أوّل ما يطالعنا في سيرة الفلاس: أنه تطلع للأخذ عن كبار النقدة العالمين بالحديث، يوم كانت البصرة تعج بهم كخلية نحل، فاقتعد له مكانًا في مجلس حماد بن زيد، وهو يؤمئذ صبي صغير وضيء، وأخمّنُ أنّه كان يؤمها دون العاشرة، أي في أول عشر السبعين بعد المئة، وسمع من يزيد بن زُرَيع (ت ١٨٢ هـ) قُبيل وفاته بقليل، ولذلك اسْتُصْغِر فيه، مع أنه سمع قبْلُ - أي في سنة ١٧٨ هـ - من مُحَمَّد ابْنِ ثَابِتٍ الْعَصَرِي؛ قال الرُّوياني: نا أبو حفص عمرو بن علي، قال: سمعت شيخًا سنة ثمان وسبعين ومئة يقول: نا أبو غالب، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «تزوّجُوا؛ فإنِّي مُكَاثِرٌ بكم النبيين يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النّصارى». قال أبو حفص: «وصفتُ هذا الشيخ، فقالوا: هذا محمّد بن ثابت الْعَصَري» (^٢). ويبدو من قوله: «سمعت شيخًا» أنه لم يعرفه على التعيين، ثمّ عرفه بعْدُ لما وصفه؛ ويُنتج
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: (٢/ ٦٦٠؛ رح: ١٠٦١).
(٢) مسند الروياني: (٢/ ٢٧٤؛ رح: ١١٨٨).
[ ٢٣ ]
أنه كان على حالٍ من الصغر بحيث سمع الحديث ممن لم يعرفه حينها (^١)، والثاني أنه كان مميزًا ذاكرًا؛ بحيث احتفظ بحلية الرجل فوصفه حتى عُلم، وفيه دليل على نبوغ مبكر وذكاء.
وقال عن نفسه: كتبتُ عن أبي الوليد [هشام بن عبد الملك الطَّيالسي] سنة أربع وثمانين حديثين؛ أفادني عنه أبو داود (^٢).
ويدلّ لما مرّ قولُ الفلاس في مجلس إملائه الأخير: «حَدَّثَنَا فلان بن فلان منذ سبعين سنة» (^٣)، فيفيد أنه كان سنة ١٧٩ هـ أو قبلها قد شرع في التلقي، وأنّه كان مميزًا لما يُلْقَى إليه، وهذا التاريخ حاصلُ طَرْح عدد السبعين من تاريخ الوفاة. وقد احتفظ بدقة ببعض تواريخ مبدأ سماعه من بعض الشيوخ، فقال عن عاصم بن هلال أبي النضر البارقي البصري، إمام مسجد أيوب السختياني (^٤): «سمعْتُ منه سنة ثمانين ومئةٍ» (^٥)، أي قريبًا من التاريخ المتقدم.
وحين استنفد صاحبنا أوْ كادَ ما في عَيْبة شيوخه البلدتين، تاقت نفسه - على جزي العادة - لأداء منْسَك الحج ولقاء الجِلَّة في مؤتمر المسلمين الأعظم، فرحل إلى مكة سنة ١٨٦ هـ، وحدّث بها وبمنى (^٦)، وفي هذه الحَجّة اكترى راحلة من أبي الحجارة بن واصل بن عبد الرحمن، نَصَّ عليه في كتاب التاريخ بقوله: «واكْتريتُ من ابنه إلى مكَّةَ
_________________
(١) أي: على التفصيل، وأما على الإجمال، فالمعرفة حاصلة؛ لأنه لا يجلس إليه وإلا قد أناط نفْسَه التعرّف على قدر من أحواله مما يتعلق بالعلم والوثاقة.
(٢) المستخرج لابن منده: ٣/ ٥١١.
(٣) تارخ بغداد: (١٤/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٤) الجرح والتعديل: (٦/ ٣٥١؛ رت: ١٩٣٨).
(٥) تاريخ الإسلام: (٤/ ٨٧٠؛ رت: ١٦٦).
(٦) لاحظ أنه تصدّى للتحديث على حال من الفتوة في السن.
[ ٢٤ ]
سنة ست وثمانين ومئة» (^١)، وهو المقصود أيضًا بقوله في موضع آخر: «ولقيتُ شيخًا بمكةَ اسْمُه سَالِم اكْتَريْنا منه إلى مِنى بعيرًا …» (^٢).
وكان أن ندم في رحلته هاته على أنْ لم يأخذ عنْ قُتيبة، ثمّ لم يعْتِمَ أنْ صرّح بذلك فقال: «مرزت بمنى على قتيبة، وعباس العنبري يكتب عنه، فجُزْتُهُ ولم أحملْ عنه، فندِمت» (^٣)، وفي ندمه على عدم سماعه من قتيبة بن سعيد (ت ٢٤٠ هـ) دليل أنه كان يختارُ شيوخه، ولعل مكان نَدَمه لمّا برّز ونمت ملكته النقدية؛ إذ لا يضره الجمع حينها بين الغثّ وغيره في السماع؛ لقدرته على الانتخاب.
ولم يقطع السماع - على عادة الحفّاظ - من شيوخ بلده والطارئين عليه حتى بعد رحلته وتبريزه؛ فسمع سنة ١٩٨ هـ أبا القاسم عبد الملك بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيَّ (^٤)، نزيل البصرة (^٥). وسمع بالبصرة - سنة ٢١٢ هـ إن لم يكن بعدها - مَكَّيَّ ابن إبْراهِيم بنِ بَشِير بنِ فَرْقَدِ التَّمِيمِيَّ (^٦)؛ قال عمرو بن عليّ: «قدم علينا مكّي سنة اثنتي عَشْرَة ومئتين» (^٧).
