إن البخاريَّ وأبا حاتم (ت ٢٦٤ هـ) وأبا زرعة (ت ٢٧٧ هـ) الرَّازيين من أكابر أئمة الحديث والرواية، وإليهم المنتهى في معرفة الحديث ورجاله، وكان أبو حاتم الرازيُّ كثيرَ الثَّناء على البخاريِّ، فقد نقل الخطيبُ البغداديُّ عن إسحاق بن أحمد بن زَبْرك، قال: سمعتُ محمَّد بنَ إدريس الرَّازيَّ يقول: "في سنة سبع وأربعين ومائتين يقدم عليكم رجل من أهل خُراسان لن يخرج منها أحفظُ منه، ولا قَدِمَ العراق أعلمُ منه". فقدم علينا بعد ذلك محمَّد بن إسماعيل بأَشْهُرٍ.
قال: وقال أبو حاتم الرازيُّ في هذا المجلس: "محمَّد بن إسماعيل أعلم مَن دَخَل العراق. . . " (^١).
وقد قَدِم عليهم البخاريُّ الريَّ سنة مائتين وخمسين، وسمعا منه، ثم تركا حديثه عندما كتب إليهما محمَّد بن يحيى النَّيسابوريُّ أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق (^٢) (^٣).
وهذا الفضل بن العباس المعروف بالصَّائغ روى "كِتاب التَّاريخ الكَبير" عن البخاريِّ (^٤)، وقد ذكر أنه كَتَبه من كتاب البخاري، ثم حمله إلى أبي زُرعة
_________________
(١) "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٤٤).
(٢) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٧/ ١٩١).
(٣) قال محمَّدُ بنُ نَصر المَرْوَزي: سمعتُ البخاريَّ يقول: "مَن زعمَ أني قلتُ: لفظِي بالقرآن مخلوقٌ، فهو كَذّاب، فإني لم أقله". فقلتُ له: يا أبا عبد اللَّه، قد خاضَ النَّاسُ في هذا وأكثروا فيه. فقال: "ليس إلا ما أقولُ وأحكي لك عنه". "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٥٤).
(٤) "الإرشاد" للخليلي (٣/ ٩٥٩).
[ ١ / ٣١ ]
الرازي (ت ٢٦٤ هـ) (^١).
فنظر فيه الإمام، سيد الحُفاظ والمحدثين ببلاد الري؛ أبو زرعة الرازي نظرةً نقدية من أوله إلى آخره، ونبَّه على ما رآه خطأً أو شبهه، مع بيان الصَّواب عنده، وترك بياضًا في مواضع، ثم تلاه أبُو حاتمٍ فوافقه تارةً وخالفه أُخرى، واستدرك مواضع (^٢).
ولكون "كتاب التَّاريخ الكَبير" طريفًا في موضوعه، جديدًا في بنائه، أثار فضولَ الحافظ أبي زرعة الرازي ولم يكتفِ ببيان خطئه، بل جعله يناقش بعض محتوياته مع الحافظ أبي علي صالح بن محمَّد البغداديِّ نزيل بُخارى (ت ٢٩٣ هـ). وأبو علي (^٣) حافظ كبير، عالم بهذا الشَّأن، أخذه عن أبي زكريا يحيى بنِ معين.
فقد اجتمعا يومًا، فقال له أبو زرعة الرازيُّ: "يا أبا عليٍّ، نظرتُ في كتاب محمَّد بن إسماعيل هذا أسماءَ الرجال فإذا فيه خطأ كثير؟ ! فقال له أبو علي: بليته، أنه رجل كلُّ من كان يقدم عليه من العراق من أهل بُخارى نظر في كُتبهم، فإذا رأى اسمًا لا يعرفه، وليس عنده كَتبه، وهم لا يضبطون، وتكون كتبهم غير منقوطة، فيضعه في كتابه خطأً، وإلا فما رأيتُ خُراسانيًّا أفهمَ منه لولا عِيٌّ في لسانه.
وفي ذلك الكتاب أسامٍ لا تُعرَف، ولم يُبيِّن من روى عنهم، وعمَّن رووا، وأي شيء رووا، فيتحيَّر الإنسان فيه.
_________________
(١) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ٢).
(٢) "مقدمة تحقيق بيان خطأ البخاري" (ب).
(٣) "تاريخ بغداد" (١٠/ ٤٣٩)، "الثقات مما لم يقع في الكتب الستة" (٥/ ٣٠٠).
