بعد ما لبث الشيخ ﵀ مدّة قرابة سنتين طريح الفراش مبتلى بالأمراض المختلفة المضنية لبّى دعوة ربّه الكريم، ولحق برفيقه الأعلى، وكان ذلك يوم التاسع عشر من رمضان سنة ثلاث وثلاثين بعد الألف من الهجرة النبوية، الموافق الثامن من أغسطس سنة اثنا عشر بعد الألفين من السنة الميلادية، ودفن في مقبرته العائلية مقبرة العزيز، التي دفن فيها حفيدته الكبرى قبله، الواقعة في قرية "كرانيغنج"، التابعة المحافظة "داكا"، "بنغلاديش"، رحمهما اللَّه رحمة واسعة، وأفرغ عليهما سحائب رحمته، وشآبيب رضوانه آمين.
قِفَا نَحْظَ من ذكرى حبيب ومنزل … سقتْه السواري والغوادي بسلسل
ومهلا على تذكار آثار طيبة … مدينة محبوب كريم مفضَّل
بها قبة خضراء في رونق الضحى … تلألأ نورا فوق بدر مكمَّل
بها مرقد المولى الكريم محمد … يفوق على العرش المعلّى ويعتلي
يذكّرنا آثارها وديارها وتبدي لنا من لا نراه ونجتلي
نشمّ بها ريّا الحبيب كأنه … على ظهرها ثاو ولم يترحّل
حبيب إله العالمين محمد رفيع العلى خير البرايا وأفضل
إمام النبيين رسول معظَّم … وسيّد كونين عديم الممثَّل
شفاعته ترجي لدى كل غُمّه … وكرب وهول واقتحام الغوائل
ترى باسمه يشفي السقام وإنه … لحرز عظيم من جميع النوازل
ولو كانت الآيات تعدل قدره … لكان اسمه يحيى رميم المفاصل
هو النور والبرهان طه وشاهد … وصاحب إسراء عظيم الشمائل
دعاه الإله بالبراق ومعرج … إلى الملأ الأعلى وأعلى المنازل
فسار إلى العرش وما شاء ربه … لرؤية آيات عظام الدلائل
وزار من الآيات ما لم يفسّر … وحاز الكرامات ما يفصل
ونال العلى فوق الخيال وخاطر … وعزا وإجلالا كلّ الفضائل
[ ١٢ / ٣٠٥ ]
دنا فتدلّى قاب قوسين ربه … فأوحى إليه من عظام المسائل
وصار نجيا للحبيب حبيبه … وجبريل ناء في الوراء بمعزل
هدانا إلى الخير وجنة ربنا … أتانا من اللَّه بدين معدَّل
لقد جاء والناس في قعر ظلمة … ضلال وإشراك وفي كل باطل
بشيرا نديرا للأنام ورحمة … رؤوفا رحيما مثل عذب المناهل
سراجا منيرا مثل شمس ظهيرة … كريما جوادا مثل غيث محفَّل
عزيز عليه ما عنتم محبة … حريص عليكم لن تروا من مماثل
وداع إلى الخير بوعظ وحكمة … وهاد إلى اللَّه بدين مدلَّل
وبالبينات من دلائل ربه … وبالمعجزات الباهرات الجلائل
تشقّق بدر من إشارة إصبع … تكسّر صخر من إشارة مِعْوَل
وسلّم أحجار إليه تحيّة … عليك سلام اللَّه دوما تقبَّل
وجاء عِدَاه بالحجارة قبضة … فنادت نداء في شهادة مرسل
تفلّت أشجار إليه ملبّة … وقامت لديه مثل عبد مذلَّل
تجمّع أغصان إليه مظلّة … وسار الغمام مثل سقف مظلَّل
وحنّت إليه نخلة من محبة … فأنت ورنَّت كاليتيم وأرمل
فلما أتاها هادئا متعطّفا … لغاض بكاها كالوليد المعلَّل
تشكَّت إليه بالمظالم ناقة … كلّم ظبي مثلي ثكلى بمأمل
أتت عنكبوت بالبيوت وقاية … عليه من الأعداء تحمي بمقتل
وجاءت تقيه من عدوّ حمامة … يقول لِثَان لا تخفْ وتوكَّل
وقد قال يا أرض خذيه لفارس … فلم يتخلّص لحبل أمر مبدّل
طيور ووحش والخلائق كلها … لتدري رسول اللَّه دون التأمّل
دعا قومه يوما إلى اللَّه دعوة … وأنذرهم هولا العذاب المعجَّل
فنادى نداء يا معاشر مكة … هلمُّوا إلى قول النذير المهوّل
فعم قريشا والعشيرة كلّها … وخصّ من القربى بقول مفصل
[ ١٢ / ٣٠٦ ]
ألا تعلموني صادقا إن أخفتكم … يجيش أتاكم عن قريب معجّل
فقالوا: بلى لم تأت زورا ولم نر … بك الكذب ياخير الأمين المعوَّل
فقال اسمعوا ثم اسمعوني فإننى … نذير لكم قبل العذاب المخجّل
ألا فاعبدوا ربا ولا تشركوا به … ولا تعبدون من إله مسوَّل،
ألا فاهجروا رجزا وأوثان قومكم … وما يعبد الآباء أجل المجاهل
فراغوا إليه بالعداوة كلهم … وهمّوا به شرا بكلّ الوسائل
سعى كل سعي في هداية قومه … ولكن تلقَّوه بشر مسلسل
فصار يجول في المجامع تارة … وطورا يدور في بطون القبائل
ويعرض دين اللَّه في كل محضر … ويدعو عباد اللَّه في كل محفل
أتا طائفا يدعو إلى دين ربه … ويرجو بأهليها لعون مؤمَّل
ولكن أتوه بالجفاء وغدرة … وجور وإيلام وجرح مقتّل
وأدموه ضربا بالحجارة صبغة … وأذوه إيذاء بما لم يمثَّل
فسالت دماء من جبين مبارك … وصارت على الرجل كخف منعل
ليمسح وجها من دماء ومدمع … ويمشي غشيا في هجوم البلابل
فجاء إليه من ملائك ربه … لإهلاك قوم بالعذاب المنكّل
لإهلاكهم بين الجبال بطائف … بسحق ورضّ بينها مثل فلفل.
* * *