ذهب الشَّيخُ المعَلِّميُّ (^١) إلى أن: "ما جمعه ابنُ أبي حاتمٍ من المآخِذ على البخاريِّ كان بالنَّظر إلى النُّسخة التي أخرجها البخاريُّ أوَّلًا، وكلام الخطيب البغداديّ بالنَّظر إلى النُّسخة التي أخرجها البخاريُّ ثانيًا، وهي رواية أبي أحمد محمَّد بن سُليمان بن فارس الدَّلال النيسابوري، المتوفَّى سنة (٣١٢ هـ). . .، ورواية ابن سهل مما أخرجه ثالثًا".
وظهر من تعليقات الشَّيخ المعلمي على الأوهام التي ساقها الخطيب البغداديّ في "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع" أنه يرى أن نُسخة المكتبة الآصفية -وهي فرع عن النُّسخة الباريسية- التي رمز لها الشَّيخ بالرمز (صف) من رواية أبي أحمد بن فارس؛ لأنها تتطابق مع ما نقله الخطيبُ في "كتاب المُوَضِّح" (^٢)، وأن نُسخة الخطيب ترجع إلى رواية أبي أحمد بن فارس، وهي متقدمة عن نُسخة ابن سَهْل؛ فنُسخة ابن سَهْل هي المعتمدة عند الاختلاف (^٣)، فإذا كانت رواية ابن سَهْل هي المتأخرة، وقد وقعت عند الخطيب نُسخة منها، ينقل عنها في مواضع عديدة من "كتاب المُوَضِّح"، فلماذا لم يلتزم مراجعتها في جميع المواضع؟! (^٤).
_________________
(١) مقدمة تحقيق "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع والتَّفريق" (ص ١١، ١٢).
(٢) حاشية تحقيق "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ١٦٦)، مع أنه ذكر في التاريخ (٨/ ١٠٥) أنها من رواية ابن سهل، فلعله تراجع عن ذلك.
(٣) السابق (١/ ٢٦).
(٤) السابق (١/ ٣٣).
[ ١ / ٢١ ]
وقال: "وقد قدمنا مرارًا أن نسخة الخطيب ترجع إلى رواية ابن فارس، وأن المطبوع يرجع إلى رواية ابن سهل، وهي متأخرة عن رواية ابن فارس، وهذه القضية تدل على أكثر من ذلك، تدل على أن البخاريّ أخرج التاريخ قديمًا، وأن رواية ابن فارس مما أخرجه قبل سنة ٢٢٤ هـ، واللَّه أعلم" (^١).
وقد أنعمَ اللَّهُ بالنُّسخة المرموز لها بالرمز (ث)، وهي نسخةٌ تامّةٌ، وقد تميزت عن رواية ابن سَهْل بمزايا عدة، ويبدو أنها من رواية ابن فارس؛ دل على ذلك مقابلتها بنُقُولِ الخطيب البغدادي في كُتبه، ونُقُولِ الدَّارقطني في "المؤتلف والمختلف"؛ كما سيأتي بيان ذلك.
ومِن أجلِّ ما تمتاز به هذه الرِّواية:
- كثرةُ النُّصوص التي زادتها على النُّسخ التي من رواية ابن سهل وغيره.
- حذف بعض التَّراجم التي ربما وقع بها وهمٌ أو خطأ.
- تفرُّدُها بالكثير من التَّراجم التَّامة.
- إعادة صياغة المصنِّف لمادة الكثير من التراجم بالتقديم، أو التأخير، أو الحذف، أو الإضافة.
- تفرَّدُها بالكثير من التَّصويبات.
- زيادات في أسماء بعض الرواة بذكر الأب أو اللقب أو النسب، أو الحذف.
- زيادات في تعليل بعض الروايات.
وهذا لا يُحمَل على فروق النُّسخ، بل يُحمل على تغايُر الرِّوايات.
وقد صارت رواية أبي أحمد بن فارس عمدةً يُعتمد عليها، ويُرجَع إليها؛
_________________
(١) السابق (١/ ٥١).
[ ١ / ٢٢ ]
لذلك عوَّل عليها الخطيبُ البغداديُّ في "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع والتَّفريق"، وفزع إليها عند اختلاف الآخِذين عنه.
