يُسْفِر تجميع القطع المتناثرة لصورة الفلاس في مخيلة شيوخه من خلال استقراء أخبار علاقته بهم؛ عن تقرير أنّ الرّجل كان على عينٍ منهم، يقْدُرُونه ويقدمونه، ويحلُّ منهم محلَّ البنوّة الرمزية، فيخدبون عليه، ويستشيرونه، ويُعاتبونه حين يلزم الأمر؛ وكلُّ ذلك إنّما يشف عن أنه كان نابغًا في فنه، قريبًا منهم بشخصه،
_________________
(١) ن تارخ بغداد (١٤/ ١١٧)؛ إكمال مغلطاي: (١٠/ ٢٣٣؛ رت: ٤١٤٥).
(٢) تارخ بغداد: (١٤/ ١١٦).
(٣) الفلاس محدثًا وناقدًا: د. موفق بن عبد الله بن عبد القادر، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، السنة ١٦، عدد ٤٦، جمادى الآخرة ١٤٢٢ هـ/ شتنبر ٢٠٠١ م: ١٤١.
[ ٢٧ ]
وقدْ جَرّ عليه ذلكَ مِنْ غَيْرة غريمه عليّ بن المديني - على جلالة قدره في العلم - ما أفضى بينهما إلى ما هو معلوم.
ومع أنّ في شيوخه كثرةً يؤكدُها مسرد أسمائهم، فإنّ عمرًا قصد إلى كبارهم ومبرّزيهم، فأخذ عنهم في وقت مبكر، وحكى عن نفسه أنه حضر مجلس حماد ابن زيد وهو صبي (^١)، وناهيك بمنْ هذه حاله إذا استقامت له طُرُقُ الأخذ، كيف يكون حاله عند بلوغ الأشُدّ، واستجماع العقل، وتمام المنّة، وذلك ما جعله تلميذًا استثنائيًا يُعامل معاملة خاصة، ويقبلُ منه الشيوخ ما لا يقبلونه من غيره، ويلتفتونَ إلى رأيه ونَقَدَاته فيأخذونها مأخذ الجدّ، وإنْ على مضض من بعضهم، مثلما جرى بينه وبين أبي داود؛ فعن عبد الله بن إسحاق المدائني، قال: سمعتُ الفلاس يقول: كنْتُ يومًا عند أبي داود، فقال: ثنا شعبة، ثنا عمْرِو بن مُرَّةَ، عَنْ طارق بن شهاب.
وحدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق. فقلت: يا أبا داود، ليس لحديث عمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَصْلٌ. فقال: اسكت. فلما صرْتُ إلى السوق إذا جاريته تقول: قال لك مولاي: مر بي إذا رجَعْتَ. فأتيته وعليه الكآبة؛ فلما رآني قال: لا والله ما لحديث عمْرِو بْنِ مُرّة أصل، وما حدثتك بهما إلا وأنا أراهما في الكتاب (^٢).
وتدفعه دالّته على شيوخه إلى أنْ يَرُدّهم إلى الصواب إِنْ وهموا، فيُقِرُّون ويحْمَدُون له ذلك (^٣)، ومن قبيله أنّه قال: «حَدَّثَنَا يومًا أَبو عاصم النبيل، عَن سُفْيَان، عَن مغيرة، عَن أبي نعيم …»، فقال له أبو حفص: سُفْيَان، عَن مِنْصور؛ فَقَالَ أَبُو عاصم: يا عَمْرويه
_________________
(١) تاريخ الإسلام: (٥/ ١١٩٧).
(٢) تاريخ بغداد: (١٤/ ١٢٢)؛ إكمال مغلطاي: (١٠/ ٢٣٣؛ رت: ٤١٤٥).
(٣) لو أنّ طالبًا اليوم عنّ له أن ينبه - مع لزوم الأدب - أستاذًا إلى خطئه، لناله من العنف والاضطهاد وسوء القالة، ما يقرّر عنده أنَّ المداهنة نصف العلم!
[ ٢٨ ]
كادت تزل بنا من حالقٍ قَدَمٌ … لولا تَدارَكَها نوحُ بْنُ دَراجِ (^١)
ولا تمنع مكانة عبد الرحمن بن مهدي الفلاس منْ أنْ يقطعه عند ظهور التحدّي؛ فقد حكى الخليلي قال: «سمعتُ عبد الله بن محمد الحافظ يقول: سمعتُ إسماعيل ابن محمد يقول: سمعت أبا قلابة يقول: سمعت عمرو بن علي يقول: كنا عند عبد الرحمن بن مهدي، فذكر حديث «عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى»، فقال: هاتوا فيه حديثًا صحيحًا. فقلت: حدثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر غُنْدَر، قالا: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سعد. وشُعْبَةُ، عَن الْحَكَم بن عتيبة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال له ذلك. فكأنّما أَلْقَيْتُ في فيه حَجَرًا» (^٢).
