وقد رحلَ رحلاتٍ واسعةً في طلب الحديث إلى الأمصار، وكتبَ عن شيوخٍ كثيرينَ من الأئمَّة الكِبار، فقد نُقلَ عنه أنه قال: كتبتُ عَن ألف شيخٍ وثَمانينَ، ليس فيهم إلا صاحبُ حديثٍ، كلُّهم يَقولونَ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يَزيدُ ويَنقصُ.
منهم: الإِمام أحمد بن حنبل، روى عَنهُ في "الصحيح" في النكاح فقال: وقال لنا أحمد.
ومنهم: الزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور. وهُم من أصحاب الإِمام
[ ١ / ٦٦ ]
الشافعي، ولم يأخُذ البُخاري عن الشّافعي؛ لأنَّه لم يلقَه، ولا روى عنه بالواسطة إلَّا قليلًا. قالوا: لأنَّه أدركَ أقْرانَه، والشافعي مات مكتهِلًا، فلا يروي نازلًا. وقيل: روى عنه في "صحيحِه" في موضعَينِ: في الزكاة، وفي العرايا، على خلافٍ في المراد من قوله: ابن إدريس فيهما.
فأما غالب شيوخه فقال الحاكم أبو عبد اللَّه في "تاريخ نيسابور":
ممَّن سمع منه البخاري بمكة: أبو الوليد الأزْرقي، وعبدُ اللَّه بن يَزيدَ المقْريّ، وإسماعيل الصائغ، والحميدي، وأقرانهم.
وبالمدينة: إبراهيم بن المنذر الحزامي، ومطرِّف بن عبد اللَّه، وإبراهيم بن حمزة، والأُوَيْسي، وغيرهم.
وبالشام: الفريابي، وآدم بن أبي إياس، وأبو اليمان الحكَم بن نافع، وحيوة بن شريح، وأقرانهم.
وببُخارَى: محمد بن سلام البِيكَنْدِيّ، وعبد اللَّه بن محمد المسندي، ومحمد بن عزيز، وهارون بن الأشعث، وأقرانهم.
وبمرو: علي بن الحسن بن شَقيق، وعَبدان، ومحمد بن مقاتل، ومُعاذ بن أسد، وصدقة بن الفضل، وأقرانهم.
وببلخَ: مكِّي بن إبراهيم، ويحيى بن بشر الزاهد، ومحمد بن أبان، والحسن بن شجاع، ويحيى بن موسى، وقتيبة، وأقرانهم.
وبِهَرَاة: أحمد بن أبي الوليد الحنفي، وإسحاق بن رَاهَوَيْهِ، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ، وأقرانهم.
وبالري: إبراهيم بن موسى الحافظ، وغيره.
[ ١ / ٦٧ ]
وببغداد: محمد بن عيسى الطبَّاع، ومحمد بن سابق، وسُرَيْج بن النعمان، وأحمد بن حنبل، وأقرانهم.
وبواسط: حسان بن حسان، وحسان بن عبد اللَّه، وسعيد بن سليمان، وعمرو بن عوف، وأقرانهم.
وبالبصرة: أبو عاصم النّبيل، وصفوان بن عِيسَى بن المُحَبَّر، وحَرَمِيُّ بن عِمَارَة، وعفان بن مسلم، ومحمد بن عرعرة، وسليمان بن حرب، وعمرو بن عاصم الكُلابي، وأبو الوليد الطيالسي، وعارم. . . وطبقتهم.
وبالكوفة: عبد اللَّه بن موسى، وأبو نُعيم، وأحمد بن يعقوب، وإسماعيل بن أبان. . . وأقرانهم.
وبمصر: عثمان بن صالح، وسعيد بن أبي مريم، وعبد اللَّه بن صالح، وأحمد بن صالح، وأحمد بن شبيب، ويحيى بن عبد اللَّه بن بُكَيْر، وعمرو بن الربيع بن طارق، وأقرانهم.
وبالجزيرة: أحمد بن عبد الملك الحَرَّانِيّ، وأحمد بن يزيد الحَرَّانِيّ، وعمرو بن خالد، وإسماعيل بن عبد اللَّه الرَّقِّيّ، وأقرانهم.
وأما الآخِذون عن البخاري فقال النووي وغيرُه: فأكثرُ من أنْ يُحْصَر، وأشهرُ من أنْ يُذْكَر. ثم قال: وممن روى عنه من الأئمّة الأعلام: مسلم بن الحجّاج صاحب "الصحيح"، لكنه لم يرْو عنه في "صحيحه"، وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النَّسائي، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، والحافظ أبو بكر ابن خزيمة.
[ ١ / ٦٨ ]
أمَّا سَعة حفظه، وسيلان ذهنه، وفَهْمه الثاقب، وثناء الناس عليه في المشارق والمغارب، فهو أمر مشهور، فقد قيل:
إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألفَ حديثٍ سردًا. ونقل عن محمد بن حَمْدُوَيهْ أنه كان يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتَي ألف حديث غير صحيح.
ورُوِيَ أنه كان ينظر في الكتاب مرَّةً واحدة فيحفظ ما فيه منها.
ونُقِل عن ابن حنبل أنه قال: ما أخرجَتْ خُراسان مثلَ مُحمد بن إسماعيل.
وعنه أنه قال: انتهى الحفظُ إلى أربعةٍ من أهل خُراسان: أبي زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري. . .
وقال محمد بن بشار: حُفّاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
ورويَ عنه أنه قال: ما قَدِمَ علينا مثل البخاري.
وعنه أنه حين قدم البخاري البصرة قام إليه، فأخذَ بيده، وعانقَه، وقالَ: مرحبًا بمن أَفتخر به منذ سنين.
وقال علي بن حُجر: أخرجتْ خُراسان ثلاثة: أبا زرعة بالري، ومحمد بن إسماعيل ببخاري، والدارمي بسَمَرْقَند. ومحمد عندي أعلمُهم وأفقهُهم وأبصرُهم.
وعن الحافظ صالح بن محمد جَزَرَة أنه قال: ما رأيتُ خُراسانيًّا أَفهمَ
[ ١ / ٦٩ ]
منه. وقال: أعلمُهم بالحديث البخاري، وأحفظُهم أبو زُرعة، وهو أكثرُهم حديثًا.
* * *
[ ١ / ٧٠ ]