يغيب عن أذهان الكثيرين حين يتحدّثون عن الكبار والمبرزين في كلّ فنّ، أنهم ناس يعتريهم ما يعتري النّاس، فيفغرون أفواههم عجَبًا من بعض أخبارهم وما يشجر بينهم، لا لشيء إلا لأنّها لا تنقاد للصّورة الإيجابية الكاملة القريبة من المثال الذي رسموه لهم في أذهانهم … ومن هذا الشّأن الملاحة بين عمرو وعليّ،
_________________
(١) استفدنا هذا المسرد من كتاب ابن أنجب البغدادي: المقابر والمشاهد بجانب مدينة السلام، ومواضع قبور الخلفاء أئمة الإسلام: (١٣٦ - ١٤٠).
[ ١٠١ ]
وهما رفيقان في الطلب، جمع بينهما التبريز في العلم، وباينت بينهما نوازعُ الغيرة المسْتحْكمة، وأوّل ما يثير الانتباه أنه بلغنا كلام ابن المديني في الفلاس، ولم يبلغنا كلام الفلاس فيه، والدواعي متوافرة لنقله؛ فإنّ عالمًا بد الشيوخ فضلًا عن الأقران كابن المديني لم يَخْلُ عن أعداء ينفقون سلعة مُناوئه، ويسهرون النبز فيه، فلو اشتهر لنُقِل، ولكان وصَلَنا منه قليل أو كثير، فلما لم يقع باليد منه شيء، استصحبنا حالَ السكوت، أو أنّ المبادَأَة على الأقل من ابن المديني.
وثاني ما نلمحه أنّ الفلاس لو كان عند كلام ابن المديني فيه نكرة غير موصوفة، أو طالبًا من أفناء الطلبة كما أحبَّ أنْ يُصَوّره؛ لم يكن للوقوع في مذمّته معنى؛ إذْ لا أَسْمَجَ من الاستنساد على الضَّعَفَة والصغار، فظهر منه أنه يوم تكلّم فيه، تكلّم في رجل صار له نَفَاقُ في سوق الحديث، وإقرارٌ من سَدَنته، وما كان ذلك كله - في ظنّي - غائبًا عن عليّ ﵀، فلذلك أدركه ما يُدرك الأقران، ولا عبرة حينها بما يصْدُرُ عنه، ثمّ هو جَرْح غير قادح؛ لأنه غير مفسر، فقد قال عبد الله بن علي بن المديني: «سألتُ أبي عن الفلاس، فقال: قد كان يطلب! قلت: قد روى عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن: «الشَّفْعة لا تورَث». فقال: ليس هذا في كتاب عبد الأعلى» (^١). وهو غمز في أدائه.
أضف إلى ما مرّ أنه اختص بالرواية عن رُواةٍ كبار أدركهم على صغر سنه، وهو ملمح من ملامح النبوغ المبكر بالنظر إلى جودة الاختيار، حتى اتهمه علي في روايته عن يزيد بن زُرَيْع - مثلًا -؛ لأنه استصغره فيه (^٢)، مع أن لروايته عنه شواهد تصححها، ثمّ هو ذَكَرَ طَيّ تاريخه خبرًا سمعه من معتمر بن سليمان في جنازة يزيد
_________________
(١) تهذيب التهذيب: (٨/ ٨١).
(٢) فتح الباري: (١/ ٤٣١).
[ ١٠٢ ]
ابْنِ زُرَيْع، فيكون حضرها وصلّى على شيخه، وكان قريبًا من شيوخ البصرة بحيثُ بلغ إلى سمعه كلام معتمر.
