قال الصلاح الصفدي: رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يذكروا معه شهرًا، وطلبت الخاصة في ذلك، فلم أجدهم أتوا بشهر إلا مع شهر يكون أوله حرف راء، مثل شهري ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان، ولم أدْرِ العلة في ذلك ما هي؟، ولا وجه المناسبة؟ لأنه كان ينبغي أن يُحذف لفظ شهر من هذه المواضع؛ لأنه يجتمع في ذلك راآن، وهم قد فرّوا من ذلك، كتبوا: داود، وناوس، وطاوس، بواو واحدة؛ كراهية الجمع بين المثلين. انتهى.
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه "نظم العقيان في أعيان الأعيان" بعد نقله كلام الصفدي هذا: قلت: قد تعرض للمسئلة من المتقدمين ابن درستويه في الكتاب "المتمم"، فقال: الشهور كلها مُذكرة إلا جمادى، وليس شئ منها يُضاف إليه شهر إلا شهرا ربيع، وشهر رمضان، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
وقال الراعي:
شَهْرَيْ رَبيعٍ مَا تذُوق لَبُونهُم … إلا حُمُوضًا وَخْمَة ودَوِيلًا
فما كان من أسمائها أسمًا للشهر، أو صفة قامت مقام الاسم، فهو الذي لم يَجُزْ أن يضاف الشهر إليه، ولا يُذكر معه، كالمحرّم، إنما معناه الشهر المحرّم؛ وهو من الأشهر الحرم، كصفر، وهو اسم معرفة كزيد، من قولهم: صفر الإناء يُصفر صفرًا، إذا خلا، وجُمادى، وهي معرفة، وليست بصفة، وهي من جمود الماء، ورجب وهو معرف، مثل صفر، وهو من قولهم: رجبت الشيء، أي عَظمته؛ لأنه أيضًا من الأشهر الحرم، وشعبان؛ وهو صفة بمنزلة عطشان،
[ ١ / ٥٢ ]
من التشعّب والتفرّق، وشوَّال، وهو صفة جَرَت مجرى الاسم، وصارتْ معرفة، وفيها تشول الإبل، وذي القعدة، وهي صفة قامت مقام الشهر والقعود عن التصرف، كقولك، هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة، وذي الحِجة مثله، مأخوذ من الحج.
وأما الربيعان، ورمضان، فليست بأسماء للشهر، ولا صفات له، فلا بد من إضافة شهر إليها، كقولك شهر ربيع، وشهر رمضان، ويدُلُّك على ذلك أن رمضان فعلان من الرمضاء، كقولك: الغليان، وليس الغليان بالشهر، ولكن الشهر شهر الغليان، وجعل رمضان اسمًا معرفة للرمضاء، فلم يُصرف لذلك، فأما رواة الحديث فيرون أن اسم من أسماء الله تعالى.
وربيع إنما هو اسم للغيث، وليس الغيث بالشهر، ولكن الشهر شهر غيث، فصار ربيع اسمًا للغيث معرفة كزيد، فإذا قلت: شهر ربيع الأول والآخر، فهما صفتان لشهرٍ، وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، وإن كان معرفة، لأنه ليس هنا ربيعان، وإنما هو ربيع واحد، وشهرا ربيع، ولو كان كذلك لكانا نكرتين، ولكانا مُضافين إلى معرفة، وصارا به معرفة. انتهى كلام ابن درستويه، كما نقله السيوطي.
ويؤخذ منه أن رجب لا يُضاف إليه لفظ شهر، كما ذكر الصفدي، فليتأمل.
وجرت العادة بأن يقولوا في شهر المحرم: شهر الله، وفي شهر رجب: شهر رجب الفرد، أو الأصم، أو الأصب، وفي شعبان: المكرّم، وفي رمضان: رمضان المعظّم، وفي شوَّال: شوَّال المبارك، ويؤرِّخوا أول شوَّال بعيد الفطر، وثامن الحجّة بيوم التروية، وتاسعه بيوم عرفة، وعاشر بعيد النحر، وتاسع المحرم بيوم تاسوعاء، وعاشره بيوم عاشوراء، فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لا بد من ذكر السنة.
[ ١ / ٥٣ ]