والإشكال الواقع في كَوْن نُسخة أبي أحمد بن فارس مُتقدمةً عن نُسخة ابن سَهْل، ونُسخة ابن سَهْل هي المعتمدة عند الاختلاف، يحتاج إلى تفصيل:
فابن سهل أخذ التاريخ عن البخاري سنة ٢٤٦ هـ بالبصرة (^١).
وورد البخاريّ الرّيَّ سنة ٢٥٠ هـ، وحدث عنه أبو حاتم وأبو زرعة (^٢).
ثم ورد نيسابور في الأخير سنة ٢٥٠ هـ، فأقام بها خمس سنين (^٣).
وأقام في دار أبي أحمد محمد بن سليمان بن فارس بنيسابور، فسمع منه التاريخ إلى باب فضيل، وأجازه بالباقي (^٤).
وفي شعبان سنة ٢٥٢ هـ كان في نيسابور، وشهد جنازة سعيد بن مروان، وكان الذهليّ يسأله عن الأسماء والكنى والعلل، ويمرُّ فيه البخاريُّ كالسهم (^٥).
ودخل نسف سنة ٢٥٦ هـ، ثم خرج إلى سمرقند لعشر بقين من رمضان، ومات بقرية خرتنك ليلة الفطر (^٦).
فيظهر من التسلسل الزمني أن رواية ابن فارس إن لم تكن متأخرة عن
_________________
(١) نسخة (ك) (١/ ق ٣/ أ)، ونسخة (ش) (ق/ ٢/ أ).
(٢) "الجرح والتعديل" (٧/ ١٩١).
(٣) "تخليص تاريخ نيسابور" (ص ٢٩)، "تاريخ الإسلام" (٦/ ١٤٨).
(٤) "الأنساب" (٥/ ٣٨٦).
(٥) "تاريخ الإسلام" (٦/ ١٥٩)، وانظر "تاريخ بغداد" (١٠/ ١٢٠)، "الإكمال" لمغلطاي (٥/ ٣٤٧).
(٦) "تاريخ الإسلام" (٦/ ١٤٧).
[ ١ / ٢٣ ]
رواية ابن سهل فهي مقاربة لها في الزمن.
ويوجد في رواية ابن سهل بعض الأحداث التي حدثت بعد ٢٤٦ هـ، مثل ذكر الوفيات لمحمد بن بشّار (ت ٢٥٢ هـ)، وزياد بن أيوب (ت ٢٥٢ هـ)، وإسحاق الكوسج (ت ٢٥١ هـ)، ومحمد بن حميد الرازي (ت ٢٤٨ هـ)، وهذا يحمل على أنه من إضافة الرواة بعد ذلك، واللَّه أعلم.
وأما ما ذكره العلّامة المعلميّ (^١) في التعليق على ما نقله الخطيب عن التاريخ من قوله: "حدثني محمد حدثنا أبو الجماهر"، فيقال:
١. هي في جميع النسخ -ومنها (ث) التي يظنّ أنها من رواية ابن فارس-: "قال لي محمد أبو الجماهر"، إلا النسخة المغربية ففيها: "حدثنا محمد قال: نا محمد أبو الجماهر".
٢. أما قوله: "حدثنا محمد" في النسخة المغربية فهو البخاريّ جزمًا، وهو يتكرر كثيرًا فيها في أول الأسانيد.
فنسخة الخطيب إما أن يكون ذكر البخاريّ فيها في أول الإسناد، فظن المعلميّ أنه الذهليّ.
وإما أن تكون نسخة "الموضح" -وهي في المخطوط كالمطبوع- حصل فيها تحريف فزيد فيها: "حدثنا" بين "محمد" وبين "أبو الجماهر".
٣. قضية إخراج البخاريّ للتاريخ قديمًا يعرف من ترجمته دون ما ذكره المعلميّ بناء على تاريخ وفاة أبي الجماهر سنة ٢٢٤ هـ، فالسماع والتحمل له وقت وتاريخ دون التصنيف، فلا يجزم بأن ما سمعه قديمًا صنّفه وبوّبه في حينه.
_________________
(١) حاشية "الموضّح" (١/ ٥٠ - ٥١).
[ ١ / ٢٤ ]
٤. قوله: "إن رواية ابن فارس مما أخرجه قبل ٢٢٤ هـ" هذا بعيد جدًّا لأمور عدّة:
أ. ما سبق من توجيه ذلك في النسخ.
