا وَأَنا وَالله لَا أرجوك وَلَا أخاف وَكَانَ يتَصَدَّق بصدقات طايلة ويجتمع لذَلِك الْفُقَرَاء حَتَّى مَاتَ مرّة من الزحمة على تِلْكَ الصَّدَقَة ثَلَاثَة أنفس وَمن رياسته أنه كَانَ إِذا قَالَ نعم استمرت وإذا قَالَ لَا استمرت وَكَانَ يُوفي دُيُون من فِي الْحَبْس وَيُطلق من فِيهَا دَائِما وَكَانَ مَعَ جودة عادلًا وقورًا جزل الرأي بعيد الْغَوْر يحب الْعلمَاء والفضلاء وَيحسن اليهم كثيرًا قَالَ الذهبي وَكَانَ لَا يتَكَلَّف في ملبس ولازى وَلما انحرف عَنهُ السُّلْطَان أوقع الحوطة على دوره وموجوده وَذَلِكَ فِي رَابِع عشر ربيع الآخر سنة ٧٢٣ ثمَّ أَمر بِلُزُوم بَيته بالقرافة ثمَّ نقل إِلَى الشوبك ثمَّ إلى الْقُدس ثمَّ أُعِيد إلى الْقَاهِرَة سنة ٧٢٤ ثمَّ سفّر إلى
[ ١ / ٣٧٣ ]
أسوان فأصبح مشنوقًا وَيُقَال أنه لما أُرِيد قَتله تَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ هاتوا عِشْنَا سعداء ومتنا شُهَدَاء وَكَانَ الْعَوام يَقُولُونَ مَا أحسن النَّاصِر إلى اُحْدُ مَا أحسن الى كريم الدَّين أسعده فى الدُّنْيَا والاخرة ولماأمر السُّلْطَان بِنَقْل موجوده إِلَى القلعة على بغال فَكَانَ أَولهَا بِبَاب بَيته واخرها بِبَاب القلعة وَحمل على الافقاص مائَة وَثَمَانُونَ قفصًا ثَلَاثَة أيام فِي كل يَوْم ثَلَاث دفعات أَو دفعتين سوى مَا كَانَ ينْقل مَعَ الخدام من الْأَشْيَاء الفاخرة الَّتِى لَا يُؤمن عَلَيْهَا مَعَ غَيرهم وَوجد لَهُ من النَّقْد خَاصَّة ثَمَانُون ألف قِنْطَار وَكَانَ عدد الصناديق الَّتِى فِيهَا أَصْنَاف الْعطر من الْعود والعنبر والمسك أحد وأربعين صندوقًا
٢٥٠ - عبد اللَّطِيف بن عبد الْعَزِيز بن أَمِين الدَّين ابْن فرشتا الحنفيّ
وفرشتا هُوَ الْملك لَهُ تصانيف مِنْهَا شرح الْمَشَارِق للصغاني وَشرح الْمنَار والوقاية وَشرح المصابيح وَكَانَ من عُلَمَاء الروم الْمَوْجُودين في أَيَّام السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ معلمًا للأمير مُحَمَّد بن آيدين ومدرسًا بمدرسة تيرة وَتلك الْمدرسَة مُضَافَة إليه إِلَى الْآن وَهُوَ ماهر في جَمِيع الْعُلُوم خُصُوصا الشَّرْعِيَّة وَمن جملَة تصانيفه شرح مجمع الْبَحْرين وَهُوَ كثير الفوايد مُعْتَمد في بِلَاد الروم وَله رِسَالَة لَطِيفَة في علم التصوف وَله حَظّ عَظِيم فِي المعارف الصُّوفِيَّة قَالَ صَاحب الشقايق النعمانية إنه كَانَ مَوْجُودا في سنة ٧٩١ وَكَانَ لَهُ أَخ مايل إِلَى الْخَوَارِج أَصْحَاب فضل الله رَئِيس الْفرْقَة الخارجية
[ ١ / ٣٧٤ ]
٢٥١ - عبد الله بن احْمَد بن إسحاق بن ابراهيم ابْن المهدى احْمَد ابْن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
هُوَ أحد الْعلمَاء المبرّزين بِصَنْعَاء أَخذ عَن وَالِده وَعَن غَيره وأتقن النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان ودرس في هَذِه الْعُلُوم بِجَامِع صنعاء وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من شُيُوخنَا وَقَرَأَ الْكتب الحديثية وَعمل بِمَا فِيهَا وَمن شُيُوخه القاضي الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد قاطن قَرَأَ عَلَيْهِ في سنَن الترمذي وَكَانَ قوالًا بِالْحَقِّ صَادِق اللهجة وَبَينه وَبَين الْوَزير أَحْمد بن علي النهمي اتِّصَال ومخاللة وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام المهدي الْعَبَّاس ابْن الْحُسَيْن ﵀ وَله شعر رايق وَمِنْه
(مَاذَا يفيدك ندب الْأَرْبَع الدَّرْس وَشرح سالف عَيْش بالعذيب نسيى)
(فشنّف السمع من ذكرى مُعتقة جلوتها كشموس فِي دجى الْغَلَس)
ووالدالمترجم من أكَابِر الْعلمَاء المرجوع إليهم بِصَنْعَاء أَخذ الْعلم عَن السَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير وَغَيرهمَا وبرع في جَمِيع الْفُنُون وَله أنظار مُحَققَة متقنة على الْكتب الَّتِى كَانَ يدرس الطّلبَة فِيهَا كشرح الْغَايَة فِي الأصول وَشرح الْعُمْدَة في الحَدِيث وَله رسائل ومسائل وَهُوَ كَانَ حَقِيقا بترجمة مُسْتَقلَّة وكلنى اكتفيت بِذكرِهِ هَهُنَا وَمَات سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف وَمَات ولد الْمَذْكُور في شهر شَوَّال سنة ١١٩١ إحدى وَتِسْعين وَمِائَة وَألف
٢٥٢ - عبد الله بن أَحْمد بن تَمام بن حسّان الحنبلي
ولد سنة ٦٥١ إحدى وَخمسين وسِتمِائَة وَقيل غير ذَلِك وَسمع من جمَاعَة وَقَرَأَ النَّحْو على ابْن مَالك وعَلى وَلَده بدر الدَّين ولازمه وَصَحبه وَكَانَ
[ ١ / ٣٧٥ ]
صَالحا خيّرًا مليح المذاكرة حسن النظم وَصَحب الشهَاب مَحْمُود واختص بِهِ حَتَّى كَانَ الشهَاب يَقُول لخازنداره مهما طلب مِنْك أعْطه بِغَيْر مشورة وَلم يكن لَهُ ثِيَاب وَلَا قماش وَلَا شئ فى بَيته الْبَتَّةَ وَكَانَ جيد النظم كتب إليه الشهَاب قصيدة مطْلعهَا)
(هَل عِنْدَمَا عِنْدهم برئي وأسقامي علم بَان نواهم أصل آلامي)
فَأَجَابَهُ بقصيدة مطْلعهَا
(ياساكنى مصر فِيكُم سَاكن الشَّام يكابد الشوق من عَام إلى عَام)
وَمن شعره
(معَان كنت أشهدها عيَانًا وإن لم تشهد الْمَعْنى الْعُيُون)
(وألفاظ إذا فَكرت فِيهَا فَفِيهَا من محاسنها فنون)
وَهُوَ القايل
(يخال الخدّ من مَاء وجمر وَفِيه الْخَال نشوان يجول)
(وَكم لَام العذول عَلَيْهِ جهلًا وَآخر ماجرى عشق العذول)
وَكَانَ ظريفًا حسن المحاضرة والصحبة سمع من الْكِبَار وَخرج لَهُ البرزالي جُزْءا وَأثْنى عَلَيْهِ الشهَاب مَحْمُود وعظمه وَمَات في ثَالِث ربيع الآخر سنة ٧١٨ ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة
٢٥٣ - مَوْلَانَا الإمام المهدي عبد الله بن أَحْمد المتَوَكل ابْن علي الْمَنْصُور
ولد فِي سنة ١٢٠٨ ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وألف وَنَشَأ بِحجر الْخلَافَة فِي أَيَّام جده ثمَّ في أَيَّام أَبِيه وَفِي كل حِين يزْدَاد كمالًا مَعَ عقل تَامّ وأخلاق شريفة وخصال محمودة وفراسة بديعة ورماية فايقة ورصانة بَالِغَة وَهُوَ أكبر أَوْلَاد أَبِيه ولي أعمالا مِنْهُ ريمة ثمَّ ولَايَة عمرَان ثمَّ لما توفي وَالِده لَيْلَة الاربعاء لَعَلَّه
[ ١ / ٣٧٦ ]
سَابِع شهر شَوَّال سنة ١٢٣١ إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَقعت الْمُبَايعَة مني لَهُ بعد طُلُوع الْفجْر من يَوْم الْأَرْبَعَاء الْمَذْكُور ثمَّ أخذت لَهُ الْبيعَة من جَمِيع أُمَرَاء صنعاء وحكامها وَجَمِيع آل الإمام وَجَمِيع الرؤساء والأعيان وَبَايَعَهُ بعد ذَلِك جَمِيع أهل الْقطر الْيُمْنَى وَاسْتَبْشَرُوا بدولته وغتطبوا بهَا وَالله يَجْعَل فِيهِ الْخَيْر وَالْبركَة للْمُسلمين
٢٥٤ - السَّيِّد عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن
قد تقدّم تَمام نِسْبَة فِي تَرْجَمَة أَخِيه شرف الدَّين ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِقَلِيل وَله عرفان تَامّ ونظم رايق وكرم فايض ورياسة كَامِلَة وأخلاق شريفة ولطافة تَامَّة اجْتمعت بِهِ فِي كوكبان لما وصل إليها مَوْلَانَا الامام المتَوَكل على الله ثمَّ كثر احتماعى بِهِ في صنعاء مَعَ سكونه فِيهَا عِنْد رجوعنا من كوكبان وَهُوَ كثير النظم منسجم الشّعْر سريع البادرة قوي الْعَارِضَة حسن الشكل ثمَّ رَجَعَ إلى كوكبان في سنة ١٢٢٩ مَعَ اخيه الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ القايم بغالب أُمُور دولته وَبَينه وَبَين أخي يحيى بن علي مطارحات أدبية مُشْتَمِلَة على أحسن أسلوب وأبلغ نظم وأبرع معنى
[ ١ / ٣٧٧ ]
٢٥٥ - عبد الله بن اسعد بن علي بن سُلَيْمَان بن فلاح اليافعي الشافعي الْيُمْنَى ثمَّ المكي عفيف الدَّين أَبُو السعادات
ولد قبل السبعماية بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث وَأخذ بِالْيمن عَن جمَاعَة من الْعلمَاء وَنَشَأ على خير وَصَلَاح وَحج سنة ٧١٢ وَحفظ الحاوي والجمل ثمَّ جاور بِمَكَّة فى سنة ٧١٨ وَتزَوج بهَا ولازم مَشَايِخ الْعلم كالفقيه نجم الدَّين الطبري والرضي الطبري ثمَّ فَارق ذَلِك وتجرد عشر سِنِين يتَرَدَّد فِيهَا بَين الْحَرَمَيْنِ ورحل إلى الْقُدس سنة ٧٣٤ وَدخل دمشق ومصر ثمَّ رَجَعَ الْحجاز وجاور بِالْمَدِينَةِ ثمَّ رَجَعَ إلى مَكَّة وَلم يفته الْحَج في جَمِيع هَذِه الْمدَّة وَأثْنى عَلَيْهِ الأسنوى فى الطَّبَقَات وَقَالَ كَانَ كثير التصانيف وَله قصيدة تشْتَمل على عشْرين علمًا اَوْ أزيد وَكَانَ كثير الإحسان إلى الطّلبَة انْتهى وَلَعَلَّه صَاحب التَّارِيخ الَّذِي اعْتمد فِيهِ على تَارِيخ ابْن خلكان وتاريخ الذهبي وَقد ترْجم فِيهِ جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة والأشعرية وَفِيه من التعصبات للأشعري أَشْيَاء مُنكرَة وَوصف فِيهِ نَفسه بوصايف ضخمة قَالَ ابْن رَافع اشْتهر ذكره وَبعد صيته وصنّف فِي التصوف وَفِي أصُول الدَّين وَكَانَ يتعصب للأشعري وَله كَلَام في ذم ابْن تَيْمِية وَلذَلِك غمزه بعض من يتعصب لِابْنِ تَيْمِية من الْحَنَابِلَة وَغَيرهم انْتهى وَهُوَ من جملَة المعظمين لِابْنِ عَرَبِيّ وَله فِي ذَلِك مُبَالغَة مَاتَ فِي الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٦٨ ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
[ ١ / ٣٧٨ ]
٢٥٦ - عبد الله بن إسماعيل بن حسن بن هادي النّهمي
لَعَلَّه ولد بعد سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَكَانَ وَالِده واليًا عَلَيْهَا فَقَرَأَ على جمَاعَة من مشايخها وبرع فى النَّحْو وَالصرْف وشارك مُشَاركَة قَوِيَّة فِي الْمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَدون ذَلِك فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير ودرس وانتفع بِهِ الطّلبَة وَهُوَ أحد شيوخي فِي اوائل طلبى للْعلم قَرَأت عَلَيْهِ شرح السَّيِّد الْمُفْتى على كَافِيَة ابْن الْحَاجِب من أَوله إلى آخِره بِلَا فَوت وَفِي شرح الخبيصي عَلَيْهَا من أَوله إلى آخِره بِلَا فَوت وَمَا عَلَيْهِ من الحواشي وقواعد الإعراب وَشَرحهَا للأزهري وَمَا عَلَيْهِ من الحواشي من أَوله إلى آخِره وإيساغوجي للأبهري فِي الْمنطق وَشَرحه للقاضي زَكَرِيَّا جَمِيعًا والكافل في الْأُصُول وَشَرحه لِابْنِ لُقْمَان جَمِيعًا وشفاء الْأَمِير الْحُسَيْن في الحَدِيث من اوله الى آخِره وَله عناية تَامَّة بتخريخ الطّلبَة والمواظبة على التدريس وتوسيع الْأَخْذ وجلب الْفَوَائِد إليهم بِكُل مُمكن وَلَا يمل حَتَّى يمل الطَّالِب وَكَانَ يؤثرني على الطّلبَة وإذا انْقَطَعت الْقِرَاءَة يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ لعذر تأسف على ذَلِك ولمااختلف بعض أُسْبُوع لعذر كتب إليّ هَذِه الأبيات
(مولاى عز الدَّين يامن حوى أفضل مافى النَّقْل والسمع)
(وَمن غَدا من بَين أقرانه بِلَا نَظِير قطّ في الْجمع)
(عذرًا فدتك النَّفس من زلَّة أَو جبها السئ من طبعي)
(منعت لَا من عِلّة فَاعْفُ عَن تركيب مزج جَاءَ فى الْمَنْع) (فَرب نقص راق من بعده ثمَّ وخفض زيّن بِالرَّفْع)
فأجبته بِأَبْيَات وجهت فِيهَا بِكَثِير من الْقَوَاعِد المنطقية كَمَا وَجه هُوَ
[ ١ / ٣٧٩ ]
بقواعد نحوية وَلكنهَا قد غَابَتْ عَنى أَبْيَات الْجَواب وَله أشعار رائقة وَفِيه كرم أنفاس وبسبب ذَلِك أتلف ماورثه من وَالِده وَهُوَ شئ وَاسع وَصَارَ الْآن مملقًا لطف الله بِهِ وَلما فرغت من الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَلم يبْق عِنْده مَا يُوجب الْبَقَاء وقرأت على من لَهُ خبْرَة بِمَا لم يكن لَدَيْهِ من الْعُلُوم لم تطب نَفسه بذلك في الْبَاطِن لافي الظَّاهِر ثمَّ لما مَضَت أَيَّام طَوِيلَة وَقَعَدت لنشر الْعلم في الْجَامِع الْمُقَدّس بِصَنْعَاء وَكنت إِذْ ذَاك مَقْصُودا بالفتاوى الْكَبِيرَة والمسائل المشكلة وجمعت الرسَالَة الَّتِى حكيتها في تَرْجَمَة السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمي كَانَ شَيخنَا هَذَا أحد المجيبين وَهُوَ الَّذِي أَشرت إِلَيْهِ إجمالًا هُنَالك عَفا الله عَنهُ وَحَال تَحْرِير هَذِه الأحرف قد فتر عزمه عَن التدريس وَلم يبْق للطلبة رغوب إِلَيْهِ وَصَارَ مُعظم اشْتِغَاله بِمَا لابد مِنْهُ من امْر المعاش مَعَ ركة حَاله لَا طفه الله وَلم أزل رَاعيا لحقه مُعظما لشأنه معرضًا عَمَّا بدر مِنْهُ مماسلف وأبلغ الطَّاقَة في جلب الْخَيْر إِلَيْهِ بِحَسب الامكان وَهُوَ يكثر التَّرَدُّد الى تَارَة لخصومات تعرض لَهُ وَتارَة لامور تخصه وَمَات ﵀ في شهر صفر سنة ١٢٢٨ ثَمَان وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
٢٥٧ - السَّيِّد عبد الله بن الْحسن بن علي بن الْحُسَيْن بن على ابْن الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة ١١٦٥ خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على مَشَايِخ عصره كالقاضي الْعَلامَة احْمَد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي الْمُتَقَدّم ذكره وَشَيخنَا الْعَلامَة إسماعيل بن الْحسن بن المهدي الْمُتَقَدّم أَيْضا وترافقنا في قِرَاءَة الْكَشَّاف عَلَيْهِ أَنا وَصَاحب
[ ١ / ٣٨٠ ]
التَّرْجَمَة وَله قِرَاءَة على غير هَؤُلَاءِ وَشرع فى قِرَاءَة الحَدِيث على شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إبراهيم الآتي ذكره وَله يَد قَوِيَّة فى النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان ومشاركة في التَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالْأُصُول وَكَانَ يدرس الطّلبَة في جَامع صنعاء فِي الْعُلُوم الآلية وَلَهُم إِلَيْهِ رغوب كَامِل وَهُوَ من أكَابِر آل الإمام وَفِيه تواضع ظائد وَحسن أَخْلَاق فائق وبشاش كَامِل وَقد أخذت عَنهُ في أَوَائِل أَيَّام الطلب شرح الجامي من أوله إِلَى آخِره وَاتفقَ أَنه مَاتَ أَبُو أمه السَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ثمَّ مَاتَ بعد ذَلِك وَلَده السَّيِّد الْعَارِف الْقَاسِم بن يحيى بن مُحَمَّد وَكَانَ لَهُ تَرِكَة وَاسِعَة جدًا وأوصى إلى صَاحب التَّرْجَمَة وأمرني خَليفَة الْعَصْر مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله أَن أعين من يقسم هَذِه التَّرِكَة من نواب الشَّرْع فعينت بعض مشايخى الْأَعْلَام وَجَرت أُمُور أوجبت تكدّر صَاحب التَّرْجَمَة ثمَّ ظَهرت لَهُ الْحَقِيقَة فَزَالَ عَنهُ ذَلِك وَطَابَتْ نَفسه وَكتب إِلَى كتابًا يَدْعُو لي فِيهِ دُعَاء مَقْبُولًا وَيذكر أَنه كَانَ في أَمر مريج حَتَّى وَقع التَّفْرِيج عَنهُ بِمَا فعلته وَتعقب ذَلِك بِلَا فصل مَوته ﵀ في رَابِع شهر الْقعدَة سنة ١٢١٠ عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ سيدًا سريًا وشريفًا جَلِيلًا فِيهِ مَنَاقِب جمة وَله فَضَائِل كَثِيرَة ﵀ وإياى
