لم يسمّ الفلاس كتبًا بعينها، ولكنّه حتمًا كان يرجع إلى بعضها، ويُظهرُ اهتمامه بها؛ فقد قال عن أبي بشر جعفر بن إياس: «كانتْ عنده كُتب» (^٤)، واتفق لصاحبنا مع يحيى بن بكير (رواية الذهلي)، وقوع الحافر على الحافر في عبارات شتّى في الوفيات خاصة (^٥)، ولعله لاشتراكهما في شيوخ بأعيانهم قد يكونون مخرج ذلك. وتكادُ بعضُ المعلومات لا تُوجد إلا عند الفلاس، مقرونًا إلى بلديه المتقدّم ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ)، واتفاقهما في صيغ التعبير يَشِي أَن صاحبَنا قد اطلع على الطبقات الكبير، أو أنه نظر في مؤردها الأهنى، أي في كُتُب الواقدي المدني ثم البغدادي (ت ٢٠٧ هـ) - على ما فيه، وقد مات هذا ببغداد، فلا يَعْجِز طَلبة البصرة أن ينالوا كتبه.
_________________
(١) التاريخ: ٣١ ظ.
(٢) التاريخ: ٣٨ ظ.
(٣) التاريخ: ١٠ و.
(٤) التاريخ: ٢٢ ظ.
(٥) قارن مثلًا بين كلام الذهلي وكلام الفلاس في الهداية والإرشاد: (٢/ ٨٢٧).
[ ١٤٣ ]
ومادة غالب الكتاب آخذة بحظ من الأسمعة من الشيوخ، والرواية عنهم، ولذلك سمينا فيما سلف من شيوخه جماعةً ذكرهم في كتابه، وانضاف إلى هاته المعرفة المتلقاة ما تأسس لدى أبي حفص من خلال التحرّي الميداني والتحقيقات الشخصية؛ فقد كان يسأل عن بعض الرواة أقرب الناس إليهم، ويصرح بمأخذه هذا، وأمثلته في التاريخ كثيرة. فيبدأ بسؤال أولاد الراوي إنْ علوا وإِنْ سَفلوا، ويسأل ابْنَ الصّلْب إنْ وجَده وينص على ذلك، مثلما حكى عنْ «عُمَارَة بن أبي حفْصَة»، حيث قال: «هو عُمَارة بن ثابت. سألتُ ابنَه حَرَمِيًّا، فقال: بها يَكنُون أَسْماءَ العبيد؛ أي شيْءٍ يقولونَ اسْمُه؟ قلت: عُمَارة بن ثابت، قال: صحَّفُوا والله!» (^١).
وضريبه قوله: «الحجَّاجُ الصَّوَّافُ، هو الحجّاج بن أبي عُثمان. سألتُ ابْنَه قلت: الحجّاجُ ابْنُ مَنْ؟ قال: أي شيء يقولون؟ قلت: يقولون: ابنُ مَيْسَرَةَ. قال: ليس هو ابن ميسرة؛ هو الحجّاج بن أبي عثمان» (^٢). ومنه: «أبو بَكْرِ الهُذَليّ، اسمه سُلْمَى بن عبد الله، وأمه بنْتُ حُمَيْد بن عبد الرحمن الحِمْيَري. سألتُ ابنَه العبَّاسَ بنَ أَبي بَكْرٍ فقلت له: أبو بكر، ما اسمه؟ قال: سُلْمَى بن عبد الله» (^٣).
وقد يسأل عن الرّاوي حفيده، كما فعل مع عُثمان البتي، قال: «سألْتُ ابْن ابْنِه وهو مولى لثقيف» (^٤).
أو ابن البنت، كما في قوله: «أبو خُشينة صاحب الزيادي، هو عبد الله بن الصُّغْدي، سألت ابن ابنته عن اسمه» (^٥).
أوْ يسأل الأذنينَ منْ ولَده، مثلما قال: «وسألْتُ رجلًا من ولد أبي الدرداء،
_________________
(١) التاريخ: ٢٢ و.
(٢) التاريخ: ٢٢ ظ.
(٣) التاريخ: ٢٥ و.
(٤) التاريخ: ٣١ ظ.
(٥) التاريخ: ٢٢ و.
[ ١٤٤ ]
فقال: هو خامِسُ أب لي، اسمه عامِرُ بنُ مالكِ» (^١). ومنه أيضًا: «وأبو الجلد، اسْمه جَيْلان بن فَرْوة. وسألْتُ رجلًا من ولده، فأخبرني باسمه، وهو جَوْنِيٌّ من بَلْحَزْن» (^٢)؛ «وأبو عَزّة الهذلي، اسمه يسار بن عبد؛ سألْتُ رجلًا من ولده» (^٣)؛ «وأبو حبرة الضبعي، اسمه شيحة بن عبد الله؛ سألْتُ رجلًا منْ وَلَده عن اسمه» (^٤).
وقد لا يكتفي بسؤال واحدٍ من ذرية الراوي، فيسأل كثيرين؛ فمنه قوله: «وأبو الأسود الدِّيلِيّ، اسمُه: ظَالِمُ بنُ عمرو بن سفيان. سألْتُ غَيْرَ واحِدٍ من ولده» (^٥).
فإن لم يجد من يسأله عن الراوي من أسرته، انتقل إلى عشيرته، أو قبيلته؛ فمنه قوله: «وأبو السَّوَّار العَدَويُّ، اسمه: حُرَيْثُ بن حسّان. سألتُ بعض العدوتين عنه» (^٦).
فإِنْ أعياه وجدان ما مَرَّ، سأل ناقدًا من صيارفة الرّجال من شيوخه كيحيى بن سعيد؛ مثاله قوله: «أبو حفص الْجُشَمي، صاحب عبد الله، سأَلْتُ يحيى بن سعيد عن اسمه، فقال: هو عوف بن مالك» (^٧). وكقوله: «وأبو الزّعراء، صاحب عبد الله. سألت يحيى عن اسمه، فقال: هو عبد الله بن هانئ» (^٨).