أما أصبهان، فقد أغرى بها صاحبَنا شيْخُه أبو داود، فتردّد عليها مرارًا، حتى أصبحت دار هجرة، ومحلّ تَموّل، صرّح بذلك أبو الشيخ فقال: وقدم أبو حفص من أصبهان، فذكر لأبي النعمان عارم، فقال: قَدِم أبو حفص من أصبهان، وحمل
_________________
(١) التاريخ: ٢٣ و.
(٢) التاريخ: ٣٥ ظ.
(٣) تاريخ بغداد: (١٤/ ٤٨٦).
(٤) كشف الأستار: (٣/ ٣٣٤؛ رح: ٢٨٧٧).
(٥) ديوان الضعفاء: ٢٥٧. وقد كذبه الفلاس.
(٦) مسند البزار: (٦/ ٤٨٠؛ رح: ٢٥١٢، ١٣/ ٢٧٩؛ رح: ٦٨٣٩).
(٧) سير أعلام النبلاء: (٩/ ٥٥٢).
[ ٢٥ ]
خمسة آلاف درهم، فقال: هاجر أبو داود إلى أصبهان، وصيّروها دار هجرة» (^١).
ولا غرو أنَّ الفلاس قد استمرأ الرحلة إليها؛ لأنها كانت متنفسًا يتيح له الفرار من اصطكاك رُكَب الأقران المتواردين على نفس المهيع، والمتماحكين لأدنى سبب، ناهيك عن أن فتنة خلق القُرآن في العقد الثالث من القرن الثالث، وقد طالت واشرأب عنقها، تجعل المكث بالبصرة مُخْلِقًا للرؤوس، متيحًا أخذها بهاته الفرية في أي وقت، فيكون النزوح عنها من الحكمة وإصابة الرّأي؛ فإن انضاف إلى هذا ما وجده أبو حفص ثمّةً من الإمداد المذهب للإملاق، والإسعاد بنفَاق الذِّكْر، كان فَهُمُ الكلف بأصبهان أمرًا سائغًا؛ إذ «المورد العذب كثير الزحام»، يشهد له أنه «كان يَقْدَم بها كل سنة على الحسين [بن حفص بن الفضل بأصبهان]، فيأخُذُ منه وظيفةً كانت له منْ صِلَتِه» (^٢)، ولم ينقطع عن الرّحلة إليها حتى بعد وفاة صاحبه سنة ٢١٢ هـ، فزراها على الولاء سنوات ٢١٦ و٢٢٤ و٢٣٦ هـ (^٣).
وقد أكسبه تردده المستمر على أصبهان أصدقاء خُلّصًا، كان من بينهم واحدٌ من أهلها ينميه نسبه إلى ثقيف، ثبت أنه شاوره كتابةً مرّة على الأقل، ويبدو من مكتوبه أنه كان حكيمًا زاهدًا (^٤).
_________________
(١) طبقات المحدثين بأصبهان: (٢/ ١٩٣).
(٢) طبقات المحدثين بأصبهان: (٢/ ٥٨ - ٥٩)؛ وما بين المعكفين مزيد مني. وحسين هذا «من ناقلة الكوفة، ونقل علم الكوفيين إلى أصبهان وأفتى بمذهبهم، ولي القضاء والفتيا والعدالة والرئاسة بأصبهان، كان وجه الناس وزينتهم على نظرائه وأشكاله، كان دخله كل سنة مئة ألف درهم، فما وجبت عليه زكاة قط، كانت جوائزه وصلاته دائرة على المحدثين وأهل العلم والفضل، مثل أبي مسعود وعمرو بن علي، وكان من المختصين بسفيان الثوري».
(٣) طبقات المحدثين بأصبهان: (٢/ ١٩٢؛ رت: ١٤٨).
(٤) ن الخبر في تاريخ جرجان: ٢١.
[ ٢٦ ]
أما بغداد وما يُصاقبها كعيسا باذ (^١)، فكانتْ مناخًا لصاحبنا تردّد عليه غير ما مرّة بسبب القرب وتوطن السلطان. وما يُسْترُوحُ من قول الخطيب: إنه «قدم بغداد فحدّث بها» (^٢)، من أنه إنما فعل ذلك بأَخَرَة، غيرُ مُرادِ الْبتة؛ فإنّه كان ينزل إليها إِذْ لا مناص له من ذلك، فيكون المقصود قدومه المدينة مدعوًّا للتحديث، على جهة اجتماع الشيوخ والطلبة للأخذ عنه في مجلس حافل لا قبل لنا بأمثاله اليوم.
ولقد أكرمه أهل بغداد واحتفوا به أيما اختفاء، وكانت شهرته قد طارت في البلاد، وسارت في الآفاق، فازدحم عليه العلماء، وخرجوا لاستقباله استقبال الفاتحين، قبل أن يصل إلى بغداد بما يقرب من ستين كيلومترًا، وتلك سجيّة أهل بغداد في استقبال العلماء وإنزالهم المنزلة التي تليق بهم. قال أبو بكر بن عياش: الإسلام ببغداد، وإنّها لصيّادة الرّجال (^٣).
والظن غالب أن تكون لأبي حفص رحلات غير ما ذكر، ولكن المعطيات لم تَعْدُ ما سُقْناه، ولك أن تقيس على ما لم يُقسن.