٢٥٨ - عبد الله بن الْحسن اليمانى الصعدى الزبدى
الملقب الدواري باسم أحد أجداده وَهُوَ دوار بن احْمَد وَالْمَعْرُوف بسُلْطَان الْعلمَاء ولدسنة ٧١٥ خمس عشرَة وسبعماية وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره وتبحر في غَالب الْعُلُوم وصنّف التصانيف الحافلة مِنْهَا فِي الأصول شرح
[ ١ / ٣٨١ ]
جَوْهَرَة الرصاص وَهُوَ أحسن شروحها وَقد ترك النَّاس شروحها بعد هَذَا الشَّرْح وَله فى الْفُرُوع الديباج النَّضِير وَهُوَ كتاب حاف ممتع وَله مصنفات أُخْرَى وَكَانَ الطّلبَة للفنون العلمية يرحلون إِلَيْهِ ويتنافسون في الأخذ عَنهُ وَلَيْسَ لَاحَدَّ من عُلَمَاء عصره مَاله من تلامذة وَقبُول الْكَلِمَة وارتفاع الذكر وَعظم الجاه بِحَيْثُ كَانَ يتَوَقَّف النَّاس عَن مبايعة الْأَئِمَّة حَتَّى يحضر كَمَا اتفق عِنْد دَعْوَة الإمام المهدي احْمَد بن يحيى الْمُتَقَدّم ذكره ومعارضة الْمَنْصُور بِاللَّه على بن صَلَاح فإن أُمَرَاء الدولة أرسلوا لَهُ من صنعاء إلى صعدة وَتوقف الْأَمر حَتَّى حضر وَبعد حُضُوره وَقع ماهو مَشْهُور في السير وَمَعَ هَذَا فَهُوَ زاهد متقلّل من الدُّنْيَا حَتَّى قيل أنه كَانَ يستنفق من غلات أَمْوَال حقيرة تَركهَا لَهُ وَالِده وَكَانَ يحمل إِلَيْهِ غلات أوقاف يصرفهَا فى طلبة الْعلم ومازال ناشر للعلوم مكبّا على التصانيف حَتَّى توفاه الله في صبح يَوْم الْأَحَد سادس شهر صفر سنة ٨٠٠ ثَمَان مائَة
٢٥٩ - عبد الله بن شرف الدَّين المهلّل
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِقَلِيل وَسكن هُوَ وَأَهله مَدِينَة ذي جبلة وَله معرفَة تَامَّة بِفقه الشَّافِعِيَّة وَفهم صَحِيح فِي غير الْفِقْه وزهد تَامّ وتأله بَالغ قَرَأَ عليّ عِنْد وفودي إلى مَدِينَة جبلة مَعَ مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله فى مشكاة المصابيح وَسمع فى غَيرهَا من كتب
[ ١ / ٣٨٢ ]
لحَدِيث من جملَة من كَانَ يلازمني فِي ذَلِك الْمحل وَهُوَ من مكثري الْأَذْكَار وَالْعِبَادَة والزهد والقنوع بِمَا تيَسّر من المعشة
٢٦٠ - السَّيِّد عبد الله ابْن الإمام شرف الدَّين بن شمس الدَّين ابْن الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى
قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة الإمام المهدي هُوَ من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين في عدَّة فنون وَله مصنّفات مِنْهَا شرح قصيدة وَالِده الْمُسَمَّاة الْقَصَص الْحق ذكر فِيهِ فَوَائِد جليلة وَمِنْهَا كتاب اعْترض بِهِ على الْقَامُوس وَسَماهُ كسر الناموس وَاعْترض عَلَيْهِ في هَذِه التَّسْمِيَة بأنها لَيست لغوية بل عرفية وَبَعض شرح معيار النجرى وَكتب تراجم لفضلاء الزيدية وَمِنْهَا شرح مُقَدّمَة الأثمار لوالده وَله في الأدب يَد طولى وشعره فائق منسجم جزل اللَّفْظ رائق الْمَعْنى فَمِنْهُ
(باصية الْخَيْر فِي يَد الْأَدَب وسره فى قرايح الْعَرَب)
(فاعكف على النَّحْو والبلاغة والآ دَاب تظفر بأرفع الرتب)
(وتعرف الْقَصْد في الْكتاب وَفِي السّنة من وحى خير كل نبى)
(بِقدر عقل الْفَتى تأدبه وَصُورَة الْعقل صُورَة الْأَدَب)
وَمِنْه
(صَحا الْقلب عَن سلمى وَمَا كَاد أَن يصحو وَبَان لَهُ فِي عذل عاذله النصح)
(وَلَا غروفى أَن يستبين رشاده وَقد بَان فِي ديجور عَارضه الصُّبْح)
(شموس نَهَار قد تجلّت لناظري واضحت لِليْل الغي فِي خلدى تمحو)
(إِذا كَانَ رَأس المَال من عمري انْقَضى ضيَاعًا فأنى بعده يحصل الرِّبْح)
(شباب تقضى في سبات وغرّة وشيخوخة جَاءَت على أَثَره تنحو
[ ١ / ٣٨٣ ]
(وَمِنْه سقتني رضاب الثغر من در مبسم برقته وَالله قد ملكت رقي)
(وَنحن بروض قد جرى المَاء تَحْتَهُ فساقية تجري وَجَارِيَة تسقي)
وَبَينه وَبَين وَلَده مُحَمَّد الآتية تَرْجَمته إن شَاءَ الله مطارحات أدبية وَتوفى في شهر ربيع الآخر سنة ٩٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وقبر بِمَدِينَة ثلا
٢٦١ - السَّيِّد عبد الله بن صَلَاح الْعَادِل الصنعاني الشَّاعِر الْمَشْهُور
كَانَ مُتَّصِلا بالوزير الْكَبِير على بن أَحْمد رَاجِح وَله فِيهِ غرر المدايح وَكَذَلِكَ مدح أَخَاهُ الْوَزير محسن بن أَحْمد رَاجِح وهما وزيران للإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن الْحُسَيْن وبعدهما اتَّصل بوزير الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْفَقِيه أَحْمد بن علي النهمي وشعره جيد والردئ مِنْهُ قَلِيل فَمِنْهُ هَذِه القصيدة بخلص فِيهَا إِلَى مدح محسن رَاجِح
(أما وَا بتسام الطلع عَن شنب درى بأخضر روض حفه أَزْرَق النَّهر)
(وَيَاقُوت ورد فِي غصون زمرد بلؤلؤ دمع كللته يَد الْقطر)
(ورقص غصون كلما هبت الصِّبَا كغيد تثنّت فِي غلائلها الْخضر)
(وتغريد شحرور بالحان معبد أذاب فوادى شجوه وَهُوَ لَا يدري)
(وومض لبرق زَاد فِي نَار لوعتي كإيماء مَحْبُوب بسقط من التّبر)
وَله وَقد وصل إليه من بعض السَّادة ذرة لَا ينْتَفع بهَا
(ياحبذاذرة وافت وَقد عدمت من لبّها فاعتراها الطيش والخيلا)
[ ١ / ٣٨٤ ]
(فَكلما سنحت ريح لَهَا رقصت وشببت فِيك أما فِي سواك فَلَا)
(دَنَوْت مِنْهَا فَنَادَى ملك وقزتها هي الْمنَازل فاخلع دونهَا الكللا)
(فَقلت مهلًا أعاذ الله منزلنا من رُؤْيَة الْجِنّ فِي ساحاته نزلا)
(فاسترجعت ثمَّ قَالَت وهي باكية أحي وايسر مَالا قيت ماقتلا)
(سَأَلتهَا عَن تغير لَوْنهَا فتلت وَمن نعمره ثمَّ استرجعت خجلا)
(فَقلت كم حقب عمرت في حقب قَالَت أصخ ودع التَّفْصِيل والجملا)
(سكنت دهرا بادار كَانَ ساكنها داراوداريت أهل الأعصر الأولا)
وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة مايلا الى أكَابِر الْعلمَاء اخذ من فوائدهم فرجح لَهُ الْعَمَل بالأدلة فِي صلَاته وَغَيرهَا فَكَانَت الْعَامَّة تنسبه إلى النصب كَمَا جرت بذلك عادالتهم فِيمَن سلك ذَلِك المسلك فَلم يصبر لذَلِك وضاق بِهِ ذرعًا وَتوجه إلى مَكَّة وعزم على المهاجرة فَعَاد إلى صنعاء بعد نَحْو سنة فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إنه نبز فِي مَكَّة بالرفض فَكَانَ ذَلِك سَبَب رُجُوعه وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته وَلَعَلَّه فِي أَيَّام الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ثمَّ وقفت عَلَيْهَا بعد هَذِه فَكَانَت في ربيع الأول سنة ١١٦٥ خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
[ ١ / ٣٨٥ ]
١٧١ - عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عقيل بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الحلبي نزيل الْقَاهِرَة
ولد سنة سَبْعمِائة وَقدم الْقَاهِرَة فلازم الِاشْتِغَال إلى أَن مهر ولازم أَبَا حَيَّان فَقَالَ فِي حَقه مَا تَحت أَدِيم السَّمَاء أنحى من ابْن عقيل ولازم القونوى والقزويني وَجَمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء عصره وناب فِي الحكم عَن عز الدَّين بن جمَاعَة ثمَّ تولى الْقَضَاء مَكَان ابْن جمَاعَة ثمَّ عزل وَعَاد ابْن جمَاعَة وَكَانَ قوي النَّفس ينتبه على أَرْبَاب الدولة وهم يخضعون لَهُ ويعظمونه وَكَانَ إمامًا في الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان مشاركًا فِي الْفِقْه والأصول عَارِفًا بالقراءات السَّبع وَله تصانيف مِنْهَا شرح التسهيل وَمِنْهَا شرح الألفية وَقطعَة في
[ ١ / ٣٨٦ ]
التَّفْسِير وَكَانَ جوادا مهيبا لَا يتَرَدَّد إلى اُحْدُ من أرباب الدولة وَمن كرمه أنّه فرق على الْفُقَرَاء والطلبة في ولَايَته للْقَضَاء نَحْو سِتِّينَ ألف دِرْهَم مَعَ أَن مُدَّة ولَايَته للْقَضَاء ثَمَانُون يَوْمًا فَقَط وَكَانَ يدرس بمدارس كَثِيرَة حَتَّى مَاتَ في ثَالِث وَعشْرين شهر ربيع الأول سنة ٧٦٩ تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
١٧٢ - السَّيِّد عبد الله بن علي بن عبد الله الْجلَال
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثَّانِي عشر اَوْ أول الْقرن الثَّالِث عشر وقرا على وَالِده وَغير فِي الآلات وَغَيرهَا وَهُوَ حاد الذِّهْن جيد الْفَهم حسن الإدراك قوي التَّصَوُّر وَله شعر بديع جدًا لَا يلْحقهُ فِيهِ غَيره وَقد كتب الى مِنْهُ بقصائد طنانة وَله قِرَاءَة عليّ الْآن فِي المطول وَحُضُور في سَماع كثير من كتب الحَدِيث وشروحها وَهُوَ فِي سنّ الشَّاب جمّل الله بِهِ الْعَصْر
[ ١ / ٣٨٧ ]
١٧٣ - السَّيِّد عبد الله بن علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الإله بن أَحْمد بن إبراهيم مؤلف الْهِدَايَة
ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن على بن المرتضى بن الْمفضل ابْن الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن الْعَفِيف بن مفضل بن الْحجَّاج بن علي بن يحيى بن الْقَاسِم بن الإمام الدعي يُوسُف بن الإمام الْمَنْصُور يحيى بن النَّاصِر احْمَد بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب سَلام الله عَلَيْهِم الْمَعْرُوف بالوزير الصنعاني الدَّار والنشأة الْعَالم الْمَشْهُور والشاعر الْمجِيد ولد سنة ١٠٧٤ أَربع وَسبعين وَألف في شعبانها وَقَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره من أكبرهم القاضي الْعَلامَة علي بن يحيى البرطي والقاضي حُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي والقاضي مُحَمَّد بن إبراهيم السحولي وَغَيرهم وبرع في الْعُلُوم الآلية وَالتَّفْسِير وَكَانَ الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن يقْرَأ عَلَيْهِ في الْكَشَّاف بِحُضُور أَعْيَان عُلَمَاء صنعاء وَاتفقَ وُصُول القاضي الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن علي البدري من ثلا إلى حَضْرَة المتَوَكل وهم حَال الْقِرَاءَة في بحث إنما الصَّدقَات للْفُقَرَاء فباحثه القاضي عبد الْقَادِر ثمَّ انجرت المباحثة إلى مَا ذكره عُلَمَاء الْبَيَان في بحث انما ثمَّ غاضا فِي مبَاحث دقيقة بِحَيْثُ لم يفهم أَكثر الْحَاضِرين مَا هما فِيهِ وَطَالَ ذَلِك وَاسْتدلَّ بعض الْحَاضِرين بتهليل وَجه القاضي عبد الْقَادِر حَال تِلْكَ المباحثة وَعدم ظُهُور مثل ذَلِك على صَاحب التَّرْجَمَة أَن الْحق بيد القاضي وَلم يكن ثمَّ سَبِيل للحاضرين إلى معرفَة من مَعَه الْحق بسوى ذَلِك وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة فِي آخر مدَّته قد ترك التدريس وَمَال إلى السّكُون والدعة وَله في الْأَدَب يَد طولى وشعره
[ ١ / ٣٨٨ ]
مَجْمُوع في ديوَان كَبِير وَمِنْه مَا هُوَ في غَايَة الْقُوَّة كَقَوْلِه من أَبْيَات كتبهَا إلى السَّيِّد الْحُسَيْن بن علي بن المتَوَكل
(زفها بكرا على الشرط عقارا وتخيّر حبب الكأس نثارا)
وَله أَبْيَات اخرى روضية جَيِّدَة مطلها
(هَذَا الغدير وَحَوله زهر الربى يملي الهزار عَلَيْهِ سجعًا مطربا)
وَله قصيدة طَوِيلَة بديعة مطْلعهَا
(لي فِيكُم يَا ذوى أم الْقرى ذمم بِالْقربِ حاشا كم أَن يقطع الرَّحِم)
وَمن محَاسِن شعره القصيدة الَّتِى على طَرِيق أهل الطَّرِيقَة ومطلعها
(حَضْرَة الْحق في الْمقَام النفيس أذهلتني عَن صاحبي وجليسي)
وَكَانَ إِذا لم يتَكَلَّف ملاحظات النكات البديعية فِي شعره جَاءَ على أحسن أسلوب فإن تكلّف ذَلِك صَار من الضعْف بمَكَان وإن ظن من لَا يعرف محَاسِن الشّعْر إلا بالنكات البديعية المتكلفة خلاف مَا ذَكرْنَاهُ فَهُوَ غير مُصِيب فإن غَالب أشعار الْمُتَأَخِّرين إنما صَارَت بمَكَان من السماجة لتكلفهم لذَلِك كقصيدة صَاحب التَّرْجَمَة الَّتِى سَمَّاهَا أهرام مصر وَالْتزم فِيهَا التورية في كل بَيت ومطلعها
(أنادم من دمع الْعُيُون حواريا فَلَا غروان نادمت مِنْهَا سواقيا
[ ١ / ٣٨٩ ]
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة مصنّفات مِنْهَا طبق الْحَلْوَى وَهُوَ تَارِيخ جعله على السنين وَذكر فِيهِ حوادث وَمِنْهَا إقراط الذَّهَب في الْمُفَاخَرَة بَين الرَّوْضَة وبئر الْعَرَب وَمِنْهَا رِسَالَة أجَاب بهَا على رِسَالَة للسَّيِّد صَلَاح الأخفش الْمُتَقَدّم ذكره في شَأْن الصَّحَابَة وسمى المترجم لَهُ رسَالَته إرسال الذؤابة بَين جنبى مسئلة الصَّحَابَة وَمَا أَجود قَوْله مادحًا للمتوكل الْقَاسِم ابْن الْحُسَيْن بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(الْمجد قد آلى على نَفسه ألية لَيْسَ أَرَاهَا يَمِين)
(لَا صافحت رَاحَته رَاحَة غير يَمِين الْقَاسِم بن الْحُسَيْن)
وَكَانَت وَفَاته سنة ١١٤٧ سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فِي شوالها
[ ١ / ٣٩٠ ]
١٧٤ - السَّيِّد عبد الله بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني
ولد بعد سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وألف تَقْرِيبًا وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن علي الكوكباني وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي والفقيه يحيى بن صَالح الشهاري والفقيه يحيى بن أَحْمد زيد الشامي والفقيه حُسَيْن يحيى القاعي وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة على بن إبراهيم بن عَامر وبرع في الْآلَات والْحَدِيث والأدب وَهُوَ الْآن من أَعْيَان عُلَمَاء كوكبان وبيني وَبَينه مراجعات وَله جَوَاب على رسالتى الَّتِى أَحْبَبْت بهَا على سُؤال وَالِده وسميتها حل الإشكال في إجبار الْيَهُود على الْتِقَاط الأذيال وسمي جَوَابه إرسال الْمقَال إلى حل الإشكال وأجبت عَن جَوَابه برسالة سميتها تفويق النبال إلى إرسال الْمقَال والجميع مَوْجُود بِمَجْمُوع رسائلى وَوَقعت
[ ١ / ٣٩١ ]
بيني وَبَينه مباحثة فِي شُرُوط صَلَاة الْجُمُعَة اشْتَمَلت على رسائل وَله كتاب ترْجم فِيهِ لشعراء عصره وَهُوَ فِي غَايَة النفاسة رَأَيْته فِي مُجَلد سَمَّاهُ الحدائق المطلعة من زهور أَبنَاء الْعَصْر شقائق وَله مؤلف آخر سَمَّاهُ اللواحق بالحدائق ومختصر فِي تَرْجَمَة جده السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَآخر في تَرْجَمَة وَالِده السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الآتي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَله خلع العذار فِي ريحَان العذار ورسالة في تَحْرِيم الزَّكَاة على بني هَاشم وديوان من نظمه ونثره وَلم يكن لَدَى من شعره مَا أذكرهُ هُنَا وَهُوَ سَاكن عَاقل رصين الْكَلَام جيد الْفَهم حسن الإدراك كَمَا يفهم ذَلِك من تحريراته وَلم أكن قد عَرفته وأرسل إليّ بِطَلَب الإرسال إليه بشئ من شرحي للمنتقى فأرسلت إليه بالمجلد الأول وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف لَدَيْهِ وَله شعر لم يكن لَدَى الْآن شئ مِنْهُ ثمَّ توفي في شهر شَوَّال سنة ١٢٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف بعد أن صَار مُنْفَردا بفنون الْعلم في كوكبان وَلم يخلف بعده مثله وَلَا من يُقَارِبه
