حقيق ببيت أبي تمام السائر:
أبقى على جولة الأيام منْ كَنَفَيْ … رَضْوَى وأَسْيَرُ في الآفاقِ مِنْ مَثَل (^٢)
أن يُصْرَفَ إلى كتابنا هذا، أحد المخطوطات النادرة، فإنّه غالَبَ الأَيَّامَ - وكانتْ به ضَنينةٌ - فغَلَبها، واسْتأثر به النِّسْيانُ دهرًا فبذه وشبّ عن طوقه، وأخرجته يدُ الأقدار الحانيةُ منْ خبئه مُنْقادًا إلى حيثُ شاء الله له، ولا جَرَم؛ فإنّه لعالم روت له الجماعة، واقْتعدَ الصّدْرَ من مجلس شيوخ البخاري، وكتابه من آثار المدرسة البصرية النقدية، التي أتت أُكْلَها على عين من شيخيها الأكبرين: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرَّحْمن بن مهدي، وقد أفضى علمُهما إليه، ونزف ما عندهما، وورثهما بحقِّ، حتى قال عبّاس بن عبد العظيم العنبري البصري (ت ٢٤٦ هـ): «لو
_________________
(١) التكملة لكتاب الصّلة: (٤/ ٣٤؛ رت: ٩٧).
(٢) ديوانه: (٢/ ٤٥)؛ من قصيدة مطلعها: مالي بعادية الأيامِ مِنْ قِبَلِ … لم يَثْنِ كَيْدُ النّوى كيْدي ولا حِيَلِي
[ ٧ ]
روى عمرو عنِ ابْنِ مهدي ثلاثين ألف حديث لكان مُصدَّقًا (^١).
والكتاب بعد هذا أصل بنفسه في طُرُقِ روايات فاذة، وتُكَأة استند عليها أعْلامُ الصيارفة وحامل لوائهم الإمام البخاري، فَرَشَحَ مِنْ رَوْح الكتاب وحؤكه في تاريخه الأوسط ما ليس يخفى على النّقَدَة العالمين بالفنّ، إذا همُ اعْتبروا وأَنْعَمُوا نَظرًا.
وعلاوة على ما مرّ، فهو مما وَهَى خَيْطُ التعلق بوجوده منذ قرون، وحين يخْطُرُ بالبال عدد العلماء الذين تعاقبوا على أسفار العلم المنسية في رفوف الخزائن، وما بلغه بعضُهم منْ ترَقِّ في أطوار العلم، وما رُزقه منْ طَيران الذكر، ثمّ يرى أنّ عيونهم الباصرة المتفرّسة ذَهِلتْ أنْ تلْمَحَ هذا السِّفْرَ الْفَاردَ المُنفس؛ لا يمْلِكُ غير أن يُردّد:
يقولُ مَنْ تَقْرَعُ أسْماعَهُ … كم ترك الأوّلُ للآخِر (^٢)
فإنّ نفاسة الكتاب لائحة، ودعَاوَى صرْفِ النّظر إليه مُتَضَامَةٌ، ولحكمة ما صُرفت عنه العيون، ولم يُقيّض له إلّا الساعةَ منْ يفُضُ عنه أغلاق الختم، فالحمدُ الله كثيرًا، والشكر له بكرة وأصيلًا.
ولكنَّ النسخة التي تأدّت إلينا سقيمة على كل حال، وما لم يفسده الناسخ بجهله، أنْعَمَ فأعْضَله بخطه، فتردّى من حَالِقٍ إلى مهاو بلا قَعْرِ، فكان أنْ شُحنتِ النسخة بأفانين من أغلاط وتصحيفات، لؤلا مكانُ الكتابِ من النفاسة، لضَرَبْنا صفحًا عن معاناتها، بيد أننا أنزلنا عُظْمها من صياصيها، إلا قلة اسْتَعْصَمتْ فلم تأتنا طَائعةً، وهي بعْدُ شرذمة لا يُعْبَأُ بها، والمُنتزِي مِنْ غَيْرِ عُصْبَةٍ غيرُ ذي خطر!
_________________
(١) إكمال مغلطاي: (١٠/ ٢٣٣؛ رت: ٤١٤٥).
(٢) دوانه بشرح التبريزي (١/ ٣١٥)؛ من قصيدة مطلعها: قُلْ للأمير الأرْيَحِيّ الذي … كَفَّاهُ البادي وللحاضر
[ ٨ ]
ولعلّ قائلًا أنْ يقول: رفعت عقيرتكَ بتنقص النسخة فألحقت، وحَريٌّ بك خلافه.
وما عَلِمَ هذا القائلُ أنّي ما فَصَلْتُ عن هذا الكتاب إلا وقدِ اشْتَفَّ مِنْ مُنْتِي، ولمْ يُبلغني قط ريقي، وأنّ ما استنفدته فيه من الجهد كافل بتصنيف كتاب ضخم؛ لشدّة ما ذهب عنه من الصواب، واغْتَالَهُ من الْخَطَاء، واعتراه من الوهم، ولوْلا سُمُوقُ مكان أبي حفص في نَقَدَة الحديث، والغيرةُ له، لوَسِعَني القول: «خامري أمّ عامر» … ولكنّي وقدْ نَشِبْت، مُؤمّل الخلاص، مسْتمْسِكٌ بعِصَم الإخلاص، ومن الله الحولُ والعون.