[ ١ / ٣٢ ]
قال: وسألني خالدُ بن أحمد أبو الهيثم أن أنظر له شيئًا في هذا الكتاب فأصحِّحَ له، فنظرتُ فغيرت أشياء أخطأ فيه وصحَّف، ورأيتُ محمَّدَ بنَ إسماعيلَ ببغداد يقرأ عليهم هذا الكتاب، فقال: "وإبراهيم بن شعيب. روى عنه ابن وهب". فقلت له: إنما هو إبراهيم بن شعيث. ثم قلت له: أنت تنظر في كتب الناس، فإذا مرَّ بك اسم لا تعرفه أخذته، والخطأ فيه من غيرك؛ لأنهم كانوا لا يَضبطون" (^١).
وعلى الرغم من مدارسة أبي علي البغداديِّ الإمامَ البخاري في التَّحريف الواقع في هذه الترجمة على حد اجتهاد الحافظ أبي عليٍّ؛ فإنه ثبت في "كتاب التَّاريخ الكَبير" بتعدُّد روايات الآخِذين عن البخاريِّ: "إبراهيمُ بنُ شُعَيْبٍ". وسماه ابنُ أبي حاتم، عن أبيه: "إبراهيم بن شُعَيث" (^٢). والحديث الذي ذكره المصنِّف قد أخرجه الخطيبُ في "تلخيص المتشابه في الرسم" من طريق ابن وهب، وضبطه: "شعيث" بالثاء المنقوطة بثلاث. وقال: "وقد صحَّف البخاريُّ في اسم أبيه لما ذكره في "التَّاريخ"، فقاله بالباء المعجمة بواحدة" (^٣).
وقال الذهبيُّ: "ذكره البخاريُّ فقال: ابن شعيب، بموحدة، والصَّواب بمثلثة" (^٤).
_________________
(١) "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٧).
(٢) "الجرح والتعديل" (٢/ ١٠٥).
(٣) "المُوَضِّح لأوهام الجمع" (١/ ١٥).
(٤) "تاريخ الإسلام" (٣/ ٨٠٩).
[ ١ / ٣٣ ]
واعتذر العلَّامة المعلِّمي على إصرار البخاري في إثباته: "بن شعيب" بما نصه: "هو في "التَّاريخ": "شعيب" قال في الترجمة: "قاله الأويسي، حدثنا ابن وهب". فهكذا سمعه البخاري من الأويسي وإن كان صوابًا، وإنما أخطأ من قال عن ابن وهب: "بن شعيث" فظاهر، وإلا فالخطأ من الأويسي، وقد نسب البخاريُّ ذلك إليه" (^١).
وقد بلغ من حِرصِ الإمام البخاريِّ وعناييه بتصانيفه أنه أعاد النَّظر فيها مراتٍ، وقد أخرج "كتاب التَّاريخ الكَبير" ثلاث مراتٍ (^٢)، وفي كل مرة يَزيد ويَنقُص ويُصلِح. فكلٌّ انتقد وهذَّب ونقَّح وذيَّل عليه بحسَب ما وصله من روايات الآخِذين عن البخاريِّ.
لذا قال الخطيبُ البغداديُّ: "وقد جمع عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الأوهام التي أخذها أبو زرعة على البخاريِّ في كتاب مفرد، ونظرتُ فيه فوجدت كثيرًا منها لا تلزمه، وقد حكى عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدوَّنة في "تاريخه" على الصَّواب بخلاف الحكاية عنه" (^٣).
وبالنَّظر في النُّسخة الخَطية المرموز لها بالرمز (ث)، والتي قد تكون من رواية أبي أحمد بن فارس عن البُخاريِّ ظهر أنها رواية مُنقحة، عكف عليها الإمام البخاري، وأجرى عليها تعديلاتٍ وإضافات وحذفًا، حتى صارت عُمدة يُعتمَد عليها، ويُرجع إليها، ويُعوَّل عليها.
_________________
(١) حاشية تحقيق الموضح (١/ ٧).
(٢) "تاريخ بغداد" للخطيب (٢/ ٣٢٥).
(٣) "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٧).
[ ١ / ٣٤ ]
ويظهر من تتبُّع تعقُّبات الرازيينِ في "كتاب بيان خطأ البخاري في تاريخه"، و"الجرح والتعديل" أنهما كانت لديهما نُسخ بـ "تاريخ البُخاري الكَبير" منقَّحة، استفادا منها في "كتاب الجرح والتعديل" وغيره، وانتقدا عليها أشياء، ونُسخة غير منقحة تعقَّباها في "بيان خطأ البخاري في تاريخه".
