ولد بِصَنْعَاء سنة ١١٥٥ خمس وَخمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بهَا فَأخذ عَن جمَاعَة من علمائها في الْفِقْه والعربية والْحَدِيث وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ السَّيِّد ابراهيم بن مُحَمَّد الْأَمِير واتصل بالحاكم الْأَكْبَر يحيى بن صَالح السحولي فَكَانَ يلي لَهُ أعمالًا فيحكمها ويتقنها ثمَّ بعد مَوته اتَّصل بي وَأخذ عَنى في الحَدِيث فَقَرَأَ عليّ في البخاري وفي الْأَحْكَام للهادي وَحضر عندي في كثير من الدُّرُوس وَصَارَ الآن من جملَة الْحُكَّام في صنعاء وَهُوَ مُسْتَمر على ملازمتي وَكَثِيرًا مَا أفوض إليه أعمالًا فَيقوم بهَا أتم قيام وَله فهم قويّ وعرفان تَامّ وإنصاف وَفهم للْحَقِيقَة وَعدم جمود على التَّقْلِيد مَعَ حسن سمت وَسُكُون ووقار وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذَا يقْرَأ عليّ في شرحي للمنتقى وفي مؤلفى الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدرارى وَولده حسن ابْن أَحْمد من أذكياء الطّلبَة وَله سَماع على فى المؤلفين الْمَذْكُورين وَهُوَ مَعَ حَدَاثَة سنة يسابق في فهمه وستأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(٨٣) اسحق بن مُحَمَّد العبدي الصعدي اليماني
ولد تَقْرِيبًا في وسط الْقرن الحادي عشر وَقَرَأَ على شُيُوخ عصره في جَمِيع الْفُنُون وبرع وفَاق الأقران وَصَارَ مُنْفَردا فِي جَمِيع علومه وَله شُيُوخ أجلاء مِنْهُم القاضي صَالح بن مهدي المقبلي الآتي ذكره واتصل بالإمام المهدي صَاحب الْمَوَاهِب فَعَظمهُ وَصَارَ من جملَة وزرائه بعد أَن كَانَ في غَايَة الْفقر وَنِهَايَة المكابدة للْحَاجة ثمَّ جرى بَينه وَبَينه شئ فارتحل الْمَذْكُور إلى بِلَاد الْهِنْد وأكرمه سلطانها إكرامًا عَظِيما وطوف تِلْكَ الْبِلَاد وَتردد فِي الْجِهَات واتصل بالعلماء والملوك وَغَيرهم وظفر بكتب
[ ١ / ١٣٣ ]
وَاسِعَة وتبحر في المعارف ودرّس وصنّف فَمن مصنّفاته الحافلة المفيدة الْمُؤلف الَّذِي سَمَّاهُ الاحتراس مجيبا على الكردى مؤلف النبراس الَّذِي اعْترض بِهِ على مؤلف الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْمُسَمّى بالأساس وَلَقَد أَتَى صَاحب التَّرْجَمَة في مُؤَلفه هَذَا بِمَا يفوق الْوَصْف من التحقيقات الباهرة وضايق الكردي مَعَ تبحره فِي الْعُلُوم مضايقة شَدِيدَة وَكَانَ يبين مَوَاضِع نقل الكردي ثمَّ ينْقل بَقِيَّة الْكَلَام الَّذِي تَركه فِي الْمَنْقُول مِنْهُ كالمواقف والمقاصد وَشرح التَّجْرِيد وَنَحْو ذَلِك وَكَثِيرًا مَا يُوجد في الْكَلَام مَا يدْفع مَا أوردهُ الكردي ثمَّ بعد ذَلِك يتَكَلَّم بِكَلَام لَا يعرف قدره إلا من تبحر في عُلُوم الْعقل وَالنَّقْل وَلَقَد سلك مسالك في هَذَا الْكتاب يبعد الْوُصُول إليها من كثير من الْمُحَقِّقين وَله أشعار رائقة ورسائل فائقة وترسلات بليغة وخطه في الطَّبَقَة الْعليا من الْحسن وَحَاصِله أَن مثله فِي مَجْمُوعه قَلِيل النظير وَتوفى فِي سنة ١١١٥ خمس عشرَة وَمِائَة وَألف بأبي عَرِيش وقبر هُنَالك وَمن نظمه
(قف بالرسوم العافيات نادبًا وأدّ من حق الْبكاء وَاجِبا)
(وناد وصل الغانيات نَادِما يَا آيبًا أَن لَا يكون آيبا)
(فَلَا تلام إن وقفت شاكيًا وإن وقفت الدمع فِيهَا ساكبا)
(معاهد عهدتها ملاعبا فقد غَدَتْ برغمنا متاعبا)
(مازلت فِي شرع الغرام قَاضِيا لكنّه غَدا عليّ قاضبا)
(وَلم تكن عزايمى نوائبًا وَكم وقفت في النَّوَى نوائبا)
(فَمَا لمخضوب البنان معرضًا عَن وصل مسلوب الْجنان جانبا)
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
[ ١ / ١٣٤ ]
(أَمر بدارها فأطوف سبعًا وألثم ركنها من بعد لمس)
(فسموني بِعَبْد الدَّار جهلًا وَمَا علمُوا بانى عبد شمس)
(٨٤) السَّيِّد اسحق بن يُوسُف بن المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد حَسْبَمَا وجد بِخَطِّهِ فى سنة ١١١١ إحدى عشرَة وَمِائَة وَألف وَهُوَ إمام الْآدَاب وَالْفَائِق فِي كل بَاب على ذوي الْأَلْبَاب قَرَأَ فِي الآلات وَلم تطل أَيَّام طلبه بل هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلى أيام طلب غَيره من الطّلبَة لَا تعد وَلكنه نَالَ بِقُوَّة فكرته الصادقة وجودة ذهنه الفائقة مَالا يَنَالهُ غَيره من أهل الِاشْتِغَال الطَّوِيل ثمَّ قَرَأَ بعد ذَلِك في علم الحَدِيث على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير وَكَانَ يتعجب من ذكائه وَله مصنفات مِنْهَا تفريج الكروب في مَنَاقِب علي بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه وَهُوَ كتاب نَفِيس وَله رسائل كالرسالة الَّتِى سَمَّاهَا الْوَجْه الْحسن الْمَذْهَب للحزن وفيهَا من البلاغة وَحسن المسلك مَا يشْهد لَهُ بالتفرد ومضمونها الإنكار على من عادى علم السنة من الْفُقَهَاء الزيدية وعَلى من عادى علم الْفِقْه من أهل السنة وَكَانَ يمِيل إِلَى الإنصاف وَلكنه لَا يظْهر ذَلِك لشدَّة الجامدين من الْفُقَهَاء على من أنصف وَلم يتعصّب للْمَذْهَب وَهُوَ الَّذِي أورد السُّؤَال واستشكا لَهُ بقوله فِي أَوله
(أَيهَا الْأَعْلَام من سَادَاتنَا ومصابيح دياجي الْمُشكل)
(خبرونا هَل لنا من مَذْهَب يقتفى فى القَوْل أوفى الْعَمَل)
(أم تركنَا هملًا نرعى بِلَا سائم نقفوه نهج السبل)
(فإذا قُلْنَا ليحيى قيل لَا هَهُنَا الْحق لزيد بن علي)
[ ١ / ١٣٥ ]
(وَإِذا قُلْنَا لزيد حكمُوا أَن يحيى قَوْله النَّص الجلى)
(واذا قُلْنَا لهَذَا وَلذَا فهم خير جَمِيع الْملَل)
(أَو سواهُم من بني فَاطِمَة أُمَنَاء الوحي بعد الرُّسُل)
(قرروا الْمَذْهَب قولًا خَارِجا عَن نُصُوص الآل فابحث وسل)
(إن يكن مُجْتَهدا قَرَّرَهُ كَانَ تقليدًا لَهُ كَالْأولِ)
(إن يكن قَرَّرَهُ من دونه فقد انسدّ طَرِيق الجدل)
(ثمَّ من نَاظر أَو جادل أَو رام كشفا لقذى لم ينجلى)
(قَدَحُوا في دينه وَاتَّخذُوا عرضه مرمى سِهَام المنصل)
