هذا هو الصحيح في نسبه، وقيل: إنه من بني مازن بن ذهل بن شيبان، وذهل بن ثعلبة المذكور: هو عم ذهل بن شيبان، فليعلم ذلك، والله أعلم.
خرجت أمه من مرو وهي حاملٌ به، فولدته في بغداد، في شهر ربيع الأول سنة ١٦٤، وقيل: إنه ولد بمرو، وحُمل إلى بغداد وهو رضيع.
وكان إمام المحدثين، صنف كتابه "المسند"، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي وخواصه، ولم يزل مصاحبَه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، وقال في حقه: خرجتُ من بغداد، وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل.
وادعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب، فضُرب وحُبس وهو مصرٌّ على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ٢٢٠ عشرين ومئتين، وكان حسن الوجه، ربعة، يخضِب بالحناء خضبًا ليس بالقاني، في لحيته شعيرات سود.
أخذ عنه الحديث جماعةٌ من الأماثل، منهم: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع.
توفي ضحوة نهار الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقين من الشهر المذكور، وقيل: من ربيع الآخر سنة ٢٤١ ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب. وباب حرب: منسوب إلى حرب بن عبد الله أحدِ أصحاب أبي جعفر المنصور، وإلى حرب هذا، تُنسب المحلة المعروفة بـ "الحربية".
[ ١٢ ]
وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يزار - رحمه الله تعالى - وحُرز من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمئة ألف ٨٠٠٠٠٠، ومن النساء - ستين ألفًا ٦٠٠٠٠.
وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفًا من النصارى واليهود والمجوس. وذكر أَبو الفرج بن الجوزي في كتابه الذي صنفه في أخبار بشر بن الحارث الحافي - ﵁ - في الباب السادس والأربعين ما صورته: حدث إبراهيم الحربي، قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام؛ كأنه خارج من باب مسجد الرصافة، وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وأكرمني، فقلت: ما هذا الذي في كمك؟ قال: قدم علينا البارحةَ روح أحمد بن حنبل فنثر عليه الدرر والياقوت، فهذا مما التقطتُ، قلت: فما فعل يحيى بن معين وأحمد بن حنبل؟ قال: تركتهما وقد زارا ربَّ العالمين، ووضعت لهما الموائد، قلت: فلمَ لم تأكل أنت؟ قال: قد عرف هوانَ الطعام عليَّ، فأباحني النظر إلى وجهه الكريم.
وفي أجداده: حيان - بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد الألف نون -، وبقية الأجداد لا حاجة إلى ضبط أسمائهم لشهرتها وكثرتها، ولولا خوف الإطالة لقيدتها، ورأيت: في نسبه اختلافًا، وهذا أصح الطرق التي وجدتها.
وكان له ولدان عالمان، وهما: صالح، وعبد الله، فأما صالح: فتقدمت وفاته في شهر رمضان سنة ٢٦٦، وكان قاضي أصبهان، فمات بها، ومولده في سنة ٢٠٣.
وأما عبد الله، فإنه بقي إلى سنة تسعين ومئتين، وتوفي يوم الأحد لثمان بقين من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة، وله سبع وسبعون سنة، وكنيته: أَبو عبد الرحمن، وبه كان يكنى الإمام أحمد - ﵏ أجمعين -، انتهى ما في "وفيات الأعيان".
وذكر ابن رجب في "طبقاته" في جملة ترجمة الحافظ يحيى المعروف بابن
[ ١٣ ]
مَنْدَهْ ما لفظه: صنف "مناقبَ" الإمام أحمد - ﵁ - في مجلد كبير، وفيه فوائد حسنة، وقال في أوله: ومن أعظم جهالاتهم - يعني: المبتدعة -، وغلوهم في مقالاتهم، وقوعُهم في الإمام المرضي، إمام الأئمة، وكهف الأمة، ناصر الإسلام والسنة، من لم تر عين مثله علمًا وزهدًا وديانة وأمانة، إمامِ أهلِ الحديث: أحمدَ بن محمد بن حنبل الشيباني - قدس الله سره، وبرد عليه ضريحه -، الإمامِ الذي لا يُجارى، والبحر الذي لا يُبارى، ومن أجمع أئمةُ الدين في زمانه، على تقدمه في شأنه ونبله وعلو مكانه، والذي له من المناقب ما لا يعد ولا يحصى، قام لله تعالى مقامًا، لولاه لتجهم الناس، ولمشوا على أعقابهم القهقرى، ولضعف الإسلام واندرس العلم.
ولقد صدق الإمام أَبو رجا، قتيبةُ بن سعيد البغلاني حيث قال: إن أحمد في زمانه بمنزلة أبي بكر وعمر في زمانهما، وأحسنَ من قال: لو كان أحمد في بني إسرائيل، لكان آية، أعاشنا الله تعالى على عقيدته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته -.
وحين وقفت على سرائر هؤلاء، وخبثِ اعتقادهم في هذا الإمام، قصدت لمجموع نبهت فيه على بعض فضائله، ونبذة من مناقبه؛ وذكرت طرفًا مما منحه الله تعالى من المنزلة الرفيعة، والرتبة العلية في الإسلام والسنة، مع أني لست أرى لنفسي أهلية لذلك، وأن المشايخ الماضين قد عنوا بجمعه فشفوا؛ لكني أردت أن يبقى لي بجمع مناقبه ذكر، وأن أكون متشرفًا فيما بين أهل العلم من أهل السنة بانتسابي إليه، وتحلي مذهبه وطريقته.
