ثم غزوة رسول الله ﷺ "أحدا" يوم السبت لسبع ليال خلون من شوَّال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره، قالوا: لما رجع من حضر "بدرا" من المشركين إلى "مكة" وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة، فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان، فقالوا: نحن طيبو أنفس إن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك، وبنو عبد مناف معي، فباعوها، فصارت ذهبا، فكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم، وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يرحون في تجارتهم للدينار دينارا، وفيهم
[ ١ / ٩٨ ]
نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وبعثوا رسلهم يسيرون في العرب، يدعوهم إلى نصرهم، فأوعبوا، وتألب من كان معهم من العرب، وحضروا، فأجمعوا على إخراج الظعن، يعني النساء معهم ليذكرنهم قتلى بدر، فيحفظنهم، فيكون أحد لهم في القتال، وكتب العبَّاس بن عبد المطلب بخيرهم كلّه إلى رسول الله ﷺ، فأخبر رسول الله ﷺ سعد بن الربيع بكتاب العبَّاس، وأرجف المنافقون واليهود بـ "المدينة"، وخرجتْ قريش من "مكة"، ومعهم أبو عامر الفاسق، وكان يسمَّى قبل ذلك الراهب في خمسين رجلًا من قومه، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل، فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، والظعن خمس عشرة امرأة، وشاع خبرهم ومسيرهم في الناس، حتى نزلوا "ذا الحليفة"، فبعث رسول الله ﷺ عينين له: أنسا، ومؤنسا، ابني فضالة الظفريين، ليلة الخميس الخمس ليال مضين من شوَّال، فأتيا رسول الله ﷺ بخبرهم، وأنهم قد خلوا إبلهم، وخيلهم في الزرع الذي بالعريض، حتى تركوه ليس به خضراء، ثم بعث الحباب بن المنذر بن الجموح إليهم أيضًا، فدخل فيهم، فحزرهم، وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة في عدة ليلة الجمعة، عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله ﷺ، وحرست "المدينة"، حتى أصبحوا، ورأى رسول الله ﷺ تلك الليلة كأنه في درع حصينة، وكأن سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند ظبته، وكان بقرا تذبح، وكأنه مردف كبشا، فأخبر بها أصحابه، وأؤها، فقال: أما الدرع الحصينة فـ "المدينة"، وأما انفصام سيفي، فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح، فقتل في أصحابي، وأما مردف كبشا، فكبش الكتيبة، يقتله الله إن شاء الله، فكان رأى رسول الله ﷺ أن لا يخرج من "المدينة" لهذه الرؤيا، فأحبَّ أن يوافق على مثل رأيه، فاستشار أصحابه في الخروج، فأشار عليه عبد الله بن أبي بن
[ ١ / ٩٩ ]
سلول أن لا يخرج، وكان ذلك رأي الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله ﷺ: امكثوا في "المدينة"، واجعلوا النساء والذراري في الآطام، فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، فطلبوا من رسول الله ﷺ الخروج إلى عدوهم، ورغبوا في الشهادة، وقالوا: اخرج بنا إلى عدونا، فغلب على الأمر الذي يريدون الخروج، فصلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس، ثم وعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوّهم، ففرح الناس بالشخوص، ثم صلى بالناس العصر، وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي.
ثم دخل رسول الله ﷺ بيته، ومعه أبو بكر وعمر، فعمماه، ولبساه، وصفّ الناس له، ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء، فردوا الأمر إليه، فخرج رسول الله ﷺ قد لبس لأمته، وأظهر الدرع، وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل السيف، واعتم، وتقلد السيف، وألقى الترسَ في ظهره، فندموا جميعا على ما صنعوا، وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما بدا لك، فقال رسول الله ﷺ: لا ينبغي لني إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما أمرتكم به، فافعلوه، وامضوا على اسم الله، فلكم النصر ما صبرتم، ثم دعا بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواءَ الأوس إلى أسيد بن حضير، ودفع لواءَ الخزرج إلى الحباب بن المنذر، ويقال: إلى سعد بن عبادة، ودفع لواءه لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ويقال: إلى مصعب بن عمير، واستخلف على "المدينة" عبد الله بن أم مكتوم.
[ ١ / ١٠٠ ]