وأمّا يعسُوبُ شيوخه يحيى بن سعيد القطان، فقد أنكر على الفلاس أن يقع منه خطأ بمحضره ثم لا ينبهه إليه، مع مكانه منه، ومجلسه غاص بأعلام الطلبة كابن المديني ومَنْ دُونَه، وتلك غايةٌ سامقة في التقدير ليس وراءها مَرْمى، «قال العبّاس العنبري: حدّثَ يحيى بن سعيد القطان بحديث فأخطأ فيه؛ فلما كان من الغد، اجتمع أصحابه حوله، وفيهم ابْنُ المديني وأشباهه، فقال لعمرو بن علي من بينهم: أخطئ في حديث وأنت حاضر فلا تُنْكِرُ!» (^٣).
_________________
(١) أخبار القضاة لوكيع: ٦٠٦. وفي تمثل أبي عاصم تنظير لحكايته مع الفلاس بحكاية ابن شبرمة القاضي مع نوحُ بن درّاج، وهو الذي أنشد البيتُ فيه. والحكاية أوردها ابن أبي الدنيا في الإشراف في منازل الأشراف (١٤٨؛ رت: ٩٠)، ووكيع أيضًا في أخبار القضاة (٥٤٦)، واللفظ للأوّل: «سئل ابن شُبْرمة عن مسأله فأفتى فيها فلم يُصِبْ؛ فقال له نوحُ بن دراج: انظر فيها، تثبّتْ يا ابْنَ شبرمة. فعرَفَ أنه لم يُصِبْ. فقال: رُدُّوا عليَّ الرّجلَ؛ ثم أنشأ يقول: كادت تزل بنا من حالقٍ قَدَمٌ … لولا تَدارَكَها نوحُ بْنُ دَراج»
(٢) الإرشاد: (٢/ ٥١٨؛ ر: ١٥٢).
(٣) تهذيب التهذيب: (٨/ ٨١).
[ ٢٩ ]
وشهد له الْعالِمونَ النّقَدَةُ أنه أمين على حديثِ شيوخه ضابط له، لا يجوز عليه فيه إلا ما لا مُكْنة لأحدٍ أن يتحرّز منه، ممّا تقتضيه أحوال الناس في العادة، ولذلك قُضي له عند المُنازعة في الضّبط أنه الأضبط، «قال إبراهيم بن أورمة الأصبهاني: حدث عمرو بن علي بحديث عن يحيى القطان، فبلغه أنّ بُندارًا قال: ما نعرف هذا من حديث يحيى. فقال أبو حفص: وبلغَ بُنْدَار إلى أن يقول: «ما نعرف»! قال إبراهيم: وصدق أبو حفص؛ بندارُ رجلٌ صاحب كتاب، وأما أن يأخذ على أبي حفْصِ فَلا» (^١).
ولم يجد بعض شيوخه غَضاضةً في أنْ يأخذوا عنه، وعدها الفلاس ممّا يفاخِرُ به فقال: «روى عني عفان حديثين» (^٢)، وأكد هذا المؤدّى أبو عيسى الترمذي فقال في مصنّفه: سمعتُ أبا زُرْعة يقول: «روى عفان بن مسلم، عن عمرو بن علي حديثًا» (^٣). وقد روى صاحبنا حديث ابن عباس، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «منْ كان له فَرَطَان مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ …»، يُسْنده عن عبد ربه بن بارق، قال: حدثني سِمَاكُ بن الوليد. ثمّ قال: «كتب عني هذا الحديث أبو عاصم (^٤)». وكلّ هذا شاهد على اتساع روايته ورضًا الشيوخ له.
ثمّ إنّ التقدير العلمي شفَعَ لعمرو أن يكون دانيًا من شيوخه إلى القدر الذي يأنس إليهم ويأنسون به، فدلّ على ذلك أنه يبثهم شجونه، ويفضي إليهم بدخيلة نفْسِه، ويستشيرُهم إذا لزم الأمر؛ ومنه أنه حكى فقال: «شكوتُ إلى أبي عاصم
_________________
(١) تهذيب التهذيب: (٨/ ٨١).
(٢) تقييد المهمل: (١١٣١/ ٣).
(٣) المعلم لابن خلفون: ٤٤٠.
