قال القرطبي: واختلفوا هل أسماء الله ﷿ محصورة في التسعة والتسعين أم لا، فذهب قوم، منهم علي بن حزم إلى أن أسماءه محصورة في التسعة والتسعين، وذهب آخرون، وهم الأكثرون إلى أنه يجوز أن يكون له أسماء زائدة، قالوا: ومعنى ما أخبرنا بها النبي ﷺ من التسعة والتسعين إنما هو معنى الشرع لنا في الدعاء بها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وغيرها من الأسماء لم يشرع الدعاء بها، وهو الصحيح، لقوله ﵇ في حديث الشفاعة: "فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يلهمنيها الله ﷿"، رواه مسلم.
وروى أبو بكر، قال: "علَّمني رسول الله ﷺ هذا الدعاء، قال: قل: اللهم إني أسئلك بمحمد نبيك، وبإبراهيم خليلك، وبموسى
[ ١ / ٦٨ ]
نجيك، وبعيسى روحك، وكلمتك، وبتوراة موسى، وبإنجيل عيسى، وبزبور داود، وبفرقان محمد ﷺ، وكل وحي أوحيتَه، وقضاء قضيتَه، وأسئلك بكل اسم هو لك، أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم غيبك، وأسئلك باسمك الطُّهر الطاهر الأحد الصمد الوتر، وبعظمتك وكبريائك، وبنور وجهك أن ترزقني القرآن والعلم، وأن تخلطه بلحمي ودمي وسمعي وبصري، وتستعمل به جسدي بحولك وقوتك، فإنه لا حولَ ولا قوةَ إلا بك".
وخرَّج البيهقي وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "قال رسول الله ﷺ: ما أصاب مسلمًا قط حزن ولا همّ، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسئلك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وجلاءَ حزني، وذهابَ همي، إلا أذهب الله همَّه، وأبدله مكان همَّه فرحا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات، قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلَّمهن. وفي رواية بعد قوله: وجلاء حزني، قال رسول الله ﷺ: ما قالهن مهموم قط، إلا أذهب الله همَّه وأبدله فرجا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن، قال: فتعلموهن، وعلّموهن، وذكر غير ذلك من الأحاديث.
واحتجّوا أيضًا بحديث "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وحملوه على قضية واحدة، لا قضيتين، ويكون تمام الفائدة في خبر إن في قوله: من أحصاها، لا في قوله تسعة وتسعين، وهو كقول القائل: إن لزيد ألف درهم أعدّها للصدقة، وقوله: إن لعمرو مائة
[ ١ / ٦٩ ]
ثوب، من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدلّ على أن ليس عنده من الدراهم إلا ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعدّه زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصدَه عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب، وأجاب الأوَّلون، فقالوا: هو محمول على قضيتين، إحداهما: أن لله تسعة وتسعين اسما، والثانية: أن من أحصاها دخل الجنة.