كتاب البلغة:
أما كتاب البلغة الذي بين أيدينا فهو حلقة من سلسلة الكتب المصنفة في هذا الفن رتب الفيروزآبادي تراجمه في أبواب وفاق حروق المعجم. بدأ بالألف وثنى بالتاء وثلث بالثاء، إلى آخر ذلك، ولكن دون أن يراعي ثواني الأسماء وما بعدها وأسماء الآباء والأجداد.
والتراجم فيه وجيزة بوجه عام، فبعضها لا يتعدى بعض كلمات، وبعضها يجاوز ذلك إلى سطر أو سطرين أو عدة أسطر، أو أكثر، والقليل منها بلغ صفحة أو صفحتين. ولا ندري سر ذلك، ولكن يبدو أنه تحرى الدقة والصحة والإيجاز، وأنه لم يذكر إلا ما تيقن منه؛ إذ إنه لا يذكر أحيانا إلا اسم صاحب الترجمة١، وأحيانا يتبعه بقوله: لم أقف له على ترجمة٢، وكثير من تلك التراجم المختصرة جدا لم نجد في المصادر التي رجعنا إليها زيادة تستحق الذكر، وبعضها الآخر لم نجده البتة.
وقد تكررت فيه بعض التراجم، ولربما وجدنا في الترجمة المكررة زيادة في التعريف٣ وقد يشير إلى أنه سبق ذكر صاحب الترجمة، فهذا يفيد أنه كررها عامدا ولعلنا لا نعدم لهذا التكرار سببا.
ولم يصدر بخطبة تبيين خطة التصنيف ودواعيه والهدف منه، إنما بدأت الكتاب
_________________
(١) ١ الترجمة ١ والترجمة "٣٩٥" مثلا. ٢ الترجمة "٧٥" مثلا. ٣ الترجمة "٥٣" كررت برقم "٥٨" والترجمة ٣٥٩" كررت برقم "٣٦٣".
[ ٤٦ ]
بحرف الألف وبالترجمة الأولى بعد بسملة وحمدلة، ومن يدري فلعل النساخ قد أسقطوها.
ويبدو أن الفيروزآبادي قصد هذا الإيجاز؛ إذ إنه لم يصنف إلا "بلغة" ولو أنه صرح بأنه يود الاستقصاء، أو ادعى أنه يفي كل مترجم حقه لكان في هذا الإيجاز وعدم ذكر بعض العلماء إخلال ومنقصة.
وبلغت تراجم هذا الكتاب أربعمائة واثنتين وعشرين ترجمة، منها ثماني تراجم مكررة، أشرت إليها عند ورودها، فإذا تكرر كان الباقي أربعمائة وأربع عشر ترجمة.
هذا ولقد غدا البلغة" مصدرا اعتمده المصنفون والعلماء، وأثنى عليه العلماء المصنفون الفضلاء.
قال عنه جلال الدين السيوطي في بغية الوعاة: "حسن لطيف، رأيته بمكة" ونقل عنه١، كما نقل عنه السخاوي في الضوء اللامع وأورد بعض أقوال العلماء فيه، وقال عنه طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة: "لطيف في الغاية".
وأما عنوانه فقد جاء على خمسة أوجه هي:
١- البلغة في أئمة اللغة. ذكر الزبيدي في مقدمة كتابه "تاج العروس" أن لديه نسخة منه بهذا الاسم.
٢- البلغة في تاريخ أئمة اللغة. جاء هذا العنوان في صدر نسخة برلين المخطوطة من هذا الكتاب، وبه سماها السخاوي في كتابه "الإعلام بالتوبيخ لمن ذم التاريخ"٢ وقال: وقفت عليه. وفي مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده.
٣- البلغة في تاريخ أئمة النحو واللغة. جاء هذا العنوان في صدر نسخة الآصفية المخطوطة، وفي كشف الظنون وهدية العارفين.
٤- البلغة في تراجم النحاة واللغة. جاء هذا العنوان في الضوء اللامع
_________________
(١) ١ بغية الوعاة ١/ ٢٧٤ وانظر أيضا ١/ ٩٦ و١٠٨ و٣٩٣ و٥٢٥ ومواضع أخرى. ٢ انظر الصفحة ١٨٦ منه.
[ ٤٧ ]
للسخاوي، والبدر الطالع للشوكاني، وشذرات الذهب لابن العماد.
٥- البلغة في طبقات أئمة اللغة. جاء هذا العنوان في مقدمة السيوطي لكتابه "بغية الوعاة" عندما سرد مصادره.
وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب بالعنوان الثاني، إلا أننا فضلنا أن يكون عنوانه في طبعته الثانية العنوان الثالث؛ لأنه كتاب تراجم، ولأن جل المترجمين نحاة ولغويون في آن، لما بين النحو واللغة من تلازم.
والحقيقة أني تلبثت واعترتني حيرة في اختيار أحد هذه العناوين الخمسة أجعله عنوانا يصدر به، وقد تعددت عناوينه في المصادر، وبعد حين قر رأيي على ما قدمت
[ ٤٨ ]