ولد ﷺ يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول من عام الفيل، قيل: ثانيه، وقيل: ثالثه، وقيل: ثاني عشره، وقيل: غير ذلك.
يَوْمٌ أضاء به الزمانُ وفتَّحتْ … فيه الهدَايةُ زَهْرةَ الآمالِ
وقال عبد المطلب يوم ولادته:
الحمد لله الذي أعطاني … هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان … أعيذه بالله ذي الأركان
حتى أراه بالغ البنيان … أعيذه من شر ذي شنآن
من حاسد مضطرب العنان
[ ١ / ٨١ ]
ومات أبوه وله من العمر ثمانيةٌ وعشرون شهرًا، وقيل شهران، وقيل: سبع، وقيل: وهو حَمْل، كفله جَدُّه عبد المطلب، ثم توفي عبد المطلب وله ﷺ من العمر إذ ذاك ثمان سنين وشهران وعشرة أيام، فكفله عمُّه أَبو طالب.
وماتت أمه آمنة، وهو ابن أربع سنين، وقيل: ست.
وأرضعتْه حَليمة السعدية، وثويبة الأسلمية، وحضنتْه أم أيمن.
ولما بلغ اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام، خرج مع عمِّه أَبي طالب إلى "الشام"، فلما بلغ "بُصرى" رآه بحيرى الراهب، فعرفه بصفته، فجاءهُ، وأخذ بيده، وقال: هذا رسول ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق حجرٌ ولا شجر إلا خَرَّ ساجدًا، ولا يسجد إلا لنبي، وإنا نجده في كُتبنا.
وقال لأبي طالب: لئن قدمت به إلى "الشام" لتقتله اليهود، فرده خوفًا عليه منهم.
ثم خرج مرة ثانية إلى "الشام"، مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد، في تجارة لها قبل أن يتزوّجها، فلما قدم "الشام"، نزل تحت ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما تىل تحت ظلّ هذه الشجرة إلا نبي.
وكان ميسرة يقول: إذا كان الهاجرة، واشتدّ الحر، نزل ملكان يُظلانه.
ولما رجع من سفره تزوَّج خديجة بنت خويلد، وعمره خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام، وقيل: غير ذلك.
ولما بَلغ خمسًا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة، ووضع الحجر الأسود بيده.
[ ١ / ٨٢ ]
ونشأ رسول اللّه ﷺ في قومه ولَدْ طهَّره الله تعالى من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خُلُق جميل، حتى لم يكن يُعرف من بينهم إلا بالأمين؛ لما رأوه من أمانته، وصدق لسانه، وطهارته.
ولما بلغ أربعين سنة ويومًا بعثه الله بشيرًا ونذيرًا، وأتاه جبريل ﵇ بـ "غار حراء"، فقال: اقرأ.
فقال: ما أنا بقارئ.
قال رسول الله ﷺ: فأخذني فغطَّني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فقال في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُبح، وحُبِّب إليه الخَلاء، وكان يخلو بـ"غار حراء"، فيتحنَّث فيه - وهو التعبَّد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع لخديجة، فيتزوَّد لمثلها، حتى جاءه الحقُّ". رواه البخاري ومسلم.
وكان مبدأ النبوة فيما ذُكر يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول.
ثم حصره أهل "مكة" هو وأهل بيته في الشعب ثلاث سنين، ثم خرج من الشعب وله تسع وأربعون سنة.
وبعد ذلك بثمانية أشهر وأحد وعشرين يومًا، مات عمُّه أبو طالب.
وماتت خديجة، رضي الله تعالى عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام.
وكانت أول من آمن بما جاء به، ثم آمن أبو بكر، ثمَّ علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وبلال رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد هؤلاء عمرو بن
[ ١ / ٨٣ ]
عبسة السلمي، وخالد بن سعيد بن العاص، وسعد بن أبي وقَّاص، وعثمان بن عفَّان، والزبير بن العوَّام، وطلحة بن عُبيد الله ابن عثمان، ثم كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تمام الأربعين إسلامًا، ذكر ذلك ابنُ حَزْم في "مختصر السيرة".
ولما بلغ خمسين سنة وثلاثة أشهر قدِم عليه جِنُّ نصيبين، فأسلموا.