وقد بلغه أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ، فَيُغْالِي بِهَا، ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ، فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ، فَأَفْلَسَ:
«أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الأسَيْفِعَ، أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ (٢) رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، أَنْ يُقَالَ: سَبَقَ الْحَاجَّ، أَلاَ وَإِنَّهُ دَانَ مُعْرِضًا، فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلْيَاتِنَا بِالْغَدَاةِ، نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غرمائه، وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ» (٣).
[٨٢] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ - ﵁ -
إلى النعمان بْنِ عَدِيِّ بْن نضلة (٤) - ﵁ - (والي ميسان) وقد بلغه
_________________
(١) رواه الفاكهي في أخبار مكة (٢٠٣١) والبلاذري في أنساب الأشراف: ٥/ ٩ واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢٧٩٤).
(٢) أي: استدان معرضًا عن الوفاء، وكان أسيفع يشتري الرواحل، ويسبق الحجاج، فيتغالى بثمن ما اشتراه، فأفلس. (الإصابة: ١/ ٣٤٣).
(٣) رواه مالك في الموطأ (٢٨٤٦) وابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٣٦٩) وابن شبة في تاريخ المدينة: ٢/ ٧٦٤ و٧٦٦و٧٦٧ والبلاذري في أنساب الأشراف: ١٠/ ٣٣٠ والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٢٨٩).
(٤) النعمان بن عديّ بن نضلة العدوي: كَانَ من مهاجرة الحبشة، هاجر إليها هُوَ وأبوه عدي، =
[ ٧٢ ]
قوله (١):
أَلَا هَلْ أَتَى الْحَسْنَاءَ (٢) أَنَّ حَلِيلَهَا (٣) بِمَيْسَانَ يُسْقَى فِي زُجَاجٍ وَحَنْتَمِ (٤)
إذَا شِئْتُ غَنَّتِني دَهَاقِينُ (٥) قَرْيَةٍ وَرَقَّاصَةٌ تَجْذُو (٦) عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ (٧)
فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَثَلِّم
لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ تَنَادُمُنَا فِي الجَوْسَقِ الْمُتَهَدِّمِ (٨)
_________________
(١) = فمات عدي هناك بأرض الحبشة، فورثه ابنه النعمان هناك، فكان النعمان أول وارثٍ في الإسلام، وكان عدي أَبُوهُ أول مُوَرِّث في الإسلام، ثُمَّ ولَّى عُمَر النعمان ميسان، وهي كورة واسعة بين البصرة وواسط، ولم يول عمر بن الخطاب رَجُلًا من قومه عدويًا غيره. (الاستيعاب: ٤/ ١٥٠٢ وأخبار النساء لابن الجوزي: ص١١٤ ومعجم البلدان لياقوت الحموي: ٥/ ٢٤٣).
(٢) لمَّا أراد النعمان - ﵁ - من امرأته الخروج معه إلى ميسان أبَتْ عليه، فلمّا وصل إلى ميسان أراد أن يغيرها فترحل إليه، فكتب إليها هذه الأبيات. (الاستيعاب: ٤/ ١٥٠٢ وأخبار النساء لابن الجوزي: ص١١٤ ومعجم البلدان لياقوت الحموي: ٥/ ٢٤٣).
(٣) في طبقات ابن سعد ط إحسان عباس (الخنساء) وهو تصحيف، وقد صوَّبه د. علي محمد عمر في تحقيقه للطبقات وعزا التصحيح أيضًا لنسخة خطية للطبقات في مكتبة أحمد الثالث.
(٤) الحليل: الزَّوْج.
(٥) الحنتم: جرار مدهنة بخضرة تضرب إِلَى الْحمرَة.
(٦) الدهاقين: جمع دهقان، وَهُوَ الْعَارِف بِأُمُور الْقرْيَة ومنافعها ومضارها.
(٧) في طبقات ابن سعد ومعجم البلدان: (تَجْثُو عَلَى كُلِّ مَنْسَمِ).
(٨) تجذو: تبرك على ركبتيها. وَيُرِيد بالمنسم: طرف قدمهَا. وأصل المنسم للبعير. وَهُوَ طرف خفه، فاستعاره هُنَا للْإنْسَان. وَرِوَايَة هَذَا الشّطْر الْأَخير فِي مُعْجم الْبلدَانِ عِنْد الْكَلَام على «ميسَان»: (وصنّاجة تجثو على حرف منسم)، والصناجة: هي الَّتِي تضرب بالصنج، وَهُوَ من آلَات الْغناء.
(٩) الْجَوْسَقِ: الْبُنيان العالي، وَيُقَال هُوَ الْحصن.
[ ٧٣ ]