ثمَّ أجَاب عَن هَذَا السُّؤَال عُلَمَاء عصره وَكَثُرت الجوابات الى غَايَة وهى مَجْمُوعَة عِنْد كثير من النَّاس وَلم يعجب المترجم لَهُ شئ مِنْهَا ثمَّ أنه رام كشف الإشكال وَجمع رِسَالَة سَمَّاهَا التفكيك لعقود التشكيك فَلَمَّا وقفت عَلَيْهَا لم أستحسنها بل كتبت عَلَيْهَا جَوَابا سميته التشكيك على التفكيك وَلَعَلَّ الَّذِي حمله على ذَلِك الْجَواب تعويل جمَاعَة عَلَيْهِ مِمَّن علم أَنه السَّائِل وَالظَّاهِر أَنه قصد بالسؤال ترغيب النَّاس إلى الْأَدِلَّة وتنفيرهم عَن التَّقْلِيد كَمَا يدل على ذَلِك قصيدته الَّتِى أوردهَا القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن في كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ تحفة الأخوان بِسَنَد سيد ولد عدنان وأولها
(تَأمل وفكر في المقالات وأنصت وعدعن ضلالات التعصب والفتّ)
وَقد ذيلت أَنا هَذِه القصيدة بقصيدة أطول مِنْهَا وأولها
(مسامع من ناديت يَا عَمْرو سدّت وَصمت لَدَى صفو من النصح صمت)
وهي مَوْجُودَة في مَجْمُوع شعري وَقد أوردت كثيرًا مِنْهَا في الْجَواب
[ ١ / ١٣٦ ]
على التفكيك الْمشَار إليه وَسكن المترجم لَهُ سربه وهي نزهة قريب ذمار جَارِيَة الْأَنْهَار باسقة الْأَشْجَار ثمَّ بَاعهَا وفرّ إلى أَبى عَرِيش إلى شريفها وَكَاتب من هُنَالك أَنه يُرِيد رُجُوع مَا بَاعه ثمَّ جرت خطوب آخرها أَنه عَاد إلى حَضْرَة مَوْلَانَا الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَقد كَانَ يكثر الإحسان إليه كَمَا كَانَ وَالِده الْمَنْصُور يكثر الإحسان إليه كَذَلِك وَكَانَ مفرط الْكَرم لَا يبالى بِمَا أخذولا بِمَا أعْطى وَله أشعار رائقة فائقة مَجْمُوعَة في كراريس جمعهَا السَّيِّد الأديب مُحَمَّد بن هَاشم بن يحيى الشامي ﵀ وهي مَشْهُورَة بأيدي النَّاس فَلَا حَاجَة إلى إيراد شئ مِنْهَا وَمَات في سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وألف وَقد كَانَ يحْكى عَن نَفسه أَن أَجود شعره القصيدة الَّتِى مدح بهَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ﵀ وهي
(حَقِيقَة عشق في الْفُؤَاد مجازها لَهَا فرض عين في الخدود جَوَازهَا)
(وَمَا كنت أدري أَن للعشق دولة تذل لَهَا أبطالها وعزازها)
وهي قصيدة طَوِيلَة مُشْتَمِلَة على بلاغة بليغة
(٨٥) السَّيِّد إسماعيل بن إبراهيم
ابْن الْحُسَيْن بن الْحسن بن يُوسُف بن الإمام المهدي لدين الله مُحَمَّد بن المهدي لدين الله أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم ﵏ ولد سنة ١١٦٥ خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء المحمية بِاللَّه وَنَشَأ بهَا واشتغل بالمعارف العلمية وَهُوَ ذُو فكر صَحِيح وَنظر قويم رجيح وَفهم صَادِق وإدراك تَامّ وَكَمَال تصور وعقل يقل وجود نَظِيره وَحسن سمت فائق وتأدب رائق وبشاشة أَخْلَاق وكرم أعراق أَخذ عَنى فِي
[ ١ / ١٣٧ ]
الْفِقْه والأصول والْحَدِيث فَقَرَأَ عليّ في شرح الأزهار وَشرح الْغَايَة وشفاء الْأَمِير الْحُسَيْن وأمالي أَحْمد بن عِيسَى وَالْأَحْكَام للهادي وَفِي البخاري وَالْهدى وشرحى للمنتقى ومؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وفي الْكَشَّاف وَغير ذَلِك وَهُوَ الآن مكبّ على الطلب لَهُ فِيهِ أكمل رَغْبَة وَأتم نشاط وَعظم إقبال وَصَارَ الآن يكْتب تفسيري الَّذِي سميته فتح الْقَدِير بعد أَن كتب غَالب مصنفاتي وسمعها عليّ وَله اشْتِغَال بِالْعبَادَة ومحبة للاستكثار مِنْهَا وَمن حسن أخلاقه واحتماله أَنى لم أعرفهُ مَعَ طول ملازمته لي أَنه قد غضب مرة وَاحِدَة مَعَ كَثْرَة مَا يَدُور بَين الطّلبَة من المذاكرة والمناظرة المفضية فِي بعض الْحَالَات إِلَى تكدر الْأَخْلَاق وَظُهُور بعض القلق وَهَذِه منقبة عزيزة الْوُجُود وَكَانَ وَالِده ﵀ معدودًا من عُلَمَاء الْفِقْه وَأَخُوهُ الْعَلامَة الْعلم ستأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم حسن فَمِنْهُ مَا كتب إِلَى وَقد أهْدى لي طَاقَة زهر منثور
(إليك ياعز الْهدى نظام منثور أَتَى)
(هَدِيَّة أبرزها الر بيع في فصل الشتا)
(حقيرة لَكِنَّهَا طابت شذى ومنبتا)
(كأصلك الزاكي الَّذِي أبدى لنا خير فَتى)
(فاقبل وسامح ناظمًا قصّر فِيمَا نعتا)
فأجبت بقولى
(يَابْنَ الأولى فِي شَأْنهمْ بهل أَتَى الْمَدْح أَتَى)
(وَمن هم القادة إِن أعضل خطب أَو عتا)
[ ١ / ١٣٨ ]
(بحلق من فضَّة بعثت ياخير فَتى)
(كأنه الجامات في فيروزج قد نعتا)
(أَو الثريا أَو عقو د الدرّ إِن مانبتا)
(نظمك والمنثور وَا فاني مَتى الْوَصْل مَتى)
(٨٦) إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الصَّمد
الهاشمى العقيلى الجبرتى ثمَّ الزبيدي الشافعي ولد سنة ٧٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَكَانَ لَهُ أَحْوَال ومقامات وَلأَهل زبيد فِيهِ اعْتِقَاد كَبِير وَكَانَ يلازم قِرَاءَة سُورَة يس وَيَأْمُر بهَا وَيَزْعُم أَن قرَاءَتهَا لقَضَاء كل حَاجَة وَكَانَ أول ظُهُور أمره أنه بشر السُّلْطَان الْأَشْرَف بانهزام جند قصدوه وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَصَارَت لَهُ بذلك عِنْده منزلَة وَكلمَة لَا ترد وَكَانَ منزلَة ملْجأ لأهل الْعِبَادَة وَلأَهل البطالة وَأهل الْحَاجَات فَأهل الْعِبَادَة يحْضرُون للذكر وَالصَّلَاة وَأهل البطالة للسماع وَاللَّهْو وَأهل الْحَاجَات لوجاهته فَأَنَّهُ تتلمذ لَهُ أَحْمد بن الرداد وَمُحَمّد المزجاجي فجالسا السُّلْطَان وَكَانَ مغريّ بِالسَّمَاعِ والرقص دَاعيا إِلَى نحلة ابْن عربى حَتَّى صَار من لايحصل نُسْخَة من الفصوص تنقص مَنْزِلَته عِنْده وَاشْتَدَّ الْبلَاء على الْعلمَاء الصادعين بِالْحَقِّ بِسَبَبِهِ وَفِيه يَقُول بعض الأدباء وَكَانَ منحرفًا عَنهُ ومعتقدًا لصلاح صَالح المصري
(صَالح المصريّ قَالُوا صَالح ولعمري أنه للمنتخب)
(كَانَ ظني أَنه من فتية تمتحنهم تختلب)
[ ١ / ١٣٩ ]
(رَهْط إسماعيل قطاع الطر يق إِلَى الله وأرباب الريب)
(سفل حمقى رعاع غاغة أكلب فيهم على الدُّنْيَا كلب)
وَقد كَانَ قَامَ صَالح الْمصْرِيّ هَذَا على صَاحب التَّرْجَمَة فتعصبوا لَهُ حَتَّى نفوه إِلَى الْهِنْد ثمَّ كَانَ الْفَقِيه أَحْمد الناشري عَالم زبيد يقوم عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه وَلَا يَسْتَطِيع أَن يغيّرهم عَمَّا هم فِيهِ لميل السُّلْطَان اليه وبالع فِي تَعْظِيمه الحزرجي فِي تَارِيخه وَقَالَ كَانَ فِي أول أمره معلم أَوْلَاد ثمَّ اشْتغل بالنسك وَالْعِبَادَة وَصَحب الشُّيُوخ فَفتح عَلَيْهِ وتسلّك على يَدَيْهِ الجم الْغَفِير وَبعد صيته وانتشرت كراماته وَارْتَفَعت مكانته عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَبَالغ الْأَشْرَف إسماعيل بن الْعَبَّاس في امْتِثَال أوامره مَاتَ في نصف شهر رَجَب سنة ٨٠٦ سِتّ وثمان مائَة