١٧٥ - السَّيِّد عبد الله بن لطف الباري الكبسي ثمَّ الصنعاني
ولد في سنة ١١١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء صنعاء
[ ١ / ٣٩٢ ]
المبرزين في علم الْقرَاءَات والآلات والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَكَانَ يقرئ فى جَمِيع هَذِه الْعُلُوم وَله تلامذة صَارُوا عُلَمَاء نبلاء وَمن جملَة من قَرَأَ عَلَيْهِ الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن قبل مصير الْخلَافَة اليه وَكَانَ زاهدًا متقللًا من الدُّنْيَا آمرًا بِالْمَعْرُوفِ ناهيًا عَن الْمُنكر وَله في ذَلِك مقامات جليلة وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام المهدي لَا ترد لَهُ شَفَاعَة كائنة مَا كَانَت لمزيد ورعه وَعدم طمعه فِي شئ من الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ سَائِر أَرْبَاب الدولة كَانُوا يجلونه ويهابونه وَكَانَ يعْمل بالأدلة ويرشد النَّاس اليها وينفرهم عَن التَّقْلِيد وَله في نهي الْمُنكر عناية عَظِيمَة اخبرني بعض الثِّقَات أَنه
[ ١ / ٣٩٣ ]
مَشى مَعَه فِي بعض شوارع صنعاء فَرَأى رجلًا جنديًا وَقد أَرَادَ الْفَاحِشَة من امْرَأَة أَو صَار يفعل الْفَاحِشَة بهَا فَفرق صَاحب التَّرْجَمَة بَينهمَا فَسَبهُ ذَلِك الجندي سبًا فظيعًا فَمر وَلم يلْتَفت الى ذَلِك فَقَالَ لَهُ الذي كَانَ مَعَه لَو تدعني اعرف هَذَا الجندي حَتَّى ترفع أمره إلى الدولة ليعاقبوه فَقَالَ الذى وَجب علينا من إنكار الْمُنكر قد فَعَلْنَاهُ لله وَلَا أُرِيد أَن أفعل شَيْئا لنفسي دَعه يسبني كَيفَ شَاءَ وَكَانَ لايسمع بمنكر الا أتعب نَفسه في الْقيام على صَاحبه حَتَّى يُزِيلهُ وإذا أُصِيب رجل بمظلمة فرّ إليه فَيقوم مَعَه قومة صَادِقَة حَتَّى ة ينصف لَهُ فرحمه الله وكافاه بِالْحُسْنَى فَلَقَد كَانَ من محَاسِن الدَّهْر وَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى توفاه الله فى سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة ألف وَله أولاد أمجاد مِنْهُم الْعَلامَة مُحرز بن عبد الله من الْعلمَاء العاملين الورعين المنجمعين عَن بنى الدُّنْيَا المنقطعين إلى الله وستأتي لَهُ تَرْجَمَة مستقلة إن شَاءَ الله وعَلى بن عبد الله ولطف البارى بن عبد الله هما من الجامعين بَين الْعلم وَالْعَمَل بِالدَّلِيلِ والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس وَلم يسلمُوا مَعَ ذَلِك من محن الزَّمن الَّتِى هن شَأْن أَرْبَاب الْفَضَائِل
١٧٦ - عبد الله بن أَبى الْقَاسِم بن مِفْتَاح شَارِح الأزهار
الشَّرْح الذي عَلَيْهِ اعْتِمَاد الطّلبَة الى الْآن كَانَ محققًا للفقه وَلَعَلَّه قَرَأَ على الإمام المهدي مُصَنف الأزهار وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح وميل النَّاس إلى شَرحه وعكوفهم عَلَيْهِ مَعَ أَنه لم يشْتَمل على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ سَائِر الشُّرُوح من الْفَوَائِد دَلِيل على ينْتَه وَصَلَاح مقْصده وَهُوَ مُخْتَصر من الشَّرْح الْكَبِير للإمام المهدي الْمُسَمّى بالغيث وَتوفى ﵀ يَوْم السبت سَابِع شهر ربيع الآخر سنة ٨٧٧ سبع وَسبعين وثمان مائَة وقبره يماني
[ ١ / ٣٩٤ ]
صنعاء وَكَانَ عَلَيْهِ مشْهد وَقد تهدّم ورثاه مُحَمَّد بن على الزحيف بِأَبْيَات مِنْهَا
(سقى جدثًا أضحى بِصَنْعَاء ثاويًا من الدَّلْو والجوزاء غاد ورايح)
ورثاه يحيى بن مُحَمَّد بن صَالح حَنش بقصيدة مطْلعهَا
(أما عَلَيْك فقلبي دَائِم الْفَزع وَكَيف أسلو ووجدي غير مُنْقَطع)
١٧٧ - عبد الله بن محسن الحيمي ثمَّ الصّنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء وتشأ بهَا وتلا بعض الْقرَاءَات على بعض شُيُوخ الْقُرْآن ثمَّ قَرَأَ فِي الْفِقْه على شَيخنَا أَحْمد بن عَامر الحدايى قبل قراءتي عَلَيْهِ ورافقني في قِرَاءَة النَّحْو على شَيخنَا عبد الله بن إسماعيل النهمي وَقَرَأَ عليّ في الْأُصُول فِي شرح غَايَة السؤل وَسمع مني جَمِيع تيسير الديبع واستفاد في عدَّة فنون ودرس في كثير مِنْهَا وَنقل كثيرًا من رسائلي ومازال ملازمًا لي فِي كثير من الْأَوْقَات وبيني وَبَينه صداقة خَالِصَة ومحبة صَحِيحَة وَلم يسلم من التعصبات عَلَيْهِ من جمَاعَة من الْجُهَّال حَتَّى جرت لَهُ بِسَبَب ذَلِك محن وَهُوَ صابر محتسب وَهَذَا شَأْن هَذِه الديار وَأَهْلهَا والعالم المُصَنّف فِي غربَة لَا يزَال يكابد شَدَائِد ويجاهد وَاحِدًا بعد وَاحِد وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد وإنما يُوفي الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب وَصَاحب التَّرْجَمَة الْآن حي نفع الله بِهِ
١٧٨ - عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَار الله مشحم الصعدي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ
ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من علمائها كشيخنا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني
[ ١ / ٣٩٥ ]
وَغَيره وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وشارك فِيمَا عدا ذَلِك ودرس الطّلبَة بِجَامِع صنعاء في هَذِه الْفُنُون وَهُوَ كثير الصمت منجمع عَن النَّاس قَلِيل المخالطة لَهُم لَا يتَرَدَّد إلى بني الدُّنْيَا وَلَا يشْتَغل بِمَا لَا يعنيه وَلَا يتظهر بِالْعلمِ وَلَا يكَاد ينْطق الا جَوَابا فضلًا عَن أَن يُمَارِي أَو يبدي مالديه من الْعلم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ قَلِيل النظير عديم المثيل وَهُوَ حي الْآن نفع الله بِهِ وَتوفى ﵀ فِي يَوْم الأربعاء لَعَلَّه رَابِع وَعِشْرُونَ شهر شَوَّال سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
١٧٩ - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن اسمعيل بن صَلَاح الْأَمِير الصّنعاني
سيأتي تَمام نسبه في تَرْجَمَة أبيه ولد سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة قَاسم بن مُحَمَّد الكبسي وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة محسن بن اسمعيل الشامي وعَلى الْعَلامَة لطف الباري بن احْمَد الْورْد خطيب صنعاء وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل بن هادي الْمُفْتى وعَلى شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن احْمَد وَشَيخنَا الْعَلامَة علي بن هادي عرهب وعَلى غير هَؤُلَاءِ وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَهُوَ اُحْدُ عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين العاملين بالأدلة الراغبين عَن التَّقْلِيد مَعَ قُوَّة ذهن وجودة فهم ووفارة ذكاء وَحسن تَعْبِير وخبرة لمسالك الِاسْتِدْلَال ومحبة للْفُقَرَاء وعناية في إيصال الْخَيْر اليهم بِكُل مُمكن ومتانة دين واشتغال بِالْعبَادَة ودراية كَامِلَة بمؤلفات وَالِده ورسائله وأشعاره وَهُوَ الذي جمع شعره في مُجَلد وبلغني أَنه نظم بلغ المرام وأنه الْآن يشرحه وَله جوابات في مشكلات وفتاوى وَقد تخرج بِهِ جمَاعَة مِنْهُم الْعَلامَة عبد الحميد بن احْمَد قاطن وَلَا شغلة لَهُ بِغَيْر الْعلم والإكباب
[ ١ / ٣٩٦ ]
على كتب الحَدِيث وتحرير مسَائِله وَتَقْرِير دلائله وَله نظم كنظم الْعلمَاء مِنْهُ قصيدة أجاب بهَا على السَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل بن احْمَد الكبسى الْمُتَقَدّم ذكره ومطعلها
(لله دَرك أَيهَا الْبَدْر الذي يهدي إلى نهج الصَّوَاب الظَّاهِر)
(أبرزت من تيار علمك درة فِي سلك تبر قَعْر بَحر زاخر)
وَهُوَ الْآن حَيّ ينْتَفع بِهِ النَّاس وَلَعَلَّه قد جَاوز خمسين عَاما من عمره عافاه الله
١٨٠ - عبد الله بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم بن علي بن ثامر بن فضل ابْن مُحَمَّد بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن إبراهيم الزيدى العبسى العكى الْمَعْرُوف بالنجري
ولد في أحد الربيعين سنة ٨٢٥ خمس وَعشْرين وثمان مائَة وَنَشَأ بِمَدِينَة حوث وَقَرَأَ على وَالِده فِي النَّحْو والأصلين وَالْفِقْه وعَلى أَخِيه علي بن مُحَمَّد ثمَّ حج سنة ٨٣٨ وارتحل إلى الديار المصرية فوصلها في ربيع الأول من الَّتِى يَليهَا فبحث فِيهَا في النَّحْو وَالصرْف على ابْن قديد وَأبي الْقَاسِم النويري وفي الْمعَانى وَالْبَيَان على الشمني وفي الْمنطق على التقي الحصني وفي علم الْوَقْت على الْعِزّ عبد الْعَزِيز الميقاتي وَحضر في الهندسة قَلِيلا عِنْد أَبى الْفضل المغربي بل كَانَ يطالع وَمهما أشكل يُرَاجِعهُ فِيهِ فطالع شرح الشريف الجرجاني على الجغميني والتبصرة لجَابِر بن أَفْلح وَقَرَأَ في الْفِقْه على الْأمين الأقصراني والعضد الصيرامي وَتقدم فِي غَالب هَذِه الْفُنُون كَمَا
[ ١ / ٣٩٧ ]
قَالَ البقاعي الْمُتَقَدّم ذكره قَالَ واشتهر فَضله وَبعد صيته وَكتب عَنهُ في سنة ٨٥٣ قَوْله
(بشاطئ حوث من ديار بني حَرْب لقلبي أشجان معذبة قلبي)
(فَهَل لي إلى تِلْكَ الْمنَازل عودة فيفرج من غمي ويكشف من كربي)
وتستّر مُدَّة بَقَائِهِ هُنَالك فَلم ينتسب زيديا بِهِ انتسب حنفيًا وَلِهَذَا تَرْجمهُ البقاعي والسخاوي فَقَالَ الحنفي ثمَّ عَاد إلى الْيمن وصنّف مصنفات مِنْهَا المعيار في المناسبات بَين الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة جعله على نمط قَوَاعِد ابْن عبد السَّلَام وَهُوَ كتاب نَفِيس مُفِيد وَمِنْهَا شرح آيَات الْأَحْكَام اخْتَصَرَهُ من الثمرات وَمِنْهَا شرح مُقَدّمَة الْبَحْر للإمام المهدي وَله مصنفات في غير ذَلِك وَمن جملَة مَا كتبه وَهُوَ بِمصْر إلى وَالِده
(فراقك غصتي ولقاك روحي وقربك لي شِفَاء من قروحي)
(وَمَا إن أذكر الاوطان إِلَّا يضيق لى من الأوطان سوحى)
(فعفوك والدى عَنى وَإِلَّا فنوحى ياعيون على نوحى)
وَهَؤُلَاء الْمَشَايِخ من المصريين الْمَذْكُورين فِي التَّرْجَمَة هم أكابر شُيُوخ مصر فى ذَلِك الزَّمن كَمَا يُفِيد ذَلِك من ترْجم لَهُم وَلَعَلَّ بَقَاءَهُ في مصر خمس سِنِين كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا سلف وَيُمكن أن يكون أَكثر من ذَلِك وَخرج من مصر بمغني اللبيب وَهُوَ أول من وصل بِهِ إلى الْيمن وَحكى عَنهُ أنه ألف شرح مُقَدّمَة الْبَحْر في سَفَره قَافِلًا من مصر وَتوفى سنة ٨٧٧ سبع وَسبعين وثمان مائَة وأرّخ مَوته الضّمدي في الوافي سنة
[ ١ / ٣٩٨ ]
٨٧٤ - أَربع وَسبعين وثمان مائَة
١٨١ - عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله العنسي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٩٠ تسعين وَمِائَة وألف أَو بعْدهَا بِقَلِيل وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْمَشَايِخ واستفاد لاسيما في الْعُلُوم الآلية وَهُوَ حسن الإدراك جيد الْفَهم قوي التَّصَوُّر وَله قِرَاءَة عليّ في الْمعَانى وَالْبَيَان وَالتَّفْسِير وفي صَحِيح البخاري وَمُسلم وَسنَن أَبى دَاوُد وَفِي بعض مؤلفاتي وَله في الصلاح وَالْعِبَادَة وَالْعَمَل بالأدلة مَسْلَك حسن وَله فِي حسن الْخلق والتودد وَحفظ اللِّسَان مَالا يقدر عليه إِلَّا من هُوَ مثله
١٨٢ - السَّيِّد عبد الله بن الإمام المطهر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الحمزي
كَانَ من الأذكياء النبلاء الْعلمَاء وَله مصنفات مِنْهَا الْيَاقُوت المنظم الذي شرح بِهِ قصيدة وَالِده وَهُوَ كتاب حافل نَفِيس فِيهِ فَوَائِد بديعة وَمِنْهَا كتاب رياحين الأنفاس المهتزة فِي بساتين الأكياس فِي براهين رَسُول الله ﷺ إلى كَافَّة النَّاس وَهُوَ كتاب نَفِيس اسْتَخْلَفَهُ وَالِده في مَدِينَة ذمار بعد فتحهَا ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين أهل الْمَدِينَة فأخرجوه فَدخل صنعاء فَأخذُوا عَلَيْهِ من دروعه وَآلَة ملكة شَيْئا كثيرًا وَلما فتح
[ ١ / ٣٩٩ ]
عَامر بن عبد الْوَهَّاب صنعاء سيّره مَعَه إلى تعز وَتوفى هُنَالك وَله شعر فَمِنْهُ قصيدة مطْلعهَا
(أوما النسيم يبلغن إذا سرى طرسًا إلى صنعاء من أم الْقرى)
وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(حَيّ الْغَدَاة وَأقر الْحَيّ والحرما عَنى السَّلَام سَلاما زَاده حرما)
١٨٣ - عبد الله بن المهلا بن سعيد بن علي الشرفي اليماني الْمَعْرُوف بالمهلاّ
ولد في شهر صفر سنة ٩٥٠ خمسين وَتِسْعمِائَة بالشرف الْأَعْلَى وأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم وَالِده المهلا والفقية عِنْد الله الرَّاغِب وَالسَّيِّد هادي الوشلي والقاضي علي بن عطف الله وَالسَّيِّد أَحْمد بن الْمُنْتَصر والفقيه عبد الرَّحْمَن النزيلي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران ورحل إليه طلبة الْعلم من الْآفَاق وَمن جملَة تلامذته الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَاتفقَ أَن الباشا جَعْفَر امتحن الْعلمَاء بِحَدِيث اختلقه ونمّق ألفاظه وأملاه عَلَيْهِم فابتدر الْحَاضِرُونَ لكتابته فَلم يَتَحَرَّك صَاحب التَّرْجَمَة لشئ من ذَلِك فَسَأَلَ الباشا لم لَا يكْتب فَقَالَ يَا مَوْلَانَا قد أفدتم وَالْجَمَاعَة قد كتبُوا وَنحن حفظنا فَقَالَ هَذَا وَالله هُوَ الْعَالم ثمَّ أخْبرهُم أَن الحَدِيث هُوَ الذي وَضعه وإنما أَرَادَ امتحانهم وَتُوفِّي سنة ١٠٢٨ ثَمَان وَعشْرين وَألف وَلَيْسَ هَذَا هُوَ مؤلف الْمَوَاهِب القدسية شرح البوسية فَذَاك مُتَأَخّر وَقد تقدمت تَرْجَمته واسْمه الْحُسَيْن بن نَاصِر
١٨٤ - عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن أَحْمد ابْن عبد الله بن هِشَام
ولد فى ذى الْقعدَة سنة ٧٠٨ ثَمَان وَسَبْعمائة وَلزِمَ الشهَاب عبد اللَّطِيف
[ ١ / ٤٠٠ ]
