اشترط أكابرُ العلماء من أهل الرواية في سماع الكُتب وروايتها ألَّا تُرْوَى من صَحِيفة لم تُقْرَأ، ولا بُدَّ أن يكُون الكتابُ بخط المؤلِّف الرَّاوي لهُ، أو مقروءًا عليه، أو على مَن قرأ عليه، وهلُمَّ جَرَّا، إلى أن يَصِل إلى أحد شُيِوخ نفسه ممن يَرْوِي هُو عنه، وإن لم يكن كذلك، فأقلُّ مراتبه أن يكون مُقابَلًا بأصلٍ.
وأن يُحْتَرَز من الغَلَط والتَّصْحيف والزَّلَل والتَّحْريف في الأسانيد والمتون. لكن إن كانت النُّسخة مَضْبُوطةً بخطِّ بعض الْمُعْتَمَدِين من الْحُفَّاظ الرَّاوين لهُ فَبِهَا ونِعْمَت. . . (^١).
والنَّقل من الصُّحف هي الافة التي يُخْشَى على المحدِّث منها؛ حيث يُخشَى أن يأخذ المحدث أحاديثه من الصُّحف من غير سماعٍ من المحدِّث أو عَرْضٍ عليه. فإذا كان أحد هذين -السَّماع أو العرض- فخَلِيقٌ ألَّا يأتي صاحبه التَّصحيف القبيح وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء اللَّه (^٢).
وروى الحاكمُ النيسابوريُّ في "تاريخ نيسابور" قال: سمعتُ أبا عمرو بنَ أبي جعفرٍ يقول: سمعتُ أبا العباس بن سعيد بن عُقْدة، وسألته عن محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ ومُسلم بن الحجاج النيسابوريِّ: "أيُّهما أعلم؟ " فقال: "كان محمَّد عالمًا، ومسلم عالمًا". فكرَّرتُ عليه مرارًا، وهو
_________________
(١) "مشيخة سِراج الدين القزويني" (ص ٨٨، ٨٩).
(٢) "التَّمييز" لمسلم (ص ١٨٨).
[ ١ / ٤٩ ]
يُجيبني بمثل هذا الجواب.
ثم قال لي: "يا أبا عمرو، قد يقع لمحمَّد بن إسماعيل الغلط في أهل الشَّام، وذاك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها، فربَّما ذكر الواحدَ منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، ويَتوهَّمُ أنهما اثنان. . . " (^١).
وقال ابنُ رجب: ". . . والبخاري -﵀- يقع له في (تاريخه) أوهام في أخبار أهل الشَّام" (^٢).
وسنذكر طرفًا من الأخطاء التي أخذها العلماءُ على البخاريِّ في تراجم الشَّاميين.
- قال البخاريُّ: "بَكرُ بنُ بِشرٍ، هوَ التِّرْمِذِيُّ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "إنما هو بشر بن بكر" (^٣).
- وقال البخاريُّ: "حسَّانُ بنُ وَبَرَةَ، أبو عُثمانَ، النَّمَريُّ.
قالهُ إسْحاقُ عن سَهلٍ.
وقالَ محمدُ بنُ شُعيبٍ: أخبرَني عَمرُو بنُ شَراحيلَ، سمعتُ حسَّانَ بنَ وَبَرةَ المُرِّيَّ. . . ".
وردَّ ذلك ابنُ عساكر، وقال: "كذا أخرجه البخاري في (باب حسان)، وأخطأ فيه في ثلاثة مواضع: في قوله: "حسان" وهو حيان، وفي قوله: "النمري" وهو المري كما ترجمناه. واللَّه الموفق" (^٤).
_________________
(١) "تلخيص تاريخ نيسابور للحاكم" للخليفة النيسابوري (ص ١٠٠).
(٢) "جامع العلوم والحكم" (٢/ ١١٠).
(٣) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٦)، الجرح والتعديل (٢/ ٣٨٢).
(٤) "تاريخ دمشق" (١٥/ ٣٧٢). وقد ذكر موضعين فقط، ولم يذكر الموضع الثالث.
[ ١ / ٥٠ ]
- وقال البخاريُّ: "عبَّاسُ بنُ سَلَّامِ بنِ أَبي سَلَّامٍ، الحَبَشيُّ، الشَّاميُّ، أَخُو مُعَاويةَ.
عنْ جَدِّهِ أبي سَلَّامٍ.
رَوَى عَنهُ مُحمَّدُ بنُ مُهاجِرٍ".
وردَّ ذلك ابنُ عساكر، وقال: "هكذا ذكره البخاريُّ، وهو وهمٌ، وهذا هو العباس بن سالم الذي تقدَّم ذِكره، ولا أعرف لمعاوية أخًا إلَّا زيدَ بن سلَّام. واللَّه أعلم" (^١).
- وقال البخاريُّ: "يَحْيَى بْنُ أبي المُطَاعِ، القُرَشِيُّ.
يُعَدُّ في الشَّامِيِّينَ.
سَمِعَ عِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ. . . ".
وردَّ ذلك ابنُ رجب، وقال: "وقد ذكر البخاريُّ في "تاريخه": أنَّ يحيى بن أبي المطاع سمع من العِرباض اعتمادًا على هذه الرواية، إلَّا أنَّ حُفَّاظ أهل الشَّام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العِرباض، ولم يَلْقَه، وهذه الرواية غلطٌ.
وممَّن ذكر ذلك أبو زرعة الدِّمشقي، وحكاه عن دُحيم، وهؤلاء أعرفُ بشيوخهم من غيرهم، والبخاريُّ -﵀- يقع له في "تاريخه" أوهام في أخبار أهل الشَّام" (^٢).
_________________
(١) السابق (٢٦/ ٢٦٥).
(٢) "جامع العلوم والحكم" (٢/ ١١٠).
[ ١ / ٥١ ]
وهذه الأخطاء قليلة جدًّا نسبيًّا، وأخطاء فرعية جزئية، ولم يسلم أحد من الخطأ (^١).
* * *
_________________
(١) انظر "موقف الإمامين" للدريس (ص ٢٩٨).
[ ١ / ٥٢ ]