أحد فقهاء الحنفية.
كانت له ملكة راسخة في الإفتاء، وخبرة تامة بالفقه، واستحضار لمتونه وجزئياته، يكتب الجواب في الساعة، ولا يحتاج إلى المراجعة أو التغيير في أكثر الأحيان، هذا مع تحرّ للصواب، ودقّة في تحرير المسائل، وإلمام بالحوادث والنوازل، وقد داوم على ذلك أربعين سنة، وكتب من الأجوبة، وأصدر من الفتاوى، ما يملأ بطون الدفاتر.
وكان غاية في التواضع، وهضم النفس، وستر الحال، والحرص على إيصال النفع.
وكان يدور بعد صلاة العصر على البيوت، ويسأل الأرامل والعجائز عن حاجاتهم، ثم يذهب إلى السوق بنفسه، ويشترى لهم مما خفّ، وثقل، ويحمله بنفسه، ويطلع على سطوح بيوت الفقراء أيام المطر، ويعالجها بنفسه
_________________
(١) * راجع: علماء ديوبند وخدماتهم ص ١٠٢ - ١٠٦، ونزهة الخواطر ٨: ٣٤١، ٣٤٢.
[ ١٢ / ٣٢١ ]
بالمترميم والتطيين، وقد غلبت عليه الرأفة بالناس، والشفقة على الخلق، هذا مع حلم زائد، وصبر على المكاره، وهمّ الآخرة، ودوام التوجيه إلى اللَّه، والتعظيم للشرع.
وكان كثر الإفاضة، قويّ النسبة، يداوم على حلقة الذكر والتوجيه، وتذكر له كشوف وكرامات.
ولد رحمه اللَّه تعالى سنة ١٢٧٥ هـ في أسرة كريمة، يتّصل نسبُها بسيّدنا عثمان بن عفّان ﵁.
وكان والده الشيخ فضل الرحمن من علماء زمانه، وفضلاءهم، وكان من أصدقاء حجّة الإسلام الإمام محمد قاسم النانوتوي، عي صاحب الترجمة بظفر الدين اسما تاريخيا.
التحق بدار العلوم الديوبندية في قسم تحفيظ القرآن الكريم ١٢٨٤ هـ، وفرغ من حفظ كتاب اللَّه في ١٢٨٧ هـ، ثم اشتغل بتعلّم الكتب المتداولة في دار العلوم الديوبندية على عصابة العلوم الفاضلة، وفرغ من تحصيل العلوم ١٣٩٥ هـ، واستلم الشهادة والعمامة من يد الفقيه الربّاني رشيد أحمد الكنكوهي.
أخذ رحمه اللَّه تعالى الحديث عن حجّة الإسلام الإمام محمد قاسم النانوتوي، والعلامة محمد يعقوب النانوتوي، وهما أخذا عن الشاه عبد الغني الدهلوي، وهو أخذ عن الشاه محمد إسحاق عن الشاه عبد القادر بن الشاه ولي اللَّه الدهلوي، وأسند عن الشاه عبد العزيز بن الشاه ولي اللَّه أيضًا، كما أسند عن الشيخ عمر بن عبد الكريم المكّي عندما حجّ، وزار في ١٢٤٠ هـ.
وأسند الشاه أبو سعيد المجدّدي الدهلوي "صحيح الإمام مسلم" عن الشاه رفيع الدين الدهلوي، ثم أكرمه اللَّه تعالى بالإجازة العامة عن الشاه عبد العزيز، عن أييه الشاه ولي اللَّه الدهلوي هذا، وقد حصل صاحب
[ ١٢ / ٣٢٢ ]
الترجمة القراءة والإجازة عن الشاه عبد الغني بلا واسطة أيضًا حين نزوله بـ "المدينة المنوّرة".
ولصاحب الترجمة إسناد آخر عال، فقد حصل له القراءة والإجازة عن أكبر مشايخ عصره الشاه فضل رحمن الكنج مرادآبادى، وهو يروي عن الشاه عبد العزيز، عن والده الشاه ولي اللَّه الدهلوي.
