بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد!.
فإن نشؤ الفقه الإسلامي في صدر الإسلام، لكنه شبّ وترعرع في العصر العبّاسي، بل إذا قلنا: إن العصر العباسي هو عصر الفقه والفقهاء فلا نخطئ في قولينا.
وقد شهد التاريخ أن البلاد الإسلامية قد شهدت عديدا من المدارس الفقهية منذ عصر الصحابة والتابعين، فقد انتشر العلماء والفقهاء في مختلف الأمصار الإسلامية لنشر العلوم والثقافة الإسلامية، فكانوا يعلّمون أهل بلده الكتاب والسنّة، وهم الذين كانوا يتعرّضون للنوازل والواقعات، ويبحثون عن حكمها في كتاب الله وسنة رسوله، وكانوا يحكمون بينهم في قضاياهم، ومن الطبيعى أن تختلف آراؤهم في مثل هذه الأمور، وبقى اختلافهم هذا ينتقل من جيل إلى جيل، حتى نشأت مدارس الفقه المختلفة: الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية.
ثم كان الفقهاء والعلماء في الأجيال المتلاحقة قد احتاجوا في البحث وتمحيص مسائل الفقه والحديث إلى الإسناد، لتعذر تميز قوتها من سقيمها بدونه، ولذلك فقد نشأ علم الرجال وتدوين طبقات العلماء، فقاموا بتدوين تراجم الفقهاء، وألَّف الشيخ أبو عبد الرحمن هيثم بن عدي الثعالبي (المتوفى ٢٠٧ هـ) في ذلك "طبقات الفقهاء والمحدثين"، والشيخ عبد الملك بن حبيب المالكى (المتوفى ٢٣٨ هـ) "طبقات الفقهاء والتابعين"، كما ألَّف الشيخ محمد بن عبد الملك، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازى، وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، وآخرون في طبقات الفقهاء.
[ ١ / ٢٤ ]
ثم توجَّه العلماء إلى تدوين طبقات فقهاء المذاهب المختلفة في كتب مستقلة، فألَّف الإمام عمر بن علي، وتاج الدين علي بن أنجب الساعي، وآخرون في طبقات الفقهاء الشافعية، وصنَّف القاضي أبو الحسين وبرهان بن إبراهيم بن محمد اليماني في تراجم الفقهاء الحنابلة، والمالكية على الترتيب.
أما طبقات الحنفية فقد ألَّف فيها المتقدمون كتبا كثيرة، إلا أن معظمها ضاعتْ، ولم يبق الآن إلا أسماء مصنّفيها، راجع لأسماءهم "كشف الظنون"، نعم! قد بقيت بعضها محفوظة سالمة، مثل "أخبار أبي حنيقة وأصحابه" للشيخ حسين بن علي الصيمري، وقد طبع، ونشر هذا، ومن مؤلفات المتأخرين كتاب "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" للحافظ عبد القادر القرَشي المتوفى ٧٧٥ هـ، معروف متداول بين العلماء، ويوجد في المكتبات الإسلامية، ومن الكتب الجديرة بالذكر "تاج التراجم" للحافظ قاسم بن قطلوبغا المتوفى ٨٧٩ هـ، وهو مقتبس من "الجواهر المضية".
ومن الكتب النافعة في هذا الموضوع "الأثمار الجنية في أسماء الحنفية" للملا علي القاري المتوفى ١٠١٤ هـ وهو مأخوذ أيضا من "الجواهر المضية"، وهكذا كتاب "الفوائد البهية في تراجم الحنفية" لمولانا أبي الحسنات عبد الحي الفرنكي المحلى المتوفى ١٣٠٤ هـ، فهذه الكتب النافعة المحققة في موضوعها توجد في المكتبات الإسلامية، والحمد لله على ذلك. هذا، وكتاب "حدائق الحنفية" أيضا من الكتب الشاملة إلى حد كثير.
وعلى الرغم من ذلك، فلا نستطيع أن نقول: لسنا في حاجة إلى كتاب جديد في هذا الموضوع، فإن كل كتاب جديد يشتمل عموما على فوائد ومعلومات مفيدة ونافعة، ثم إن موضوع التراجم من أوسع الموضوعات نطاقا وانتشارا، فلا يمكن أن يأتي أحد في كتابه بما لا مزيد عليه، فإن الإمام الذهبي على عظمته وعلوّ كعبه في هذا الفن، ومكانته التي يعرفها كلُّ من يطالع تأريخَ الرجال لم يسلم تأليفُه من استدراكات العلماء عليه.
ثم إن الفقه الحنفي من بين المذاهب الفقهية قد ظفر - بفضل الله تعالى ومنه - من الانتشار والذيوع بما لم يظفر به غيره، فلا بد أن يكون عدد
[ ١ / ٢٥ ]
العلماء والفقهاء فيه أكثر من غيره بكثير، فالحاجة ماسة إلى كتاب شامل لهم، وإلى من يصنفه.
وقد سرَّني كثيرا أن الشيخ محمد حفظ الرحمن بن العلامة محب الرحمن البنغلاديشي قد ألف كتابا أودعه - بصفة عامة - تراجم المحدثين والفقهاء الحنفية.
وجدير بالذكر أن المؤلف الفاضل من تلاميذ المحدث المعروف، والباحث المشهور، ذي الرأي والبصيرة الضيخ عبد الرشيد النعماني، وقد ألفَ هذا الكتاب بإيعاز منه وإرشاده، فلذا نقول بثقة أن الكتاب سيكون إضافة قيّمة إلى فهرست تراجم الحنفية.
ندعو الله يضع للكتاب ومؤلفه حسن القبول بين عباده، آمين.