قال فوران: ماتت امرأة لبعض أهل العلم، فجاء يحيى بنُ معين والدَّورقي، قال: فلم يجدوا امرأة تغسلها إلا امرأة حائضًا، فجاء أحمد وهم جلوس، فقال: ما شأنكم؟ فقال أهل المرأة: ليس نجد غاسلة إلا امرأة حائضًا، فقال أحمد: أليس تروون عن النبي - ﷺ -: "يا عائشة! ناوليني الخمرة"، قالت: إني حائض، فقال: "إنّ حيضتك ليست في يدك"، يجوز أن تغسلها، قال: فحجلوا. ومن أقواله - ﵀ -: الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فمن لم يعمل هنا، ندم هناك.
[ ١٤ ]
وسئل عن الفتوة؟ فقال: تركُ ما تهوى لما تخشى. وكان يقول: إن القلنسوة لتقع من السماء على رأس مَنْ لا يحبها. وقال ابنه عبد الله: قلت لأبي: يقولون إنك تتوضأ مما مست النار، قال: ما فعلته قط، ولم يثبت عندي في ذا خبر.
ولقد ذكر له رجل من أهل العلم: كانت له زلة، وأنه تاب من زلته، فقال: لا يقبل ذلك منه حتى يظهر التوبة والرجوع عن مقالته، ليعلنْ أنه قال مقالته كيت وكيت، وأنه قد تاب إلى الله تعالى عن مقالته، ورجع عنها، فإذا ظهر ذلك منه، فحينئذ تقبل، ثم تلا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، وروى عنه أنه قال: طلب إسناد العلوم من السنة، وقال أيضًا: كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء، فلما أظهروه، لم نجد بدًا من مخالفتهم.
وقيل له: إن ها هنا رجلًا يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية بن أبي سفيان، فقال أحمد: لا تجالسه، ولا تؤاكلْه ولا تشاربه، وإذا مرض فلا تعدْه. وكان يقول: سبحانك ما أغفلَ هذا الخلقَ عما أمامهم، الخائف منهم مقصر، والراجي منهم متوانٍ. وسئل عن رجلٍ عليه تحريرُ رقبة مؤمنة، فكان عبدٌ يقول بخلق القرآن، فقال: لا يجزي عنه عتقُه؛ لأن الله - ﵎ - أمره بتحرير رقبة مؤمنة، وليس هذا بمؤمن، هذا كافر.
وقال عبد الله: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى - ﵇ - لم يتكلم بصوت، فقال: بل تكلم - ﷿ - بصوت، هذه الأحاديث نمرها كما جاءت - يعني: حديث ابن مسعود: إذا تكلم الله - ﷿ -، سمع له صوت كممر السلسلة على الصفوان، قال: وهذه الجهمية تنكره، قال: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله - ﷿ - لم يتكلم، فهو كافر، إنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت.
وقال أحمد: أصولُ الإيمان ثلاثة: دالٌّ، ودليلٌ، ومستدلٌّ، فالدالُّ: الله تعالى، والدليل: القرآن، والمستدل: المؤمن، من طعن على حرف من القرآن؛ فقد طعن على الله - ﷿ -، وعلى كتابه، وعلى رسوله.
[ ١٥ ]
وقال: ثلاثة كتب ليس لها أُصول: ١ - المغازي، ٢ - والملاحم، ٣ - والتفسير.
وقال: من لم يجمع علم الحديث وكثرَة طرقها واختلافها، لا يحل له الحكم على الحديث، ولا الفتيا به.
وقال: إذا روينا عن رسول الله - ﷺ - في الحلال والحرام، والسنن والأحكام، تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عنه - ﷺ - في فضائل الأعمال، وما لا يضيع حكمًا، ولا يرفع، تساهلنا في الأسانيد. وسئل عن هذه الكتابة متى العمل بها؟ قال: أخذها العمل بها. وقال: ما الناسُ إلا من يقول حدثنا وأخبرنا، وسائر الناس لا خير فيهم.
قال أَبو رجا، قتيبة: أحمد إمام، ومن لا يرضى بإمامته، فهو مبتدعٌ ضال.
قال يحيى بن منده: نقول وبالله التوفيق: إن أحمد بن حنبل إمام المسلمين، وسيد المؤمنين، وبه نحيا، وبه نموت، وبه نبعث إن شاء الله تعالى، فمن قال غير هذا، فهو عندنا من الجاهلين.
وحدث شيخ من أهل سجستان بمكة ذُكر عنه فضل ودين، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في المنام، فقلت: يا رسول الله! من تركت لنا في عصرنا هذا من أمتك نقتدي به في ديننا؟ قال: "أحمد بن حنبل" قال: من فما قال رسول الله - ﷺ - في نومه ويقظته، فهو حق، وقد ندب - ﷺ - إلى الاقتداء به، فلزمنا جميعًا امتثالُ مرسومه، واقتفاء مأموره، انتهى كلامه - رحمه الله تعالى -.