(٨٧) السَّيِّد إسماعيل بن أَحْمد الكّبسي
ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء صنعاء المعاصرين لَهُ عرفان بالنحو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْفِقْه وإلمام بالأصول لَا سِيمَا أصُول الدَّين وَهُوَ بمَكَان من الزّهْد والعفة والأنجماع عَن بنى الدِّينَا والقنوع بِمَا يصل إليه وإن كَانَ يَسِيرا وَله عناية بقول الْحق والمناصحة لأهل الولايات وَأكْثر مَا يكْتب إِلَى فِي ذَلِك من كَلِمَاته المقبولة وَله شعر جيّد فَمن شعره مَا كتبه إِلَى يعاتبني لما شددت على جمَاعَة من الْقُضَاة الَّذين يَأْخُذُونَ الْأُجْرَة من النَّاس وَكَانَ فيهم ثَلَاثَة حكام من الكباسية وَمن جملَة أبياته قَوْله
(عزّ الْأَنَام مُحَمَّد فَهُوَ الَّذِي طابت عناصره وَأكْرم من سُئِلَ)
(الحبر وَالْبَحْر الخضّم وحاكم الإسلام عالمنا وملجأ من وَجل)
[ ١ / ١٤٠ ]
(يَا من علاكيوان إنّ زَمَاننَا أرسى على الْآل الوبال فَهَل جهل)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة مَذْكُورَة في غير هَذَا الْموضع وَله إِلَى سُؤَالَات وَكَانَ سَاكِنا في الرَّوْضَة فأرسلها إِلَى مَعَ شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي ﵀ فأجبت عَلَيْهَا بِجَوَاب طَوِيل وأرسلتها إليه مَعَ شَيخنَا الْمَذْكُور وَهُوَ الآن يقْرَأ عَلَيْهِ في فنون مُتعَدِّدَة وَلِلنَّاسِ إليه رَغْبَة لزهده وورعه
(٨٨) السَّيِّد إسماعيل بن أَحْمد الكبسي الملقب مغلس
ولد سنة وَقَرَأَ على جمَاعَة من أهل الْعلم كالسيّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وَغَيرهمَا من مَشَايِخ صنعاء وَهُوَ الآن من المدرسين في جَامع صنعاء فِي الْفِقْه والآلات وَله معرفَة تَامَّة وفطرة سليمَة وفاهمة قَوِيَّة وَهُوَ الآن يقْرَأ عليّ من جملَة الطّلبَة في شرح الْعَضُد على مُخْتَصر الْمُنْتَهى وحواشيه وَهُوَ كثير الطَّاعَة قَلِيل الفضول كثير الإقبال على شَأْنه صَلِيب الدّيانَة تعتريه حِدة لَا سِيمَا إذا شَاهد شَيْئا من الْمُنْكَرَات كثّر الله أَمْثَاله وَقد خرج من صنعاء فِي أَوَاخِر سنة ٢١ الى خصن الظفير هُوَ وَجَمَاعَة ودعا إلى نَفسه وَبث دَعوته إلى الأقطار وَجَرت أُمُور طَوِيلَة وَبعد ذَلِك ترك الدعْوَة وَاسْتقر هُنَالك
[ ١ / ١٤١ ]
(٨٩) إسماعيل بن أَبى بكر بن عبد الله بن إبراهيم
ابْن علي بن عَطِيَّة بن علي الشّرف الشرجى اليمانى الشافعى الْمَعْرُوف بالمقرئ الزبيدي ولد سنة ٧٥٤ أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وتفقه بالجمال الراعي وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة على مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا وَعبد اللَّطِيف الشرجي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ في عدَّة فنون وبرز في جَمِيعهَا وفَاق أهل عصره وَطَالَ صيته وأشتهر ذكره وَمهر فِي صناعَة النّظم والنثر وَجَاء بمالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَأَقْبل عَلَيْهِ مُلُوك الْيمن وَصَارَ لَهُ حَظّ عَظِيم عِنْد الْخَاص وَالْعَام وولاه الْملك الْأَشْرَف تدريس المجاهدية بتعز والنظامية بزبيد فَأفَاد الطّلبَة وَعين للسفارة الى الديار المصرية ثمَّ تَأَخّر ذَلِك لطمعه في الِاسْتِقْرَار في قَضَاء الْأَقْضِيَة بعد الْمجد الشيرازي صَاحب الْقَامُوس الانى ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلم يتم لَهُ مناه بل كَانَ يرجوه في حَيَاة الْمجد ويتحامل عَلَيْهِ بِحَيْثُ إن الْمجد عمل للسُّلْطَان كتابًا وَجعل أول كل سطر مِنْهُ الْألف فاستعظمه السُّلْطَان فَعمل لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة كِتَابه الَّذِي لم يسْبق اليه الْمَعْرُوف بعنوان الشرف وَالْتزم أن يخرج من أواخره ووسطه علومًا غير الْعلم الَّذِي يخرج من جَمِيعه وَهُوَ الْفِقْه وَلم يتم في حَيَاة الْأَشْرَف فقدّمه لوَلَده النَّاصِر وَوَقع عِنْده بل وَعند سَائِر عُلَمَاء عصره بِبَلَدِهِ وَغَيرهَا موقعًا عَظِيما وَمن تَأمله رأى فِيهِ مَا يعجز عَنهُ غَالب الطباع البشرية فإنه إِذا قَرَأَهُ الْقَارئ جَمِيعًا وجده فقهًا وَإِذا قرأ أَوَائِل السطور فَقَط وأوساطها فَقَط وأواخرها
[ ١ / ١٤٢ ]
فَقَط استخرج من ذَلِك علم النَّحْو والتاريخ وَالْعرُوض والقوافي وَمن مصنفاته الرَّوْض مُخْتَصر الرَّوْضَة فَكَانَ الِاسْم مُخْتَصرا من اسْم الأَصْل والارشاد وَهُوَ كتاب نَفِيس فِي فروع الشَّافِعِيَّة رَشِيق الْعبارَة حُلْو الْكَلَام في غَايَة الإيجاز مَعَ كَثْرَة الْمعَانى وَشَرحه فِي مجلدين وَقد طَار في الآفاق واشتغل بِهِ عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة في الأقطار وَشَرحه جمَاعَة مِنْهُم وَله بديعية بديعة وَله تصانيف غير هَذِه وارتقى في جَمِيع المعارف إلى رُتْبَة لم يشْتَمل على مجموعها غَيره بل قيل أن الْيمن لم ينجب مثله وشعره في الذروة الْعَالِيَة حَتَّى قَالَ بعض معاصريه أنه أشعر من المتنبي وَلَعَلَّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يأتي بِهِ في شعره من الْأَنْوَاع الغريبة والأساليب العجيبة كالقصيدة الَّتِى تقْرَأ حُرُوف رويها بِالضَّمِّ وَالنّصب والجر وَمن شعره مَا يخرج من الْبَيْت الْوَاحِد وُجُوه تزيد على الْألف وَكَانَ مَعَ إجادته في الشّعْر يكره أن ينتسب إليه حَتَّى قَالَ
(بِعَين الشّعْر أبصرني أنَاس فَلَمَّا ساءني أخرجت عينه)
(خُرُوجًا بعد رَاء كَانَ رأيي فَصَارَ الشّعْر مني الشَّرْع عينه)
