بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
نحمَد اللَّه تعالى حقَّ حمده، ونصلِّي ونسلِّم على خيرِ خلْقِه، وأمينِه على وحيه، نبيِّنا محمد -ﷺ- ومَن اتبع نَهجَه إلى يوم الدين.
أما بعدُ:
فإنه ممَّا لا جِدالَ فيه أنه لا كمالَ لهذا الدين إلا بالحِفاظ على سُنة نبيِّنا محمَّد -ﷺ-، أكملِ الخلق وأعظم الأنبياء، عليهم جميعًا أفضل الصَّلاة وأتم التَّسليم.
وقد أكرمَ اللَّهُ تعالى ذِكرُه هذه الأمة بأن قيَّض رجالًا ذبُّوا عن سُنة نبيه -ﷺ- مِن عَبَث العابثين، وضلال المضِلين، فقاموا بتدوين هَديِه -ﷺ- قولًا وفعلًا وتقريرًا، وهُم إذ يفعلون ذاك فإنهم على علمٍ تامٍّ بجليل ما يجمعونه. . . مُتَحَلِّين بعزيمةٍ لا يَعتريها فُتورٌ؛ مسترشِدين بقوله -ﷺ-: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً". منتبهين لما هو مَنتحَل مُفترًى وليس من سُنته، وما هو من مَعِين نوره صلوات اللَّه وسلامه عليه، متمكِّنين من أدواتهم العلمية التي توارثوها جيلًا بعد جيلٍ. وإن من أَخَصِّ خصائص هذه الأمَّة الإسلامية أن وَفَّقَها اللَّه سبحانه إلى منهجٍ أصيل، وعِلْمٍ جليل، ذلكم هو علم الرُّواة والجرح والتعديل، وقد تكلم كثير من الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدهم في بيان أحوال الرواة، تَوَرُّعًا وصَوْنًا للشَّريعة، وليس طعنًا في النَّاس.
[ ١ / ٧ ]
وقد تميّز عِلم الحديث الشَّريف بمنهجيةٍ علمية فريدة قائمةٍ على الاستقراء والبحث، والنقد والاستنباط، فجَمَع بين جنباته جُلَّ المناهج المطروقة في البحث العلمي في كل أطواره، ما بين النَّشأة والنضج، ولأجل هذا حاز هذا العلمُ الشريفُ ثناءَ العلماء المسلمين وغيرهم. يقول المستشرق مرجليوث: "والمسلمون محقّون في الفخر بعلم حديثهم" (^١).
وقد قيَّض اللَّه لخدمة هذا العلم الجليل أئمَّةً أعلامًا على مدار التَّاريخ الإسلامي، منهم الإمام المحدِّث، حافظ الإسلام، ذروة الجهابذة النُّقَّاد الأعلام، شيخ السُّنة والحديث، وطبيب عِلَلِه في القديم والحديث، محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاريّ (ت ٢٥٦ هـ).
ولم يكن البخاريُّ أولَ من تكلم في الرجال؛ فقد اشتهر بنقد الرجال قَبْله إمامُ دار الهجرة أبو عبد اللَّه مالكُ بنُ أنسٍ، والسُّفْيَانَان، وشُعبةُ بنُ الحجاج، ثم يحيى بنُ سعيد القَطَّان، وعبدُ الرحمن بنُ مَهدي، وعبدُ اللَّه بنُ المبارك، ثم أبو عبد اللَّه أحمدُ بن محمد بن حنبل، ويحيى بنُ مَعِين، وعليُّ بنُ عبد اللَّه المَدِينيُّ، وكان ألصقهم بهذا الفن أربعة، فقد قال تقِي الدين أبو عَمرو بن الصَّلاح (ت ٦٤٣ هـ): رُوِّينَا عن صالح بنِ محمد الحافظ جَزَرَة قال: "أول مَن تكلم في الرجال شُعبة بن الحجاج، ثم تَبِعَه يحيى بن سَعيد القَطان، ثم بعده أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين" (^٢).
