لم يكن يُرضيني وأنا أصفح عديدًا منْ عُيُون كتب التراث، إلا أن أجد المحقق قد أطال حبْلَ الكلام في مواردِ الإبهام، وساجل المؤلف فيما تلجلج في صدره لقُصُور في العبارة، أوْ غَبَش في الرؤية، أو تردُّدٍ أوجبه الإيغالُ في استجماع ذيول النظر الواحد وأخْذِه منْ لبته، على عادةِ مُشَايِعِي الجاحظ في التأتي للمعنى الواحد من مناح شتّى، وبسطه في درج المراتب على تبايُنِ أقْدارِ النَّاسِ فِي الفَهم … ثمّ لا تَقَرُّ عيني إلا بأن أجده قد تتبع الشاهد في مظنته، والمعنى في مؤرده، والْعَلَمَ في طبقته، والنقل في أصله، مُحاذيًا كلام المؤلّف بما يشْفِي الْغُلّة، ويُذهب الحفيظة.
وآتى عليَّ حين من الدهر وأنا أغالي في هذا الاختيار، وأجدُ النّاكبَ عنْه فارًّا من الزّحْف، وآخِذًا بما دونَ الأولى، ومُجتزئًا باليسير حينَ بمُسْطاعه أنْ يُكاثر، وعفًا وفي وسعه أن يتغلب، ولعمري لقد كنتُ غِرًّا غرارةً فادحةً ليس تشفعُ فيها طراوة عُودٍ ولا شِرّة شباب، كيف وقد وليا وأنا أطْرُقُ باب الأشُدّ!
ولم أكن لأحيد عن هذا النَّظَر، لولا أنني رجعْتُ كابيًا حَسيرًا غير مرّةٍ وأنا أطلب ضالتي في كثير من الكتب المحققة على النحو الأوّل الذي ذكرت، فكانت على
[ ٩ ]
كثرة ما تُلفي فيها منْ حَوَاشِ مكتظة، وعلى شدّة الضّنا اللائح في تتبع تفاصيلها … تخُذلني أحوج ما أكون إليها، حين أجد قلقًا في السياق، أو اعوجاجًا في العبارة، أو انقطاعًا في حبل الكلام، فأُهْرَعُ إلى تعليق المحقق - لينتشلني من وهدة الفهم السقيم إن زاغ بي النّظَر، أو ليُفيدني زيادةَ بيان بها يتسِقُ المعنى وتستقيم العبارة، أو ليدلّني على اصطلاح ينفرد به الوضع، ودونه يتيهُ الْقارِئُ فِي مهمة قَفْر - حتّى إذا جئته لم أجده شيئًا، فيكونُ ما أنفقه المحقق منْ نَصَبٍ في تحْشية الكتاب وِزْرًا زائدًا؛ إذْ هو لمْ يُوَفَّ بحُكم الإجزاء، وهو إخراجُ النّص سليمًا صالحًا للتداول، مُذَلّلا عاريًا عن عقابيل التضحيف، وسؤات السقط والتخريف.
لكلّ ما مر، عدلتُ عن شغل القارئ بما لاحاجة إليه، ولم أقصد إلى استيفاء التوثيق من كتب الرجال ولا أستطيعُه؛ إذ لا يبلغه الوُسْع، وكلُّ ما أحلْتُ عليه فلغرض أساس؛ هو تمكين القارئ من الاستئناس ببعض المصادر للتحرّي أو التأكد، على أننا طوينا ذكر أسماء كتب كثيرة بالحاشية، عُدنا إليها باطراد لمزيد تثبت، خشية أن تزلَّ طبعاتُ الأصول التي نفزع إليها - وكلُّ ذلك وقع - فنركَّبَ خطأ على خطأ، ولو شئنا أن نثبت كلَّ هذه الحواشي الافتراضية المطوية التي لا يعلمها القارئ، لتأخر انجيابُ صُبْح هذا الكتاب أولًا، ولأخللنا بالقصد ثانيًا؛ فإنّ القصْدَ التصحيح لا التكثُر، و«المتشبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور».
وأما ما سكتنا عنه فلم نُحِلْ فيه على مصدر، فلا يعدو حالين: أن يكون مما غاله التصحيف، فلم نقف على وجهِ تخليصه، أو أن يكون صحيحًا مبرًا من التغيير، لكنْ أعوزَنا مورد نُعارِضُه به، والذي أوجب هذا البيان: أننا توهمنا التصحيف في بعض المواطن غير ما مرّة، لكن أفضى التثبت والتفتيش بعدُ إلى الاستمساك بما في الأصل؛ لوجود شاهد أو شواهد تزكّيه، فيكون حينها روايةً انفردَ المؤلّف بها،
[ ١٠ ]
أو فائدةً من زوائد الكتاب، وتبقى على حالها حتّى يكْشِفَ الدَّهْرُ عَنْ نَسْخةٍ من الكتاب جليلة، أو تظهر موارد نقل جديدة في بطون كتب نُشرت بعد عملنا هذا.
واحْتَجَنَ الْكتابُ غَيْرَ يسير من الأحاديث، بعْضُها مقصود لإسناده، وبعضُها مقصود لمثنه، وبعضُه لهما معًا، وكان تخريج هذه الأحاديث بإطلاق رسمًا على الماء وضرْبًا لميت، فاخترنا أن نخرّج مُتابعاتِ الأحاديث دون شواهدها إلا حين تُعُوزُنا الأولى، والقصْدُ من ذلك أن يكون التخريج خادمًا للنص، سائرًا في ركابه، كاشفًا لمعضلاته، من غير إزهاق للقارئ بنقل مواد كثير مما توارد على نقله من كتب التخريج، الجماءُ الغفير.
ولو علمتُ حين اقْتُدْتُ إلى الكتاب أنّي أُخِلُّ بإخراج نصه، لكان لي في الْكَفِّ غنيةٌ وسَتْر، ولكنني اجترأتُ وقد وقَر في ذهني أنّي بالغ في ذلك مبْلَغَ الإجزاء، أما القبولُ فلا قبل لي به، ولا يَدَ لي فيه، وإنّي سائله من الله جل وعزّ. وأما ما فوق تصحيح النص، فما من دعوى تمتُ إليَّ أو أمتُ إليها، ولا يُلزمني أحد بما لا يلزم؛ فإنّه لو اشترط كمالُ الْعِلْم بالفن في كلّ محقق، لضاعت من العلم أسفار، ولَصَفِرَتْ أوْطَابُهُ من خير كثير.