قَالَ ابْن حجر فِي أنبائه إنه اجْتمع بِهِ فِي سنة ٨٠٠ ثمَّ فِي سنة ٨٠٦ قَالَ وَفِي كل مرة يحصل لي مِنْهُ الود الزَّائِد والإقبال وتنقلت بِهِ الأحوال وَولى بعض الْبِلَاد فِي دولة الْأَشْرَف وناله من النَّاصِر جَائِحَة تَارَة وإقبال أُخْرَى وَكَانَ يتشوق لولاية الْقَضَاء بِتِلْكَ الْبِلَاد فَلم يتَّفق لَهُ قَالَ وَمن نظمه بديعية الْتزم في كل بَيت مِنْهَا تورية مَعَ التورية باسم النَّوْع البديعي وَله مسَائِل وفضائل وَعمل مرة مَا يتَفَرَّع من الْخلاف فِي مَسْأَلَة المَاء المشمس فبلغت آلافًا قَالَ وَله خُصُوصِيَّة بالسلطان وَولى عدَّة ولايات
[ ١ / ١٤٣ ]
دون قدره وَله تصانيف وحذق تَامّ وَنظر مليح مارأيت بِالْيمن أذكى مِنْهُ انْتهى وَالْحَاصِل أنه إمام في الْفِقْه والعربية والمنطق وَالْأُصُول وَذُو يَد طولى فِي الْأَدَب نظمًا ونثرًا ومتفرد بالذكاء وَقُوَّة الْفَهم وجودة الْفِكر وَله في هَذَا الشَّأْن عجائب وغرائب لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره وَلم يبلغ رتبته فِي الذكاء واستخراج الدقائق أحد من أَبنَاء عصره بل وَلَا من غَيرهم سمع بعض النَّاس يذكر بيتى الحريري في المقامات اللَّذين قَالَ أنه قد أَمن أَن يعززا بثالث وهما
(سم سمة تحمد آثارها فاشكر لمن أعْطى وَلَو سمسمه)
(وَالْمَكْر مهما اسطعت لاتأته لتقتفي السؤدد والمكرمة
فَقَالَ إن تعزيزهما بثالث غير مُمْتَنع فَجحد ذَلِك الْبَعْض وَطَالَ بَينهمَا النزاع فَرجع إِلَى بَيته وَعمل على هَذَا النمط توفية خمسين بَيْتا وَأرْسل بهَا إلى من جادله وَقَالَ قد صَارا خمسين وَأول أبياته
(من كلّ مهدي ودعا أحمدا أُجِيب مَا أسعد من كَلمه)
وَقد كَانَ بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن عاصره قبل عصر صَاحب التَّرْجَمَة
قد عزز بَيْتِي الحريري بثالث وَهُوَ
(والمس لمهوى الضَّيْف خير الْقرى وَسلم الْمُسلم والمسلّمه)
وَمَعَ كَونه بِهَذِهِ الْمنزلَة من الذكاء كَانَ غَايَة في النسْيَان حَتَّى قيل أنه لَا يذكر مَا كَانَ في أول يَوْمه وَمن أعجب مَا يحْكى فِي نسيانه أَنه نسي مرة ألف دِينَار ثمَّ وَقع عَلَيْهَا بعد مُدَّة اتِّفَاقًا فَتذكر ذَلِك مَعَ عدم توسعه فى الدِّينَا بل مَعَ مزِيد حَاجته إِلَى ماهو أقل من ذَلِك وَكَانَ يُنكر نحلة ابْن عربي وَأَتْبَاعه وَبَينه وَبَين متبعيه معارك وَله في ذَلِك رسالتان وقصائد
[ ١ / ١٤٤ ]
كَثِيرَة مَاتَ في سنة ٨٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وترجمته تحْتَمل كراريس
(٩٠) السَّيِّد إسماعيل بن الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن
ين الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد شَيخنَا الْعَلامَة الْمدرس ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٢٠ عشْرين وَمِائَة والف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن أكَابِر علمائها ثمَّ انْتفع بِهِ الطّلبَة في الْعَرَبيَّة واشتهر على الألسن أَنه من افْتتح طلبه عَلَيْهِ في علم الْعَرَبيَّة اسْتَفَادَ وَكنت من جملَة من افْتتح عَلَيْهِ فِي الْعَرَبيَّة فَقَرَأت عَلَيْهِ ملحة الإعراب للحريري وَشَرحهَا الْمَعْرُوف بشرح بحرق وَكَانَ لَهُ فِي عناية كَامِلَة وَله مُشَاركَة قَوِيَّة في علم الصّرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَمن بركته المجربة أَنى تصدّرت للتدريس فِي الملحة وَشَرحهَا قبل الْفَرَاغ من قرائتها عَلَيْهِ وَكَانَ ﵀ يواظب على التدريس مَعَ ضعفه وعلو سنه وَكنت أرَاهُ يأتي الْجَامِع الْمُقَدّس فِي أَيَّام الشتَاء وَشدَّة الْبرد فيقعد للتدريس وَقد أثر فِيهِ الْبرد مَعَ الْحَرَكَة تَأْثِيرا قَوِيا وَاسْتمرّ ﵀ على ذَلِك حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فى يَوْم الْجُمُعَة لست عشرَة لَيْلَة خلت من شهر صفر سنة ١٢٠٦ سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(٩١) السَّيِّد اسمعيل بن الْحسن الشامي
مولده سنة ١١٥٤ أَربع وَخمسين وَمِائَة وألف وَله شغله بالزهد والورع والاشتغال بِخَاصَّة نَفسه واتصل بالسيّد علي بن مُحَمَّد بن عَامر أَيَّام تَوليته للأوقاف فَكَانَ يَنُوب عَنهُ فِي كثير من الْأَعْمَال ثمَّ اسْتَقر بعد مُدَّة فى وقف مَدِينَة ثلاثم اسْتَقر بعد ذَلِك فِي ولَايَة وقف صنعاء وَهُوَ الآن مُسْتَمر على ذَلِك وبيني وَبَينه مَوَدَّة صَادِقَة ومحبة خَالِصَة وَلنَا اجتماعات
[ ١ / ١٤٥ ]
نفيسة وَهُوَ كثير التَّوَاضُع حسن الْأَخْلَاق عالي الهمة كثير الْمُرُوءَة كثير الْبر والإحسان لَا برح في حماية الْملك الديَّان وَله يَد في المعارف العلمية وَعمل بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل وإنصاف فِي جَمِيع مسَائِل الْخلاف وَتوفى ﵀ في شهر شعْبَان سنة ١٢٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(٩٢) الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
﵄ وَسَيَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه الْحسن إِن شَاءَ الله ولد فِي نصف شعْبَان فِي سنة ١٠١٩ تسع عشرَة وألف فِي شهارة وَنَشَأ بهَا وَكَانَ كَامِل الْخلق معتدل الْقَامَة أسمر اللَّوْن عَظِيم اللِّحْيَة أشعر الذراعين قوي الْحَرَكَة كثير التبسم حسن الْخلق قَرَأَ على جمَاعَة من
[ ١ / ١٤٦ ]
أَعْيَان عُلَمَاء عصره فِي الْفِقْه وَسَائِر الْفُنُون فبرع فِي الْفِقْه وفَاق على عُلَمَاء عصره فِي ذَلِك وَأقر لَهُ الْكثير مِنْهُم وَالصَّغِير وَرَجَعُوا إِلَيْهِ فِي المعضلات وشارك فِي بَقِيَّة الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وَكَانَ يقرئ فِيهَا أَعْيَان عُلَمَاء عصره وصنّف مصنّفات مِنْهَا العقيدة الصَّحِيحَة وَشَرحهَا الْمسَائِل المرتضاة إِلَى جَمِيع الْقُضَاة وحاشية على منهاج الإمام المهدي في الْأُصُول بلغ فِيهَا إلى بعضه ورسالة في الطَّلَاق للثلاث وَفِي المحايرة في إبطال الدور وَفِي الْخلْع وَفِيمَا وَقع إهداره في أَيَّام الْبُغَاة وَفِيمَا يُؤْخَذ من الجبايات وَكَانَ وَاسع الْحلم قوي الصَّبْر شَدِيد الإغضاء وَلما اشتهرت فضائله وتمت مناقبه دَعَا إلى نَفسه بعد موت أخيه الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم فى يَوْم الْأَحَد سلخ رَجَب سنة ١٠٥٤ أَربع وَخمسين وَألف وَقد كَانَ تقدمه صنوه أَحْمد بن الْقَاسِم ودعا إلى نَفسه لأنه كَانَ عِنْد الْمُؤَيد بِاللَّه في شهارة فقوى عزمه على الدعْوَة القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره فَدَعَا وتأخرت دَعْوَة المتَوَكل لأنه كَانَ عِنْد موت أَخِيه فى صوران وَبَين المحلين مَسَافَة وَلم يعد دَعْوَة أَخِيه أَحْمد مَانِعَة من دَعوته لكَونه لم يكن جَامعا لشروط الإمامة الْمُعْتَبرَة فِي مَذْهَبهمَا الَّتِى مِنْهَا الِاجْتِهَاد وَلم يكن أَحْمد بِهَذِهِ الْمنزلَة في الْعلم وَلما ظَهرت دَعْوَة المتَوَكل على الله تلقاها النَّاس بِالْقبُولِ ودخلوا تَحت طَاعَته وَقد كَانَ أَيْضا دَعَا ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم فِي الْيمن وَلكنه لما بلغته دَعْوَة عَمه إسماعيل ترك ودعا في الشَّام بِلَاد صعدة السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عز الدَّين بن على بن الْحُسَيْن بن الإمام عز الدَّين بن الْحسن وَاسْتمرّ أَحْمد بن الْقَاسِم على دَعوته وَبعث العساكر إلى الْجِهَات المتفرقة لحفظ الْأَطْرَاف