وأبو حاتم الرازي من نُظَرَاء البخاريِّ، ومن طَبَقَته، ولكنه عُمِّر بعدَه أَزْيَدَ من عشرين عامًا (^١)، فلا يُستبعَد أنه تحصَّل لديه ولدى صاحبه أبي زرعة الرازيِّ بعض النسخ من "كتاب التَّاريخ الكَبير"، بتعدد روايات الآخِذين عنه، وقد انتقدا أشياء عديدة ثبتت في روايات بعض أصحاب البخاريِّ دون بعض.
وبعض هذه المآخِذ وقعت بالنُّسخة المنقحة، ويرجع بعضها إلى تغيُّر اجتهاد البخاري في الجمع والتفريق، كما أن الكثير من المآخذ جاءت على الصَّواب في النُّسخة المنقحة، وهناك بعض التَّعديلات التي أجراها البخاريُّ في النُّسخة تدل على أنه قام بمراجعات موسَّعة ودقيقة. فهذه الإصلاحات لا يمكن إجراؤها إلا بعد استقراء واسع.
ومن الأشياء المنتقَدة الثَّابتة في بعض روايات "كتاب التَّاريخ الكَبير" دون غيرها:
- قال البخاري كما في النُّسخة (ث): "يحيى بن بسطام أبو بسطام، التميمي. روى عن الضحاك. قوله. . . . ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "وإنما هُو يحيى بن عبد الرحمن" (^٢).
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٤٧).
(٢) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٣٥).
[ ١ / ٣٥ ]
قال البخاري كما في النُّسخة (ث): "مُحمَّدُ بنُ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، مِن بَني عَمرِو بنِ مالِكِ بنِ النَّجَّارِ، الخَزْرجيُّ، مَدينيٌّ.
عَن أَبيهِ.
رَوى عَنهُ بُسْرُ بنُ سَعيدٍ؛ في الصَّرفِ.
مُحمَّدُ بنُ أُبيِّ بنِ كَعبٍ الأنصاريُّ من بني عمرو بن مالك بن النَّجار الخَزْرجيُّ مدينيٌّ.
حدَّثني عَمرٌو، قالَ: حدَّثنا أَبو داوُدَ، عنْ حَربِ بنِ شَدَّادٍ، عَنْ يحْيى بنِ أَبي كَثيرٍ، عنِ الحَضْرميِّ بنِ لاحِقٍ، عنْ مُحمَّدِ بنِ أُبَيٍّ قالَ: كانَ لِجدّي -يَعني أُبَيًّا- جَرِينٌ من تَمْرٍ. . . ".
فقال أبو محمد بن أبي حاتم، عن أبيه: "جعله البخاري اسمين، فسمعتُ أبي يقول: هُما واحد" (^١).
- قال البخاريُّ كما على طرة نُسخة آيا صوفيا: "خليفة العبدي. روى عنه أبو هلال. وأظنه يُقال: حجاج أبو خليفة". وكتب بعدها: "ليس في رواية العذري".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "وإنما هو الحجاج بن خليفة" (^٢).
والعذري يروي "التَّاريخ الكَبير" برواية ابن سهل، عن شيخه أبي ذر الهروي، وهذه الترجمة ثبتت في غير رواية ابن سهل، لأن نُسخة آيا صوفيا معارضة بعدة نسخ بـ "تاريخ البخاري" من رواية أبي أحمد بن فارس،
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٧/ ٢٠٨).
(٢) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ٢٩).
[ ١ / ٣٦ ]
ورواية أبي محمد الفَسَوي، وأثبت زيادات هذه الروايات بطرة النُّسخة. واللَّه أعلم.
- قال البخاريُّ كما في النُّسخة (ث): "عُمارةُ بنُ ثَوبانَ.
عنْ مُسلمِ بنِ زاذان، وعطاءٍ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "إنما هُو عن موسى بن باذان" (^١).
- قال البخاريُّ كما في نُسخة آيا صوفيا التي من رواية ابن سهل، والنُّسخة الباريسية: "قتادة بن الفضل. . . ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "وإنما هو قتادة بن الفضيل" (^٢). وقد وقع في النُّسخة (ث) على الصَّواب.