وَسمع من أَبى حَيَّان وَلم يلازمه وَحضر درس الشَّيْخ تَاج الدَّين التبريزي وَقَرَأَ على الفكهانى وَكَانَ شافعيًا ثمَّ تحنبل وأتقن الْعَرَبيَّة ففاق الأقران وَلم يبْق لَهُ نَظِير فِيهَا وصنّف مغني اللبيب وَهُوَ كتاب لم يؤلف في بَابه مثله واشتهر فِي حَيَاته وَله تَعْلِيق على ألفية بن مَالك وعمدة الطَّالِب في تَحْقِيق تَعْرِيف ابْن الْحَاجِب مجلدان وَرفع الْخَصَاصَة عَن قراء الْخُلَاصَة ارْبَعْ مجلدات والتحصيل وَالتَّفْصِيل لكتاب التذييل والتكميل عدَّة مجلدات وَشرح الشواهد الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وقواعد الاعراب وشذور الذَّهَب وَشَرحه وقطر الندى وَشَرحه والكوكب الدرية شرح اللمحة البدرية لأبي حَيَّان وَشرح بَانَتْ سعاد وَشرح الْبردَة والتذكرة فِي خَمْسَة عشر مجلدًا وَشرح التسهيل وَلم يبيضه وَكَانَ كثير الْمُخَالفَة لأبي حَيَّان شَدِيد الانحراف عَنهُ وَلَعَلَّ ذَلِك وَالله اعْلَم لكَون أَبى حَيَّان كَانَ مُنْفَردا بِهَذَا الْفَنّ في ذَلِك الْعَصْر غير مدافع عَن السَّبق فِيهِ ثمَّ كَانَ الْمُنْفَرد بعده هُوَ صَاحب التَّرْجَمَة وَكَثِيرًا مَا ينافس الرجل من كَانَ قبله في رتبته الَّتِى صَار اليها إظهارًا لفضل نَفسه بالاقتدار على مزاحمته لمن كَانَ قبله أَو بالتمكن من الْبلُوغ إلى مَا لم يبلغ اليه والا فَأَبُو حَيَّان هُوَ من التَّمَكُّن من هَذَا الْفَنّ بمَكَان وَلم يكن للمتأخرين مثله وَمثل صَاحب التَّرْجَمَة وَهَكَذَا نافس أَبُو حَيَّان الزمخشري فَأكْثر من الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ في النَّحْو وَالنّهر الماد لكَون الزمخشري مِمَّن تفرد بِهَذَا الشَّأْن وإن لم يكن عصره مُتَّصِلا بعصره وَهَذِه دقيقة ينبغي لمن أَرَادَ إخلاص الْعَمَل أَن يتَنَبَّه لَهَا فإنها كَثِيرَة الْوُقُوع بعيدَة الإخلاص وَقد تصدر صَاحب التَّرْجَمَة للتدريس وانتفع بِهِ النَّاس وَتفرد بِهَذَا الْفَنّ وأحاط بدقائقه وحقائقه
[ ١ / ٤٠١ ]
وَصَارَ لَهُ من الملكة فِيهِ مالم يكن لغيره واشتهر صيته في الأقطار وطارت مصنّفاته في غَالب الديار حَتَّى قَالَ ابْن خلدون مازلنا نَحن بالغرب نسْمع أَنه قد ظهر بِمصْر عَالم يُقَال لَهُ ابْن هِشَام أنحى من سِيبَوَيْهٍ وَمَات في لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس ذي الْقعدَة سنة ٧٦١ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله نظم فَمِنْهُ
(وَمن يصطبر للْعلم يظفر بنيله وَمن يخْطب الْحَسْنَاء يصبر على الْبَذْل)
(وَمن لم يذلّ النَّفس في طلب الْعلَا يَسِيرا يَعش دهرًا طَويلا أخاذل)
ورثاه ابْن نباتة فَقَالَ
(سقى ابْن هِشَام في الثرى نور رَحْمَة تجرّ على مثواه ذيل غمام)
(سأروي لَهُ من سيرة الْمَدْح مُسْندًا فَمَا زلت اروي سيرة ابْن هِشَام
١٨٥ - عبد الله بن يُوسُف بن مُحَمَّد الزَّيْلَعِيّ الحنفي جمال الدَّين
اشْتغل كثيرًا وأخذ عَن أَصْحَاب النحيب وَعَن القاضي عَلَاء الدَّين التركماني وَعَن جمَاعَة ولازم مطالعة كتب الحَدِيث إلى أَن خرج أَحَادِيث الْهِدَايَة وَأَحَادِيث الْكَشَّاف كَانَ يترافق هُوَ وزين الدَّين العراقي فِي مطالعة الْكتب الحديثية فالعراقي لتخريج الإحياء والزيلعي لتخريج أَحَادِيث الْكِتَابَيْنِ الْمَذْكُورين وَكَانَ كل مِنْهُمَا يعين الآخر وَلابْن حجر تَخْرِيج لأحاديث الْكَشَّاف فَلَعَلَّهُ استمد من تَخْرِيج صَاحب التَّرْجَمَة وَمَات بِالْقَاهِرَةِ في الْمحرم سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
١٨٦ - عبد الْملك بن حُسَيْن بن عبد الْملك العصامي الشافعي المكي صَاحب التَّارِيخ الْمَشْهُور
الْمُسَمّى سمط النُّجُوم الغوالى فى أَبنَاء الاوائل التوالى وَهُوَ مجلدان ضخمان الأول إلى أَيَّام مُعَاوِيَة والثاني إلى آخر الْقرن الثاني عشر وَبسط فِيهِ
[ ١ / ٤٠٢ ]
تراجم بعض الْخُلَفَاء والملوك والأمراء وَاخْتصرَ تراجم آخَرين وَلم أقف لَهُ على تَرْجَمَة
١٨٧ - عبد الْملك بن جمال الدَّين بن إسماعيل العصامي
جدّ الْمَذْكُور قبله ولد سنة ٩٧٨ ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن مشايخها وبرع في الْعُلُوم وصنّف مصنفات مِنْهَا شرح الشذور وَشرح الْقطر وَشرح الشَّمَائِل وَشرح الألفية وَغير ذَلِك قَالَ حفيده الْمُتَقَدّم قبله انها بلغت مصنفاته سِتِّينَ مصنفا وَمَات سنة ١٠٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وَألف
١٨٨ - عبد الْمُؤمن بن خلف بن أَبى الْحسن بن شرف الدّمياطي شرف الدَّين
ولد في آخر سنة ٦١٣ ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَنَشَأ بدمياط وَكَانَ يعرف بِابْن الْمَاجِد وَكَانَ جميل الصُّورَة جدًا حَتَّى كَانَ أهل دمياط إذا بالغوا في وصف الْعَرُوس قَالُوا كأنها ابْن الْمَاجِد وتشاغل أَولا بالفقه ثمَّ طلب الحَدِيث بعد أَن دخل الْعشْرين وجاوزها فَسمع بالإسكندرية في سنة ٦٣٢ من أَصْحَاب السلفي وبالقاهرة مِنْهُم وَغَيرهم ولازم المنذري وَحج فِي سنة ٦٤٣ فَسمع بالحرمين وَدخل الشَّام سنة ٦٤٥ ثمَّ دخل الجزيرة وَالْعراق وَكتب الْكثير وَبَالغ وَجمع مُعْجم شُيُوخه فِي أَربع مجلدات وَبلغ عَددهمْ ألف شيخ ومائتي شيخ وَخمسين شَيخا وأملى فِي حَيَاة مشايخه وَكتب عَن جمَاعَة من رفقائه قَالَ المزي مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ وَقَالَ الذهبي كَانَ مليح الْهَيْئَة حسن الْخلق بسّامًا فصيحًا لغويًا مقريا
[ ١ / ٤٠٣ ]
جيد الْعبارَة كَبِير النَّفس صَحِيح الْكتب مُفِيدا جدًا فِي المذاكرة وَقَالَ ابْن سيد النَّاس سمعته يَقُول دخلت على جمَاعَة يقرؤن الحَدِيث فَمن ذكر عبد الله بن سَلام فشددوا لامه فَقلت سَلام عَلَيْكُم سَلام عَلَيْكُم وصنّف كتابًا فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى وَآخر في الْخَيل وقبائل الْخَزْرَج وقبائل الأوس وَالْعقد الثّمن فِيمَن اسْمه عبد الْمُؤمن والمسانية والسيرة النبويه وَغير ذَلِك وَكَانَ لَهُ نظم متوسط وروى عَنهُ جمَاعَة مَاتُوا قبله بدهر وَطَالَ عمره وَتفرد بأَشْيَاء وَحمل عَن الصّنعاني عشْرين كتابًا من تصانيف فِي اللُّغَة والْحَدِيث وأزكى في علم النّسَب على الْمُتَقَدِّمين وَوَصفه أَبُو حَيَّان بحافظ الْمشرق وَالْمغْرب قَالَ الذهبي كَانَ موسعًا عَلَيْهِ فِي الرزق وَله حُرْمَة وجلالة مَاتَ في خَامِس ذي الْقعدَة سنة ٧٠٥ خمس وَسَبْعمائة
١٨٩ - عبد الْمُؤمن بن عبد الْحق بن عبد الله بن علي بن مَسْعُود البغدادي الحنبلي أَبُو الْفَضَائِل صفي الدَّين
ولد سنة ٦٥٨ ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وتفقه على جمَاعَة وعني بِالْحَدِيثِ فَسمع من عبد الصَّمد وَآخَرين ورحل إلى دمشق فَسمع من ابْن عَسَاكِر وَخرج لنَفسِهِ عَن نَحْو ثلثمِائة شيخ وَحدث وَتخرج بالفضلاء وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ عَلامَة في الْفَرَائِض والحساب والجبر والمقابلة وَأَجَازَ لَهُ في بَغْدَاد جمَاعَة وَكَذَلِكَ من دمشق وَكَانَ زاهدًا خيّرًا ذَا مُرُوءَة وفتوة وتواضع ومحاسن كَثِيرَة طارحًا للتكلف على طَرِيق السلف محبًّا للخمول وَكَانَ شيخ الْعرَاق على الإطلاق وَله مصنّفات مِنْهَا شرح الْمُحَرر ومختصر فى الْفَرَائِض وادراك الْعِنَايَة فِي اخْتِصَار الْهِدَايَة وَتَحْقِيق الامل فِي الْأُصُول والجدل وتحرير الْمُقَرّر فِي تَقْرِير الْمُحَرر وَالْعدة شرح
[ ١ / ٤٠٤ ]
الْعُمْدَة وَله نظم رائق ومحاسن وَلم يتَزَوَّج واخذ عَنهُ جمَاعَة وَمَات في صفر سنة ٧٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
١٩٠ - عبد الهادي بن أَحْمد بن صَلَاح بن مُحَمَّد بن الْحسن الثلائى الْمَعْرُوف بالحسوسة
بمهملات الزيدي قَالَ القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين إنه كَانَ يحفظ مجموعات الْقَاسِم والهادى وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة ويمليها عَن ظهر قلبه بِمَا يبهر الْعُقُول مَعَ سَائِر عُلُوم أهل الْكَلَام وَكَانَ يحفظ أَحْوَال النَّاس ولقى الْفُضَلَاء وَقَرَأَ عَلَيْهِم فَمن جملَة شُيُوخه عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الحيمي شيخ الإمام الْقَاسِم وَعِيسَى زعفان وعَلى بن الْحَاج قَالَ يحمل القاضي عبد الهادي من جليل الْكَلَام ودقيقه مَالا يُشبههُ فِيهِ أحد حَتَّى قَالَ الإمام الْقَاسِم إنه يظن أَنه أوسع علمًا من أَبى الْهُذيْل لانه اطلع على ماحصله أبو الْهُذيْل وَغَيره وَكَانَ مطلعًا على قَوَاعِد البهشمية لَا يشذ عَنهُ مِنْهَا شئ وَلَا يخفى عَلَيْهِ شئ من احوال أهل الْعلم الكلامي وَقد كَانَ ينَال مِنْهُ المقصرون وَيَقُولُونَ أنه يمِيل إلى مَذْهَب الْمُعْتَزلَة في أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب فتألم لما بلغه ذَلِك وأملى من فضائله مَا بهرهم مِمَّا يعرفوه وَولى الْقَضَاء بِصَنْعَاء فباشره مُبَاشرَة حَسَنَة وَله في حسن السياسة أَحَادِيث وانتقل من صنعاء الى ثلا فى أوايل مَرضه ثمَّ توفي بهَا لَيْلَة الْجُمُعَة الثاني عشر من ذي الْحجَّة سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف
١٩١ - السَّيِّد عبد الْوَهَّاب بن حُسَيْن بن يحيى الديلمى
الْمُتَقَدّم ذكر وَالِده في حرف الْحَاء ولد تَقْرِيبًا على رَأس سنة ١٢٠٠ مِائَتَيْنِ وَألف وَقَرَأَ على وَالِده فِي الْفِقْه والآلات وعَلى غَيره مِمَّن يجد عِنْده
[ ١ / ٤٠٥ ]
علمًا في جِهَته وهي مَدِينَة ذمار ثمَّ فهم أنواعًا من الْعُلُوم الدقيقة بذهنه الْفَائِق وفهمه الذى يقل وجود نَظِيره وَحفظه الْحسن فَصَارَ يذاكر في كل علم من الْعُلُوم ويفهمه أحسن فهم وَلما وصلت إلى ذمار مَعَ مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل عل الله فى سنة ١٢٢٥ لازمنى الْمَذْكُور لَيْلًا وَنَهَارًا لمحل الصداقة بيني وَبَين وَالِده ولكوني نزلت في بَيتهمْ فَسمع عليّ أَوَائِل كتب لَا أحصى عَددهَا وَلَا أذكر أسمائها الْآن لكثرتها واستفاد بالمذاكرة والمباحثة شَيْئا كثيرًا وَصَارَ في مَدِينَة ذمار مَعَ حدث سنة مرجعا فى الْعُلُوم حَتَّى علم الطِّبّ فإن لَهُ الْيَد الطُّولى ومازال يُفِيد الطّلبَة هُنَالك مَعَ قلَّة الراغبين في عُلُوم الِاجْتِهَاد بذمار وفي سنة ١٢٢٦ في الرحلة الثَّانِيَة للْجِهَاد مَعَ مَوْلَانَا الامام المتَوَكل على الله ولامنى مُلَازمَة كَامِلَة لَيْلًا وَنَهَارًا وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أَفْرَاد المشتغلين بالعلوم في هَذَا الْوَقْت زَاده الله علمًا وتوفيقًا وَله إليّ أشعار جَيِّدَة لَعَلَّهَا مَوْجُودَة في مَجْمُوع الْأَشْعَار عِنْدِي
١٩٢ - السَّيِّد عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد شَاكر بن عبد الْوَهَّاب بن حُسَيْن ابْن الْعَبَّاس بن جَعْفَر
الْحسنى من قبل الحسيني من قبل الْأَب الموصلي مولدًا وبلدًا ومنشأ ولد شهر جُمَادَى الأولى سنة ١١٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقدم علينا إلى صنعاء في سنة ١٢٣٤ وَكثر اتِّصَاله بي وَهُوَ جَامع بَين
[ ١ / ٤٠٦ ]
علم الأديان والأبدان جيد الْفَهم فصيح اللِّسَان حسن الْعبارَة حسن الإشارة قد عرف كثيرًا من الْبِلَاد كمصر وَالشَّام وَالْعراق (والحرمين وَدخل إلى الروم دفعات واتصل بعلماء الْبِلَاد وأعيانها وملوكها وَأخْبرنَا عَن هَذِه الْبِلَاد وَأَهْلهَا بأحسن الأخبار مَعَ صدق لهجة وتحر للصدق وَكتب إليّ من شعره بنظم فائق رائق
وَمن جملَة ماخبرنا بِهِ من خبر عَجِيب ونبأ غَرِيب وَهُوَ أَنه وجد في جبل قيسون من جبال الشَّام رجل من الْجِنّ يُقَال لَهُ قاضي الْجِنّ واسْمه شمهورش وَأَنه أدْرك الإمام مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري وَأخذ عَنهُ فأخبرنا صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ أخبرنَا السَّيِّد إسماعيل بن عبد الله الأيدين جكلي نِسْبَة إلى قَرْيَة بالروم قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد المنينى نزيل دمشق الشَّام قَالَ أخبرنَا عبد الْغنى بن اسماعيل النابلسى عَن القاضى شمهورش قاضى الْجِنّ بِصَحِيح البخارى عَن البخاري وَمِمَّا أخبرنَا بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة أَن اعْتِمَاد حنفية هَذَا الزَّمَان في جَمِيع ديار الروم وَالشَّام ومصر وَغَيرهَا فِي الْفِقْه على مؤلفين أَحدهمَا مؤلف الملاخسرو الرومي الْمُسَمّى الدُّرَر وَالْغرر متْنا وشرحًا والمؤلف الآخر لمُحَمد أفندي مفتي دمشق الْمُسَمّى الدر الْمُخْتَار وَاسْتشْهدَ فِي خطْبَة الْكتاب بقول الْقَائِل
(ترى الْفَتى يُنكر فضل الْفَتى في وقته حَتَّى إذا مَا ذهب)
(يحثه الْحِرْص على نُكْتَة يَكْتُبهَا عَنهُ بِمَاء الذَّهَب)
وَأخْبرنَا أَن هَذَا مُحَمَّد أفندي من أهل الْقرن الحادى عشر وَقد طلب صَاحب التَّرْجَمَة بعض مؤلفاتي فأعطيته الدُّرَر وَشَرحهَا الدراري وَقد كتب إليّ من نظمه شعرًا فائقًا قد ذكرته في مجموعي فَليرْجع إليه
[ ١ / ٤٠٧ ]
وَقد تلقيت مِنْهُ الذكر على الطَّرِيقَة النقشبندية
١٩٣ - عبد الهادي بن مُحَمَّد السودي ثمَّ الصنعاني الصُّوفِي الشَّاعِر الْمَشْهُور
ولد في نَيف وَسبعين وثمان مائَة ونشأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ بهَا الْفِقْه وَغَيره ثمَّ لحقته جذبة فَخرج هائمًا من صنعاء وَسكن مَدِينَة تعز وَذكر الإمام شرف الدَّين أَنه إنما حصل لَهُ الهيام بِسَبَب أكله للقات وَله شعر حسن فَمِنْهُ
(كَيفَ حاروا فِيك وَاعجَبا يامنى سمعي وَيَا بصري)
(أَنْت لَا تخفى على أحد غير أعمى الْفِكر وَالنَّظَر)
(حيرة عَمت وأيّ فَتى رام عرفانًا وَلم يحر)
(وَمِنْه)
(لَا وَقد مِنْك معتدل عَن غرامي فِيك لم أمل)
(لَيْسَ لى عطف على اُحْدُ لَا وَلَا ميل إلى بدل)
(بك يَا سؤلي ظَفرت فَلم الْتفت للدَّار والطّلل)
(وَمِنْه)
(عاذلي في الْحبّ أَو خطره لست من ليلى وَلَا سمره)
(أَنا فى وَاد أَظُنك مَا قلت فِي الأفياء من شَجَرَة)
(لَا تطل فِيهِ الملام إلى أَن تذوق الحلو من ثَمَرَة)
(يَا حُلُول الشعب من اضمٍ انشقوني النشر من زهرَة)
وَفِي هَذَا الشّعْر من شعر أَبى نواس وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة في أَيَّام الإمام شرف الدَّين وَمَات سنة ٩٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة
[ ١ / ٤٠٨ ]
١٩٤ - عبد الْوَاسِع بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد القرشي الأموي العلفي