[ ١ / ١٤٧ ]
من غير إيذان بِحَرب وَلكنه مَا زَالَ أمره يتناقص وَلَا سِيمَا بعد مبايعة السيّدين الأعظمين مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم وأخيه أَحْمد ابْن الْحسن للمتوكل على الله فإنه ضعف جَانب احْمَد غَايَة الضعْف وَلم يتقاعد عَن الْقيام بالدعوة وتجهيز الجيوش وَوَقعت حروب قتل فِيهَا جمَاعَة قَليلَة ثمَّ ارتحل أَحْمد إلى عمرَان ثمَّ إلى ثلا وأحيط بِهِ فِيهَا فَجرى الصُّلْح على أَن يَقع الِاجْتِمَاع بَين الأخوين وَمن غلب الآخر في الْعلم اسْتَقل بالإمامة فَظهر فضل صَاحب التَّرْجَمَة فَبَايعهُ أخوه أَحْمد ثمَّ بَايعه النَّاس الَّذين مَعَه وسكنت الْأُمُور وَأما السَّيِّد إبراهيم فَمَا زَالَ أمره يضطرب فَتَارَة يُبَالغ وَتارَة يظْهر بَقَاءَهُ على دَعوته وتكرر مِنْهُ ذَلِك وَلم يكن مَعَه مَا يعول بِهِ من جند وَلَا أَتبَاع وَصَارَت الْيمن جَمِيعهَا تَحت طَاعَة صَاحب التَّرْجَمَة وَصفا لَهُ الْوَقْت وقهر الأضداد وَلم يبْق لَهُ مُخَالف وَكَانَ أكبر رُؤَسَاء دولته ابْن أخيه مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم فإنه كَانَ يقبض حواصل أحسن الْبِلَاد ثمَّ بعده أَحْمد ابْن الْحسن بن الْقَاسِم وَكَانَ مُجَاهدًا وَيبْعَث بِهِ الإمام إلى الأقطار النائية للغزو فيظفر وَيعود وَقد دوخ مَا بَعثه إليه كَمَا فعل لما بَعثه المتَوَكل إلى يافع فإنه استولى عَلَيْهَا جَمِيعًا وقهر سلاطينها وَفتح حصونها ودخلوا تَحت طَاعَته وَكَذَلِكَ فعل مرة بعد مرة ثمَّ وَجهه إلى عدن ولحج وَأبين فَفعل فِيهَا كَمَا فعل فِي يافع وَكَذَلِكَ توجه إِلَى حَضرمَوْت فافتتحها بعد فَرَاغه من افْتِتَاح يافع وأذعنت هَذِه الْبِلَاد كلهَا بِالطَّاعَةِ لصَاحب التَّرْجَمَة وَلم ير النَّاس أحسن من دولته في الْأَمْن والدعة وَالْخصب وَالْبركَة وَمَا زَالَت الرعايا مَعَه في نعْمَة والبلاد جَمِيعهَا مجبورة كَثِيرَة الْخيرَات وَكَثُرت أَمْوَال الرعايا وكل أحد آمن على مَا في يَده لعلمه بَان الامام سيمنعه عدله
[ ١ / ١٤٨ ]
عَن أَن يتَعَرَّض لشئ من مَاله وَغير الإمام تَمنعهُ هَيْبَة الإمام عَن الاقدام الى شئ من الْحَرَام وَقد كَانَ النَّاس حديثي عهد بجور الأتراك قد نهكتهم الْحَرْب الْوَاقِعَة بَينهم وَبينهمْ على طول أَيَّامهَا قَالَ السَّيِّد عَامر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَامر الشَّهِيد في بغية المريد أن الإمام المترجم لَهُ مَاتَ وَمَعَهُ من أَنْوَاع الطيب مَا قِيمَته مائَة ألف أُوقِيَّة فضَّة وَذكر أَنه خلّف من النَّقْد وَالْعرُوض مَا لَا يأتي عَلَيْهِ الْحصْر وَخلف من الطَّعَام ثَلَاث مائَة ألف قدح صنعاني هَذَا معنى مَا ذكره والامام مَا زَالَ يتنقل من مَكَان إلى مَكَان وَمن بلد إلى بلد وصحبته أكَابِر الْعلمَاء وطلبة الْعلم يَأْخُذُونَ عَنهُ مَا يُرِيدُونَ وَهُوَ يبْذل لَهُم ذَلِك وَيفِيض عَلَيْهِم من بيُوت الْأَمْوَال مَا يَحْتَاجُونَ إليه وَكَانَ الْغَالِب بَقَاؤُهُ في ضوران وَمَا زَالَ على هَذَا الْحَال الْجَمِيل والعيش الْحسن وَقد دخل تَحت طَاعَته السلاطين من يافع وحضرموت وعدن وظفار وعير هَذِه الديار فَمنهمْ من وَفد رَاغِبًا وَمِنْهُم من وَفد رَاهِبًا وَمِنْهُم من وصل اسيرا وجيوش الامام تقَاتل فى الاطراف دَائِما وَمن جملَة من والى الامام وَتَابعه الشريف صَاحب مَكَّة وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى توفي فِي لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى الآخرة سنة ١٠٨٧ سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَله جوابات مسَائِل سَأَلَهُ بهَا عُلَمَاء عصره وهي كَثِيرَة جدًا مُتَفَرِّقَة بأيدي النَّاس لَو جمعت لجاءت مجلدا وَلِلنَّاسِ عَلَيْهَا اعْتِمَاد كَبِير لَا سِيمَا الْحُكَّام
(٩٣) السَّيِّد اسماعيل بن على بن حسن بن أَحْمد بن حميد الدَّين بن مطهر بن الإمام شرف الدَّين
ولد فِي سنة ١١٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وماية وألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا
[ ١ / ١٤٩ ]
فَقَرَأَ على جمَاعَة من أعيانها مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير وَالسَّيِّد يُوسُف العجمي وَجَمَاعَة آخرين في علم الْعَرَبيَّة وَغَيره ودرس وَأفَاد وَهُوَ من السَّادة القادة النجباء الكملاء والعقلاء وَفِيه مُرُوءَة وفتوة وَحسن أَخْلَاق وملاحة محاضرة وجودة بادرة وَحفظ الْأَخْبَار النادرة والأشعار الرائقة وَقد مَال إليه مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله فَصَارَ يَدعُوهُ إلى مقَامه في كثير من الْأَوْقَات ويجالسه وَكَثِيرًا مَا يَقع الِاجْتِمَاع بيني وَبَينه هُنَالك أما في يَوْم الْجُمُعَة للحضور عِنْد الْخَلِيفَة حفظه الله للعشاء والقهوة فعلى سَبِيل الِاسْتِمْرَار ويجري بَيْننَا هُنَالك من المذاكرات الأدبية والعلمية مَا تشنف الأسماع وَهُوَ يُورد مَا يُطَابق الْمقَام ويوافق مُقْتَضى الْحَال ويبحث معي في كثير من الْمعَانى الدقيقة والطرائق الرقيقة وَالْأَخْبَار الرشيقة وَفِيه من سمو الهمة عزة النَّفس مَا لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره لاسيما في مثل هَذِه المواطن الَّتِى يظْهر فِيهَا جَوَاهِر الرِّجَال فإني لم أسمع مِنْهُ على طول مُدَّة اجتماعي بِهِ هُنَالك كلمة مؤذنة بالخضوع لمطلب من مطَالب الدُّنْيَا الدُّنْيَا لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَلْوِيحًا بل يستطرد فِي كَلَامه قصصًا ووقائع فِيهَا مواعظ لَهَا وَقع في الْقُلُوب قَاصِدا بذلك التَّعَرُّض للثَّواب الأخروي وَقد صَار حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَهُوَ سنة ١٢١٣ في ثَمَانِينَ سنة وَله نشاط تَامّ إلى الْحَرَكَة وركوب الْخَيل الَّتِى يهاب ركُوبهَا أَكثر الشَّبَاب فإن مَوْلَانَا حفظه الله يركبه على خيله الْمعدة لركوبه عَلَيْهَا في كثير من الْحَالَات وَلم ينقص شئ من حواسه الظَّاهِرَة والباطنة إِلَّا مُجَرّد ثقل يسير فِي سَمعه وَهُوَ مواظب على الطَّاعَات يعين الضُّعَفَاء بِمَا يقدر عَلَيْهِ من ملكه أَو بالشفاعة ثمَّ مَاتَ
