كانت فتنةُ خلق القرآن التي تولى كبرها المأمون ووزيره المعتزلي ابن أبي دؤاد، نارًا حامية اضطلى بأوارها كبار العلماء، ولم ينج منها عُظمهم؛ لأنها كانت مناسبة لاختبار ولائهم من لدن السلطة، وبلاء مبدأ ثباتهم على الحق من لدن العامة، فمن أرْضى أحد الطرفين، لم يأمن أن ينقم عليه الآخر.
وأما صاحبنا فظاهرُ الأمر أنه خرج نقيَّ الذيل من هذه الطامة؛ إما بالصمت المطبق إذْ لم يضطر إلى الكلام، وهو أهونُ الإيمان وأضعفه، وهذا بعيد؛ فإنه لم يكن نكرة حتى يترك وشأنه، وإما - وهي حيلة هداه إليها ذهنُه الوقاد - بإدمانه الرّحْلةَ عن حاضرةِ الخلافة، وفيها يعبأ بأمور لا يُعبأ بها في الأطراف، ولو كان - كما نظن - طويل اللبث بالبصرة وقت الفتنة، لَسِيقَ إلى الخوض فيها كما سيق من هو مثله ومن هو أمثلُ منه، دليلنا أنه كان يرحل كلّ سنة إلى حدود ٢١٢ هـ إلى أصبهان (^٣)،
_________________
(١) الإرشاد: (٢/ ٦٠١).
(٢) لم نجد له ذكرًا البتة في فتنة القول بخلق القرآن، ونحن نستصحب حال رجال الحديث أهل السنة في رفضهم هذا القول ووصمهم لقائله بالكفر.
(٣) طبقات المحدثين بأصبهان: (٢/ ٥٨ - ٥٩).
[ ٧٣ ]
وبقي كثير التردّد عليها بعد ذلك، فزارها على الأقلّ - فيما نعلم - قبل الفتنة بسنتين، وبعدها في ٢٢٤، ٢٣٦ هـ (^١)؛ هذا عن بلد واحد، فكيف بأسفاره إلى بلدان أخرى، ولعله استشعر أن معاناة الاغتراب أيسر من تلطيخ الدين.
وما كان الرجل لِيُسْتقبل آخر حياتِه استقبال الفاتحين ببغداد، لو زلّت قدمه في هذه الوهدة، وقد عرف مؤرخو الرجال أنّ كثيرًا مما حاق بغريمه ابن المديني من إهمال وقلة اكتراث بكتبه قيد حياته، منشؤه على الحقيقة موقفه الموافق للسلطة، ولم يشفع له مع ذلك أنه لا عن متابعة واقتناع، ولكن عن عضل وخوف (^٢).
ومعَ كلّ ما سبق، فإنّ في دعوى سلامته من الفتنة تحتاج إلى دليل؛ لِمَا نعلمه من أنّ السلطة حرّجت على العلماء في كلّ صقع، وألزمتهم بالإفصاح عن حقيقة اعتقادهم، ولربّما ألجأتهم إلى المناظرة؛ لتَسْتبين الطائعِ الْمُطاوع، من الْكارِهِ الْمُداري.
وما يدريك لعلّ محلّه من الخلافة، واشتغالها بمنْ هو أمثلُ منه حينها وأشهر، كابن حنبل، وأبي نعيم، والبويطي، وأبي مصعب الزهري المدني … صَرَفها عن أن تلتفتَ إليه، ولكنّ كلَّ ذلك تأوّل لا يستند على أصل ثابت، فقد يصح وقد لا يصح.