ينتهي نسبه إلى عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم بن الْعَاصِ بن أُميَّة ولد سنة ١٠٢٦ سِتّ وَعشْرين وَألف أَو في الَّتِى بعْدهَا بِبِلَاد حيدان بِسَبَب أَخْوَاله بني مدحف فَخذ من حيدان ثمَّ انْتقل هُوَ ووالدته إلى هجرتهم بني علفة فى بِلَاد الكلبيين فبقى بهَا مُدَّة ثمَّ ارتحل إلى صنعاء وَهُوَ فِي سن الطلب فأخذ عَن جمَاعَة من شيوخها كالفقيه الْفَاضِل مُحَمَّد بن أَحْمد الحربي فِي النَّحْو وعَلى التهامى فِي الصّرْف وعَلى عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الحيمى فى انواع من الْعلم وعَلى السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى وَالسَّيِّد الْحسن بن احْمَد الْجلَال والقاضي صَلَاح الذنوبى والقاضى أَحْمد ابْن سعيد الهبل وبرع فِي عُلُوم كالنحو وَالصرْف والاصول وَالْفِقْه والفرائض وَمن جملَة مشايخه الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم والقاضي الْحُسَيْن بن علي الشوكاني والقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كالسيد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكبسي وَولده احْمَد وَالسَّيِّد الْحُسَيْن بن أَحْمد زبارة وعَلى بن مُحَمَّد الشطبى وَكَانَ الامام المتَوَكل على الله يَقُوله من أَرَادَ النَّحْو فليقرأ على القاضي عبد الْوَاسِع وَله تَفْسِير لطيف على سُورَة الإخلاص وَله مَجْمُوع فى خطب السّنة ومختصر سَمَّاهُ الْوَعْظ النافع فِيمَا أنشأه القاضي عبد الْوَاسِع وَلم يزل مُقيما على التدريس حَتَّى مَاتَ فِي ثاني عشر شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٠٨ ثَمَان وَمِائَة وَألف وقبره فِي الْغِرَاس بجوار الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن وَلِهَذَا القاضى ذُرِّيَّة صَالِحَة مباركة فيهم رُؤَسَاء وفضلاء وكملاء فَمنهمْ في تَارِيخ تَحْرِير هَذِه الأحرف مُحَمَّد بن علي بن أَحْمد بن عبد الْوَاسِع اُحْدُ رُؤَسَاء الدولة وأعيانها وَهُوَ
[ ١ / ٤٠٩ ]
كثير الْخَيْر كثير الْعدْل قوي الْعقل مَحْمُود السِّيرَة طيب السريرة وَمِنْهُم أَخُوهُ الْحسن بن علي وَهُوَ تلو أَخِيه مُحَمَّد في محاسنه مَعَ صدق لهجة وَحسن خلق وشهامة نفس وَكَمَال مُرُوءَة وَمِنْهُم يحيى بن مُحَمَّد بن على وَهُوَ الْآن فِي عنفوان الشَّبَاب وَله أشعار فائقة تشْتَمل على معَان رائقة
١٩٥ - عبد الْوَهَّاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تَمام السبكي تَاج الدَّين
ولد سنة ٧٢٧ سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة كَابْن سيد النَّاس وطبقته ثمَّ قدم دمشق سنة ٧٣٩ فَسمع بهَا من زَيْنَب بنت الْكَمَال والمزي والذهبي ومعن في طلب الحَدِيث وَكتب الْأَجْزَاء والطباق حَتَّى مهر وَهُوَ شَاب مَعَ ملازمته الِاشْتِغَال بالفقه وَالْأُصُول والعربية وصنف تصانيف مِنْهَا شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح منهاج البيضاوى وَعمل الفوايد الْمُشْتَملَة على الْأَشْبَاه والنظاير والطبقات الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى وَالصُّغْرَى ورزق السَّعَادَة فِي تصانيفه فانتشرت فِي حيوته وَكَانَ ذَا بلاغة وطلاقة جيد البديهة طلق اللِّسَان حسن النظم والنثر ودرس في غَالب مدارس دمشق وناب عَن أَبِيه فِي الحكم ثمَّ أشتغل بِهِ بِاخْتِيَار أَبِيه وَولى خطابة الْجَامِع وانتهت إليه رياسة الْقَضَاء والمناصب بِالشَّام وَحصل لَهُ بِسَبَب الْقَضَاء محنة بعد محنة وَهُوَ مَعَ ذَلِك فِي غَايَة الثَّبَات وعزل مَرَّات وكشفوا عَلَيْهِ فِي بَعْضهَا وَحكم بعض الْقُضَاة بحبسه واجتهدوا فِي طلب غَيره من عثراته فَلم يَجدوا قَالَ ابْن كثير جرى عَلَيْهِ من المحن والشدايد مالم يجر على قَاض قبله وَحصل لَهُ من المناصب والرياسة مالم يحصل لأحد قبله وانتهت اليه الرياسة بِالشَّام وَأَبَان فِي أَيَّام محنته عَن شجاعة وَقُوَّة
[ ١ / ٤١٠ ]
مناظرة حَتَّى أفحم خصومه مَعَ كثرتهم وَلما عَاد على وظايفه صفح عَن القايمين عَلَيْهِ وَكَانَ كَرِيمًا مهابا وَمَات فِي سَابِع ذي الْحجَّة سنة ٧٧١ إحدى وَسبعين وَسَبْعمائة
١٩٦ - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله السَّيِّد نور الدَّين أَبُو حَامِد
الحسيني الأيجي الشافعي ولد يَوْم السبت خَامِس وَعشْرين ذي الْقعدَة سنة ٨٤٢ اثْنَتَيْنِ واربعين وثمان مائَة بشيراز وتحول إِلَى مَكَّة وَقَرَأَ على جمَاعَة كالمحب الطبري وأبي الْفَتْح المراغي وَحفظ الْقُرْآن وَبَعض الْحَاوِي وَفِي الصّرْف النخبة لجده وفي النَّحْو الكافية وشيئًا من الطوالع وَغير ذَلِك وَأخذ عَن الصفي جده لأمه فِي عُلُوم عدَّة وعَلى النورأبى الْفتُوح وَأَجَازَ لَهُ كثير من أَمْصَار مُخْتَلفَة وَقدم الْقَاهِرَة وَدخل الشَّام وزار الْقُدس والخليل وَأخذ فى هَذِه الْأَمْكِنَة عَن جمَاعَة كالبقاعى والسخاوي وتصدر فِي أيج للإفتاء والإقراء والتحديث وَكتب على الْمِنْهَاج والتيسير للبارزي وعَلى القونوي وَجمع كتابًا طَويلا سَمَّاهُ مجمع الْبحار جعله أَولا مُخْتَصرا للروضة ثمَّ بسط الْكَلَام وَاسْتوْفى كَلَام الشَّافِعِيَّة مَعَ ذكر الْأَدِلَّة والعلل تَرْجَمَة السخاوي وَذكر أَنه فَارقه فِي سنة ارْبَعْ وَتِسْعين يعْنى وثمان مائَة فَلَعَلَّهُ عَاشَ إِلَى الْقرن التَّاسِع وَالله أعلم
١٧٩ - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد الهاشمي الحسيني الملقّب العبري
بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة ذكره الذهبي فِي المشتبه فَقَالَ عَالم كَبِير فِي وقتنا وتصانيفه سايرة وَقَالَ الأسنوى فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة كَانَ أَولا حنفيًا ثمَّ صَار شافعيًا وَكَانَ يقرئ المذهبين وَوَصفه بعض أهل
[ ١ / ٤١١ ]
بِلَاده فَقَالَ كَانَ قاضي الْقُضَاة عضد السلاطين مَشْهُورا في الْآفَاق مشارًا إليه فِي جَمِيع الْفُنُون ملاذًا للضعفاء كثير التَّوَاضُع والإنصاف وَمَال فى آخر عمره إِلَى الِاشْتِغَال بالعلوم الدِّينِيَّة وَله من المصنفات عدَّة مِنْهَا شُرُوح مصنّفات القاضي البيضاوي الْمِنْهَاج والمطالع والغاية والمصباح وَشرح المصابيح وَسكن سلطانية ثمَّ تبريز وَولى قضاءها وَعبارَته فصيحة قريبَة من الأفهام وَكَانَت وَفَاته بتبريز في شهر رَجَب سنة ٧٤٢ اثْنَتَيْنِ وأربعين وَسَبْعمائة في الْعَام الذي حصل فِيهِ الغلاء المفرط بخراسان وَالْعراق وَفَارِس وأذربيجان ودياربكر حَتَّى جَاوز الْوَصْف وَأكل الْأَب ابْنه وَالِابْن أَبَاهُ وبيعت لُحُوم الْآدَمِيّين فِي الْأَسْوَاق جَهرا ودام ذَلِك سِتَّة أشهر كَذَا في الدُّرَر لِابْنِ حجر حاكياعن بعض فضلاء الْعَجم
١٩٨ - عُثْمَان بن عليّ بن عمر بن إسماعيل بن إبراهيم بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن علي بن عبد الله الطائيّ الحلبى
فَخر الدَّين ابْن خطيب حبرين الشافعي ولد في ربيع الأول سنة ٦٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَمهر في الْفُنُون حَتَّى كَانَ يدرس كل من قَصده في أي كتاب أَرَادَ من أي علم أحضرهُ وَلم ير النَّاس لَهُ فى ذَلِك نظيرا إِلَّا مَا حكى عَن ابْن يُونُس فَكَانَ يقرئ في الحاوي وَغَيره من الْفُرُوع وفي الْمَحْصُول وَغَيره من أصُول الْفِقْه وفي الشاطبية وَغَيرهَا من الْقرَاءَات وفى الفرايض وأنواع الْحساب وفي الْعَرَبيَّة والتصريف وَالْحكمَة والطب وَغير ذَلِك وناب الحكم وَكَانَ فِي خلال الدَّرْس وخلال الحكم يلازم السبحة وَمن تصانيفه شرح التفجير وَشرح الشَّامِل الصَّغِير وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح الحاوي وَشرح مُخْتَصر مُسلم للمنذري ثمَّ طلب إِلَى الْقَاهِرَة
[ ١ / ٤١٢ ]
فَمثل بَين يدي السُّلْطَان فبدر من السُّلْطَان كَلَام في حَقه أغْلظ لَهُ فِيهِ فَرجع مَرْعُوبًا فَمَرض وَكَانَ مَعَه وَلَده فَمَرض كَذَلِك وَمَاتَا جَمِيعًا بعد جُمُعَة فِي الْمحرم سنة ٧٣٨ ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن حبيب فَقَالَ حَاكم قدره كَبِير وعالم لَيْسَ لَهُ نَظِير قدوة فى معرفَة الْأُصُول وَالْفُرُوع مشار اليه بالتقدم في المحافل والجموع ثمَّ ذكر أَنه بَاشر توقيع الحكم وَنظر الأوقاف ووكالة بَيت المَال ثمَّ اشْتغل بِالْقضَاءِ بحلب مُدَّة
١٩٩ - عُثْمَان بن قطلو بك التركمان أَمِير التركمان بديار بكر وَصَاحب آمدو ماردين
وَغَيرهَا كَانَ أَبوهُ من جملَة الْأُمَرَاء بالدولة الأرتقية ثمَّ انْتَمَى ابْنه هَذَا إِلَى تيمورلنك وَصَارَ من أعوانه وَدخل مَعَه الْبِلَاد الشامية لما طرقها ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده فاستولى على مَا تقدم ذكره في أَيَّام النَّاصِر فرج بن برقوق صَاحب مصر وَالشَّام وولاه الرها وضخم أمره وَمَا زَالَ فِي علو إِلَى أَن تجرّد الْمُؤَيد شيخ الْبِلَاد الشرقية وَعَاد إِلَى نَحْو بَغْدَاد فَأرْسل قصاده إِلَى الْمُؤَيد يعْتَذر عَن نَفسه في ذَنْب مِنْهُ سَابق وَيَقُول إن لم يعف عَنى السُّلْطَان لَا أجد لي بدًا من مُوَافقَة خصومه فَأَجَابَهُ وَكَانَ من الرِّجَال قُوَّة وشجاعة وإقدامًا قتل ملوكًا وَلما سلطن الْأَشْرَف برسباي الْمُتَقَدّم ذكره وطالت أَيَّامه تغيّر مَا بَينهمَا فَجهز لقتاله عسكرًا غير مرة وَأخذ مِنْهُ الرها وَقبض على ابْنه هابيل وَحبس بقلعة الْجَبَل حَتَّى مَاتَ ثمَّ تجرّد الْأَشْرَف بِنَفسِهِ إليه فِي سنة ٨٣٦ وَوصل إِلَى آمد وَنزل عَلَيْهَا وحاصرها زِيَادَة على شهر ثمَّ رَحل عَنْهَا بعد وُقُوع الصُّلْح بَينهمَا وَأرْسل لَهُ بخلعة وسرج فرس ذهب وَاسْتمرّ على حَاله إِلَى سنة ٨٣٩ فَسَار إِلَى إسكندر
[ ١ / ٤١٣ ]
من تبريز وَبلغ على صَاحب التَّرْجَمَة فَجهز علي بك ابْنه فِي فرقة من الْعَسْكَر وَهُوَ على أَثَرهم فَالتقى الْفَرِيقَانِ فاستظهر عَسْكَر هَذَا فَثَبت اسكندر بِمن مَعَه ثمَّ حملُوا حَملَة رجل وَاحِد على عَسْكَر هَذَا فكسروه وَسَار اسكندر خَلفهم فتبعوا صَاحب التَّرْجَمَة فَرمى بِنَفسِهِ إِلَى خَنْدَق القلعة ليفوز بمهجته وَعَلِيهِ آلَة الْحَرْب فَوَقع على حجر فشدخ دماغه ثمَّ حمل وعلق إِلَى القلعة بحبال فدام بهَا أَيَّامًا قلايل ثمَّ مَاتَ وَذَلِكَ في الْعشْر الأول من صفر سنة ٨٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَقد بلغ التسعين أَو زَاد عَلَيْهَا ودام سُلْطَانه زِيَادَة على خمسين سنة
٢٠٠ - عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن أَبى بكر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أَبى حَفْص عمر الملقب المتَوَكل على الله الهنتاتي
بِفَتْح الْهَاء ثمَّ نون بعْدهَا مثناة ثمَّ مثلهَا بعد ألف قَبيلَة من البربر وجده أَبُو حفض عمر هُوَ أحد الْعشْرَة من أَصْحَاب مُحَمَّد بن تومرث الْمَعْرُوف بالمهدي ولد تَقْرِيبًا بعد الْعشْرين وثمان مائَة بتونس وَبهَا نَشأ فِي كنف أبيه وجده وَقَرَأَ الْقُرْآن وشيئًا من الْعلم وَصَارَ إليه الْملك وَهُوَ ابْن ثَمَان عشرَة سنة فَخَالف عَلَيْهِ عَمه أَبُو الْحسن فظفر بِهِ وتمهدت لَهُ الْأُمُور وطالت أَيَّامه فإنه ولي ملك تونس وَهُوَ في تِلْكَ السن في سنة ٨٣٩ ودام فِي الْملك أَرْبعا وَخمسين سنة وَنصف سنة ودانت لَهُ الْبِلَاد والرعية وَاجْتمعَ لَهُ من الْأَمْوَال وَغَيرهَا مَا يفوق الْوَصْف وَأَنْشَأَ الأبنية الهايلة والخزانة الشرقية بِجَامِع الزَّيْتُون وَجعل بهَا كتبًا نفيسة للطلبة وَبعد صيته وطارت شهرته وهادن مُلُوك تِلْكَ الأقطار وَكَذَا مُلُوك
[ ١ / ٤١٤ ]
الافرنج وخطب لَهُ بالجزاير وتلمسان وجائته بيعَة صَاحب فاس وأثنى عَلَيْهِ غير وَاحِد مِمَّن لقِيه وَلم يزل بحالته حَتَّى مَاتَ فِي صَبِيحَة يَوْم السبت تَاسِع وَعشْرين شهر رَمَضَان سنة ٨٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة
٢٠١ - الإمام الْهَادِي عز الدَّين بن الْحسن بن الْمُؤَيد
ولد بأعلا فَللَّه بِفَتْح الْفَاء واللامين بعْدهَا بِعشر بَقينَ من شَوَّال سنة ٨٤٥ خمس وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَقَرَأَ فِي وَطنه ثمَّ رَحل إِلَى صعدة فَقَرَأَ على على بن مُوسَى الدوارى فنونا من الْعلم وَقَرَأَ أَيْضا على غَيره ثمَّ رَحل إِلَى تهَامَة فَسمع الحَدِيث على شَيْخه يحيى بن أَبى بكر العامري الْمَشْهُور مؤلف الْبَهْجَة وَغَيرهَا سمع مِنْهُ سنَن أَبى دَاوُد وَأَجَازَهُ في ساير كتب الحَدِيث وبرع فى جَمِيع الْعُلُوم وصنف وَهُوَ دون الْعشْرين فَمن مصنفاته شرح منهاج القرش في مجلدين ضخمين وَشرح الْبَحْر للامام الْمهْدي بلغ فِيهِ إِلَى كتاب الْحَج وَهُوَ شرح مُفِيد سلك فِيهِ طَريقَة الإنصاف وَهُوَ يدل على تبحّره فِي عدَّة عُلُوم وَله فتاوى مَجْمُوعَة فِي مُجَلد ضخم مفيدة وَمن جملَة شُيُوخه الإمام مُحَمَّد بن علي الوشلي فإنه لَازمه في الْحَضَر وَالسّفر ثمَّ لما كمل فِي جَمِيع الْعُلُوم دَعَا النَّاس إِلَى مبايعته فَبَايعُوهُ فى تَاسِع شَوَّال سنة ٨٧٩ تسع وَسبعين وثمان مائَة وَكَانَت الدعْوَة بوطنه هِجْرَة فَللَّه وَدخل تَحت طَاعَته بِلَاد السودة وكحلان والشرفين والبلاد الشامية وعلماء ساير محلات الزيدية قد بَايعُوهُ وإن لم يجبهُ جَمِيع أَهلهَا وَهُوَ من أكَابِر أَئِمَّة الْآل في الْعلم وَالْعَمَل وَالْكَرم وساير الْخِصَال الشَّرِيفَة وَله شغف بِالْعلمِ عَظِيم ولديه من التَّسْلِيم للحق وَاتِّبَاع الدَّلِيل مالم يكن لغيره حَتَّى رَأَيْته قد حرر بحثًا فى مسئلة انحصار الامامة فى بعض بطُون قُرَيْش
[ ١ / ٤١٥ ]
وَتكلم بِالصَّوَابِ مَعَ كَونه إِذْ ذَاك إِمَامًا واستمرت إمامته إِلَى أَن مَاتَ فِي شهر رَجَب سنة ٩٠٠ تِسْعمائَة وَمُدَّة خِلَافَته إحدى وَعِشْرُونَ سنة
٢٠٢ - السَّيِّد علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن احْمَد بن عَامر الشَّهِيد
الْمُتَقَدّم ذكره ولد بشهارة سنة ١١٤٣ ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَقيل سنة ١١٣٩ وَقَرَأَ بهَا على أهل الْعلم هُنَالك ثمَّ ارتحل إلى كوكبان وَقَرَأَ على من بِهِ من الْعلمَاء كالسيّد عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ثمَّ ارتحل إلى صنعاء وَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد بن اسحق وَغَيره كالقاضي احْمَد بن صَالح بن أبي الرِّجَال وَاسْتقر بهَا وَتزَوج وَكَانَ إِمَامًا في جَمِيع الْعُلُوم محققًا لكل فن ذَا سكينَة ووقار قلّ أَن يُوجد لَهُ نَظِير فِي ذَلِك كَانَ إذا اجْتمع بِأَهْل الْعلم وَجَرت المباحثة فِي فن من فنون الْعلم لَا يتَكَلَّم قط بل ينظر إليهم ساكتًا فيرجعون إليه بعد ذَلِك فيتكلم بِكَلَام يقبله الْجَمِيع ويقنع بِهِ كل سامع وَكَانَ هَذَا دأبه على مُرُور الْأَيَّام لَا يَعْتَرِيه الطيش والخفة في شئ كَائِنا مَا كَانَ وَلَا يُوجد لَهُ عَدو قطّ لحفظ لِسَانه والتفاته الى مَا يعنيه وَعدم اشْتِغَاله بِمَا لَا يعنيه مَعَ كَونه غير مُتَعَلق بالمناصب الدُّنْيَوِيَّة الَّتِى هي منشأ الْعَدَاوَة إما لحسد أَو لغيرة فَلهَذَا كَانَ الثَّنَاء عَلَيْهِ كلمة إجماع وَالِاعْتِرَاف بفضله لَيْسَ فِيهِ نزاع وَكَانَ يسْلك هَذَا المسلك مَعَ أَهله وَأَوْلَاده فإنهم إذا وَقع لَهُم السَّهْو عَن شئ مِمَّا يحْتَاج إليه من طَعَام أَو شراب أَو نَحْوهمَا لم يَقع مِنْهُ الطلب لذَلِك مِنْهُم فضلًا عَن أَن يتجرد عَلَيْهِم ويلومهم وَلَقَد أخبرني أَنه خرج يَوْمًا مَعَ جَنَازَة وَقت الْغَدَاء وَمَا رَجَعَ إِلَّا قبل الظّهْر فَظن أَهله أَنه قد تغدى لِأَنَّهُ كَانَ كثير الضيافات عِنْد معارفه