- قال البخاريُّ كما في النُّسخة (ث): "مُبَشِّرٌ، السَّعِيدِيُّ؛ من آل سَعِيد بن العاص القرشي، الأموي. عَنِ الزُّهْرِيِّ. رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
وروى الأَوْزَاعيُّ، عَنْ مُبَشِّرٍ، عن الزُّهْرِيِّ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "جمع بينهما وهما مفترقان، هذا كوفي، وذاك شامي".
وقال أبو محمد بن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: "السَّعيدي هو من ولد سعيد بن العاص، لا أعلم أحدًا روى عنه غير أبي بكر بن عياش" (^٣).
_________________
(١) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ٩٠).
(٢) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٠٦).
(٣) "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٨٤)، "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٢٢).
[ ١ / ٣٧ ]
- قال البخاريُّ كما في النُّسخة الباريسية: "مسلم بن نِسْطاس.
يُذْكر عن علي".
ثم قال بعده بترجمة: "مُسلِمُ بنُ نِسْطاسٍ.
عنْ عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، وأَبي البَخْتريِّ".
قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: أرى أنهما واحد، وكان البخاري قد فرقهما" (^١).
وقد عدل البخاريُّ، فجمع بينهما في النُّسخة (ث)، ونُسخة آيا صوفيا التي من رواية ابن سهل، فقال: "مُسلِمُ بنُ نِسْطاسٍ.
عنْ عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، وأَبي البَخْتريِّ.
رَوَى عنْه يَحيى بنُ مَيْسرةَ".
- قال البخاريُّ كما في نُسخة آيا صوفيا التي من رواية ابن سهل: "مِنْهَالٌ. ابنَ الجرَّاحِ أُرَاهُ".
وقال كما في النُّسخة الباريسية: "منهال. أُراه ابن الجراح"
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "إنما هو الجراح بن المنهال أبو العطوف، وأخطأ فيه البخاري" (^٢).
وقد حذف البخاريُّ الترجمة من النُّسخة (ث). وله ترجمة على الصَّواب في "كتاب التَّاريخ الكَبير" بتعدد الآخِذين عنه تحت رقم [٢٢٧٥].
- قال البخاريُّ، كما في نُسخة آيا صوفيا التي من رواية ابن سهل، والنُّسخة الباريسية: "نُجَيُّ بْنُ عُبَيْدٍ". ولم يزد على ذلك.
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٨/ ١٩٧).
(٢) "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٥٨)، "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٢٢).
[ ١ / ٣٨ ]
وردَّ ذلك ابنُ أبي حاتم، عن أبيه، فقال: "أدخل البخاريُّ نُجي بن عُبيد في هذا الباب.
سمعتُ أبى يقول: هو يحيى بنُ عبيد البهراني، ولا أعرف نُجي بن عُبيد" (^١).
وقد حذف البخاريُّ الترجمة من النُّسخة (ث).
- حكى ابن أبي حاتم، عن أبيه في ترجمة: "محمد بن عبد الرحمن المَقدسي، القُشيري.
كان يسكن بيت المقدس.
روى عن جعفر بن محمد، وحميدٍ الطويل، وخالد الحذَّاء، وعُبيد اللَّه بن عمر، وفِطْر بن خليفة.
روى عنه أبو ضمرة، وبقية، وأبو بدر شُجاع بن الوليد، وسُليمان بن شرحبيل. . .
وأفرده البخاري باسم: محمد بن عبد الرحمن القشيري. روى عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عُمر، عَن النبي -ﷺ-: "من أصابه جهد من صيام فلم يفطر وجبت له النار". روى عنه بقية.
قال ابنُ أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: هو محمد بن عبد الرحمن المقدسي، هما واحد.
وقال: قال أبي: محمد بن عبد الرحمن هذا شيخ عراقي، وقع إلى
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٨/ ٤٠٥).
[ ١ / ٣٩ ]
الشام، حدثنا عنه ابن شرحبيل وغيره" (^١).
- وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه أن البخاريَّ فرَّق بين: الحارث بن عَبِيدة الحمصي، وبين الحارث بن عميرة المصري (^٢).
والمحكي عن البخاريِّ لم نقف عليه في النُّسخ التي وصلتنا، لا سيما أن موقع هذه الترجمة لا تشمله النُّسخة الباريسية، والكثير مما ردَّه الرازيان على البخاري ثابت بهذه النُّسخة.
وقال الذهبي: "وقد فَرَّقَ بينه وبين صاحب ابن خُثَيْم أبو عبد اللَّه البخاريُّ، وقال أبو حاتم: هما واحد. قال: وليس بالقوي" (^٣).