بعدما فرغ من تحصيل العلوم العالية والآلية عيّن مدرّسا مساعدا بدار العلوم الديوبندية، واشتغل بتحرير الفتاوى تحت إشراف أستاذه محمد يعقوب، ثم ارتحل إلى "ميرته"، واشتغل بالتدريس والإفادة في المدرسة الإسلامية بـ "أندركوت"، بقي هنالك مدّة، ثم اختير نائب الرئيس بدار العلوم ديوبند، وبعد عام ولي التدريس والإفتاء بها، درّس في جامعة ديوبند الإسلامية التفسير والحديث والفقه، ودرّس في الحديث "موطأ الإمام مالك" برواية يحيى بن يحيى، وبرواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني، و"شرح معاني الآثار" للإمام الطحاوي، و"مشكاة المصابيح" للتبريزي، ودرّس في أصول الحديث "شرح نخبة الفكر" للعسقلاني، وداوم على التدريس والإفتاء في جامعة ديوبند الإسلامية، ثم غادرها مع الإمام المحدّث مولانا أنور شاه الكشميري، ومع أخيه المحدّث مولانا شبّير أحمد العثماني، وتوجّه إلى "دابيل" في ولاية "كجرات" حيث أقام يدرّس ويفيد، ولما مرض المحدّث العلامة الكشميري، وكان يدرّس في الجامعة الإسلامية "صحيح البخاري" اختاره أصحاب الجامعة لتدريس "الصحيح"، فدرّس رحمه اللَّه تعالى الأجزاء الباقية منه، وهو أربعة عشر جزء وذلك في شهر ربيع الثاني ١٣٤٧ هـ، درّس تلك الأجزاء في شهر ونصف.
كان قليل الاشتغال بالتأليف والتصنيف، وله حاشية على كتاب الشيخ الجليل الشاه عبد العزيز الدهلوي "ميزان البلاغة"، وترجم رحمه اللَّه تعالى "تفسير الجلالين" بالأردية.
[ ١٢ / ٣٢٣ ]
قد سبق أن ذكرنا متانته في الفقه والإفتاء، وكانت فتاواه تمتاز بكونها بأعذب بيان وأوفى تبيان في أسهل عبارة، لا تخلّ ولا تملّ، كان رحمه اللَّه تعالى مرجعا في الفتاوى للخواصّ والعوامّ معا، وكانت قلوب العلماء تطمئنّ بفتاواه في المسائل المشكلة، التي صعب عليهم حلُّ عقدتِها، وقد طبع بعض فتاواه تلميذه البار المفتي محمد شفيع الديوبندي رحمه اللَّه تعالى باسم "عزيز الفتاوى" في مجلّد واحد ضخيم.
ولكن كان بعض هذه المجموعة غير مرتّبة، وكانت الحاجة ماسّة إلى ترتيبها كلّها، فرتّبها جماعة من علماء جامعة ديوبند الإسلامية، منهم: الشيخ المفتي ظفير الدين، حفظهم اللَّه تعالى، فطبعت تلك المجموعة التي كانت محفوظة في الدفاتر، مع زوائد كثيرة في اثنى عشر مجلّدا، وهو جزء قليل من فتاواه، التي أصدرها في مدّة مديدة، والأسف أن فتاواه التي أصدرها في مدّة عشرين سنة في بداية الأمر، لم تحفظ في الدفاتر، وذلك من ١٣١٠ هـ إلى ٢١ ذي القعدة ١٣٢٩ هـ، ثم من ١٣٣٠ هـ اهتمّوا بتسجيل الفتاوى في الدفاتر، وحينما أرادوا أن يطبعوا فتاواه المنشورة في دفاتر دار الإفتاء، فوجدوا فيها عناوين المستفتين قد بلغ عددُها سبعا وثلاثين ألفا، ومن المعلوم أن أكثر دأب المستفتين أنهم يسألون عدّة أسئلة في كتاب واحد، فلو حوسب أن كلّ مستفت قدّم إليه ثلاث أسئلة، ثم أجاب عنها يزيد عددُها مائة ألف فتوى.
