مثل الفلاس ليس يصح أن يختص بمجلس واحد؛ ولكننا نعلم أنه قبيل وفاته بسنتين، كان يعقد مجالس الإملاء أمام بيت واحدٍ من تلاميذه في بني سهم بالبصرة، وهو أَبُو رَوْقٍ أَحْمد بن محمد بن بَكْرِ الْهِزَّانِيُّ، وهو الذي يقول: «حدثنا أبو حفص عمرو بن علي بن بحربن كنيز الصَّيْرَفِيُّ بالبصرة سنة سبع وأربعين ومئتين، وكان يحدث على بابنا في بني سهم …» (^٣).
وقد حدث قريبًا من بغداد بعيسا باذ (^٤) قبل ثلاثة أشهر من وفاته، فقال الحسين بن إسماعيل الصبي: ثنا أبو حفص الفلاس بعيساباذ، في شعبان سنة تسع وأربعين ومئتين (^٥) (^٦).
_________________
(١) الجرح والتعديل: (٩/ ٢٢٨؛ رت: ٩٥٧)؛ مسند البزار: (٦/ ٤٣٢؛ رح: ٢٤٦٢).
(٢) الثّقات لابن حبّان: (٩/ ٢٨٩؛ رت: ١٦٤٩١)؛ تهذيب التهذيب: (١١/ ٤٤٢؛ رت: ٨٥٤).
(٣) تارخ بغداد: (١٤/ ١١٨). ووقع ذكر هذا المحلّ مرّة أخرى في التاريخ في رسم الفضل بن العباس بن علي بن الحارث بن محمود، أبي العباس الهروي (١٤/ ٣٥٥؛ رت: ٦٧٨٨)؛ وموضعُ الغرض منه: «… سمعت أبا حسّان عيسى بن عبد الله العثماني بهراة يقول: ذهب بي أبي إلى البصرة إلى بني سهم، إلى امرأة يُقال لها: آمِنَةُ ابنة أنس بن مالك …».
(٤) محلة كانت بشرقي بغداد منسوبة إلى عيسى بن المهدي بها بنى المهدي قصره. من معجم البلدان (٤/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٥) إكمال مغلطاي: (١٠/ ٢٣٣؛ رت: ٤١٤٥).
(٦) إكمال مغلطاي: (١٠/ ٢٣٣؛ رت: ٤١٤٥).
[ ٧٠ ]
ولم ينقطع عن مجلس تحديثه إلى أوان وفاته، وكان له فيه قدر معلوم لا يجاوزه، حتى إذا أحسن دُنُو الأجل، وأنَّ الأمل منقطع أن يعود إلى مجلسه حيث كان، لم يَدَعْ لأحدٍ من السائلين طلبة إلا أجابه إليها وحدّثه بها، بعد أن أفضى إليهم بما يجيش في صدره. روى الخطيب بسنده إلى أبي الْحَسَنِ سهل بن نوح بن يحيى البزاز قال: «كنا في مجلس أبي حفص عمرو بن علي، فقال: سَلُوني؛ فإن هذا مجلس لا أجلسه بعد هذا؛ فما سُئِلَ عن شيء إلا وحدّث به؛ ومات يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، سنة تسع وأربعين ومئتين» (^١)، ويبدو من دلالة اقتران الحكاية بتاريخ الوفاة أن هاته وقعت عقيب تلك بيسير.