وجاء بعد هذه الطَّبقة الإمام الحافظ أبو عبد اللَّه البخاري، وكأنه حاول
_________________
(١) "محاضرات عن المؤرخين العرب" (ص ٢٠)، ترجم هذه الجملة د. عبد اللَّه الشهري.
(٢) "معرفة أنواع علوم الحديث" (ص ٣٨٨).
[ ١ / ٨ ]
استيعاب الرواة من الصَّحابة فمَن بعدهم إلى طبقة شيوخه، فكان أنْ صَنَّفَ كتابه العظيم "التَّاريخ الكبير".
وللبخاريِّ -﵀- إمامته وجلالته، ولتاريخه أهميته ومزاياه، وقد أَعْظَمَ شيوخُهُ ومَن في طبقتهم "تاريخَه"، حتى إن شيخه الإمام إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن رَاهَوَيْهِ (ت ٢٣٨ هـ) لَمَّا رأى "التَّاريخ" لأول مرة لم يتمالك أن قام فدخل به على الأمير عبد اللَّه بن طاهر، فقال: "أيُّها الأَمِيرُ، أَلَا أُرِيكَ سِحْرًا؟ ! " (^١).
وقال أبو العباس بنُ عُقْدة (ت ٣٣٢ هـ): "لو أن رجلًا كتب ثلاثين ألفَ حديثٍ لَما استغنى عن "كتاب تاريخ محمَّد بن إسماعيل" (^٢).
وقال أبو أحمد الحاكمُ الكبير (ت ٣٥٨ هـ): "كتاب محمد بن إسماعيل رحمة اللَّه عليه في التَّاريخ كتاب لم يُسبق إليه، ومن ألَّف بعده شيئًا من التَّاريخ أو الأسامي لم يَستغنِ عنه" (^٣).
وقال أبو عبد اللَّه الحاكمُ النيسابوريُّ (ت ٤٠٥ هـ) في النوع الأربعين من علوم الحديث: معرفة أسامي المحدثين: "وقد كفانا أبو عبد اللَّه محمَّدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ -﵀- هذا النَّوْع، فشفى بتصنيفه فيه وبيَّن ولخَّص" (^٤).
وقال مُغلطاي (ت ٧٦٢ هـ): ""التَّاريخ الكَبير" لا يَترك النَّظرَ فيه من
_________________
(١) "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٢٦).
(٢) السابق (٢/ ٣٢٦).
(٣) "الأسامي والكنى" (٢/ ٣٢١).
(٤) "معرفة علوم الحديث" (ص ٥٠٤).
[ ١ / ٩ ]
تَسْمُو همّتُه للنَّظر في العِلم؛ سيَّما علم الحديث؛ سيَّما مَن يتصدَّى للتّصنيفِ" (^١).
وقد اختصر البخاريُّ في "تاريخه"؛ إذ قصَدَ استيعاب الرواة، وكره أن يطول الكتاب، فيقول -﵀-: "فلما طعنتُ في ثماني عشرة صنَّفتُ كتاب قضايا الصَّحابة والتَّابعين، ثم صنفتُ "التَّاريخ" بالمدينةِ عند قبر النبيِّ -ﷺ-، وكنتُ كتبه في الليالي المُقْمِرَة، وقَلَّ اسمٌ في "التَّاريخ" إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ أن يطول الكتاب" (^٢).
ويُعَدُّ "التَّاريخ الكبير" أصلًا لكل ما كُتِبَ بعده، قال أبو أحمد الحاكمُ: "ومَن تأمَّل كتاب مسلم بن الحَجاج في "الأسماء والكُنَى" عَلِمَ أنه منقول من كتاب محمد بن إسماعيل، حَذْوَ القُذَّة بالقذة" (^٣).