[ ١ / ٤١٦ ]
فوصل الى مَكَانَهُ وَاسْتمرّ جَالِسا الى وَقت الْعشَاء لم يطْلب مِنْهُم شَيْئا وَمثل هَذَا عَجِيب وأخبرني أَنه دخل لَيْلَة منزله ووقف فِي الْمَكَان الذى يأوى اليه وَلم يشْعر أَهله بذلك فبقى إِلَى مِقْدَار نصف اللَّيْل في ظلمَة بِلَا مِصْبَاح وَلَا قهوة وَلَا غير ذَلِك مِمَّا يحْتَاج اليه في السمر مَعَ أَنه كَانَ محبًا للسمر وإذا كَانَت هَذِه مُعَامَلَته لأَهله فَمَا ظَنك بمعاملته لغَيرهم وَلَا أعلم أَنه غضب قط أَو خَاصم فى شئ مُنْذُ عَرفته الى أَن مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ نَظِير في حفظ الْأَشْعَار لأهل الْجَاهِلِيَّة والإسلام وَحفظ الْأَخْبَار الَّتِى لَا يدرى بشئ مِنْهَا غَالب أهل الْعَصْر وَمَعَ هَذَا فإنه يحضر مَوَاقِف الِاجْتِمَاع فيتحدث متحدث بِخَبَر من الأخبار فيزيد وَينْقص ويغلط ويصحف ويحرف وَهُوَ مصغ اليه مقبل عَلَيْهِ كَأَن لَا يعرف من ذَلِك شَيْئا فإذا فرغ ذَلِك المتحدث من حَدِيثه استحسنه صَاحب التَّرْجَمَة وَسكت وَلَا يسْتَدرك عَلَيْهِ فى شئ مَعَ أَنه يعلم بتفصيل ذَلِك الْخَبَر وَصَحِيحه وفاسده اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يسْأَله سَائل عَن تِلْكَ الْحِكَايَة أَو يسترشد مِنْهُ الحاكي فإنه حِينَئِذٍ يُمْلِيهَا بِعِبَارَة عذبة ويصوغها بِأَلْفَاظ فصيحة واذا كَانَت مُشْتَمِلَة على شئ من الشّعْر ذكره لَا يُغَادر مِنْهُ شَيْئا حَتَّى يخجل حاكي تِلْكَ الْقَضِيَّة ويندم على اقدامه وَهَكَذَا اذا روى اُحْدُ من هُوَ بِحَضْرَتِهِ شَيْئا من الشّعْر أصغى اليه وَقد لَا يدري ذَلِك الرَّاوِي لمن الشّعْر وَقد يصحّف في بعضه وَقد لَا يحفظ إِلَّا شَيْئا يَسِيرا من القصيدة وَصَاحب التَّرْجَمَة سَاكِت لَا يتَكَلَّم فإذا سَأَلَهُ سَائل عَن ذَلِك روى تِلْكَ القصيدة من أَولهَا إلى آخرهَا وَذكر السَّبَب الذي قيلت لأَجله وَترْجم لقائلها تَرْجَمَة لَا يدع من أَحْوَاله شَيْئا وَقل أَن يجرى بِحَضْرَتِهِ شئ لَا يعرفهُ وَهُوَ قَلِيل التَّكَلُّف مائل إلى الخمول لَيْسَ لَهُ
[ ١ / ٤١٧ ]
رَغْبَة فِي الظُّهُور وَلَا يتَكَلَّم في مَسْأَلَة إِلَّا وَهُوَ على قدم راسخة والارجع الى الْبَحْث بل كثيرا مَا يرجع الى الْبَحْث وان كَانَ يعلم بالمسئلة فإني سَمِعت مِنْهُ صَحِيح البخاري من أوله الى آخِره بِلَا فَوت فَكَانَت تعرض مباحثات حَال الْقِرَاءَة فَيسمع السُّؤَال ثمَّ يصمت وَيَأْخُذ الشُّرُوح فَينْظر فِيهَا فإن وجد مَا يُفِيد أملاه وَإِن لم يجد تكلم من عِنْد نَفسه بِكَلَام في غَايَة الْحسن والافادة وَمِمَّا كتبته اليه فى أَيَّام قرائتى عَلَيْهِ هَذَانِ البيتان وَفِيهِمَا طرد عَجِيب
(إمام البهاليل الأولى سبقوا إلى سَمَاء المعالي آمرًا بعد آمُر)
(علي بن إبراهيم بن علي ب ن إبراهيم بن أَحْمد بن عَامر)
وَقد أَخذ عَنهُ الطّلبَة في فنون مُتعَدِّدَة وَكَانُوا يقصدونه في الْغَالِب إلى بَيته وَكَانَ للعصر بِهِ جمال وللعلم وَأَهله بِهِ أنس وَله في الشّعْر يَد طولى وقصائده الطنانة مَوْجُودَة بأيدي النَّاس فَمن شَعْرَة في وصف البنادق من جملَة قصيدة
(فواغر أَفْوَاه الثعابين كلما نفخن قتاما تستطار مشاعل)
(حكى شكلها الْحَيَّات لَكِن صفيرها زئير وفي الأحشاء مِنْهَا الغوائل)
(كراسيها أذنابها وعيونها وَرَاء وَلَا يخفى عَلَيْهَا الْمقَاتل)
ولولم يكن لَهُ إلا هَذِه الأبيات لكفته فإنها غَايَة لَا تدْرك وهي تدل على مَا أولاها من أدبه الغض وَمن قصائده الطنانة هَذِه القصيدة
(خلس اللحظ تذيب المهجا فبها الدمع يرى ممنزجا)
(اتسم لحظك في مرعى الْهوى فيلاقي الْقلب مِنْهُ حرجا)
(راشقات وَتسَمى نظرًا بِنِبَالٍ وَتسَمى دعجا)
[ ١ / ٤١٨ ]
(لم تُؤثر فيّ سوى أَفْئِدَة وهي فِيهِنَّ تبين الشخجا)
(كَانَ عهدي قبلهَا أَن النهى للتصابى مَانع أَن يلجا)
(يَا خليلى أَرَاهَا مِنْكُمَا ظلة بالسفح ان لم تعجا)
(وإذا ظللتماه فانشقا من شميم الدَّار عرفا ارجا)
(انما عتد من عمري بِمَا كنت فِيهِ بالصبا مبتهجا)
(يمْلَأ التهويم عينيّ وَلم يَك قلبي بالهوى منزعجا)
(كم سرقنا باللوى في غَفلَة من عوادى الدَّهْر غيثا سجسجا)
(ترقص الاغصان فِيهِ طَربا وَعَلِيهِ الطير تشدو هزجا)
(ودجى قد ألف الشمل إلى أَن فرى الصُّبْح لأفق ودجا)
(وليالي بالتداني لُؤْلُؤ قد أُعِيدَت بالتنائي سبجا)
(اذ يلف الْحبّ مشتاقى هوى وعفاف بالغرام امتزجا)
(لم يشقني ظلّ أفنان الْحمى انما اشتاق بَدْرًا غنجا)
(حركات الْحسن في أعطافه يستميل اللب عَن أهل الحجا)
(آه من عين بِهِ دامية وهي في الدمع تخوض اللججا)
(كلما لَام عَلَيْهِ عاذل وجد المسمع بَابا مرتجا)
(لَا سمت بي عقوة من هَاشم وبخال بالمعالى وشجا)
(ان أخافتني القنا من دونه بعواليها حُسَيْنًا سرجا)
(لأقيمن على رغم النَّوَى منسم الْحبّ واعلو الثبجا)
(أَتَرَى آساده فِي وَهن من سهاد ظلّ فِيهِ مدلجا)
(آه من عسجد شعر صغته وَأرَاهُ فِي الْهوى قد سمجا)
[ ١ / ٤١٩ ]
(لَو رأى قَيْصر مِنْهُ مَا رَأَوْا صاغ مِنْهُ لملوك دملجا)
وَلم يشْتَغل رَحْمَة الله بالتأليف مَعَ أَنه أهل لَهُ وَلَو وَجه نَفسه اليه لجاء بِمَا بعجز عَنهُ غَيره وَلَعَلَّ السَّبَب فِي ذَلِك محبته للخمول حَيا وَمَيتًا وَكتب من نفايس الْكتب بِخَطِّهِ شَيْئا كثيرًا وَكنت اعْجَبْ من سرعَة مَا يتَحَصَّل لَهُ من ذَلِك مَعَ شغلته بالتدريس فَسَأَلته بعض الْأَيَّام عَن هَذَا فَقَالَ إنه لَا يتْرك النسخ يَوْمًا وَاحِدًا وإذا عرض مَا يمْنَع فعل من النسخ شَيْئا يَسِيرا وَلَو سطرًا أَو سطرين فلزمت قَاعِدَته هَذِه فَرَأَيْت في ذَلِك مَنْفَعَة عَظِيمَة وَكَانَ لَهُ ﵀ ميل إلى السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن اسحق وَخرج مَعَه من صنعاء إلى وصاب أَيَّام وُقُوع الْحَرْب بَينه وَبَين الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وانتفع بِصُحْبَتِهِ وَكَانَ يُعينهُ على أمور دُنْيَاهُ وَكَانَ لَهُ لطايف وظرائف وكلمات مستحسنة مِنْهَا أنه كَانَ بعض أَبنَاء الأكابر يتَّصل بِهِ وَيقْرَأ عَلَيْهِ ويديم الْجُلُوس مَعَه وَهُوَ فائق الْجمال بديع الْأَوْصَاف فَتزَوج وَانْقطع عَنهُ فَقيل لَهُ فى ذَلِك فَقَالَ انْصَرف ندمان لوُجُود ندماته فتمت لَهُ الإشارة إلى الْوَاقِع مَعَ مُرَاعَاة التَّوْجِيه بالقاعدة النحوية على أحسن أسلوب وَلم يزل ﵀ مستمرًا على حَاله الْجَمِيل حَتَّى توفاه الله في الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة ١٢٠٧ سبع وَمِائَتَيْنِ وَألف ورثيته بقصيدة مطْلعهَا
(هَب أَن بدر الْأُفق يَوْمًا يأفل أوأنه يهوى السماك الأعزل)
٢٠٣ - السَّيِّد علي بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن إسماعيل بن صَلَاح الْأَمِير
حفيد السَّيِّد مُحَمَّد صَاحب التصانيف الآتي إنشاء الله ولد شهر الْقعدَة سنة ١١٧١ إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ في الْعَرَبيَّة والْحَدِيث
[ ١ / ٤٢٠ ]
واستفاد في أسْرع مُدَّة مَعَ أَنه لم يشْتَغل كثيرًا وَلكنه مفرط الذكاء سريع الْفَهم قوي الإدراك جيد الفطنة يتوقد ذكاء فصيح الْعبارَة فايق النظم والنثر وَله مصنفات مِنْهَا السِّرّ المصون في نكتة الإظهار والإضمار في أَكثر النَّاس وَأَكْثَرهم لَا يعلمُونَ ورسالة فِي تَحْرِيم تحلية السِّلَاح بِالذَّهَب وتأنيس أَرْبَاب الصَّفَا في مولد الْمُصْطَفى وَكتاب النفحات الربانية واللمحات الرحمانية فى احراز ذخاير الصلات بابراز ضماير الصَّلَوَات وَالْفَتْح الالاهى بتبيه اللاهي وَكلهَا حَسَنَة وَحج مَرَّات وَتردد مَا بَين صنعاء وَمَكَّة وَمَال إِلَى الْأَدَب ونظم القصايد الطنانة والمقاطيع الْحَسَنَة وَأكْثر من ذَلِك واشتهرت أشعاره وطارت فِي الأقطار اليمنية واشتغل بهَا النَّاس وكتبوها وحفظوها وَكَانَ يكثر من مطارحة الأدباء ومجالستهم ومجاذبتهم للطايف وفنونن الْأَدَب ثمَّ انجمع وَترك الشّعْر والتفت إلى الْعِبَادَة والأذكار والوعظ وَتَعْلِيم الْعَامَّة أُمُور الدَّين فعقد مجَالِس بِجَامِع صنعاء وَبِغَيْرِهِ من مساجدها وبجامع الرَّوْضَة وَكَانَ يجْتَمع عَلَيْهِ جمع جم وَرغب النَّاس إليه وَأَقْبلُوا على وعظه وَكَانَ ينحدر عِنْد مَا يتَكَلَّم عَن النَّاس من أول الْمجْلس إلى آخره لَا يتلعثم في عبارَة وَلَا يتَرَدَّد فِي لفظ كَأَنَّهُ يملي من كتاب ويستطرد الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة ويسرد من ذَلِك شَيْئا كثيرًا بِعِبَارَة حَسَنَة ومسالك مستحسنة وَجمع مجاميع حَسَنَة مِنْهَا رِسَالَة فِي تَفْسِير أَلْفَاظ الْأَذَان وَأُخْرَى في تَحْرِيم التحلي بِالذَّهَب وَله من ذَلِك أَشْيَاء نفيسة وَله فصاحة وبراعة وَقُوَّة نفس وعفة وإنكار للْمُنكر بِمَا يستطيعه وتبلغ إليه قدرته وَكَثِيرًا مَا يصل إليّ إِذا حدث شئ من ذَلِك وَلَا يزَال حَتَّى أساعده على الْقيام في دفع ذَلِك
[ ١ / ٤٢١ ]
الْحَادِث وأحواله كلهَا حَسَنَة وَله في الذب عَن الْغَيْبَة والنميمة غَايَة كَامِلَة لَا يدع أحدا يذكر بِسوء في مَجْلِسه وَله أذكار وصبر على تَعْلِيم الْعَامَّة مَا يهمم من امْر دينهم وَهُوَ الان مُسْتَمر على هَذِه الْأَحْوَال الجميلة وَلِلنَّاسِ بِهِ انْتِفَاع كثير وَمَعَ هَذَا فَلم يسلم من المنافسة لَهُ وَالْمُبَالغَة في الْحَط عَلَيْهِ والتظهر بثلبه وَهُوَ صابر محتسب وَقد كتب الى أبياتا بعد تَركه لنظم الشّعْر وهي
(طبل شيطاني ومزمار الْهوى ضربا وَالنَّفس باتت ترقص)
(ورياض الْقلب قد أهملها عدم التَّقْوَى فباتت تنقص)
(أعرب اللَّفْظ بقرآني وَكم ألحن الْمَعْنى فَهَل لي مخلص)
(يالقومى لم أجد محتسبًا فَاضلا عَن منكراتي يفحص)
(فَعَسَى ربى بجاه الْمُصْطَفى يذهب الدافتزول الْغصَص)
فأجبته عَنهُ بقولي
(قد شققت الطبل والمزمارما مثلك الْيَوْم لزمر يرقص)
(وكذاك النَّفس قد ألجمتها بلجام الزّهْد وَهُوَ المخلص)
(أنت لَا تفحص عَن عيب امرء تبّ من ظل لعيب يفحص)
(فرض النَّفس إِذا زَاد الْهوى فَهُوَ إِن مَا رضتها ينتقص)
(يالحا الله أناسًا كلما لَاحَ للأطماع برق بصبصوا)
(وإذا نَالَ الْفَتى مكرمَة كَانَ من ذَاك لديهم غصص)
وَهُوَ الْآن مَا بَين الأربعين وَالْخمسين من عمره دَامَت فوايده ثمَّ مَاتَ ﵀ فى شهر ذي الْحجَّة سنة ١٢١٩ تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف ووالد المترجم لَهُ هُوَ من أَعْيَان الْعلمَاء وأكابر الْفُضَلَاء جَامع بَين الشَّرِيعَة
[ ١ / ٤٢٢ ]
والطريقة عَارِف بفنون من الْعلم لَا سِيمَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَله في التصوف والتسليك يَد طولى قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره وأقرأ فى جَامع صنعاء في صَحِيح البخاري وَغَيره وَله فِي الْوَعْظ يَد طولى وَقد قعد لذَلِك في مَوَاطِن فَانْتَفع بِهِ النَّاس ثمَّ رَحل إِلَى مَكَّة واستوطنها بِسَبَب أُمُور جرت لَهُ مُشْتَمِلَة على امتحانات وَهُوَ الْآن مُقيم هُنَالك وَقد رعب عَن الرُّجُوع إِلَى الْيمن وَهُوَ وافر الجاه عِنْد أَهلهَا عَظِيم الْحُرْمَة رفيع الدرجَة وَصَارَ هُنَالك مأوى لمن دخل مَكَّة لِلْحَجِّ من أَعْيَان أهل الْيمن وَقد كتب إِلَى كتابًا يتَضَمَّن المعاهدة وَلم يكن قد عرفني قبل ارتحاله إِلَى هُنَالك لأني كنت إِذْ ذَاك في أَيَّام الصغر وَأَنا رَأَيْته مرة وَاحِدَة يصلي بِالنَّاسِ في بعض الْمَسَاجِد بِصَنْعَاء فَسمِعت قِرَاءَة فايقة بِصَوْت مطرب مَعَ هَيْئَة جميلَة وَشَيْبَة منورة وَله مصنفات فى الْوَعْظ والرقايق والتصوف وَهُوَ مشحونة بالفصاحة والبلاغة وَهُوَ كَانَ يسْتَحق إفراده بترجمة وَلَكِن اكتفيت بِذكرِهِ هَهُنَا وَمَات ثاني عشر شَوَّال سنة ١٢١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف ومولده سنة ١١٤١ إحدى وَأَرْبَعين وَمِائَة وألف وَمن مصنفاته الْفلك المشحون شرح أسماء من يَقُول للشئ كن فَيكون وَشرح للأربعين الجوهرية وَله تَفْسِير غَرِيب الأسلوب سَمَّاهُ مَفَاتِيح الرضْوَان في تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ كتب مِنْهُ مجلدًا ضخمًا وَجمع مجموعًا في تَرْجَمَة وَالِده ذكر فِيهِ مؤلفاته وشيوخه وتلامذته وَقد وقفت على جَمِيع ذَلِك وَولده يُوسُف بن إبراهيم سَاكن عِنْده هُنَالك وَهُوَ من المشتغلين بِالْعلمِ والزهد وسلوك طَرِيق الْخَيْر وَالْعِبَادَة والاشتغال بِأَمْر الْآخِرَة وَله في الْأَدَب مسرح قوي وَهُوَ أَصْغَر من أَخِيه على المترجم لَهُ وَقد خرج
[ ١ / ٤٢٣ ]
إِلَى صنعاء وَسمعت تِلَاوَته وهى تِلَاوَة فايقة بنغمات رايقة ورايته يقْرَأ على عَمه عبد الله بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره في مدرسة الإمام شرف الدَّين بِصَنْعَاء في صَحِيح البخاري
٢٠٤ - عليّ بن أَحْمد بن رَاجِح بن سعيد
وَزِير الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم كَانَ من محَاسِن الدَّهْر فى الْكَرم والرياسة والكياسة وَله ولأخيه محسن بن أَحْمد رَاجِح قصَص في الْكَرم يتناقلها النَّاس إلى الْآن ويضربون بهَا الامثال ولشعراء عصرهما فيهمَا غرر الممادح وَكَانَا مستوليين على الْمَنْصُور بِاللَّه لَا يعْمل الا بماقالاه وَلَا سِيمَا صَاحب التَّرْجَمَة فَهُوَ الْوَزير الأعظم الذي لَا يَقع فى المملكة شئ إلا بإذنه ومفاوضته وَاسْتمرّ كَذَلِك مُدَّة خلَافَة الْمَنْصُور وَكَانَ ملازمًا لَهُ قبل الْخلَافَة وَلما مَاتَ الْمَنْصُور وَقَامَ بعده الإمام المهدي نكب صَاحب التَّرْجَمَة وأخاه الْمَذْكُورين وَأخذ من أموالهما شَيْئا كثيرًا فأما صَاحب التَّرْجَمَة فَمَاتَ بعد ذَلِك بأيام يسيرَة في سنة ١١٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فبقي لوَرثَته دنيا وَاسِعَة ووقف ثلث تركته على الْعلمَاء والمحاويج وَهُوَ جُمْهُور وَاسع وَصَارَت الْآن صَدَقَة جَارِيَة على الْمُسْتَحقّين يحصل
[ ١ / ٤٢٤ ]
مِنْهَا فِي كل عَام شئ وَاسع وَأما أَخُوهُ فَتَأَخر مَوته إلى سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وألف
٢٠٥ - عليّ بن أَحْمد بن سعيد بن مُحَمَّد بن سعيد بن الأثير الحلبي الأصل المصري