وحكى الحافظ ابن حجر كلام ابن أبي حاتم، عن أبيه، وتعقَّبه بقوله: "قلتُ: ولم أرَ في "تاريخ البخاري" إلَّا واحدًا" (^٤).
- وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه؛ أن البخاريَّ جعل: "معاوية الليثي، ومعاوية بن حيدة واحدًا". فسمعت أبي يقول: "معاوية الليثي ليس هو بمعاوية بن حيدة هو غيره" (^٥).
والمحكيّ عن البخاريِّ لم نقف عليه، ولعله ثبت في رواية أخرى من روايات أصحاب البخاريِّ. وقال أبو عُمر ابنُ عبد البر: يَضطرِبون في إسنادِه،
_________________
(١) "الجرح والتعديل" (٧/ ٣٢٥).
(٢) "الجرح والتعديل" (٣/ ٨١)، "الثقات" لابن حبان (٦/ ١٧٦).
(٣) "تاريخ الإسلام" (٤/ ١٠٨٩).
(٤) "تعجيل المنفعة" (١/ ٤٠٨).
(٥) "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٧٦).
[ ١ / ٤٠ ]
وجعَل البخاريُّ معاويةَ بنَ حيدةَ ومعاويةَ الليثي واحدًا وأنكَره أبو حاتمٍ (^١).
وردَّ ذلك الحافظ ابن حجر قائلًا: "قلتُ: الموجودُ في نُسخِ "تاريخ البخاري" التفرقةُ، وما وقفْتُ على وجهِ الاضطرابِ الذي ادَّعاه أبو عمرَ" (^٢).
وما ذهب إليه بعضُ المحقِّقين من القول بأنه: "ليس أمامنا من بديلٍ إلا القول بأن الرواة أو النُّسَّاخ العلماء قد أصلحوا الكثير من الأمور التي صَوَّبها الرازيَّانِ، وأصبحت معروفةً لكل الناس بعد أن جمعها عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب مستقلٍّ اشتهر بين الناس.
ومع أننا لا نستطيع أن نقدم أمثلة كافية على هذا الاصلاح لعدم توفر النسخ الخطية القديمة. . . " (^٣).
ففيه نظرٌ، لأن أغلب النُّسَخِ التي وصلتنا من "كتاب التَّاريخ الكَبير" بتعدد روايات الآخِذين عنه غايةٌ وفي الدقَّة، وقد تجلَّى فيها من فنون الضَّبط والتقييد ورُسُوم الأقدَمينَ في علم الخطِّ والكتابة ومصطلحاتها ما يَقضي لها بالدقَّةِ والإتقان، وقد كتبها وسمِعها وقرأها علماءُ متضلِّعون بالفن، وقابلوها على نُسَخ بعض الحفَّاظ التي كانت موجودةً في عصرهم، وضبطوا ألفاظها، وما فيها من أعلامٍ بلفظِ مَن سمِعها. وإنْ وقع فيها خَلَل نبَّهُوا عليه في حواشي النُّسخ، أو وضعوا علامة (صـ) فوق المواضع المشكِلة كما هو مُثبَت على طُرر هذه النُّسخ؛ دون أيِّ تجاسُرٍ منهم على إجراء أدنى إصلاحٍ بهذه
_________________
(١) "الاستيعاب" (٣/ ١٤٢٥).
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" (١٠/ ٢٤٦).
(٣) "تحقيق النصوص" (ص ٥٤).
[ ١ / ٤١ ]
الأصول. فمَن قُرئ الكتاب عليه أو قَرَأ فيه من أكابر العلماء والنَّقَّادين المعتمَدين تركوا الخطأ على حاله، وأعْلَمُوا عليه؛ وهو ما يُشعِر أنها الرواية، وأن الصَّواب خِلافه.
ويزيد الأمر وضوحًا أن القطعة الباريسية، وهي مُتقدمة، ومقابَلة على أصول أندلسية، وعليها خطوط كبار الأعلام، حفلت بالكثير من الأخطاء التي انتقدها الرازيانِ في "بيان خطأ البخاري في تاريخه"، فلو كان الأمر كذلك لوجدنا هذه الأخطاء مُصوَّبة بهذه القطعة، وجُلُّ ما أخذاه على البخاريِّ ثبت في النُّسخ كافة، وما لم نقف عليه مما أخذاه يرجع إلى كون الموضع المنتقَد لا تشمله النُّسخة الباريسية المتمثلة في الإملاء القديم.
* * *
[ ١ / ٤٢ ]