وهذه شهادة من الإمام الحافظ أبي أحمد الحاكم أن كِتاب الإمام مسلم بن الحجاج، الذي سماه "الأسماء والكُنَى"، إنما هو منقول عن "التَّاريخ الكبير"، سوى مواضع معدوداتٍ زاد فيها على كتاب البخاريِّ، ولعله استدركَ بعض أسماء الرواة ممن لم يذكرهم البخاريُّ، أو زاد في تراجم بعضهم على ما كتبه البخاري.
ومما تجدر ملاحظته أن بعضًا من العلماء أَلَّفُوا كتبًا لم تكن سوى نقْلٍ لكُتب مَن تقدَّمهم، مع إضافة اليسير، أو حذفه، أو اختصاره. ولعل ما يُسَوِّغُ
_________________
(١) "إكمال تهذيب الكمال" (٤/ ٩٥).
(٢) "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٢٥).
(٣) "الأسامي والكنى" (٢/ ٢٧٤).
[ ١ / ١٠ ]
لعلمائنا الأقدمين صنيعهم هذا هُو أنه إذا نَسَخَ عالِمٌ كتابَ عالِم آخر فلا بد أن يظهر له أثناء النَّسخ إضافات وتعديلات، فإذا أضاف واختصر ونقَّح فقد أصبح الكتاب بين يديه جديدًا، وحينذاك يُضاف الكتاب إلى العالم الثَّاني بتسمية جديدة ويُنْسَبُ إليه.
ولعل من أشهر الكتب التي تناولت تاريخ رواة الحديث جرحًا وتعديلًا "كتاب الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧ هـ)، وقد عُدَّ مرجعًا مهمًّا لكلِّ مَن كتب بعده في موضوعه وما يتصل به، ومادة هذا الكتاب في معظمها مُسْتَقَاة من "كتاب التَّاريخ الكبير" (^١).
وقد نقل الخطيبُ البغداديُّ عن الحافظ أبي أحمد الحاكم أنه قال: "كنتُ بالرَّيِّ، فرأيتهم يومًا يقرءون على أبي محمد بن أبي حاتم "كتاب الجرح والتعديل"، فلما فرغوا قلتُ لابن عَبْدُويَه الوراق: ما هذه الضُّحْكَةُ! أراكم تقرءون "كتاب التَّاريخ" لمحمد بن إسماعيل البخاري على شيخكم على الوجه، وقد نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم! فقال: يا أبا أحمد، اعلم أن أبا زُرعة وأبا حاتم لما حُمِلَ إليهما هذا الكتاب قالَا: هذا علم حسن لا يُسْتَغْنَى عنه، ولا يحسُن بنا أن نذكره عن غيرنا" (^٢).
ولعل أبا أحمد الحاكم -﵀- إنما سمعهم يقرءون بعض التراجم القصيرة التي لم يَتَّفقْ لابن أبي حاتم فيها ذِكْر الجرح والتعديل، ولا زيادة مهِمة على ما في "التَّاريخ"، وكون كتاب البخاري أصلًا لكتاب ابن أبي حاتم
_________________
(١) انظر "دعوة الحق"ع (١٧٠).
(٢) "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٨).
[ ١ / ١١ ]
يجب ألَّا يصل إلى غَمْط الثاني حَقَّه، والوقوع في المبالغة.
"ولا ريب أن ابنَ أبي حاتم حَذَا في الغالب حَذْوَ البخاريِّ في الترتيب، وسياق كثير من التراجم، وغير ذلك، لكن هذا لا يغضُّ من تلك المَزِيّة العظمى، وهي التَّصريح بنصوص الجرح والتعديل، ومعها زيادة تراجم كثيرة، وزيادات فوائد في كثير من التراجم، بل في أكثرها، وتدارُك أوهام وقعت للبخاريِّ، وغير ذلك" (^١).
* * *
_________________
(١) "مقدمة تحقيق الجرح والتعديل" للمعلمي (ي).
[ ١ / ١٢ ]