قد روي بإسناد صحيح عن مسررق التابعي الكبير من رجال "الكوفة" في حق حبر "الكوفة" وحبر "القادسية" وأقربهم إلى اللَّه زلفى عبد اللَّه بن مسعود، قال: لقد جالست أصحاب رسول اللَّه ﷺ، فوجدتهم كالأخاذ، فالأخاذ، يروي الرجل، والأخاذ يروي الرجلين، والأخاذ يروي العشرة، والأخاذ يروي المائة، والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، فوجدت عبد اللَّه بن مسعود من ذلك الأخاذ.
فنرى الشيخ من الرجال القلائل الذين تنطبق عليهم هذه الكلمة الرائعة بكل معانيها، وتصدق تماما على هذا العالم الجليل الأبي العف.
أن مرحلة التزكية والإحسان من أبرز المراحل التي غيرت مجرى حياة الشيخ، واحتلّ بها مكانة مرموقة بين جموع البشر في ربوع الأرض كلها، واستهوى قلوب الناس إليه، وهيمن عليها، وغدا مهيبا معظما لدى المقتربين منه والمبتعدين عنه، وطار صيته، وانتشر ذكره في أقطار المعمورة وأمصارها، وقد تقدم الشيخ في حلبة تزكية النفس عن أرجاس الرذائل وأنجاسها وتطهيرها
[ ١٢ / ٣١٥ ]
تقدما حثيثا بصحبة نخبة من أولياء اللَّه المخلصين الربانيين وحاز مكانا عليا، واكتمل بدره في مدة قصيرة، وفي صفاء الباطن ونقاء القلب والتحلية بالخصائل المحمودة والتخلية عن الصفات الطوائح بلغ درجة عالية، بهرت النفوس وشدهتها، وأخذت القلوب، واجتذبتها.
وكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حيث مست الحاجة إلى ذلك، دون مخافة لوم لائم فيه. وكان إذا انتهكت أمامه محارم اللَّه لم يقم دونه شيء، حتى ينتقم، ولو كان مقترف المعاصي أقرب الناس إليه وأحبّهم.