وطبيعي أن تكون مكانة الفلاس لدى أبي عاصم على الأقل، باعثةً على الحَنَق عند بعض أقرانه ومغذية لجذوته؛ فقد كان محلّ سرّه، يشكو إليه ويناجيه (^١)، ويختصه دونهم بما يرى كلُّ فردٍ منهم أنه أحقُّ به منه. كما كان ردءًا ليحيى بن معين، في تسديد أنظاره، وتصحيح ما يُلقيه إلى خواص طلبته من الاستيضاح عند الوهم الجاري على أمثاله، ولذلك لم يقبل منه أن يخطئ إذ هو معه ثم لا ينبهه، واستنكر ذلك عليه، وهو مقام تشرئب إليه الأعناق، وتتشوّفُ إليه النفوس، وصاحبُه مُحَمَّد بلا مرية؛ حكى عبّاس العنبري فقال: «حدّث يحيى بن سعيد القطان بحديث فأخطأ فيه، فلما كان من الغد، اجتمع أصحابه حوله، وفيهم ابن المديني وأشباهه، فقال لعمرو بن عليّ من بينهم: أُخطئ في حديث وأنت حاضر فلا تُنْكِر!» (^٢).
ثم أتى الوادي فطم على القرِيّ، فإن يكن بقي شيء مما يثير البغضة، فقد أوْغَرَتْ سلامة صاحبنا من فتنة خلق القرآن صَدْرَ علي الذي اكتوى بنارها، واصطلى بأوراها، ولم يسعه ما وسع عمرًا من التفصي والنفاذ، على أي وجه كان.
والحق الصُّراحُ أنّ محلّ ابن المديني والفلاس رحمهما الله، أجلُّ منْ أنْ يُلْتفتَ إلى ما بينهما؛ «قال الحاكم: وقد كان عمرو بن علي أيضًا يقول في عليّ بن المديني (^٣)؛ وقدْ أجَلّ الله تعالى محلّهما جميعًا عن ذلك. يعني: أن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا، إذا كان غير مفسر لا يقدح» (^٤).
_________________
(١) ن مبدأ مبحث شيوخه، وكيف كانت صلته بهم.
(٢) تهذيب التهذيب: (٨/ ٨١).
(٣) ولكنه كلام مرسل، لم ينقل إلينا فحواه.
(٤) تهذيب التهذيب: (٨/ ٨١). ون إكمال تهذيب الكمال: (١٠/ ٢٣٢).
[ ١٠٣ ]
وقد كنا نظن أنّ شأن ما بين الرجلين سيؤول بعد مَوْتِ أَحدِهما إلى أَنْ يُطْوَى فلا يُرْوى، لكن الحقيقة أنّ اشتهار ما اشتجر بينهما نَمَا واستقر في قلوب تلاميذهما حتى بعد وفاة أبي حفص، وأفضى بهم إلى تعصب مقيت تنفيه أصول الديانة، فاحترق صاحبنا بهاته العداوة حيًّا وميتًا؛ فيُروى أنّ أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ كان يذكر مرّةً فضل علي بن المديني وتقدّمه وتبحره في علم الحديث، فقال له بعض الحاضرين - ولعله من تلاميذ الفلاس (^١) -: قد تكلم فيه عمرو بن علي. فقال: والله لو وجدت قوةً لخرجت إلى البصرة فبلت على قبرِ عمرو بن علي!
ولا نعلمُ ابْنَ المديني ذكر غريمه إلا في معرض التنقيص والتعريض، أما الفلاس فممّا يدلّ على إنصافه: تسميتُه لابن المديني في الحكاية التالية على لسانه: «ما رأيْتُ أحدًا أحْفظَ من أبي بكر بن أبي شيبةَ؛ قَدِم علينا مع علي بن المديني، فسرد للشيباني أربع مئة حديث حفظًا وقام» (^٢)؛ وشأن المتنافرين ألا يسمّي أحدهم غريمه إلا في معرض الهزء والشماتة.
وقد كنا أغْنى الناس عن هذا الخوض، لولا أنّه من عناصر الترجمة، ولا يضيرُ هذين ما ترى، فـ «كفى المرْءَ تُبْلًا أَنْ تُعدّ معايبه!».