ب. أن ابن فارس توفي ٣١٢ هـ فمعناه على ما ذكر المعلميّ أن يكون جاوز المائة أو قاربها، وهذا شبه مستحيل، فطبقة شيوخ ابن فارس توفّوا بعد ٢٤٠ هـ، فما أقرب أن تكون ولادته حول ٢٣٠ هـ.
والخطيب البغداديّ وقعت له نُسخةٌ ترجع إلى رواية أبي أحمد بن فارس؛ وهي أصل شيخه أبي الحُسين محمد بن الحُسين بن الفضل القَطَّان، عن علي بن إبراهيم المستملِي، عن أبي أحمد بن فارس (^١). وهذا الأصل هُو المسموع للخطيب، والمُعوَّل علمِه في سائر كتبه، لا سيما في مادة "كتاب المُوَضح لأوهام الجمع والتَّفريق".
وكان يرجع إلى هذا الأصل في تخطئة البخاريّ في "كتاب التَّاريخ الكَبير"، وإذا وقف على خطأ في رواية أبي أحمد بن فارس؛ ثم وجد الخطأ على الصَّواب في بقية روايات الآخِذين عن البخاريِّ، كأبي محمد بن سَهْل وأبي محمد الفسوي، ألحقَ الوهمَ بالمستملِي عن ابن فارس.
ومن الأوهام التي ألحقَ الخطأَ فيها بالمستملي: الوهم السَّابع والثلاثون؛ لأن هذا الوهم رواه على الصَّواب أبو محمد الفسويُّ عن البخاريِّ في "كتاب التَّاريخ الكَبير"، كما رواه محمَّدُ بنُ سهل المقرئ على
_________________
(١) "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ١٢٥).
[ ١ / ٢٥ ]
الصَّواب أيضًا (^١).
غير أن الخطيبَ البغداديَّ قد يكون وقعت له نسخة أخرى من "كتاب التَّاريخ الكَبير"، من رواية أبي أحمد بن فارس، ويظهر من نُقول الخطيب أنه نقل بالوجادة خلاف نَقْلِه عن أصل شيخه أبي الحُسين بن الفضل القطان من "التَّاريخ الكَبير"، رواية أبي أحمد بن فارس. وعندما أراد الاعتذار عن بعض أوهام البخاري الواقعة بها لم يُلحِق الخطأ بالمستملي، وإنما ألحقه بالنَّاسخ، فقال فِى الوهم الرابع والخمسين: ". . . وقد نظرتُ في غير نُسخة من النُّسخ العُتق بـ "تاريخ البخاري"، فلم أره ذكر القرثع إلا في موضع واحد، منها النُّسخة التي يرويها عبد الرحمن بن الفضل الفَسوي عن البخاري، فإنه ذَكَر الكلام الذي قدمنا سياقه في الفصل الأولى لم يَزِدْ عليه.
وكذلك روى محمَّد بن سهل المقرئ عن البخاري الفصل الأول، إلا أنه لم يقل: روى عنه علقمة بن قيس. لكنه ساق حديثًا لعلقمة عن قرثع. ويغلب على ظني أن ذِكْر قرثع الثاني والحديث التالي له كان في "كتاب البخاريِّ"، أو في كِتاب أبي أحمد بن فارس مُخرَّجًا في حاشية الكتاب، فنقله الكاتب إلى غير موضعه، وجعل له ترجمةً مستأنَفة. واللَّه أعلم" (^٢).
فهذا قد يدل على أن الخطيبَ يعتمد في هذه الأوهام على غير أصل شيخه أبي الحُسين بن الفضل القطان، فمثل هذه الأخطاء قليلًا ما تقع في النُّسخ المتصلة بالسَّماع؛ فحمَّل الخطيب الوهم للكاتب؛ فقد كان أصل
_________________
(١) السابق (١/ ١٢٤ - ١٢٦).
(٢) السابق (١/ ١٦٦).
[ ١ / ٢٦ ]
شيخه أبي الحُسين القطان من "التَّاريخ الكَبير" خاليًا من ذكر "قرثع" الثَّاني، وأصل القطان عن المستملي حاضر لديه يستظهر به.
وكأن الخطيب أراد استقصاء الأوهام الواقعة في النُّسخ التي اجتمعت لديه -بتعدد روايات الآخذين عن البخاريِّ- سواء من المصنف، أو الرَّاوي عنه، أو النَّاسخ، والاعتذار عن الكثير منها؛ فربما وقف عليها بعضُ مَن لم يتبحَّرْ في العلم، فيظنها من المصنِّف (^١).
