لا يسلم كبار العلماء فيؤتون أُكْلَهم بإذن ربهم إلا وقد عانوا صنوفًا من الانتخاب الطبيعي الذي يُمدّهم بحصافة رأي وحنكة تجربة، وهذان بلا ريب يُفْضيان إلى حكمة عميقة في التعامل مع أطياف الناس وتقلبات الأحوال، ومنْ ثَمّ فطِن صاحبنا إلى أن الصديق كبريت أحمر، وأنَّ غالب من يستعيرون تلك الصفة أعداء مُدَاجون،
_________________
(١) الزيادة المعترضة منّي.
(٢) سير أعلام النبلاء: (١١/ ١٢٣).
[ ١٠٤ ]
ترْنُو أبصارهم إلى ما عندك من مال أو جاه، فإذا ما أخطأك هذا أو ذاك، استحالوا ذئابًا عاوية، واستمرؤوا إذايتَكَ كما يسْتمْرِئ أحدهم المنَّ والسلوى. ولم تتفتق شاعرية الفلاس إلا ليعبر عن هذا المعنى؛ إذ لم نجد له شِعْرًا في غَيْره:
«ألا ذهب التكرّمُ والوفاء … وبادَ رجالُه وبَقِي الغشاء
وأسلمني الزّمانُ إلى رجال … كأمثال الذئاب لهمْ عُواء
صديق كلّما استغنيت عنهم … وأعداء إذا نزل البلاء» (^١)
ومن إنشاداته في هذا الباب أيضًا:
«مَنْ لم يكن لك مُنْصِفا … في الوُد فَابْغ به بَدِيلا
ومن استخف بنفسه … زرعَتْ له قالًا وقيلا» (^٢)
ولا سبيل إلى إنكار أن كثيرًا من أصحابه الخلّص هم طائفة من شيوخه قربت بينهم مائة العِلم، وأما أترابه ومجايلوه، فمنهم علي بن سعيد بن بشير عَلِيَّك الرّازي (ت ٢٩٩ هـ) (^٣)، وعبّاس بن عبد العظيم العنبري البصري (ت ٢٤٦ هـ)، وهو من أقرانه وأصحابه في الطلب، وإسماعيل بن عبد الله الأصفهاني الذي ذهب به عمرو ابن علي إلى ميسور بن بكر بن عبد الخالق البَصْري (^٤)، ولا إخاله يدله على الرّواة ويحمله إليهم إلا وبينهما خُلّة.
_________________
(١) بهجة المجالس: (٢/ ٨٠١ - ٨٠٢).
(٢) الأنساب المتفقة في الخط لابن القيسراني: ٨١. والشعر لسابق البربري، وقد كتب عنه العلّامة عبد الله كنون في مجلة المجمع العربي بدمشق: ١٩٦٩: [١٨ - ٤٤]؛ ١٩٨٦: [٢٢٧ - ٢٥٠]
(٣) استوفينا الكلام عنه في مبحث علاقة الفلاس بالخلفاء.
(٤) التكميل لابن كثير: (١/ ٢٩٧)؛ لسان المزان: (٨/ ٢٣٧؛ رت: ٨٠٦٤).
[ ١٠٥ ]
وكان له أخصّاءُ يكتب إليهم فيما نابه؛ فمنه قوله: «كتبتُ إلى صديق لي أشاوره في شيء من أمر الدّنْيا، فكتب إليّ رقْعةً فيها سطران، أحدهما: بسم الله الرحمن الرحيم. والآخر: اطلب الدنيا على قدر مُكثك فيها، واطلب الآخرة على قدر حاجتك إليها» (^١).