(٤) تاريخ الإسلام: (٥/ ١١٩٧ - ١١٩٨).
[ ٣٠ ]
النّبيل رجلًا فقلت: إذا أنا كلّمْتُه أثِمْتُ، وإذا تركته استرحت؛ فأنشدني أبو عاصم:
وفي الأرض منْجاةٌ وفي الصرم راحة … وفي الناس أبدال سواه كثير» (^١)
وبالمقابل، لم يكن هؤلاء يتحرّجون من تلميذهم النجيب، فيظهرون أمامه بمظهر المتبذل الأليف، ومنْ ثَمّ كان شاهدًا على بعْض نَفَثَاتهم؛ مثاله أنّه قال: «سمعْتُ أبا عاصم الضَّحَّاك بن مخلد، وأراد أن يقُومَ فتعذر عليه القيام؛ فتمثل بهذا البيت:
قد كنتُ أمشي بَطَرا … فاليوْمَ أمْشي القهقرى» (^٢)
وإنه ليُفصح عن هذا البرور بالمشايخ إكثاره الرواية عن أعيانهم، ونصه على حضور جنائز بعضهم، وصُحْبتُه لأفذاذهم، فحَضَر جنازة يزيد بن زُريع (^٣)، وحماد ابن زيد (^٤)، ولقي معتمرًا وبشر بن المفضّل في جنازة خالد بن الحارث (^٥). وأحيانا يأخذ بيد بعض أصدقائه من الطلبة، فيدلّهم على أحد شيوخه، كما فعل مع أبي بدر عباد بن الوليد الْغُبَري، حين دله على شيخه جابر بن إسحاق الباهلي، وحكى ذلك عباد فقال: «دلّنا عليه عمرو بن علي، وجاء معنا حتى سمعنا منه» (^٦).
وسترى في مسرد الشيوخ كثرةً كاثرة، فلا تحْسِبن كلهم جاز القنطرة، بل
_________________
(١) العزلة للخطابي: ٩٧؛ الأمثال في الحديث: (٤٠٩؛ ر: ٣٦٠)؛ طبقات الحنابلة لأبي يعلى: (٣/ ١٢٣)؛ وفي سياق الخبر اختلاف، والعبارات أعلاه بالتلفيق.
(٢) كتاب التاريخ: ٤٦ و.
(٣) كتاب التاريخ: ١٤ ظ.
(٤) كتاب التاريخ: ١٧ ظ.
(٥) كتاب التاريخ: ١٨ و.
(٦) الجرح والتعديل: (٢/ ٥٠١؛ رت: ٢٠٦٣)؛ مسند الروياني: (٢/ ٣٢٩؛ رح: ١٣٠١)؛ مسند البزار: (١٥/ ١٧٣؛ رح: ٨٥٣١). ون الثقات لابن حبان (٨/ ١٦٣؛ رت: ١٢٧٦٥).
[ ٣١ ]
منهم كثير لم يسْتجِزْ صاحبنا وقد كان ناقدًا الرّواية عنهم، ضرورة أنه يتحرّى فيما يأخذ، ويتقي الرواية عن الضعاف (^١)، ولذلك نراه يختلف شهرًا إلى شيخ من شيوخ الحديث؛ ليتثبت في إسناد! فقد روى حديث «خيْرُ النّاس قرني»، يسنده عن أزهر، قال: نا ابن عون، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، يرفعه. قال أبو حفص: فحدّثْتُ به يحيى بن سعيد، فقال: ليس في حديث ابن عون: «عن عبد الله». فقلت له: بلى، فيه. قال: لا. قلت: إنّ أزهر حدّثنا عن ابن عون، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله. قال: رأيتُ أزهر جاء بكتابه ليس فيه «عن عبد الله». قال عَمْرو بن علي: فاختلفتُ إلى أزهر قريبًا منْ شهر، لينظر فيه، فنَظَرَ في كتابه ثم خرج فقال: لم أجده إلا عن عبيدة، عن النبي ﷺ (^٢).
وكان من تثبت الشيخ ما عرفه تلاميذه عنه، أنه إذا رضي شيْخًا أملهم حديثه، وإذا لم يرضهم منعهم من كتابة حديثه؛ فمن ذلك حديث «لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ، وَصَفْوَةً الصَّلاةِ التَّكْبِيرَةُ الأُولَى»؛ قال البزار: «ذكره عَمْرو بن علي على الإنكار فيه على الْحسَن بن السَّكَن، وحفظته عنه، فكتبتُه من غير أَنْ يُمِلَّهُ علي عمرو، ولم يكن يرضى هذا الشيخ» (^٣).