_________________
(١) ويزيد ذلك وضوحًا أن الخطيب قال في "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٤٢): الوهم الثاني عشر: "قال البخاريُّ: محمد بن عَمرو بن الحَسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي. أورد له حديثًا. . . وقال الخطيب: قال البخاريُّ بعد هذا: مُحمَّد بن عَمرو الهاشميُّ. عن زَينبَ. روى عنه أبو الجَحَّافِ. حديثُه مُرسلٌ لم يَصحّ. إن لم يكُن هذا هو الأوَّل فلا أدري، يعني: محمدَ بنَ عَمرو بن الحَسَنِ. ففرق بينهما بالشَّك، وهما رجل واحد بغير شك. . . ". انتهى. قوله: "حديثُه مُرسلٌ. . . يعني: محمدَ بنَ عَمرو بن الحَسَنِ". تفردت به نسخة آيا صوفيا (ج ١/ ٤١ ب)، وهي من رواية ابن سهل ونسخة (غ)، وهذه الزيادة لم تَرِدْ في النُّسخ الأخرى التي من رواية ابن سهل كالنُّسخة المرموز لها بالرمز (ك)، وهي من أدق النُّسخ التي من رواية ابن سهل، ولم تَرِدْ أيضًا في النسخة المرموز لها بالرمز (ز)، وهي نُسخة مُتقَنة جدًّا، فلعل هذه الزيادة كانت على حاشية الأصل المنقول منه من باب ذكر الفروق بين الروايات، فنُسخة آيا صوفيا مُقابَلة على غير ما رواية من غير طريق ابن سهل، وعلى روايات أخرى، فظن النَّاسخ أنها استدراك يجب إدخاله في المتن. وصنيع الخطيب البغدادي في إيراد هذا الوهم وتعقُّبه دليل على كَوْن الخطيب البغداديِّ يستظهر بأكثر من رواية، دون التَّقييد برواية ابن فارس. وكتب ناسخ (ك) (ج ١/ ٦٥ ب) على طرة أصله: "رأيتُ بخط ابن ناصر: (س) حاشية: قال لنا الشيخ أبو الغنائم بن النَّرسي: قال ابن عقدة: محمد بن عمرو الهاشمي هذا هو: محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، ثم كرره هاهنا وهو رجل واحد".
[ ١ / ٢٧ ]
وقد علق الشَّيخ المعلمي في حاشية تحقيق "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٦٦) على الوهم الواقع في ترجمة قرثع؛ بما نصه: ". . . لسخة "صف" تبيَّنَ أنها من رواية ابن فارس، والأمر كما شرحه الخطيبُ من انفراد نُسخة ابن فارس بالتَّرجمة الثَّانية".
ويبدو أن التي كانت بين يدي الخطيب وعوَّل عليها في غالب الأوهام هي النُّسخة الباريسية المرموز لها بالرمز (س) أو مما يرجع إليها، والمنقول عنها نُسخة الآصفية التي رمز لها الشَّيخ المعلمي بالرمز (صف)، ودل على ذلك التشابه الواقع بين تعقُّبات الخطيب وهذه القطعة.
وهي من أوقاف مدرسة دار الحديث الضِّيائية بسفح جبل قاسِيُون بدمشق، كُتبت في شهر رمضان من سنة خمس عشرة وأربعمائة، ومقابَلة بكتاب القاضي أبي عبد اللَّه محمَّد بن إسماعيل بن محمَّد بن فورتش -﵁- (^١)، وذلك في رجب سنة تسع وثلاثين وأربعمائة.
ويظهر أن من مُرجِّحات الخطيب بأن القطعة من رواية أبي أحمد بن فارس هي ما وقع في اللوحتين [٢١، ٣٦]: "نا محمد، قال: نا محمد". وما وقع في لوحة [٣٦] ترجمة: "مرقع بن صيفي. روى عنه. . . يونس بن إسحاق": "كذا في كتاب أبي أحمد بن فارس: يونس بن إسحاق، وعليه: "صح"".
