المدرسة البصرية:
عُنيت البصرة قبل غيرها بالنحو، فوضعت قواعده وأصوله. وكان ابن أبي إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١١٧ أول نحوي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، اشتق قواعده، وقاس وعلل. ثم جاء عيسى بن عمر الثقفي المتوفى سنة ١٤٩ وأبو عمرو بن العلاء المتوفى سنة ١٥٤، ويونس بن حبيب المتوفى سنة ١٨٢ الذين تقدموا خطوات هامة في هذا المجال.
ويعود الفضل إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة ١٧٥ في إقامة صرح النحو والصرف وأصولهما ورفع قواعدهما، التي ثبتت رغم الاختلاف الذي ظهر بين النحاة والمدارس، وقد اعتمد الخليل على السماع والتعليل والقياس. ومن ثم إلى سيبويه المتوفى سنة ١٨٠ الذي سجل في كتابه تلك الأصول والقواعد واستعمالاتها وأساليبها في كلام العرب. ثم أتى الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة المتوفى سنة ٢١١ الذي لزم سيبويه وروى عنه كتابه وخالفه في كثير من المسائل، وتبعه محمد بن المستنير قطرب المتوفى سنة ٢٠٦ في كثير من الآراء وأبو عمرو الجرمي المتوفى سنة ٢٢٥ الذي لزم الأخفش، وأخذ عنه كل ما عنده، وكانت له بعض الآراء الصرفية خالف فيها سيبويه.
وأما أبو عثمان المازني المتوفى سنة ٢٤٩ فقد أصبح بعد وفاة الأخفش والجرمي عالم البصرة، وقام بالفصل بين النحو والصرف، فنظم قواعد الصرف ومسائله الخاصة، حتى جعله علما مستقلا بأبنيته وقياساته، بعد أن كان مختلطا بعلم النحو في كتاب سيبويه، ثم لمع نجم تلميذه المبرد المتوفى سنة ٢٨٥ وأصحابه أبي إسحاق الزجاج المتوفى سنة ٣١٠ وأبي بكر بن السراج المتوفى سنة ٣١٦ وأبي سعيد السيرافي المتوفى سنة ٣٦٨ الذين أصلوا جذور المدرسة البصرية ومدوا فروعها للغاية.
[ ٩ ]
المدرسة الكوفية:
انشغل علماء الكوفة بادئ الأمر بالفقه ووضع أصوله ومقاييسه، وأذكر هنا أبا حنيفة النعمان، وعنوا بالقراءات ورواياتها، حتى اشتهر منهم عاصم وحمزة والكسائي، واهتموا أيضا برواية الأشعار، فتركوا المجال لعلماء البصرة الذين حازوا فضل السبق في علم النحو والصرف.
ولكن سرعان ما رغب علماء الكوفة بهذين العلمين، فكان أبو جعفر الرؤاسي المتوفى سنة ١٨٧ أول كوفي ألف في النحو، والذي أخذ العلم في البصرة عن أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي. ثم ظهر الكسائي المتوفى سنة ١٨٩ الذي أخذ العلم من حلقات أئمة البصريين، ثم رجع إلى الكوفة فوضع أسس المدرسة الكوفية التى اعتمدت على الاتساع في رواية الأشعار والأقوال والقراءات الشاذة والقياس على الشاذ والنادر في اللغة، مخالفا بذلك البصريين في القواعد بآراء لا يقويها شاهد وربما رفض المسموع والشائع. وتبعه بذلك تلميذه الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ متسعا بهذه الجوانب ومتزودا بقدرة ثقافية كلامية فلسفية، أقدرته على الاستنباط والتحليل والاحتيال للآراء، وهشام بن معاوية الضرير المتوفى سنة ٢٠٩، ثم جاء ثعلب أحمد بن يحيى المتوفى سنة ٢٩١ الذي أخذ عن الفراء كل ما كتب وقرأ كتاب سيبويه، وأخذ عن الأخفش الأوسط، حتى تبحر في مذهبي البصرة والكوفة. واشتهر بعد وفاته من تلاميذه كثيرون، من أمثال أبي موسى سليمان بن محمد المعروف بالحامض، الذي جلس بعد موت أستاذه مجلسه، حتى توفي سنة ٣٠٥، وأبي عمر الزاهد المتوفى سنة ٣٤٥، وأبي بكر بن الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨، ثم جاء أحمد بن فارس المتوفى سنة ٣٩٥، الذي مد ظلال المدرسة الكوفية إلى حين ابن آجروم الصنهاجي المتوفى سنة ٧٢٣، الذي كان آخر النحاة، الذين استظهروا آراء المدرسة الكوفية.
