منْ نَسَبٍ عربي صريح في قول، أو من أبناء الموالي على قوْلَ آخَر، وُلِد عمرو الباهلي في مدينة البصرة، وهي يؤمئذ إحدى حواضر الدنيا، بما ائتلف فيها منْ شَمْل كبار نَقَدَة الحديث، ممّا لا يكاد يتفقُ إلا على غفلة من الدهر، وانْضَمّ له شرَفُ الأوان إلى شرف المكان، فكان شاهِدًا على عُلوّ دَالّة الحديث ونفوذ دولته؛ فقد ولد بُعَيْدَ السّتّين ومئة، حيث لم يزل بالبصرة شأنُ الحديث والأثر «وافرًا إلى
_________________
(١) القصد إلى يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وسيأتي لنا في عمل تال - إن شاء الله - تسويغ هذا الإطلاق.
[ ٥ ]
رأس المئة الثالثة» (^١)، ليتناقص بعْدَ ذلك جدًا ويتلاشى (^٢).
وقد ألفته أنحاء البصرة ومساجدها وارباضها، صبيًا يسعى إلى مجالس الحديث وحِلَق العلم، مزاحمًا أكابر طلبته وشيوخه - يرفده في ذلك نماؤُه إلى بيت عَرَفَ الْحديثَ وأهْلَه منْ قديم - فرَضَعَ أفَاوِيقَ علم الإسناد من أمه، وقد كان أبوها «بحر» محدّثًا مشهورًا، عَرّفتْ به معاجم الرّجال على ضعف فيه من جهة الضبط، فنُسِب صاحبنا إليه، ولم يكنْ أهْلُه ليجدوا غَضاضةً بسبب ما مَرّ، في أنْ يدعوا هذا الحدث، مع ما مال إليه من طلب الحديث، والتنقير عن شيوخه، على فتاء منْ سنّه، وطَرَاوة في عُوده، وقد عرف الصّبيُّ مَغَبّة ذلك، ثم تبه إليه أو تنبه إليه هو - إذ كان مميّزًا كما يلزم للأخذ - يوْمَ حضر مجلس حمّاد بن زيد، وهو صبي وضيء، ثمّ حكى بعد - على تفصيل يطولُ إيراده -: «ففرزت فلمْ أَعُدْ» (^٣).
وحضوره مجلس حمادٍ وهو في غَيْسان الصبا مومى إلى الحاسة النقدية المبكرة التي استصحبها فصَحِبَتْه، وأفضتْ به إلى أن يصير واحدًا من صيارفة الحديث في القرن الثالث.
ثمّ شبّ الفتى وتضلّع من العلم وعلا صيته، وصار مأرزًا للأخذ يوْمَ دخل الصاحبان: أبو محمد عبد الله بن مَسَرَّة بن نجيح البربري الفاسي القرطبي (ت ٢٨٦ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني (ت ٢٨٦ هـ) البصرة قبل الأربعين ومئتين، «فألْفَيَاها أكمل ما كانتْ أهْلًا ورجالا» (^٤)؛ فسمعا كتاب التاريخ من أبي حفص صاحبه، واستجلب كلّ منهما نسخة عنه، وروّاها الثاني قاسم بن أصبغ
_________________
(١) الأمصار ذوات الآثار: ٤٦.
(٢) الأمصار ذوات الآثار: ٤٦.
(٣) ن القصّة في تاريخ مدينة السلام: (١٤/ ١١٧).
(٤) أخبار الفقهاء والمحدثين، لمحمد بن حارث الخشني: ٩٦.
[ ٦ ]
القرطبي (ت ٣٤٠ هـ)، وعنه سمعها الأَسْعَدُ بن عبد الوارث القرطبي، واتخذ عنها هذا فرعا تناسلت عنه نسخ، ووقعت إلينا إحداهنّ مغربية السند والنسخ والقرار، وها هي اليومَ ترْجعُ عارَةً إلى المشرق، مُحققةً مذلّلة العقابيل؛ ليدل أنَّ العلم متسع الأفق، وأنَّه رحم بين أهله، وأنَّ المملكة المغربية وسيط أمين في استزداد كثير من الأصول المشرقية الضائعة.
ولم يخْلُ الكتابُ عيْنُه - عدا إسنادِه - منْ شُجْنةٍ تذكَّر بالأندلس؛ فقد سمّى الفلاسُ عِيَاضٍ بن عقبة الفهري فيمن روى عن ابن عبّاس ممنْ سكَنَ المدينة، وهذا ذَكَرَه عبد الملك بن حبيب فيمَنْ دَخَلَ الأندلس من التَّابِعين (^١).