ولد في حُدُود الثَّمَانِينَ وسِتمِائَة وتعانى الخدم الديوانية وَكَانَ أَبوهُ من الأعيان الموقعين وباشر الدِّيوَان وَكتب الإنشاء فَلَمَّا توجه النَّاصِر إلى الكرك توجه صحبته ووعده بِكِتَابَة السِّرّ فَلَمَّا قدم النَّاصِر الْقَاهِرَة قدم لَهُ عَلَاء الدَّين حلوى بِمِائَة وَعشْرين درهما وَبَاعَ لأجل شِرَائهَا بعض مَتَاعه فَلَمَّا وصلت الْهَدِيَّة إلى النَّاصِر تذكره وَقَالَ لدويداره اكْتُبْ إلى محيي الدَّين ابْن فضل الله يكْتب إلى أَخِيه شهَاب الدَّين دستور إلى الشَّام فإني اسْتَحى أن أواجهه بذلك فَكتب محيى الدَّين الى أَخِيه فل يلْتَفت اليه فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك لم يجد بدًا أَن يفصح لَهُ بالأمر فرسم لَهُ أَن يَسْتَقِيم في كِتَابَة السِّرّ بِدِمَشْق عوضًا عَن أَخِيه فَخرج من الْقَاهِرَة إلى دمشق وَاسْتقر صَاحب التَّرْجَمَة مَكَانَهُ فَعَظمهُ السُّلْطَان وأكرمه ونوه بِقَدرِهِ وَبلغ عِنْده مَا لم يبلغهُ غَيره حَتَّى كَانَ يَأْمُرهُ أَن يكْتب إلى نواب الشَّام بأشياء يأمرهم بهَا عَن نَفسه فَعظم قدره جدًا وباشر الْوَظِيفَة مُبَاشرَة جَيِّدَة وَكَانَ يركب في سِتَّة عشر مَمْلُوكا من الأتراك كل وَاحِد مِنْهُ قِيمَته أَكثر من خَمْسمِائَة دِينَار وكانو يقومُونَ بالديوان سماطين وَلَا يتَكَلَّم مَعَ اُحْدُ مِنْهُم إلا بالتركية وهم يترجمون عَنهُ للنَّاس وَكَانَ يكْتب خطًا قَوِيا مَنْسُوبا وَله اقتدار على إصلاح اللَّفْظَة وإبرازها من صُورَة إلى صُورَة وَمَا كَانَ يخرج من الدِّيوَان كتاب حَتَّى يتأمله وَلَا بُد أَن يزِيد فِيهِ شَيْئا وَقد مدحه شعراء عصره
[ ١ / ٤٢٥ ]
كالشهاب مَحْمُود وَابْن نباته وَغَيرهمَا وَلم يزل فِي سعادته الى أَن حصل لَهُ مبادئ فالج ثمَّ تزايد بِهِ وَظهر ذَلِك للسُّلْطَان فَصَبر عَلَيْهِ الى أَن أَرَادَ يَوْمًا أَن يقوم من بَين يَدَيْهِ فَسَقَطت الدواة من يَده فتألم لَهُ السُّلْطَان وَقَالَ للدويدار اكْتُبْ إلى نَائِب الشَّام فليجهز لنا القاضي محيي الدَّين بن فضل الله وَأرْسل عَلَاء الدَّين أَن ينزل إلى بَيته فتغافل عَن ذَلِك وَلزِمَ الدِّيوَان مَرِيضا إلى أَن وصل محيي الدَّين فَحَضَرَ إليه الدويدار وَقَالَ لَهُ انْزِلْ بَيْتك فقد وصل صَاحب الْوَظِيفَة فَنزل فِي أَوَائِل الْمحرم وعالجه الاطباء فَلم ينجع بل تزايد إلى أَن صَار لَا يَتَحَرَّك مِنْهُ شئ أصلًا إلا جفونه فَكَانَ إذا أَرَادَ شَيْئا قَرَأَ لَهُ خادمه حُرُوف المعجم فإذا مر بِحرف هُوَ أول الْكَلِمَة أطبق جفْنه ثمَّ يعود إلى أَن يتَحَصَّل لَهُ كلمة بعد كلمة فَيعرف مِنْهَا مُرَاده وَلم يطلّ ذَلِك بل مَاتَ في منتصف الْمحرم سنة ٧٣٠ ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة قَالَ ابْن حبيب ماجد سَاد عصره بِوُجُودِهِ على الأعصار وَكَانَ يتلطف لذوي الْحَاجَات وَيفتح لَهُم أَبْوَاب الْخَيْر وَمن مدح ابْن نباتة فِيهِ
(لَا عدمنا لِابْنِ الأثير يراعا جَارِيا للعباد بالأرزاق)
(كلما مَاس فِي المهارق كالغص ن رَأَيْت الندى على الأوراق
٢٠٦ - علي بن أَحْمد هَاجر الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٨٠ ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ فِي الْعُلُوم الآلية قِرَاءَة متقنة وفهمها فهمًا جيدًا وفَاق كثيرًا من الطّلبَة في فهم الدقائق والنكات اللطيفة وَله قِرَاءَة عليّ فِي علم الْمنطق فِي مُدَّة سَابِقَة وَهُوَ يفهمهُ فهمًا بديعًا ويتقنه إتقانًا عجيبًا وَله قِرَاءَة عليّ أَيْضا فِي الْكَشَّاف والمطول وفي شرحي على الْمُنْتَقى وَفِي كثير من كتب السّنة وَهُوَ قوي الْفَهم جيد
[ ١ / ٤٢٦ ]
الإدراك صَحِيح التَّصَوُّر قل أَن يُوجد نَظِيره مَعَ صلابة فِي الدَّين واشتغال بِخَاصَّة النَّفس وَصدق لهجة وَهُوَ الْآن من محَاسِن المشتغلين بِالْعلمِ في هَذَا الْعَصْر
٢٠٧ - السَّيِّد علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف أوقبلها بِيَسِير وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على وَالِده وَغَيره من أَعْيَان وبرع فِي عُلُوم عدَّة لَا سِيمَا علم الْأَدَب فان لَهُ فِيهِ يدًا طولى ونظمه كثير جدًا مَوْجُود بأيدي النَّاس وَكثير مِنْهُ فِي مدح أَمِير الْمُؤمنِينَ علي بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه وَلما مَاتَ وَالِده وَكَانَ المتولي لأمور آل إسحق قَامَ وَلَده هَذَا مقَامه وَصَارَ لَهُ جلال وسياسة ضخمة وَظهر من كرمه مَا هُوَ ظَاهر مَشْهُور وَكَانَ موقفه محفوفًا بأعيان الْعلمَاء والأدباء معمورًا بالمسائل العلمية واللطائف الأدبية وَاسْتمرّ على ذَلِك أَيَّامًا ثمَّ فر من صنعاء في اللَّيْل مغاضبًا لخليفة الْعَصْر مَوْلَانَا الْمَنْصُور بِاللَّه على بن الْعَبَّاس حفظه الله وَاسْتقر بِبِلَاد أرحب وَقَامَ بنصره أهل تِلْكَ الْجِهَة فارتجت الديار اليمنية لذَلِك ثمَّ أن الْخَلِيفَة حفظه الله بعث أَمِيرا من أمرائه وَهُوَ الْأَمِير سرُور الْمَنْصُور لمناحرة صَاحب التَّرْجَمَة فَوَقَعت بَينهمَا حروب وَآخر الْأَمر وَقع صلح على أَن يبْقى هُنَالك بِجَيْش وينوب عَنهُ فى تولى أُمُور آل إسحق آخر وَيصير إليه مَا كَانَ لَهُ ثمَّ انْتقض ذَلِك وَاتفقَ خُرُوج بعض أهل البغي من برط على الْبِلَاد الأمامية فَخرج صَاحب التَّرْجَمَة مَعَهم وَكَانَ يتألم لما يصدر مِنْهُم من
[ ١ / ٤٢٧ ]
سفك الدِّمَاء وهتك الْحرم ووصلوا أَولا إلى حِدة النزهة الَّتِى قريب صنعاء واستقروا أَيَّامًا فَخرج اليه الْخَلِيفَة حفظه الله وَتَقَدَّمت ظائفة من جُنُوده فيهم وَلَده مَوْلَانَا صفي الإسلام احْمَد بن الإمام حمى الله وَوَقعت حروب شَدِيدَة انجلت عَن قتل الفقيه عبد الله بن احْمَد النهمي وَكَانَ اُحْدُ الوزراء وَعَن قتل الْأَمِير ناجي وَجَمَاعَة من الْجند وَظَهَرت من مَوْلَانَا الصفي شجاعة وبراعة وَكثر الثَّنَاء عَلَيْهِ ثمَّ عزم ذَلِك الْجَيْش وَفِيهِمْ صَاحب التَّرْجَمَة إلى الْيمن الْأَسْفَل وَجرى الصُّلْح مَا بَينه وَبَين الْخَلِيفَة حفظه الله على يَد الْوَزير الْحسن بن علي حَنش الْمُتَقَدّم ذكره فوصل صَاحب التَّرْجَمَة إلى صنعاء وَاسْتقر ببيته موسعًا عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج اليه وإما تَوْلِيَة أُمُور آل اسحق فقد صَارَت إلى عَمه الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إسحاق وَاسْتمرّ على ذَلِك أَيَّامًا يفد إليه الْعلمَاء والفضلاء ويطارح الأدباء واستأذن بِأَن يسكن في الرَّوْضَة فَأذن لَهُ ثمَّ بعد ذَلِك جرت أُمُور الله اعْلَم بِصِحَّتِهَا فأودعه الْخَلِيفَة حفظه الله السجْن وَهُوَ إلى حَالَة تَحْرِير هَذِه الأحرف شهر شَوَّال سنة ١٢١٣ بَاقٍ كَذَلِك فرج الله عَنهُ وَله من حسن الْخلق ولطف الطَّبْع وكرم الشيم والمحبة لأهل الْعلم وَالْفضل وفصاحة اللِّسَان وَقُوَّة الْحِفْظ وَسُرْعَة الادراك مَالا يعبر عَنهُ بِوَصْف ثمَّ أطلق وَتوفى في سنة ١٢٢٠ عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
٢٠٨ - السَّيِّد علي بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن مَعْصُوم
قد تقدمت تَرْجَمَة وَالِده وَولد هَذَا في الْمَدِينَة وَدخل بِلَاد الْهِنْد وَله مؤلفات مِنْهَا سلافة الْعَصْر ترْجم فِيهَا لأدباء الْمِائَة الْحَادِيَة عشرَة وَلم
[ ١ / ٤٢٨ ]
أَقف عَلَيْهِ وَله البديعية الموسومة بِتَقْدِيم علي عَارض بِهَذِهِ التَّسْمِيَة بديعية أَبى بكر بن حجَّة لِأَنَّهُ سَمَّاهَا تَقْدِيم أَبى بكر وكل وَاحِد تمت لَهُ التورية في التَّسْمِيَة وَله نظم حسن
(مِنْهُ لَيْسَ احمرار لحاظه من عِلّة لَكِن دم الْقَتْلَى على الأسياف)
(قَالُوا تشابه طرفه وبنانه وَمن البديع تشابه الْأَطْرَاف)
وَله
(بدا بَدْرًا ولاح لنا هلالًا وأشرق كوكبًا واهتزّ غصنا)
(وثنى قده الْحسن ارتياحًا فهام الْقلب بالْحسنِ الْمثنى)
وَهُوَ إمامي الْمَذْهَب وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته
[ ١ / ٤٢٩ ]
٢٠٩ - علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقّب عَلَاء الدَّين الحنفي الرومي
قَرَأَ في صغره على حَمْزَة القرمانى وَحفظ مُخْتَصر القدورى ثمَّ أَنى قسطنطينية وَقَرَأَ على الملا خسرو وعَلى مصلح الدَّين بن حسام الدَّين الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والشرعية ثمَّ صَار معيدًا لدرسه ثمَّ تزوج بابنته وَحصل لَهُ مِنْهُمَا أَوْلَاد اعطاه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ملك الرّوم الْمدرسَة الحجرية وَعين لَهُ كل يَوْم ثَلَاثِينَ درهمًا وأعطاه خَمْسَة آلاف دِرْهَم وَلما صَار مُحَمَّد باشا القرماني وزيرًا للسُّلْطَان نَقله من تِلْكَ الْمدرسَة إلى مدرسة أُخْرَى وَنقص من تَقْرِيره اليومي خَمْسَة دَرَاهِم فاشمأز صَاحب التَّرْجَمَة وَترك التدريس واتصل بالشيخ الْعَارِف مصلح الدَّين بن الْوَفَاء ثمَّ مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَقتل الْوَزير الْمَذْكُور وَجلسَ السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة فأرسل إلى صَاحب التَّرْجَمَة الوزراء وَدعَاهُ إليه فَلم يجب ثمَّ أرسل إليه مرسومًا بتفويضه في الْفَتْوَى في بلد اماسية وَعين لَهُ كل يَوْم ثَلَاثِينَ درهمًا وَأمره أَن يدرّس بمدرسة السُّلْطَان مُرَاد الغازي بِمَدِينَة بروسا فَلم يقبل التدريس وَسَار إلى أماسيه لزيارة ابْن عَمه ثمَّ أعطَاهُ السُّلْطَان مدرسة وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهمًا ثمَّ أعطَاهُ إحدى الْمدَارِس الثمان فدرس هُنَالك مُدَّة كَثِيرَة ثمَّ توجه لِلْحَجِّ فَلم يَتَيَسَّر لَهُ تِلْكَ السنة وبقي بِمصْر وَاتفقَ أَنه توفي مفتي قسطنطينية فعينه السُّلْطَان للإفتاء بهَا وأمر من يَنُوب عَنهُ حَتَّى يعود فَلَمَّا عَاد بَاشر الإفتاء وَعين لَهُ السُّلْطَان كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَعين لَهُ مدرسة وَجعل لَهُ خمسين درهمًا فِي كل يَوْم فَصَارَ مقرره كل يَوْم مائَة وَخمسين درهمًا فحسده على ذَلِك بعض الْعلمَاء فَجمع بعض فَتَاوِيهِ وَقَالَ إنه أَخطَأ فِيهَا وأرسلها إلى ديوَان السُّلْطَان فأرسلها الوزراء إلى صَاحب التَّرْجَمَة
[ ١ / ٤٣٠ ]
فأجاب عَنْهَا ودعا على ذَلِك الْحَاسِد فَمَاتَ قبل أَن يمر عَلَيْهِ أُسْبُوع وَكَانَ كثيير التِّلَاوَة وَالْعِبَادَة مديمًا لصَلَاة الْجَمَاعَات حسن الأخلاق كريم النَّفس وَكَانَ يقْعد في علو دَاره والزنبيل مُعَلّق فَيلقى المستفتي الورقة فِيهِ ويحركه فيجذبه وبكتب جَوَابه ثمَّ يدليه إليه وإنما فعل كَذَلِك لِئَلَّا ينْتَظر النَّاس بِبَابِهِ للْفَتْوَى فَكَانَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وَاسْتمرّ على ذَلِك إلى زمَان السُّلْطَان سليم خَان فاتفق أَنه أَمر بقتل مائَة وَخمسين رجلًا من حفاظ الخزائن فَبلغ صَاحب التَّرْجَمَة فَذهب إلى ديوَان السُّلْطَان وَلم يكن من عَادَة الْمُفْتى أن يذهب إلى هُنَالك إلا لحادث عَظِيم فتحير أهل الدِّيوَان واستقبله الوزراء وأجلسوه فِي صدر الْمجْلس ثمَّ سَأَلُوهُ عَن سَبَب مَجِيئه فَقَالَ أُرِيد أَن ألاقي السُّلْطَان ولي مَعَه كلان فبلغوا ذَلِك فأذن لَهُ السُّلْطَان فَدخل وَسلم وَجلسَ ثمَّ قَالَ وَظِيفَة أَرْبَاب الْفَتْوَى أَن يحفظوا آخِرَة السُّلْطَان وَقد سَمِعت أَنَّك قد أمرت بقتل مائَة وَخمسين رجلًا لَا يجوز قَتلهمْ شرعًا فَغَضب السُّلْطَان وَقَالَ إنك تتعرض لأمر السلطنة وَلَيْسَ ذَلِك من وظيفتك فَقَالَ بل أتعرض الْأَمر آخرتك وَأَنه من وظيفتي فإن عَفَوْت فلك النجَاة وإلا كَانَت عَلَيْك الْعقُوبَة الْعَظِيمَة فَانْكَسَرت عِنْد ذَلِك سُورَة السُّلْطَان وَعَفا عَن الْكل فَقَالَ تَكَلَّمت في أخرتك وبقي لي كَلَام يتَعَلَّق بالمروءة قَالَ السُّلْطَان مَا هُوَ قَالَ إن هَؤُلَاءِ من عبيد السُّلْطَان فَهَل يَلِيق لَهُم أَن يتكففوا النَّاس قَالَ لَا قَالَ فقررهم في منصبهم فَفعل السُّلْطَان ذَلِك ثمَّ اتفقت قَضِيَّة أُخْرَى وهي أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور سَافر الى بعض مدنه وَصَاحب التَّرْجَمَة مَعَه فاتفق أَنه رأى أربعمائة رجل في الطَّرِيق مشدودين بالحبال فَسَأَلَ عَن حَالهم فَقَالُوا
[ ١ / ٤٣١ ]
أنهم خالفوا أَمر السُّلْطَان فاشتروا الْحَرِير وَقد كَانَ منع السُّلْطَان ذَلِك فَذهب إلى السُّلْطَان وَهُوَ رَاكب فَكَلمهُ وَقَالَ لَا يحل قَتلهمْ لغضب السُّلْطَان وَقَالَ أَيهَا الْمولى مَا يحل لى قتل ثلث الْعَالم لنظام الباقي قَالَ نعم وَلَكِن إذا أدى إلى خلل عَظِيم قَالَ السُّلْطَان وأي خلل أعظم من مُخَالفَة الأمر قَالَ هَؤُلَاءِ لم يخالفوا أَمرك لأنك نصبت الْأُمَنَاء على الْحَرِير وَهَذَا إذن بطرِيق الدّلَالَة قَالَ السُّلْطَان لَيْسَ أُمُور السلطنة من وظيفتك قَالَ إنه من أُمُور الْآخِرَة وَأَن التَّعَرُّض من وظيفتي ثمَّ فَارقه وَلم يسلم عَلَيْهِ فَحصل للسُّلْطَان غضب عَظِيم حَتَّى وقف على فرسه زَمَانا كثيرًا وَالنَّاس واقفون قدامه وَخَلفه متحيرين من ذَلِك الأمر ثمَّ إن السُّلْطَان عَفا عَن الْكل ثمَّ لما وصل إلى مقْصده أرسل لصَاحب التَّرْجَمَة أَمِيرا وَقَالَ قل لَهُ إني قد أَعْطيته قَضَاء الْعَسْكَر إلى وَظِيفَة الإفتاء والتدريس لأني علمت أنه يتَكَلَّم بِالْحَقِّ فَأجَاب عَلَيْهِ مَعَ الأمير بِمَا نَصه وصل إلى كتابك سلمك الله وأبقاك تأمرني فِيهِ بِالْقضَاءِ وإني ممتثل أَمرك إلا أَن لي مَعَ الله عهدًا أَن لَا يصدر عَنى لفظ حكمت فَأَحبهُ السُّلْطَان محبَّة شَدِيدَة وَزَاد في تَعْظِيمه وَأرْسل إليه خَمْسمِائَة دِينَار فقبلها ثمَّ إنّ السُّلْطَان المتولي للسلطنة بعد سليم زَاده فِي مقرره خمسين درهمًا فَصَارَ مَجْمُوع تَقْرِيره اليومي مائتي درهمًا وَقد صنّف كتابًا جمع فِيهِ مختارات الْمسَائِل وَسَماهُ الْمُخْتَار وَمَات في سنة ٩٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة
٢١٠ - علي بن اسمعيل بن حسن بن هادي النهمي
ثمَّ الصنعاني مولده سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على علماءها كشيخنا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربى والقاضى
[ ١ / ٤٣٢ ]
الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وَغَيرهمَا وَهُوَ بارع الذكاء فايق الذِّهْن جيد الإدراك حسن الْأَخْلَاق كريم الصُّحْبَة وَله شغلة كَبِيرَة بالعلوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَقد اسْتَفَادَ بفاضل ذهنه الْوَقَّاد من غَرِيب الْمسَائِل عجايب وَله ميل إِلَى الْأَدِلَّة وَعمل بِمَا يَصح مِنْهَا وَعدم الْتِفَات إِلَى مَحْض الرأي وَله قُوَّة في المباحثة والتصرفات الذهنية والاستنباطات العجيبة وَلَو دَامَ على الِاشْتِغَال لفاق في كثير من أَنْوَاع المعارف وَلكنه لَا يُفَارق المطالعة ويستفيد مِنْهَا ويفيد وَله شعر يمدح بِهِ خَليفَة الْعَصْر مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَهُوَ جيد فِي الْغَالِب وَيضمنهُ معاني دقيقة نفيسة وَله قدرَة على المشي مَعَ كل جنس بِمَا يَلِيق بِهِ وإقبال على معالى الْأُمُور ورغبة فى الشّرف وهوالآن حَيّ عافاه الله ثمَّ مَاتَ ﵀ أَظُنهُ سنة ١٢٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