[ ١٠ ]
المذهب البغدادي:
إن أوائل النحاة الذين ظهروا في بغداد كانوا ممن أخذ عن المبرد وثعلب وبذلك نشأ جيل يحمل آراء كلنا المدرستين، وكان منهم من مال في أغلب آرائه إلى أهل الكوفة، كابن كيسان المتوفى سنة ٢٩٩ وابن شقير المتوفى سنة ٣١٥ وابن الخياط المتوفى سنة ٣٢٠ والزجاجي المتوفى سنة ٣٣٧، ومنهم من اتجه إلى الآخذ بأراء أهل البصرة كأبي على الفارسي المتوفى سنة ٣٧٧، الذي عكف على حلقات البصريين، وابن جني المتوفى سنة ٣٩٢، الذي يعد أول أئمة المدرسة البغدادية، وكان ظهور هذين العالمين إيذانا بنشوء مذهب جديد في الدراسة والتصنيف، مذهب يقوم على الانتخاب من آراء المدرستين جميعا والاجتهاد في استنباط آراء جديدة، معتمدين على تمثل آراء نحاة البصرة والكوفة وآراء البغداديين الأوائل، وكان أشهر أتباع المذهب الجديد الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ وابن الشجري المتوفى سنة ٥٤٢ وأبو البركات بن الأنباري المتوفى سنة ٥٧٧ وأبو البقاء العكبري سنة ٦١٦ وابن يعيش المتوفى سنة ٦٤٣.
المذهب الأندلسي:
ابتدأت عناية الأندلسيين بنحو الكوفة، فكان أولهم جودي بن عثمان الموروي المتوفى سنة ١٩٨ الذي رحل إلى المشرق، وأخذ عن الكسائي والفراء، وعبد الملك بن حبيب السلمي المتوفى سنة ٢٣٨، حتى إذا وصلنا إلى الأقشنيق المتوفى سنة ٣٠٧ نراه يرحل إلى الشرق، ويعود بكتاب سيبويه، ويعلمه تلاميذه بقرطبة، وعنه أخذ أحمد بن يوسف بن حجاج المتوفى سنة ٣٣٦، ويبدأ الاهتمام بالكتاب أكثر فأكثر على يدي محمد بن يحيى المهلبي الجياني المتوفى سنة ٣٥٣ وأبي على القالي المتوفى سنة ٣٥٦ وابن القوطية المتوفى سنة ٣٦٧، وغيرهم. فطبع نحو الأندلسيين عند ذاك بالطابع البصري في أغلب مسائله وقواعده، ثم أقبل العلماء على شرح كتب المشرق المشهورة بشكل عام، والإفادة منها، واشتهر من نحاتهم كثيرون أمثال الزبيدي صاحب طبقات النحويين واللغويين المتوفى سنة ٣٧٩ وابن الإقليلي المتوفى سنة ٤١٤ وابن السيد البطليوسي المتوفى سنة ٥٢١ والسهيلي أبي القاسم المتوفى سنة ٥٨١ وابن
[ ١١ ]
خروف المتوفى سنة ٦٠٩ وابن عصفور الإشبيلي المتوفى سنة ٦٦٢ والشلوبين المتوفى سنة ٦٤٥ وغيرهم. وكان أولئك النحويين يتبعون منهج الانتقاء من آراء نحاة البصرة والكوفة، وربما ذهبوا إلى الفارسي وابن جني، ولكنهم كانوا إلى مذهب البصريين أميل. وكان خاتمة علماء الأندلس ابن مالك الجياني المتوفى سنة ٦٧٢ صاحب الألفية، الذي جدد في النحو بعض التجديد وتوسع في الاستشهاد بالحديث، ورجح بعض آراء الكوفيين، ولم يصر على آراء البصريين.
[ ١٢ ]