وقوله: "نا محمدٌ" الأول قد لا يدل على أنه محمد بن سُليمان بن فارس؛ لأنه وقع التحديث من البخاريّ، وهذه القطعة بعد باب: "فضيل"، وهو فيما أجازه البخاريّ لابن فارس كما مرّ في ترجمته، وقد يكون هناك
_________________
(١) قال ابن بضكوال: "كان ثقة في روايته، ضابطًا لكتبه، فاضلًا دَيِّنًا عفيفًا، راوِيةً للعلم. تُوفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة". "الصلة في تاريخ أئمة الأندلس" (ص ٥٠٨).
[ ١ / ٢٨ ]
تجوز في ذكر التحديث هنا.
وهناك محمَّد بن إبراهيم بن شُعيب الغازي الجرجاني (^١)، من تلاميذ الإمام البخاري. ومما قد يعززه أنه في أثناء هذه النُّسخة في لوحة [٧٦ ب] وقع "كتاب الكُنى" للإمام البخاري متصلًا بـ "كتاب التَّاريخ الكَبير"، وسنده هكذا: "أخبرنا أبو الحسن محمَّدُ بنُ إبراهيم بن شُعيب، المعروف بالغازي، قال: نا محمَّدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ".
و"كتاب الكُنى" قِطعة من "كتاب التَّاريخ الكَبير" على أحد الرأيين، فظهر أن النُّسخة قد تكون من رواية محمد بن إبراهيم الغازي، عن البخاريِّ، إلّا أنه لا يعرف ولم نرَ أن الغازي روى التاريخ عن البخاريّ.
وما ورد في لوحة [٣٥] من هذه القطعة: "كذا في كِتاب أبي أحمد بن فارس: يُونس بن إسحاق، وعليه: صح"، يدلّ على أنها من رواية أبي أحمد بن فارس، وأن النَّاسخ يَسْتدل بأنه وجده هكذا في كتاب أبي أحمد بن فارس، أو لعل هذه العبارة كانت طرة على الأصل المنسوخ منه، فظن النَّاسخ أنها استدراك يجب إدخاله في المتن.
وبين هذه القطعة وبين النُّسخة التي من رواية ابن فارس المرموز لها بـ (ث) تغايُر، ويظهر أن القطعة الباريسية قد تكون مما أملاه البخاريُّ أولًا؛ فبمقارنتها ببقية النُّسخ وجدنا تغايُرًا في إعادة صياغة المصنِّف لمادة الكثير
_________________
(١) وقد يكون محمد بن سهل، وكذا ذكره المعلميّ في التاريخ (٨/ ١٠٥)، وقد رجع عن ذلك كما في مقدمة الموضح، وبمقارنتها بالنسخ الأخرى وبالقرائن الأخرى انتفى كونه محمد بن سهل.
[ ١ / ٢٩ ]
من التراجم بالتَّقديم، أو التَّأخير (^١)، أو الحذف، أو الإضافة، وتفرُّد النُّسخ الأخرى بالكثير من التَّصويبات لأخطاء كانت فيها.
وبالرجوع إلى "بيان خطأ محمَّد بن إسماعيل البخاري -﵀- في التَّاريخ" وُجد أن كثيرًا من الأخطاء التي أخذها الرازيانِ على البخاريِّ وقعت في هذه القطعة، وغالب ما أخذاه على البخاري في "كتاب الكُنى" ثابت في هذه النُّسخة.
والأوهام التي أخذها الخطيبُ البغداديُّ في "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع" جاءت في الغالب على الصَّواب في النُّسخة المرموز لها بالرمز (ث)، والتي يُظن أنها من رواية أبي أحمد بنِ فارس، عن البخاري، وجاءت على الصَّواب أيضًا في النُّسخ التي من رواية محمَّدِ بنِ سهل المقرئ، عن البخاريِّ.
* * *
_________________
(١) علق العلامة المعلمي في حاشية "التاريخ" (٧/ ١٧٣) على الفرع المنقول من هذه النُّسخة، الذي رمز له بالرمز (صف)، ونسخة آيا صوفيا التي رمز لها بالرمز (قط) بقوله: "يَقع بين النُّسختين اختلاف كثير في ترتيب التراجم؛ لم نلتزم التنبيه عليه في مواضعه؛ لعسر ذلك مع عدم جدواه، وسننبِّه إن شاء اللَّه تعالى على ما يمكن أن تكون له فائدة من ذلك".
[ ١ / ٣٠ ]