٢١١ - السَّيِّد على بن اسمعيل بن علي بن الْقَاسِم بن احْمَد بن الامام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة ١١٥١ إحدى وَخمسين وَمِائَة وَألف بشهارة وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ فى الْعُلُوم الأدبية وَالْفِقْه وَمن جملَة مشايخه شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة على بن إبراهيم الْمُتَقَدّم ذكره وَالشَّيْخ الْعَلامَة نَاصِر بن الْحُسَيْن المحبشي والقاضي الْعَلامَة محسن بن أَحْمد الشامى ثمَّ الشهارى وبرع فى الْأَدَب وَصَارَ يكْتب القصيدة في الْوَقْت الحقير مَعَ مافى شعره من الانسجام والسهولة والمعانى الفايقة وَقد جمعه فى سفينة بعث بهَا إِلَى وطالعت بعض مافيها وَلم يَتَيَسَّر لى النَّقْل مِنْهَا وَلما أرجعتها إليه كتبت إليه هَذِه الأبيات
(بعثت نحوى زادك الله من تيارك العذب بدر القريض)
[ ١ / ٤٣٣ ]
(سرحت طرفى مِنْهُ فى جنَّة لم يحكها فى الْحسن روض اريض)
(نظمت مايقصر عَن شأوه من خيرة القَوْل الطَّوِيل العريض)
(فدمت تحي للعلى مربعًا فمربع الْعليا كسير مهيض)
فَأجَاب بِأَبْيَات لم أحفظها وَهُوَ من أكَابِر آل الامام وَله رياسة كَبِيرَة في تِلْكَ الديار ويفد إِلَى صنعاء في الْأَرْبَعَة الْخَمْسَة الأعوام مرة وَاجْتمعت بِهِ في وفوده فِي سنة ١٢٠٨ وَكَانَ لنا في كل أُسْبُوع يَوْم نَجْتَمِع فِيهِ وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء من بعد الظّهْر إِلَى آخر اللَّيْل وَجَرت بيني وَبَينه مطارحات أدبية في فنون من ذَلِك أَنه كتب أبياتًا مضمونها أَنه لما عقد هَذَا الِاجْتِمَاع فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء زَالَ عَنهُ مايوصف بِهِ من النحاسة وَأَنه صَار بذلك أسعد الْأَيَّام وأبركها وَله فِي ذَلِك نظم بديع وَكَانَ إِذا وَقع التراخي من بعض من يضمه ذَلِك الْمجْلس كتب اليه أَنه إِذا لم يصل وَقع الرُّجُوع عَن تَقْرِير سَعَادَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَهُوَ حسن المحاضرة لَا يمل جليسه لما يُورِدهُ من الْأَخْبَار والأشعار والظرايف واللطايف والمباحثات العلمية والاستفادة فِيمَا لم يكن لَدَيْهِ مِنْهَا وتحرير الأسئلة الْحَسَنَة وَقد كتب إِلَى من ذَلِك شَيْئا كثيرا وأجبت عَلَيْهِ برسايل هي فِي مَجْمُوع رسائلي وَله حرص على الفوايد وهمة فِي تَقْيِيد الشوارد وَله من علوّ الهمة وَشرف النَّفس حَظّ وافر وَلما رَحل من صنعاء إِلَى وَطنه مَدِينَة شهارة كتب إِلَى من هُنَاكَ
(أشارت إِلَى عهد اللقا بالحواجب وَمَا كنت عَن ذكرَاهُ مهمل وَاجِب)
(سلي إن شَككت الْحَال قبلك إِذْ غَدا يناجيه قلبي هَل رأى غير وَاجِب)
(وَعَن أرقى لَا تسألى غير عَارِف وَأعرف شئ فِيهِ زهر الْكَوَاكِب)
[ ١ / ٤٣٤ ]
(أَبيت أراعيها فَمَا بَين طالع أدير لَهُ طرفي وَمَا بَين غارب)
(وتغرب جيلًا بعد جيل فَلَا أرى سوى القطب أوفى من سمير لصَاحب)
(يُقيم لمن لَا يطْرق النوم جفْنه فقلبي مغناطيسه فِي التجاذب)
(أعلياء لَوْلَا أَن سكناك مهجتي لما عذبت لي بعد بعدِي مشارب)
(بلَى أن نَار الْبعد أذهبت الحشا فَهَل في الْقَتِيل الطالبي من مطَالب)
(عَسى أَن يرق الْقلب مِنْهَا لرقتي ويرفق بِي فالرفق فعل الأطايب)
(فتبعث لي حَتَّى مَعَ الريح يالها التح ية والبشرى بنيل مآربى)
(كمثلى ماهب النسيم وَلَا حدت حداة إِلَى أوطانها بالركايب)
(وَلم أمْلى تسليمي وأشهد أدمعي على وصب مني لصبري مغالب»
(سَلاما لنشر الرَّوْض ينفح عرفه ذكيًا بمسك تبتي مصاحب)
(سَلام أرق من النسيم إِذا هَب وأذكى من العبير والعنبر الأشهب يخْتَص من هوالمراد وان موه النظام ويهدى إِلَى من هُوَ المرام وإن احتملت الْعبارَة سواهُ فَمَا سواهُ المرام القاضي الْفَاضِل الناسك والسالك بِلَا نَكِير أحسن المسالك الْعَالم الرباني الْبَدْر مُحَمَّد بن على الشوكانى حفظه الله وأحله فِي رِضَاهُ أعلا المباني
(وبلغه المأمول فِيمَا يرومه وسَاق إليه متحفات الرغايب)
(وَمد لنا فِي عمره فَهُوَ نعْمَة تعم وأولاه جزيل الْمَوَاهِب)
وإنها صدرت الأحرف الحقيرة للتحية وتجديد العهاد ومستمدة للدُّعَاء كماهو مبذول معوّل فِي وُصُوله على رب الْعباد
(وتنبيك عَن شوق تأجج ناره وَلم يطفها صبّ الدُّمُوع السواكب)
(لذكرى لَيَال كَانَ طرفي بوصلكم قريرًا عَسى للوصل عودة غايب)
[ ١ / ٤٣٥ ]
. فَللَّه فِينَا مايشاء وَمَا قضى مضى كَيفَ شا وَالله أغلب غَالب)
وللتهنية لكم بِمَا بلغ فَبلغ الْغَايَة عندي من المسرة من الأعراس الحميد جعل الله لأعينكم فِيهِ أعظم قُرَّة وَبَارك لَك وَعَلَيْك وأصلح لَك زَوجك وشؤنك كلهَا وسَاق ماشاء من برّه الهني إليك
(أهنيك بالأعراس فاحمد مُقَدرا لذَلِك واشكر يَا ابْن ودي لواهب)
(لَك الْحَمد مالاحت بروق وَمَا سرت نُجُوم وَمَا انهلت دموع السحايب)
(ودمت على خفض من الْعَيْش رَافع لقدرك مَخْصُوصًا بأصفى المطالب)
(وَلَا زلت في أفق الْخلَافَة مشرقا فانك بدر بن تِلْكَ الْكَوَاكِب)
(خلَافَة مَوْلَانَا الذي شرّفت بِهِ أَزَال على شَرق الدنا والمغارب)
فأجبت بقولي)
(ايا بَين كم كدرت صفو المشارب وياهجركم هيجت لوعة غايب)
(وَيَا دهركم جرعتني فقد صَاحب بكاس نوى من بعده فقد صَاحب)
(إِلَى الله أَشْكُو ماجنته يَد النَّوَى على كبدي والدهر جمّ العجايب)
(أحنّ إِلَى وصل تقادم عَهده وإن حنين الْمَرْء أَحْقَر وَاجِب)
(وأندب دهر الْجمع بعد تفرق وأبكي عَلَيْهِ بالدموع السواكب)
(فيا منزل اللقياء صافحك الحيا بجود ملث أدكن الردن ساكب)
(بعيشك هَل من عودة بعد فرقة تعود لصبّ مغرم الْقلب دايب)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة غير طائلة وَهُوَ الْآن عافاه الله حى ووالده كَانَ شَاعِرًا كثير الشّعْر رَئِيسا كَبِيرا وشعره مَجْمُوع عِنْد وَلَده المترجم لَهُ ثمَّ قدم صَاحب التَّرْجَمَة عافاه الله إلى صنعاء المحروسة في شهر رَمَضَان سنة ١٢١٥ وَكَانَ يحضر مَعنا فِي الْقِرَاءَة في ليالي رَمَضَان بمنزلي ويجري بَيْننَا
[ ١ / ٤٣٦ ]
مطارحات أدبية ومذكرات علمية فَمن ذَلِك أَنه حضر فِي بعض الليالي أَغْصَان زنبق قد تفتح نورها فَقلت من يشبه هَذِه الاغصان بتشبيه غير مِمَّا قد شبهها بِهِ الأولون ثمَّ قلت عقب ذَلِك بَيْتا وَهُوَ
(تحكي رماح زمرد قد نظمت فِيهَا الْكَوَاكِب)
فَأخذ هَذَا الْبَيْت وَكتب بعده وَقَبله هَكَذَا
(غُصْن كَأَن قوامه قدّ لَدَى التَّشْبِيه كاعب)
(تحكي رماح زمرد قد نظمت فِيهَا الْكَوَاكِب)
(أَو سالفات نواعم جالت عَلَيْهِنَّ الذوايب)
(بقرامل مصفوفة من لُؤْلُؤ فِيهِنَّ لازب)
وَلم يتَوَقَّف إلا مِقْدَار الْكتب بالقلم من دون روية وَلَا تدبر ووفد أَيْضا إلى صنعاء سنة ١٢١٨ وَكثر اجتماعنا وَسمع مني رسالتي الْمُسَمَّاة الدر النضيد فِي إخلاص التَّوْحِيد وَكَذَلِكَ حضر مَعنا فِي قِرَاءَة مؤلفي الْمُسَمّى إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر وَحصل كلا المؤلفين بِخَطِّهِ وَبِالْجُمْلَةِ فقد دَار بينى وَبَينه من المساجلات الأدبية والمكاتبات الشعرية مايكثر سرد بعضه وَقد رقمت بعض ذَلِك في مَجْمُوع شعرى
[ ١ / ٤٣٧ ]
٢١٢ - السَّيِّد على بن الإمام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الرئيس الْكَبِير المستقل بغالب الْيمن الأسفل كَانَ لَهُ اطلَاع على الْعُلُوم الأدبية وتمهرّ في الصِّنَاعَة الشعرية ولشعراء عصره فِيهِ غرر المدايح وَهُوَ من مفاخر الْيمن ومحاسن ذَلِك الزَّمن وشعره مَشْهُور عِنْد النَّاس وَمن جيده القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(أكذا المشتاق يؤرقه تغريد الْوَرق ويقلقه)
[ ١ / ٤٣٨ ]
وَمن أحسن قَوْله فِيهَا
(آه يَا برق أما خبر عَن أهل الْغَوْر تحَققه)
(فتزيل جوى لاسير هوى مضني قد طَال تشوقه)
وَمن أحسن شعره الأبيات هَذِه
(أيكتم مَا بِهِ الصبّ المشوق وَقد لاحت لَهُ وَهنا بروق)
(وَهل يخفى الغرام على ولوع يؤرق جفْنه الْبَرْق الخفوق)
(ويسلو عَن أهل الْجزع صبّ جرى من جفن عَيْنَيْهِ العقيق)
( اليك إليك عَنى يَا عذولي فلست من الصبابة أستفيق)
(فلي قلب إلى بانات حزوي طروب لَا يمل وَلَا يفِيق)
وَقد كتب الى وَالِده قصيدة لما صدّ الركب الْيَمَانِيّ عَن الْحَج سنة ١٠٨٨ يحثه على الْجِهَاد ومطلعها
(لعمرك لَيْسَ يدْرك بالتواني وَلَا بِالْعَجزِ غايات الأماني)
وهي غَايَة فِي بَابهَا وَكَانَت بَينه وَبَين المهدي مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْمَوَاهِب مُنَافَسَة على الْملك والبلاد قبل أَن يلي المهدي الْخلَافَة واتفقت بَينهمَا حروب وَفتن كَبِيرَة وَمن سعادته أَنه أدْركهُ الْأَجَل قبل أَن يلي المهدي الْخلَافَة فَمَاتَ في يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث شهر رَمَضَان سنة ١٠٩٦ سِتّ وَتِسْعين وَألف بِمَدِينَة اب وقبره بهَا
٢١٣ - على بن اسمعيل بن يُوسُف القونوي عَلَاء الدَّين الشافعي
ولد بقونية من بِلَاد الروم سنة ٦٦٨ ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَقدم
[ ١ / ٤٣٩ ]
دمشق سنة ٦٩٣ فدرّس بالإقبالية ثمَّ قدم بِالْقَاهِرَةِ فَسمع من جمَاعَة كابى الْفضل بن عَسَاكِر وَابْن الْقيم والدمياطي وَابْن الصَّواف وَابْن دَقِيق الْعِيد وَقَرَأَ فِي الْأُصُول على تَاج الدَّين الجيلاني وَتقدم فِي معرفَة التَّفْسِير وَالْفِقْه والأصول وَأقَام على قدم وَاحِد ثَلَاثِينَ سنة يصلي الصُّبْح جمَاعَة ثمَّ يقْرَأ إلى الظّهْر ثمَّ يُصليهَا وَيَأْكُل في بَيته شَيْئا ثمَّ يتَوَجَّه إلى زِيَارَة صَاحب أَو عِيَادَة مَرِيض أَو شَفَاعَة أَو تهنية أَو تَعْزِيَة ثمَّ يرجع ويشتغل بِالذكر إلى آخر النَّهَار وَكَانَ السُّلْطَان النَّاصِر يعظمه ويثني عَلَيْهِ ثمَّ ولاه قَضَاء دمشق فَتوجه اليها فِي سنة ٧٢٧ فباشره أحسن مُبَاشرَة مَعَ تصلب زايد وعفة لم يكن لَهُ فِي الحكم نهمة بل هُوَ على عَادَته في الإقبال على الْعلم وَكَانَ كثير الْفُنُون كثير الإنصاف كثير الْكتب ولمااستقر بِدِمَشْق أعطى الشَّافِعِيَّة ألف دِينَار وَقَالَ هَذِه حضرت معي من الْقَاهِرَة وَله مصنفات مِنْهَا شرح الحاوي وَشرح مُخْتَصر الْمِنْهَاج للحليمي ثمَّ طلب الإعفاء من الْقَضَاء فَلم يجبهُ السُّلْطَان وَكَانَ يعظّم الشَّيْخ تقي الدَّين ابْن تَيْمِية ويذب عَنهُ وَيُقَال ان النَّاصِر قَالَ لَهُ إِذا وصلت إلى دمشق قل للنائب يفرج عَن ابْن تَيْمِية قَالَ ياخوند لأيّ معنى سجن قَالَ لأجل الْفَتَاوَى قَالَ فإن كَانَ رَاجعا عَنْهَا أفرجنا عَنهُ فَيُقَال كَانَ هَذَا الْجَواب سَببا لاستمرار ابْن تَيْمِية في السجْن إلى أن مَاتَ لأنه كَانَ لايذعن للرُّجُوع وَلما خرج ابْن الْقيم من القلعة وأتاه سربه وأكرمه وَوَصله وَكَانَ يثني على أبحاثه قَالَ الأسنوي فِي تَرْجَمته وَكَانَ أجمع من رَأينَا للعلوم مَعَ الاتساع فِيهَا خُصُوصا الْعَقْلِيَّة واللغوية لَا يشار بهَا الا إليه وَتخرج بِهِ أكثر الْعلمَاء المصريين قَالَ وتحيل عَلَيْهِ جمَاعَة من الْكِبَار في أَن يبعد عَن الديار المصرية لأغراض فَحسن
[ ١ / ٤٤٠ ]
للسُّلْطَان تَوليته قَضَاء الشَّام فَفعل فَسَأَلَهُ السُّلْطَان فِي ذَلِك وتلطف بِهِ فَاعْتَذر وَمن جملَة مَا قَالَ للسُّلْطَان ان لَهُ أطفالًا يتأذون بالحركة فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان أنا أحملهم على كفي وَبسط يَده وَمن شعره
(غمرتني المكارم الغرّ مِنْكُم وتوالت عليّ مِنْهَا فنون)
(شَرط إحسانكم تحقق عندي لَيْت شعرى الْجَزَاء كَيفَ يكون)
وَكَانَ مَوته فِي رَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة ٧٢٩ تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وتأسّف النَّاس على فَقده
٢١٤ - علي بن أَبى بكر بن سُلَيْمَان بن أبي بكر بن عمر بن صَالح نور الدَّين الهيثمي الشافعي الْحَافِظ
ولد فِي رَجَب سنة ٧٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن ثمَّ صحب الزين العراقي وَلم يُفَارِقهُ سفرًا وحضرًا حَتَّى مَاتَ ورافقه فِي جَمِيع مسموعاته بِمصْر والقاهرة والحرمين وَبَيت الْمُقَدّس ودمشق وبعلبك وحماه وحلب وحمص وطرابلس وَغَيرهَا وَلم ينْفَرد أَحدهمَا عَن الآخر إلا بمسموعات يسيرَة ومشائخ قَليلَة وَصَاحب التَّرْجَمَة مكثر سَمَاعا وشيوخًا وَلم يكن الزين يعْتَمد فِي شئ من أُمُوره إلا عَلَيْهِ وزوّجه ابْنَته ورزق مِنْهَا عدَّة أَوْلَاد وَكتب الْكثير من تصانيف الزين وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَكْثَرهَا وَتخرج بِهِ وورى بِهِ فى افراد زَوَائِد كتب كالمعاجم الثَّلَاثَة للطبراني وَالْمَسَانِيد لأحمد وَالْبَزَّار وأبي يعلى على الْكتب السِّتَّة وابتدأ أَولا بزوائد أَحْمد فجَاء فِي مجلدين وكل وَاحِد من الْخَمْسَة الْبَاقِيَة فى تصنيف مُسْتَقل الا الطبرانى الاوسط وَالصَّغِير فهما في تصنيف ثمَّ جمع الْجَمِيع فى كتاب وَاحِد مَحْذُوف الأسانيد سَمَّاهُ مجمع الزَّوَائِد وَكَذَا
[ ١ / ٤٤١ ]
أفرد زَوَائِد صَحِيح ابْن حبَان على الصحيحيين ورتب أَحَادِيث الْحِلْية لابى نعيم على الأبواب وَمَات عَنهُ مسودة فبيّضه وأكمله ابنحجر فى مجلديم وَأَحَادِيث الغيلانيات والخلعيات وفوايد تَمام الأفراد للدَّار قطني أَيْضا على الْأَبْوَاب فو مجلديم ورتب كلا من ثِقَات بن حبَان ثِقَات العجلي على الْحُرُوف وأعانه بكتبه ثمَّ بالمرور عَلَيْهَا وتحريرها وَعلم خطبهَا وَنَحْو ذَلِك وعادت بركَة الزين عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَفِي غَيره وَكَانَ عجبًا في الدَّين وَالتَّقوى والزهد والإقبال على الْعلم وَالْعِبَادَة وخدمة الزين وَعدم مُخَالطَة النَّاس فِي شئ من الْأُمُور والمحبة للْحَدِيث وَأَهله وَحدث بالكثير رَفِيقًا للزين وَبعد موت الزين أَخذ عَنهُ النَّاس وَأَكْثرُوا وَمَعَ ذَلِك فَلم يُغير حَاله وَلَا تصدر وَلَا تمشيخ ولميزل على طَرِيقَته حَتَّى مَاتَ في لَيْلَة الثُّلَاثَاء تَاسِع وعشين رَمَضَان سنة ٨٠٧ سبع وثمان مائَة قَالَ ابْن حجر أنّه تتبع أَوْهَامه في مجمع الزَّوَائِد فَبَلغهُ فَعَاتَبَهُ فَترك التتبع قَالَ وَكَانَ كثير الاستحضار للمتون يسْرع الْجَواب بِحَضْرَة المين فيعجب الزين ذَلِك قَالَ وَكَانَ من لَا يدرى يظنّ لسرعة جَوَابه بِحَضْرَة الزين أَنه أحفظ مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْحِفْظ الْمعرفَة