[ ١ / ١٥٠ ]
﵀ في شهر شَوَّال سنة ١٢١٥ خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف وَولده علي لَهُ شغلة بِالْعلمِ كَبِيرَة وعناية تَامَّة قَرَأَ فِي الآلات على أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر ورافقني فِي قِرَاءَة الْكَشَّاف والعضد والمطول وحواشي هَذِه الْكتب على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَهُوَ الآن مكب على الطلب ملازم لمعالي الرتب وَله قِرَاءَة على السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن أسمعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَرُبمَا قَرَأَ عَلَيْهِ بعض الطّلبَة في الآلات وَله من حسن الْأَخْلَاق ولطافة الطَّبْع وبشاشة الْوَجْه للخاص وَالْعَام مَالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذَا مناهز للخمسين وَأخْبر لي أَن مولده في سنة ١١٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ وماية وَألف وَولده حسن بن على ين إسماعيل قد صَار من الطّلبَة المستفيدين لَهُ اشْتِغَال بالفقه وَعلم الْعَرَبيَّة وَسَائِر الْعُلُوم وَهُوَ كأبيه وجده في حسن الْأَخْلَاق واللطافة والظرافة وَمَات ﵀ في سنة ١٢١٥ خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف قبل موت جده بأشهر وَهُوَ فى عنفوان شبابه
(٩٤) اسمعيل بن علي بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب
الْملك الْمُؤَيد صَاحب حماه ولد سنة ٦٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة وَأمره النَّاصِر فخدمه لما كَانَ بالكرك فَبَالغ فَلَمَّا عَاد النَّاصِر إلى السلطنة وعده بسلطنة حماه ثمَّ سلطنه بهَا يفعل فِيهَا مَا يَشَاء من إقطاع وَغير ذَلِك وَلَا يُؤمر وَلَا ينْهَى أركبه النَّاصِر شعار الملكة والسلطنة وَمَشى في خدمته أكَابِر أُمَرَاء النَّاصِر فَمن بعدهمْ وَاسْتقر بحماه ثمَّ قدم إلى مصر على السُّلْطَان النَّاصِر فِي سنة ٧١٦ فَبَالغ السُّلْطَان في إكرامه ثمَّ قدم مرة أُخْرَى فحج مَعَ السُّلْطَان سنة ٧١٩ فَلَمَّا عَاد عظم فى عين السُّلْطَان
[ ١ / ١٥١ ]
لما رَآهُ من آدابه وفضائله وَألبسهُ بعد الْعود شعار السلطنة وَبَين يَدَيْهِ جَمِيع خَواص النَّاصِر وَسَائِر النَّاس وَمَشى السلحدار بِالسِّلَاحِ والدويدار الْكَبِير بالدواة والغاشية والعصايب وَجَمِيع دست السُّلْطَان بَين يَدَيْهِ وَكَانَ جملَة مَا وصل إلى أهل الدولة بِسَبَبِهِ في هَذَا الْيَوْم مائَة وَثَلَاثِينَ تَشْرِيفًا مِنْهَا ثلَاثه عشر أطلس وَكَانَ يزور السُّلْطَان فِي كل سنة غَالِبا وَمَعَهُ الْهَدَايَا والتحف وَأمر السُّلْطَان جَمِيع النواب أَن يكتبو اليه يقبل الأَرْض وَهَذَا لفظ يخْتَص بالسلطان الْأَعْظَم وَكَانَ النَّاصِر نَفسه يكْتب إليه ذَلِك وَكَانَ جوادًا شجاعًا عَالما بفنون عدَّة لاسيما الْأَدَب فَلهُ فِيهِ يَد طولى نظم الحاوي فِي الْفِقْه وصنف تَارِيخه الْمَشْهُور ونظم الشّعْر والموشحات وَكَانَ لَهُ معرفَة بِعلم الْهَيْئَة قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر الكامنة وَلَا أعرف فِي اُحْدُ من الْمُلُوك من المدايح مالابن نَبَاته والشهاب مَحْمُود وَغَيرهمَا فِيهِ إلا سيف الدولة وَقد مدح النَّاس غَيرهمَا من الْمُلُوك لَكِن اجتمع لهذين من الْكَثْرَة والإجادة من الفحول مالم يتَّفق لغَيْرِهِمَا وَكَانَ يحب أهل الْعلم ويقربهم وَكَانَ لِابْنِ نَبَاته عَلَيْهِ راتب في كل سنة يصل إليه سوى مَا يتحفه بِهِ إذا قدم عَلَيْهِ وَكَانَ النَّاصِر يكْتب إليه اعز الله أنصار الْمقَام الشريف العالي السلطاني الملكى المؤيدى وَهَذَا وَهُوَ نَائِب من نوابه وَكَانَ نَائِب النَّاصِر في الشَّام وَهُوَ أكبر النواب يكْتب إلى صَاحب التَّرْجَمَة يقبل الأَرْض وَأما غير نَائِب الشَّام فَيكْتب إليه يقبل الأَرْض وَينْهى وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ في شهر محرم سنة ٧٣٢ وَمن نظمه
(أحسن بِهِ طرفًا أفوت بِهِ القضا إن رمته فِي مطلب أَو مهرب)
(مثل الغزالة مَا بَدَت في مشرق إلا بَدَت أنوارها في الْمغرب)
[ ١ / ١٥٢ ]
(٩٥) عماد الدَّين اسمعيل بن عمر بن كثير البصروي الأصل الدمشقي الشافعي
ولد بقرية من أَعمال مَدِينَة بصرى سنة ٧٠١ ثمَّ انْتقل إلى دمشق سنة سِتّ وَسَبْعمائة وتفقه بالشيخ برهَان الدَّين الفرارى وَغَيره وَسمع من الْقَاسِم بن عَسَاكِر والمزي وَغَيرهمَا وبرع في الْفِقْه وَالتَّفْسِير والنحو وأمعن النظر في الرِّجَال والعلل وَمن جملَة مشايخه شيخ الاسلام تقى الدَّين ابْن تَيْمِية ولازمه وأحبه حبا عَظِيما كَمَا ذكر معنى هَذَا ابْن حجر في الدُّرَر وأفتى ودرّس وَله تصانيف مفيدة مِنْهَا التَّفْسِير الْمَشْهُور وَهُوَ فِي مجلدات وَقد جمع فِيهِ فأوعى وَنقل الْمذَاهب والأخبار والْآثَار وَتكلم بِأَحْسَن كَلَام وأنفسه وَهُوَ من أحسن التفاسير إن لم يكن أحْسنهَا وَمن مصنفاته كتاب التَّكْمِيل فِي معرفَة الثقاة والضعفاء والمجاهيل فِي خَمْسَة مجلدات وَكتاب الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة فى أَرْبَعَة وَخمسين جزأ وَكتاب الْهدى وَالسّنَن فى أَحَادِيث المسانيد وَالسّنَن جمع فِيهِ بَين مُسْند الامام أَحْمد وَالْبَزَّار وأبي يعلى وَابْن أَبى شيبَة إلى الْكتب السِّتَّة وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور وَقد انْتفع النَّاس بمصنفاته وَلَا سِيمَا التَّفْسِير مَاتَ فى شعْبَان سنة ٧٧٤