تلمّذ عليه جماعة من العلماء، منهم: المفتي محمد شفيع الديوبندي المفتي الأكبر لدولة "باكستان"، ومؤسّس جامعة دار العلوم بـ "كراتشي" (^١)،
_________________
(١) تعتبر هذه المدرسة من أكبر المدارس في "باكستان" لتدريس العلوم الدينية بمختلف أصولها وفروعها، ومركزا مرموقا لنشر رسالة الإسلام السامية، والذود عن بيضة الدين الحنيف. أسّسها سماحة الشيخ المفتى محمد شفيع الديوبندي في ١٣٧١ هـ، وكان المؤسّس يعتبر المفتي الأكبر لـ "باكستان"، رفع اللَّه درجته في =
[ ١٢ / ٣٢٤ ]
وشيخ الحديث محمد إدريس الكاندهلوي، صاحب "التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح"، وشيخ الحديث بالجامعة الأشرفية بـ "لاهور" سابقا، والشيخ السيّد بدر عالم الميرتهي المهاجر المدني، صاحب "ترجمان السنّة"، و"التعليقات على فيض الباري"، والشيخ القارئ محمد طيب، رئيس جامعة ديوبند الإسلامية سابقا، والشيخ الجليل مناظر أحسن الجيلاني، صاحب
_________________
(١) = أعلى علّيين ما إن أسّسها، حتى أمّها الطلاب من مختلف زوايا المجتمع الباكستاني المعروف بنزعته الإسلامية القوية، واجتمعوا في هذه البقعة الطيبة من شتى المناطق، وانضمّ إلى هولاء الطلاب الباكستانيين إخوان لهم من "الهند" ذاتها، ومن "بنغلاديش"، و"بوربا"، و"إندونيسا"، و"ماليزيا"، و"أفريقية"، و"أفغانستان"، و"إيران"، و"تركيا"، وغيرها من البلاد الإسلامية، بحيث غدت هذه الجامعة دار العلوم كراتشي حصنا ثقافيا إسلاميا، ينفر إليه طلاب المعرفة الدينية، من كلّ صوب وحدب ليتفقّهوا في الدين، وليرجعوا إلى قومهم دعاة إلى اللَّه، يعلمونهم، ويفقهونهم، لعلّهم يححذرون، أسّسها سماحة المفتي قدّس سرّه، في قعر مدينة كراتشي، ثم لما كثر الطلاب، ومسّت الحاجة إلى بقعة كبيرة ومكان واسع جعل يبحث عن هذه البغية، فوجد بفضل اللَّه تعالى وكرمه أرضا واسعة في ناحية كراتشي، وقّفها بعض أهل الخير من "بلاد أفريقية"، فنقلت جامعة دار العلوم كراتشي إلى محلّ جديد (كورنكي)، وبقي في محلّ قديم قسم تحفيظ القرآن الكريم وبعض المكاتب الإدارية، فهذه الجامعة أكبر جامعة في شبه القارة الهندية، من حيث المساحة، تبلغ ساحتها ٥٦ فدانا، التحق جامعة دار العلوم كراتشي بوفاق المدارس العربية في ١٣٠٣ هـ، وأما قبلها فكانت غير ملحقة بها، وبعد ما التحق بها يشترك طلابها في اختبارات تنعقد تحت إشراف وفاق المدارس العربية بـ "ملتان"، ويمنح الشهادة من الجامعة، ومن وفاق المدارس للفائزين، وهكذا شأن جميع الجامعات والمدارس الملحقة بالوفاق.
[ ١٢ / ٣٢٥ ]
المؤلّفات النافعة، والشيخ المفتي عتيق الرحمن العثماني، والشيخ حفظ الرحمن السيوهاروي، مؤلف "قصص القرآن" رحمهم اللَّه تعالى.
توفي رحمه اللَّه تعالى في السابع عشر من جمادى الآخرة في سنة ١٣٤٧ هـ، ودفن بجوار الإمام محمد قاسم النانوتوي، والعلامة محمود حسن الديوبندي، حمهم اللَّه تعالى.
* * *