(٩٦) السَّيِّد اسمعيل بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة ١١١٠ عشر وَمِائَة وَألف ونشأ بِمَدِينَة صنعاء وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير وبرع في الْعُلُوم لاسيما الْأُصُول وَشرح منظومة الكافل في الأصول لشيخه السَّيِّد
[ ١ / ١٥٣ ]
مُحَمَّد الْأَمِير شرحًا حافلًا في مجلدين جَاءَ فِيهِ بِمَا فِي المطولات من الْفَوَائِد وَكَانَ من جملَة من خرج مَعَ وَالِده أَيَّام وُقُوع الْمُنَازعَة بَينه وَبَين الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن الإمام المهدي واعتقله الْمَنْصُور ثمَّ أفرج عَنهُ الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَله نظم فائق فَمِنْهُ
(طَال النَّوَى شهرًا فشهرًا حَتَّى قطعت الدَّهْر هجرا)
(هجرًا طَويلا لم أطق لزمانه عدًا وحصرا)
(ياهند رقى للَّذي أضرمت فى أحشاه جمرا)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة وَمِنْه
(لَا وخمر في الشفات أسكرت بالرشفات)
(ولآل من ثغور في عقيق من شفات)
(وغصون من قدود بنهود مثمرات)
(ورياض في خدود زاهيات ناعمات)
وهى أَبْيَات من قصيدة كتب بهَا الى السَّيِّد الْعَلامَة اسحق بن يُوسُف وأجابه بِأَبْيَات أَولهَا
(اسمعوا عَن زفراتي فهي في الْحبّ رواتي)
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة رسائل نفيسة وأبحاث شريفة وقفنا على بَعْضهَا عِنْد وَلَده السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن اسمعيل وستأتى تَرْجَمته وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة رَئِيسا كَبِيرا وعالمًا شهيرًا وأشعاره كَثِيرَة فِي غَايَة الرقة والانسجام وَله ماجريات لَا يَتَّسِع لَهَا الْمقَام وَمَات فِي شهر ذي الْقعدَة سنة ١١٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
[ ١ / ١٥٤ ]
(٩٧) السَّيِّد اسمعيل بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الرئيس الْمَشْهُور المؤرخ الأديب مؤلف سمط اللآل في شعراء الْآل وَهُوَ كتاب ترْجم فِيهِ لكل من شعر من العلوية وَلم يحط بمشاهيرهم فضلًا عَن أهل الخمول مِنْهُم وَلَكِن في الْجُمْلَة كتاب مُفِيد قيل إِنَّه أنكر عَلَيْهِ الإمام المتَوَكل على الله إكثاره من الشّعْر فَجمع هَذَا الْكتاب وَجعله كالرد عَلَيْهِ وَمن شعره
(غطى على خَدّه بكم فَأشبه الْورْد في الكمايم)
(وَقَالَ لي ناطقًا بِصَوْت كَأَنَّهُ ساجع الحمايم)
(أخْشَى من الْعين قلت مهلا عَيْنَاك يامنيتى تمايم)
وشعره كثير غالبه الْجَوْدَة ومدحه كثير من الشُّعَرَاء وَمَات سنة ١١١١ إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وَألف بِبَيْت الْفَقِيه الزيدية
(٩٨) السَّيِّد اسمعيل بن هادي الْمُفْتى الصنعاني
أَخذ الْعلم عَن الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال مرافقا لشَيْخِنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَأخذ الْعلم أَيْضا عَن جمَاعَة من أَعْيَان عصره وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر وَكَانَ يدرس فِي جَمِيع الْفُنُون بِمَسْجِد الفليحي بِصَنْعَاء وَهُوَ قرين شَيخنَا المغربى فى الطّلب
[ ١ / ١٥٥ ]
والتدريس وَمَا زَالَ على ذَلِك حَتَّى توفي فِي شهر رَجَب سنة ١١٩٨ ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وَألف ورثاه تِلْمِيذه السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن بن علي بن المتَوَكل على الله اسمعيل بقصيدة فائقة مطْلعهَا
(ياله فادحٌ ألم وخطب مِنْهُ كَادَت شمّ الْجبَال تمور)
(٩٩) اسمعيل بن يحيى بن حسن الصديق الصعدي ثمَّ الذمّاري ثمَّ الصنعاني
ولد بعد سنة ١١٣٠ بذمار وَطلب الْعلم هُنَالك فَقَرَأَ الْفِقْه على الْحسن ابْن أَحْمد الشبيبي فبرع فِيهِ وَصَارَ محققًا للأزهار وَشَرحه ولبيان ابْن مظفر وَكَانَ وَالِده قَاضِيا فى حُبَيْش ثمَّ تولى هَذَا الْقَضَاء في أَيَّام صغره بذمار من جملَة حكام السَّبِيل ثمَّ ولي قَضَاء حُبَيْش مَكَان وَالِده في حَيَاته ثمَّ عزل فَعَاد إلى صنعاء وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء كالفقيه الْعَلامَة إبراهيم خَالِد وَقَرَأَ أَيْضا على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير فِي الحَدِيث وشارك في غير الْفِقْه مُشَاركَة لَطِيفَة ثمَّ جعله الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن من جملَة حكامه بِصَنْعَاء وعظمه وأجلّه وركن عَلَيْهِ فِي أمور كَثِيرَة مِنْهَا تَركه وَالِده فإنه جعلهَا بنظره وَكَانَ لَهُ أبهة عَظِيمَة وجلالة فِي الصُّدُور وتبحّر في الْفِقْه وتقعر فِي الْعبارَات مَعَ سكينَة ووقار ومحافظة على ناموس الْقَضَاء وملازمة لما يجلب الهيبة وَالْعَظَمَة في صُدُور الْعَامَّة من لبس الثِّيَاب الفاخرة وَعدم التزيد في الْكَلَام وَترك مَا لَا ينْهض بِهِ من الامور مَخَافَة ان يعجز عَنهُ بعد ظُهُوره فَيكون عَلَيْهِ في ذَلِك وصمة كَمَا كَانَ يَقع بَينه وَبَين الْحَاكِم الْأَكْبَر الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي فإنهما قد يتعارضان في أَمر فيدع صَاحب التَّرْجَمَة التصميم على مَا يظْهر لَهُ مَخَافَة أَن يتم غير
[ ١ / ١٥٦ ]
كَلَامه وَكَانَ إذا وَفد عَلَيْهِ من لَهُ خبْرَة بِعلم الْفِقْه أورد عَلَيْهِ مسَائِل قد حفظهَا من علم الأصول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وإذا وَفد عَلَيْهِ من يعرف عُلُوم الِاجْتِهَاد أَو بَعْضهَا أورد عَلَيْهِ مسَائِل من دقائق الْفِقْه فيظن الْفَقِيه أنه مبرز في غير الْفِقْه ويظن غَيره الْعَكْس من ذَلِك فتولد لَهُ من هَذَا عَظمَة فِي الصُّدُور كَبِيرَة وَكَانَ كثيرًا مَا يسْتَخْرج رايات شريفة إمامية لجَماعَة من أهل الْعلم الَّذين يلازمون حَضرته بأنهم يقضون بَين النَّاس ويقبضون مِنْهُم أجرتهم الَّتِى يستحقونها وَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة من الْقُضَاة فَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ حَاكم السَّبِيل فِي الْعرف أي لَا تَقْرِير لَهُ من بَيت المَال فَكَانَ مثل هَذَا أَيْضا من مُوجبَات تَعْظِيمه وَالْحَاصِل أنه كَانَ صَدرا من الصُّدُور عَظِيم الهمة شرِيف النَّفس كَبِير الْقدر نَافِذ الْكَلِمَة لَهُ دنيا وَاسِعَة وأملاك جليلة أصلها من فضلات رزقه عِنْد تَوليته قَضَاء حُبَيْش فإنه كَانَ يشتري بِمَا فضل لَهُ أَرضًا للزَّرْع ثمَّ تكاثرت تِلْكَ الأرض وَكَانَ يكْتَسب بِمَا فضل من غلاتها ثمَّ تضاعفت غَايَة المضاعفة وَصَارَ من الْمَشْهُورين بِكَثْرَة الْأَمْلَاك وَكَانَ يَجْعَل ضيافات عَظِيمَة وَيجمع فِيهَا الْأَعْيَان والأكابر وَقد دعاني في أَيَّام طلبي للْعلم إلى بَيته مَرَّات وَيظْهر من التَّعْظِيم والآجلال مَالا يُوصف وَآخر ذَلِك قبيل مَوته بِنَحْوِ نصف سنة فإنه أضافني مُنْفَردا وَقد كَانَ اشْتغل جمَاعَة فِي تِلْكَ الْأَيَّام بالحط على بِمَا يَقْتَضِيهِ اجتهادي فِي كثير من الْمسَائِل كَمَا هُوَ دأب الْيمن وَأَهله بل دأب جَمِيع الْمُقَصِّرِينَ مَعَ من يمشي مَعَ الدَّلِيل من الْعلمَاء فَقَالَ لي ﵀ مَا مضمونه إن فِي التظهر بذلك فتْنَة وَذكر لي قضايا جرت مَعَ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير شَاهدهَا وَعرفهَا وَمَا زَالَ يضْرب لي الْأَمْثَال بِكَلَام رصين
[ ١ / ١٥٧ ]
وخطاب متين من جملَته أَن السَّيِّد مُحَمَّد الْأَمِير قد عرفت مَا ناله من النَّاس من الْأَذَى بالْقَوْل وَالْفِعْل وَمَعَ ذَلِك فمعه الْوَزير فلَان والأمير فلَان وَفُلَان وَفُلَان يقومُونَ بنصره ويدفعون عَنهُ مَا يكره وَأَنت يَا وَلَدي قد انقبضت عَن النَّاس وعكفت على الْعلم وانجمعت عَن الأكابر ثمَّ إن السَّيِّد مُحَمَّد قد كَانَ عِنْد مُخَالفَته للنَّاس في سن عالية فِي أَوَاخِر عمره وَأَنت فى عنفوان الشَّبَاب فقد لاتحتمل النَّاس مِنْك مَا كَانُوا يحْتَملُونَ مِنْهُ وَأطَال معي في هَذَا الشَّأْن ﵀ وَمَا زَالَ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء تَاسِع شهر صفر سنة ١٢٠٩ تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف وَله شرح على مُقَدّمَة بَيَان ابْن مظفر وَشرع فِي شرح الْمسَائِل المرتضاة للإمام المتَوَكل على الله وَلم يكمل ورسالة فِي الْبَسْمَلَة وَولده يُوسُف بن اسمعيل أصلح أَوْلَاده بعده جعل الْخَلِيفَة مَوْلَانَا الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله إليه مَا كَانَ إلى وَالِده من الْقَضَاء وَغَيره وَهُوَ الْآن قَائِم بذلك أتمّ قيام على طَريقَة حَسَنَة مَعَ عفة ونزاهة وَله قِرَاءَة عليّ فِي أَوَائِل بَيَان ابْن مظفر
(١٠٠) أَمِير كَاتب بن أَمِير عمر ابْن العميد ابْن الأتقاني الحنفي
ولد في شَوَّال سنة ٦٩٥ خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة واشتغل ببلاده وَمهر وَتقدم وَقدم دمشق في سنة ٧٢٠ ودرس وناظر وَظَهَرت فضائله وَدخل مصر ثمَّ رَجَعَ فَدخل بَغْدَاد وَولى قضاءها ثمَّ قدم دمشق نَائِبا فِي سنة ٧٤٧ وَولى بهَا تدريس دَار الحَدِيث الظَّاهِرِيَّة بعد وَفَاة الذهبى وَتكلم فِي رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع وَادّعى بطلَان صَلَاة من فعل ذَلِك وصنف فِيهِ مصنفًا رد عَلَيْهِ السبكي وَفَارق دمشق وَدخل الديار المصرية سنة ٧٥١ فَأقبل عَلَيْهِ بعض أمرائها وعظّمه وَجعله شَيخا
[ ١ / ١٥٨ ]
لمدرسة بناها ونظّم فِي ذَلِك قصيدة مدحه بهَا وَكَانَ ذَلِك في جُمَادَى الأولى سنة ٧٥٧ وَكَانَ معاديًا للشَّافِعِيَّة كثير الْحَط على عُلَمَائهمْ وَفِيه تيه زَائِد وَكبر شَدِيد وبأو عَظِيم وتعصب لنَفسِهِ جدًا قَالَ فِي بعض مصنفاته مَا لَفظه لَو كَانَ الأسلاف في الْحَيَاة لقَالَ أَبُو حنيفَة اجتهدت ولقال أَبُو يُوسُف نَار الْبَيَان أوقدت ولقال مُحَمَّد أَحْسَنت وَاسْتمرّ هَكَذَا حَتَّى سرد غَالب أَعْيَان الْحَنَفِيَّة وَشرح الْهِدَايَة شرحًا حافلًا وَادّعى أَن بَينه وَبَين الزمخشري رجلَيْنِ فَقَط وَأنكر عَلَيْهِ ذَلِك وَمَات في حادي عشر شَوَّال سنة ٧٥٨ ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة
(١٠١) السَّيِّد أَمِير الدَّين بن عبد الله بن نهشل
ابْن المطهر بن أَحْمد بن عبد الله بن عز الدَّين بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن الإمام المطهّر بن يحيى هُوَ أحد عُلَمَاء الزيدية الْمَشَاهِير قَرَأَ على الإمام شرف الدَّين وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَانَ سَاكِنا بِهِجْرَة حوث وَمَات بهَا فى يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٠٢٩ تسع وَعشْرين وَألف
(١٠٢) أَيمن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد
بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد أربعة عشر أَبَا فِي نسق وَاحِد قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر لم يُوجد لَهُ نَظِير فِي ذَلِك إن كَانَ ثَابتا ولد بتونس ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَكَانَ كثير الهجاء والوقيعة ثمَّ قدم الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة فجاور بهَا وَتَابَ وَالْتزم أَن يمدح النبي ﵌ خَاصَّة إلى أَن يَمُوت فوفى بذلك وَأَرَادَ الرحلة عَن الْمَدِينَة فَذكر أَنه رأى النَّبِي ﵌
[ ١ / ١٥٩ ]
في النوم فَقَالَ يَا أَبَا البركات كَيفَ ترْضى بفراقنا فَترك الرحيل وَأقَام بِالْمَدِينَةِ إلى أَن مَاتَ وسمى نَفسه عاشق النبي وَذكر أَن صَاحب تونس بعث اليه يطْلب مِنْهُ الْعود إلى بَلَده ويرغبه فِيهِ فَأجَاب أَنى لَو أَعْطَيْت ملك الْمغرب والمشرق لم أَرغب عَن جوَار رَسُول الله ﵌ فَذكر أَنه رأى النبي ﷺ وأطعمه ثَلَاث لقمات قَالَ وَقَالَ لي كلَاما لَا أقوله لَاحَدَّ غير أَن في آخره وَاعْلَم أنّي عَنْك رَاض فَعمل قصيدة مِنْهَا
(فَرَرْت من الدُّنْيَا إلى سَاكن الْحمى فرار محب عَائِذ بحبيبه)
(لجأت إلى هَذَا الجناب وانما لجأت الى سامى الْعباد رحيبه)
قَالَ ابْن فضل الله وَذكر أَبُو البركات أَنه رأى النبي ﵌ فَأَنْشد بَين يَدَيْهِ هَذَا الْبَيْت
(لولاك لم أدر الْهوى لولاك لم أدر الطَّرِيق)
مَاتَ في سنة ٧٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة